أنعكست ملامح الحياة السوداء بظلال هاوية، نبحث بعين مشققة بخطوات حمراء يكسوها الخوف عن هويتنا الضائعة. وكلما حاولنا لمس ظلالنا تنكسر المرأة مثلما ينكسر الثلج بمياه محرمة علينا. إلى متى سنظل هاوين مظلمين ننحدر بين سراديب القدر المعكوس بمرآة مظلمة سوداء تخبئ بظلمها وجوهاً ماكرة تدبر سراديب لضياعنا. ***
أتت الساعة الثانية عشر ظهراً حينما توقفت السيارتين داخل جراج القصر الكبير بالقاهرة، ونزلوا جميعاً. وذهب بعضهم للداخل حيث ينتظرهم السيد فوزي الهلالي باللايڤينچ القصر. أما بالجراج، فنزلت ريحانة بصحبة كريم بعدما أيقظهم جواد. وفور نزولهم تصادف وجهها بوجه هشام، فدارت الذكريات بعلقها، وتذكرت تلك الدقائق التي جمعتهما. فبدأ جسدها بالأرتجاف بملامح خائفة. فشعر كريم برجفة يدها التي تحاضن مرفقهِ. "مالك يا ريحانة؟ بتترعشي ليه؟
التفت جواد يتفحصها ببصرهِ، فلاحظ اتجاه عينيها الناظرة لهشام، فعلم أنها تشعر بالخوف منهِ. "متخفيش، هشام زي أخوكي. اللي حصل منه المرة اللي فاتت مش هيتكرر تاني." شعر الآخر بالأسف حيال ما تسبب به من رهبة لها. فاقتربا خطوة للأمام هاتفاً برسمية: "بعتذر عن اللي حصل مني. أوعدك أنه مش هيتكرر تاني. المرة اللي فاتت مكنتش بوعي."
لم تستطع الرد عليه، فما تعلق بذكرياتها لم يمحوه الاعتذار. علم هشام أنه لم يلقى منها إجابة، فصار من أمامهم. أما جواد، فصار أمامها مشيراً لها برأسهِ لكي تلحق بهِ. فلبت أوامرهِ. وبعد دقائق، أصبحوا بالداخل. بدأ مصافحة السيد فوزي. وبعد أن انتهى من المصافحة، نظر إلى ريحانة التي يبدو عليها الإرتباك، فهي تخشى التجمعات. فاقتربا منها متسائلاً برسمية: "يناظرها هي وكريم الواقف بجوارها: معرفتنيش مين دول؟ حولت نظرها لجواد،
الذي هتف برسمية متبادلة: "ريحانه مراتي، وكريم طفل كفلته." أومأ السيد بحركة رأسية تزامناً مع قوله: "أهلاً بيكي، فرد جديد في عائلتنا." هتفت بارتباك: "شكراً. وأنت يا كريم، بقيت فرد كمان مننا بما أن جواد هيتكفل بتربيتك." تدخلت بهية بأمر تحتويه البسمة:
"أنا كلمت امبارح فوزي وقولتله إنكم راجعين، وطلبت منه يخلى سامية وسيد يجهزوا لكم أوضكم. اتفضلوا معايا أوري لكل واحد أوضته. بس مكنتش أعرف موضوع كريم، عشان كدا بقا هيقعد مع فارس لحد لما نجهز له أوضة. ياله اتفضلوا معايا. ارتاحوا شوية على ما سامية تحضر الغدا."
ذهبوا جميعاً برفقتهِ. وبعد نصف ساعة، بحجرة نوم جواد، كان ممدداً بكامل ملابسهِ على الفراش مغمض العينين، يتناول قسطاً من الراحة. وبين الغفوة والإفاقة، سمعا صوتها يحدثهُ: "أنا خايفة." فتح عينيه ببطء، فوجدها تقف أمامهُ. فرفع يدهِ وفرك جبهتهُ بأرهاق، يتمتم برسمية: "من إيه؟ "من هشام." "متخفيش. بس أنا خايفة."
اعتدل وجلس، ثم أمسك بعلبة الدخان خصتهِ، وأخرج سيجاره. ثم وضع العلبة على الكومود، وأمسك بشعلتهِ السوداء، وأشعل السيجارة. واستنشق أول دخانها، ثم فرغ ما تبقى بالهواء، وهتف ببرود: "المطلوب مني إيه؟ "معرفش. بس أنا خايفة منه. خايفة ليدخل ويعملي حاجات وحشة زي ما كان قايل لي." فرك جبهتهِ من جديد، ونهضا واقفاً أمامها يناظرها بجفاء: "حاجات وحشة؟ لأ، متخفيش. ابن عمي ملوش في اللحم الرخيص." ضيقت عينيها بحزناً: "لحم رخيص؟
بس أنا مش رخيصة. أنا مش فاهمة أنت ليه شايفني كدا؟ مرر عينيه عليها يرمقها باستنكار: "أنا مش شايفك أصلاً. أنتِ مجرد بت اتجوزتها غلطة. متلقيش بيا، ولا بعائلتي. دا غير إنك تربية الشريفة غوايش." ذبح شرفها بذكرهِ لزوجة أبيها ذات الماضي السيئ. فتنفس باعتراض يحتويه التعصب: "قولت لك أنا مش زي غوايش. أنا حاجة وهي حاجة. بلاش تعاملني اكنى هي. متشيلنيش ذنبها."
ضيق عينيه بحنقاً، ثم ألقى بالسيجارة يدهسها أسفل نعلهُ، تزامناً مع حديثهِ إليها:
"أنتِ أوسخ منها. هي ما شاء الله مقضياها مع كل رجالة البلد القريب والغريب، والكل عارف بقذرتها. إنما السنيورة ريحانة ماشية على خطاها بس بأسلوب جديد. اتجوزت، وبعد ما الكلب شبع منها، طلقها. وبعد ما شوقه جالها، قرر أنه يرجعها، والتمن تتجوز محلل. وطبعاً وافقت، واتجوزتني. وبكل بجاحة ووساخة بتطلب مني كل شوية أني أقضي معاها الليلة عشان تقدر ترجع له. وبعد ما ترجع له، يطلقها تاني، فتتجوز محلل تاني، وتفضل مقضياها على كل سرير شوية."
مزق شرفها بكلماتهِ الحادة، التي جعلت عينيها تتسع بدموع الاعتراض. بوجه زم ملامحهِ بهيئة الانكسار، الذي لازمه صوتها المتحشرج ببحة البكاء: "الحد هنا وكفاية بقا. أنا مش رخيصة، ولا ببيع نفسي للرجالة. أنا أشرف من أي واحدة عرفتها في حياتك. مش معنا إني اتربيت مع مرات أبويا أبقى زيها. وبعدين أنا مغصبتكش على الجواز مني، أنت اللي وافقت. ولما هطلقني هرجع لياسر، مش هسيبه، ولا هتجوز حد تاني." زم فمهِ بزمجرة، ممسكاً بذراعها:
"قولتلك قبل كدا متذكريش اسم راجل غيري على لسانك. أما بقا جوازي منك، فمكنتش أعرف أن السنيورة كانت متجوزة. بس ملحوقة، كل حاجة هتتصلح بس في الوقت المناسب. أما بقا ياسر، فتشليه من عقلك خالص عشان مش هسيبك ليه." تبدلت ملامحها الناضجة لملامح طفولية تكسوها براءة الأطفال، بدموعاً سقطت من عينيها أثر ألم ذراعها: "أنت بتوجعني. دراعي وجعني. أنا أسفة، مكنش قصدي أضايقك." ألقاها بعيداً عنهُ، وفرك جبهتهِ بحنقاً تزامناً مع زمجرة صوتهِ
الجش: "عشان نقفل على الموضوع دا نهائي. فحب أعرفك أن ياسر اللي مفكراه بيحبك، هو اللي طلب من هشام يطلع لك الأوضة ويهددك ويحاول يغتصبك. مظنش أن في واحد بيحب واحدة هيطلب من واحد أنه يغتصبها." رفضت دون تفكير حديثهِ، بحركة رأسية ترهقها دموع الرهبة: "فزادت من اشتعال غضب جواد، الذي اقترب منها يمسكها من ذراعيها يحركها بشراسة بصرية. أنتِ مش عايزة تصدقي لإنك خبيثة وكدابة. اعمليلي فيها بريئة مش عارفة حاجة؟
معا إنك فاهمة كويس كل كلمة بقولها؟ تقدري تقوليلي إزاي كنتِ متجوزاه ومتعرفيش يعني إيه جماع متجوزين؟ معا إنه قال لي إنه كان بيجتمع بيكي ويبسطك زي ما بتحبي." ارتجفت بخوفاً تكسوه دموع الارتباك: "يعني إيه يجتمع بيا ويبسطني؟ أنا مش فاهمة قصدك إيه؟ قطب جبهتهِ بشراسة بعروقاً برزت من عنقهِ توحي بكم الغضب الذي يتملكهِ، وهتف بصوتاً جش أرعبها: "مش عارفة يعني إيه؟ أنا بقا هعرفك."
اتسعت مقلتيها برهبة حينما استدارة بها وألقاها بقوة فوق فراشهِ، واعتلى فوقها مكبل مرفقيها بقبضتهِ: "الوضع دا مبيفكركيش بحبيب القلب وذكرياتك الوسخة معاه على سريرك؟
زادت رجفة رأسها بنفي يحتويه خوفاً فاق حدودها، جعلها تزرف الدموع دون حساب، تتوسل إليه بعينين توسعت ببرأة أرغمته عن الابتعاد عنها بقوة داخلية تحارب كبريائهِ. فزع من فوقها يكسر فازة الكومود مخرجاً بها بعضاً من نيرانهِ، ثم فرك شعرهِ بعين تجحظت من التعصب، وأشار لها بإصبعهِ بخشونة:
"مهما كانت لعبتك اللي بتحاولي تلعبيها عليا، بردو مش هرحمك. أنتِ مش هبلة ولا على نياتك. أنتِ بتفهمي كلامي كويس، بدليل إنك أوقات كتير بتتعصبي وبتردي عليا الكلمة بكلمة. إنما وش الأطفال اللي مصدره هولي، فوحياة أمك لهكسره عليكِ. بالله مبقاش ابن رضوان إن مخلّيتك ترجعي لعقلك وتبطلي تمثيل."
جلست على الفراش تضم ساقيها لصدرها، ترتجف ببكاءً دون صوت، تحرك رأسها بموافقة لحديثهِ. سراديب خوفها تسربت لكيانها ترهقها. كان جواد يرى ما يحدث لها وتغيرها بين الدقيقة والأخرى، يرى ضعفها ورهبتها الحقيقي الذي من المستحيل أن يكون خداعاً أو تمثيلاً. مما زاد جنونهُ. فركل الكومود بساقه وصار من الحجرة تاركها في حالتها المخذية. *** أما بالأسفل، بعد خمسة عشر دقيقة، بحجرة المكتب، كان يجلس برفقة السيد فوزي يُلقي عليه بعض الأسئلة:
"بارون الغنيمي بيتسأل عنه ليه؟ قطب جواد جبهتهِ برسمية: "مجرد سؤال." هتف الآخر بجدية: "بارون الغنيمي يبقى من أكبر رجال الأعمال في الشرق الأوسط، من ضمن منافسنا الكبار." حرك رأسهِ بجفاء: "شركة مين الأقوى، أحنا ولا هو؟ "هوَ. ليه مش أحنا؟ "لأننا مش على نفس مستوى ذكائه ولا نجاح صفقاته. دا غير استحواذه على كل المناقصات والمزادات. من النهارده مش هيطول مزاد ولا مناقصة." ضيق السيد فوزي عينيه باستفسار: "أنت ناوي على إيه؟!
تنهد بشموخاً محترقاً بالتوعد: "على كل خير. من النهارده شركة الهلالي للمقاولات هتبقى رقم واحد، والغنيمي هيفضل ينزل ينزل لحد لما يبقى تحت الصفر." راود السيد فوزي القلق من اندفاع ابن أخيه، فقال له ببعض الرسمية: "جواد، أنا عارف إنك ذكي وهتعرف تدير الشركة، لكن الاندفاع في شغلنا مش كويس. لازم تحسب كل خطوة قبل ما تخطيها عشان متلاقيش نفسك في الآخر غرقان ومغرقنا معاك." "متقلقش عليا، أنا عارف كويس همشي الشغل إزاي."
بتلك اللحظة، دخل هشام قائلاً: "مرعى قال لي إنك عايزني." نهض جواد بشموخاً: "هنروح الشركة عشان نشوف أخبار الشغل إيه. اتفضل يا عمي خلينا نمشي." نهض السيد فوزي برفقتهم، وصاروا ليذهبوا إلى الشركة. *** يحدث في المستقبل ٢١٠٤. تقف ثريا أمام آدم الذي يعزف على البيانو لحناً حزيناً جعلها تشعر بالحزن كثيراً على شئ تجهلهِ. وعند انتهائهِ، صقفت له: "العزف رائع، لكن حزين." ارتسم الحزن عليه ببسمة:
"أنا والحزن أصدقاء. تعرفي يا آسيا، إن والدتي السيدة ثريا عمرها ما حضرت لي أي حفلة من اللي عزفت فيهم. اللي دايماً كانت معايا وبتشجعني ياسمينا. حتى لما كبرت وبقيت عجوز كانت جنبي لحد لما توفت من عشر سنين. وقتها بس حسيت إني يتيم." اقشعر بدنها وشعر بكلماتهِ المحطمة لأمومتها. تغرق بياض عينيها بمياه ساخنة من جوف قلبها البائس بحزناً حراري يحرق أوتارها: "ياآه، للدرجادي والدة حضرتك كانت وحشة وعمرها ما حسستك بالإمومة؟
تنهد بعمقاً يتذكرها بيأساً: "والدتي مكنتش تعرف حاجة عني. مكنتش بتشوفني غير وقت النوم وبس. متعرفش بأكل إيه أو بشرب إيه، ولا هوياتي إيه. كانت مفكرة إن الفلوس هتفرحني وإن الألعاب هي هدفي. لكن ياسمينا كانت الأم الحقيقية اللي اتمنيتها بحنانها وعطفها وتشجيعها ليا دايماً، اهتمامها بكل حاجة تخصني." "ليه بحس في كلامك إن والدتك عمرها ما حبتك ولا اهتمت بيك؟
"الاهتمام عند ثريا كان معناه الفلوس. مكنتش بتخليني محتاج للبس أو للعب. لكن بالمقابل حرمتني من الشعور بحبها. حتى والدي خليل السوالمي مكنش بيشوفها غير وقت النوم، ولما كانوا يقعدوا مع بعض يوم اجازتهم كانت مبتبطلش طلبات وشكوى وخناق. عشان كدا والدي وجد الراحة مع ياسمينا اللي عوضتني وعوضته عن جفاء وإهمال والدتي." ارتعشت جفونها بقلقاً من القادم بحكايتها الخفية، وتلبكت بسؤالاً تمنت ألا يجيب عليه: "هو خليل؟
قصدي والدك اتجوز ياسمينا؟ نهضا من فوق مقعدي، وأمسك بيدها يتسند عليها، وصاره باللايڤينچ، مجيبها:
"لسه بدري على إجابة سؤالك. هتعرفي الإجابة لما تسمعي كل الحكاية. ياسمينا بعد ما والدي قال لها إنه هيشوف لها شغل، رجع البيت. وكالعادة اتخانق مع والدتي لإنها قررت تسافر النمسا لمدة شهر عشان تبقى المسؤولة عن تصدير شحنة السيارات الجديدة تبع المكان اللي بتشتغل فيه. يوميها كنت واقف عند باب أوضتي، وكالعادة سمعت خناقها مع والدي اللي انتهى فعلاً بسفرها. وتاني يوم مكنش في حد معايا أنا ووالدي. الدادة كانت سابت الشغل بقالها يوم،
وكمان مكنش في حد يهتم بينا، خصوصاً إن السيد جواد صاحب والدي سافر القاهرة يعيش هناك هو وأهله. فمكنش عند والدي أي حد يخليني عنده لحد لما يخلص شغله بالمكتب. عشان كدا قرر إنه يتصل بالساعي وطلب منه يجيب ياسمينا لبيتنا. وبعد ساعة، وصلت وسلمت عليا بكل حنان. أما والدي فقرر إنه يشغلها الدادة بتاعتي، وقال لها."
"عادا ببُحور ذكرياتي إلى الوراء لسنوات الصغر، يرى ياسمينا تضع يدها على منكبهِ الصغير، وعينيها تنظر ببسمة إلى وجه أبيه الواقف أمامها يحدثها بجدية: أنا قولت لك إني هلقيلك شغل، عشان كدا طلبت من الساعي يجيبك هنا." ضيقت عينيها مستفهماً: "وهو أنا هشتغل إيه هنا؟ "مربية لأدم، وهتعيشي هنا معانا. هيبقالك أوضة خاصة بيكِ، وأكلك وشربك معانا هنا، وقبض شهري ألفين جنيه قابلين للزيادة مع مرور الوقت." اتسعت عينيها ببسمة أمل:
"موافقة. أنا أصلاً كنت في كلية تربية، وهعرف أتعامل وأخلي بالي من أدم." أومأه بموافقة ثم قاله برسمية: "تمام. تقدري تبدأي شغلك من النهارده. أنا هروح المكتب، وبالليل وأنا راجع هجيب عشا لينا. بس على مرجع في جبنة ولانشون وفينو عشان تتغدوا." "بحماس هادئ: متشغلش بالك بينا، لو حسينا بالوجع هتصرف. روح شغلك واطمن." أومأه لها بموافقة، وداعب شعر صغيرهِ بأمر ذات بسمة: "مش عاوز شقاوة، متتعبش ياسمينا معاك." "حاضر يا بابا."
قبّله، ثم أخذ جاكتهِ من فوق المقعد وغادر. أما ياسمينا، فداعبت شعر أدم ببسمة اطمئنان: "تعالى بقا وريني أوضتك، وقولي يومك بيمشي إزاي، وعرفني على لعبك عشان نلعب مع بعض." اتسعت شفاه الصغير ببسمة السعادة، لأنه سيجد من تشاركهِ يومهُ، واحتضن مرفقها بمرفقهِ الصغير، وأخذها لحجرتهِ. تلاشت الذكريات، وعادت لواقعهِ، يناظر ثريا متنهداً بجدية: "أثناء جلوسهِ
على مقعد الحديقة: دا كان اليوم اللي بدأت فيه ياسمينا شغلها عند والدي. شاركتني كل لعبي ويومي. لأول مرة أبقى سعيد. حسيت إني بعامل أمي اللي محروم منها، وهي كمان عاملتني على إني ابنها مش مجرد دادة لطفل متعرفهوش." هربت دمعتين من عينيها، فجففتهما سريعاً، وهي تبتلع غصتها الواقفة بمنتصف صدرها تألمها: "يعني ياسمينا بقت الدادة بتاعتك؟ وبعدين إيه اللي حصل؟ "اللي حصل كتير مش هيتحكى في يوم وليلة. المهم قوليلي، أنتِ منين؟
من القاهرة؟ مرتبطة؟ تبسمت بحزناً، فكيف تخبرهُ أنها والدتهِ: "لأ، مش مرتبطة." "أنا حاسس إن الشمس أرهقتني. خديني على المكتب، في كتاب عايزك تقرئي لي منه." "حاضر." نهضت برفقتهِ، ممسكة بمرفقهِ المتجعد، وصارت معهُ لحجرة المكتب، وأجلستهِ على المقعد، وجلست على المقعد الأمامي لهُ، وأمسكت بالكتاب الذي أعطاه لها، وبدأت بالقراءة لهُ. *** أما بالقاهرة، داخل قصر الهلالي، كانت تجلس نسمة برفقة ريحانة بحجرتها، فقد أتت للتعرف عليها:
"أنتِ زي القمر يا ريحانة. ليه حق جواد ينسى ماضيه مع رحاب ويتجوزك؟ ضيقت عينيها بطفولية مستفهماً: "مين رحاب؟ إيه دا؟ هو أنتِ مكنتيش تعرفي عن حكايته معاها؟ "وهعرف ليه؟ أنا أصلاً لسه عارفة جواد من كام يوم." "من كام يوم؟ ليه هو أنتو مش بتحبوا بعض؟ هتفت الأخرى باللامبالاة: "لأ، هو بيكرهني، ودايماً يخوفني منه." "بستفسار: جواد بيخوفك؟ طب ليه؟ زمّت فمها بتزمت:
"مش عارفة. بس هو يعرف بنت تانية بتلبس لبس غريب وبتحط مكياج كتير. باين بيكرهني عشانها." اتسعت مقلتيها بغرابة: "إيه؟ يعني جواد يعرف بنت عليكي، وأنتِ عارفة وساكتة؟ "هو حر. ماليش دعوة بيه." "هو إيه اللي مالكيش دعوة بيه؟ دا جوزك يا عبيطة! يعني ملكية خاصة ليكي أنتِ وبس! واللي تقرب له تديها على دماغها." قطبت جبهتها بسؤالاً: "بس مش كدا جواد يزعل؟ نفخت نسمة بزمجرة: "أنتِ عايزة تجننيني؟
ما يزعل. المهم أنتِ متجيش على كرامتك، ولا تفرطي في حقك فيه. مش أنتِ مراته وبتحبيه؟ اتسعت مقلتيها ببسمة استحسان: "أحبه؟ "أيوه. مش هو جوزك، فأكيد بتحبيه. أومال متجوزاه ليه؟ بصي أنتِ شكل السفر مقصّر عليكي، وشكلك كدا، سوري يعني، هبلة ومش فاهمة أي حاجة. أنا بقا هظبطك وهخليكِ أحلى من البنت التانية. هخلي جواد لما يرجع بالليل يتلوح كدا من أنوثتك وجمالك."
"يعني لو عملت كدا، هيوافق يعمل معايا حاجات مش كويسة اللي قالت لي عليها مرات أبويا؟ "متسائلة: حاجات إيه اللي قالت لك عليها مرات أبوكِ دي كمان؟ اقتربت من أذنها وأخبرتها بما قالتهُ زوجة أبيها من معارف لليلة الزفاف. فتسعت مقلتي نسمة، التي فور انتهائها الأخري قالت: "ينهار! هو أنتِ وجواد لحد دلوقتي أخوات؟ نفت بعبث: "لأ، إحنا مش أخوات. كل واحد فينا ليه أب وأم غير الثاني." جذبت شعرها على عينيها بفقدان صبر:
"كدا كتير عليا. يابنتي افهميني. أنا قصدي إنكم معملتوش علاقة مع بعض. يعني كلام مرات أبوكِ لسه متنفذش؟ "لأ." "ليه؟ "عشان هو مش موافق." زمّت فمها باستياء: "وهو هيوافق إزاي؟ وأنتِ على الله حكايتك كدا مش فاهمة أي حاجة. بس ملحوقة، أنا معاكي وهظبطك." تبسمت بعفوية: "بجد؟ يعني هتخلي جواد يعمل لي حاجات وحشة؟ قوّست حاجبيها باستفسار محرج: "مالك يابنتي مدلوقة عليه كدا ليه؟ وبعدين إيه حاجات وحشة دي؟ هو أنتِ صغيرة؟
اسمها علاقة حب. وريني بقا دولابك فيه لبس إيه ليكِ." نهضت نسمة وفتحت الخزانة تبحث عن لانچيري للنوم، لكنها لم تجد سوى منامات قطنية بنصف كم. فالتفتت لها متسائلة: "هي فين هدوم النوم بتاعتك؟ هي اللي عندك دي؟ وهي دي هدوم عرايس؟ بصي أنا عندي كام قطعة حرير حلوة جداً لسه طالبهم أون لاين. هجبلك كام حاجة منهم تبقا ليكِ. ماشي؟ اتسع فم نسمة برحم: "شكلنا هنبقى صحاب. أنا مبسوطة أوي على فكرة إن هيبقالي صديقة مسلمة." ضيقت
ريحانة حاجبيها باستفسار: "مسلمة؟ ليه؟ هو أنتِ مش مسلمة؟ أغلقت الخزانة وصارت، ثم جلست أمامها على حافة الفراش، مجيبة عليها: "لأ، أنا مسيحية." "بتسأل: وليه مش مسلمة؟ "عشان أنا بحب ديانتي زي ما أنتِ ما بتحبي ديانتك؟ "بحب ديانتي عشان الإسلام جميل وسيدنا محمد أجمل. الإسلام دين تسامح ومحبة وبيعرفنا الصح من الغلط. زي ما في ديانتك حاجات جميلة مخلياكِ متمسكة بي، فأنا كمان في ديانتي حاجات حلوة مخلياني متمسكة بي."
"بسمة: بس ربنا قال "موتوا إلا وأنتم مسلمون"، يعني دي علامة من ربنا أن الإسلام الدين الأول والأخير." "بمناقشة: بس ربنا كمان اللي نزل الإنجيل على عيسى عليه السلام، والمسيحية ديانة معترف بيها عند أهل السماء وأهل الأرض." "بنقاشاً: عارفة كدا، بس دا ما يمنعش أن الإسلام مهد كل الأديان. وحتى سيدنا يعقوب اللي من نسله اليهود، دعا الله أنه ما يتوفاهوش غير وهو مسلم." "بإبداء
رأيها: قرأت الكلام دا كتير، لكن دا مش معناه أن ديانتي غلط أو غير معترف بيها. إحنا بنعبد نفس الرب، كلنا لينا إله واحد اسمه الله." "بابتسامة محبة: اختلاف ديانتنا مش هيفرق بنا، بردو هنبقى صحاب. بس هو أنتِ إزاي مسيحية وتبقى بنت عمة جواد؟ مش المفروض أن عمتهُ مسلمة؟ "بشرحاً: فعلاً ماما مسلمة، لكن بابا كان مسيحي. وعشان يقدر يتجوزها أعلن إسلامهُ. بس لما اتولدت، جدتي مامة بابا خدتني وعمدتني في الكنيسة عشان أبقى مسيحية."
"إزاي مسيحية؟ المفروض أن الابن بيبقى على نفس ديانة أبوه، وبما إنهُ كان مسلم فالمفروض تبقى مسلمة." "بجدية: عارفة كدا كويس، وهما كمان كانوا عارفين كدا. ولما بابا سأل شيخ أن جدتي خدتني والتعميدة في الكنيسة عشان أبقى نصرانية اللي معناها مسيحية،
فالشيخ جاوبه وقاله: تعميد الطفل لا يعني أن يصير نصرانياً بالفعل، بل هو مسلم يتبع دين أبيه، أو يصير نصرانياً حتى يعقل النصرانية ويختارها بنفسهِ. يعني أنتِ لما كبرتي وفهمتي، اخترتي بنفسك أنك تبقي مسيحية زي ما جدتك عمدتك في الكنيسة. بالظبط كدا وأنا صغيرة اتعمدت في الكنيسة عشان أبقى مسيحية."
"صحيح، وأنا صغيرة اتعمدت في الكنيسة عشان أبقى مسيحية. لكني كنت على دين أمي وأبويا اللي هو الإسلام. ولما كبرت شوية قررت أني أبقى مسيحية زي ما جدتي ما عملت فيا." "طب ليه مفكرتيش تبقي مسلمة؟
"بصي أنا يوم ما اخترت أعتمد دين المسيحية كان عندي ست سنين. خلالهم كنت بصلي في الجامع وبصلي في الكنيسة، بقرا القرآن وبقرا الإنجيل. بس جدتي كانت دايماً بتحاول تحببني في النصرانية وتحكي لي حكايات وتزورني كنايس جديدة. عشان كدا حبيت دين المسيحية وقررت أني أبقى مسيحية باختياري." تنهدت ريحانة بأرهاق: "دا أنتِ قصتك عاملة زي الأفلام." تبسمت الأخري قائلة:
"سيبك من حكايتي وركزي معايا بقا عشان أفهمك هتعملي إيه بالليل عشان تخلي جواد يقرب لك." اتسعت مقلتيها بحماس: "ماشي، أنا متحمسة أوي لليلة معاه." أصدرت الأخرى ضحكة صاخبة تزامناً بقول: "مشوفتش في حياتي كدا. دا أنتِ حكاية بس عسل والله." بادلتها البسمة، وظلت تسمع نصائحها. *** أما بالشركة، بحجرة الاجتماعات، كان يجتمع السيد فوزي بمدرين الشركة، يُعرفهم على جواد وهشام:
"أعرفكم جواد رضوان الهلالي، ابن أخي، ومن النهارده بقا مدير عام الشركة والمسؤول عن كل كبيرة وصغيرة. وأعرفكم بهشام رؤوف الهلالي، ابن أخي وابن عم جواد، ومن النهارده بقا نائب المدير العام لجواد." بدأ البعض بالترحيب بهم. فألقى جواد بعينيه للنائب القديم قائلاً ببروداً: "أظن أنك سمعت أننا المسؤولين الجدد. يعني مسمعناش كلمة ترحيب؟ ولا الباشا مش عجبه؟ زمّ محسن، ذات الأربعون عاماً، فمهُ ببسمة مكراً:
"لأ طبعاً سمعت، وأهلاً طبعاً بيكم. أنتو المالكين الأصيلين للشركة." تحدثا بشموخاً صارم: "من النهارده في سيستم جديد، شغل جديد. كل اللي فات حاجة، واللي جاي في عهدنا حاجة تانية خالص. كلمتي تتنفذ من غير اعتراض. هيبقا في شغل بجد، انتظام. شركة الهلالي لازم تبقى رقم واحد في الشرق الأوسط كله في أقل وقت. ومن أولها كدا، اللي مش هيبقا قد الشغل يقدم استقالته."
نظر الأعضاء لبعضهم، ومن ضمنهم سالي، تلك الفتاة ذات الثلاثون عاماً، السكرتيرة الخاصة لمكتب جواد، التي ناظرته ببسمة استحسان: "أنا عن نفسي موافقة جداً على استمراري في الشغل، حتى لو هيبقا مرهق، المهم إنه هيبقا ممتع." أدار عينيه إليها، يراها تطالعهِ بنظرات عرف مخزاها جيداً، فمال برأسهِ قليلاً لليسار، تزامناً مع تضيق عينيه بمكر: "لأ، ماهو واضح إنك بتحبي الشغل المرهق. اتسع فمها ببسمة أنوثة." "فعدّل موضع رأسهِ قائلاً
برسمية: بس الإرهاق بتاعنا غير اللي في دماغك. من النهارده هتتنقلي لقسم الحسابات عشان تفرغي شغلك فيه براحتك. اتفضلي من هنا." انطفئ وجهها بحرج جامح، ونهضت تسير بخطى متعثرة من الغيظ. أما هو، فأكمل بشموخاً: "الهزار ملوش مكان في شركتنا. من بكرة الشركة هتشهد على تغير جذري. الساعة ثمانية يبقى الكل متواجد في مكاتبه، واللي هيتأخر ثانية واحدة يعتبر نفسه مرفوض. المعلومة تتبلغ لكل العاملين بالشركة. اتفضلوا، الاجتماع انتهى."
نهض الأعضاء وغادروا الحجرة. فباح السيد فوزي بنصيحة: "براحة على الناس يا جواد، هما لسه ميعرفوش طبعك." "بجدية: لازم الشدة معاهم من أول يوم عشان يخافوا مني ويعملوا لي بدل الحساب مية. المهم نسيت أسألك. هو البارون ليه أخ أو قريب اسمه ياسر الغنيمي؟ "أيوه أخوه. بس بتسأل ليه؟ صق على أسنانهِ بغضب خفي: "مفيش، كنت حابب أعرف كل حاجة عن المنافس بتاعنا."
"مؤيداً: فعلاً لازم نعرف كل حاجة عنهم عشان نقدر نتخطى نجاحهم. كل المعلومات اللي محتاجينها هجيبها لكم. متشغلوش بالكم. ودلوقتي خلينا ننزل عشان أعرفكم على جميع أقسام الشركة، وكمان عشان الموظفين يعرفوكم." نهضا برفقة عمهما ليتعرفوا على الجميع. *** مر النهار وأتى الليل، وعاد الجميع إلى القصر، فوجدوا معالي تنتظرهم برفقة بهية. فتحدث السيد فوزي أثناء جلوسهِ على مقعد الصالون: "أومال فين الباقين؟
"بجدية: فارس ونسمة اتعشوا وطلعوا ناموا، والواد كريم مرديش ينزل ياكل، فخدت له بهية الأكل أكلته ونيمته." "بجدية: أما بقا مراتك يا جواد، فمدقتش أي لقمة. رفضت إنها تاكل. شكلها مكسوفة. أنا قولت لسامية إنها تحضر لكم العشا لما ترجع من الشغل بتاعك، وطلع هولكم أوضتكم عشان تاكلوه سوا. بس قولي إيه حكاية كريم دا، وليه تكفلت بتربيته؟
"برسمية: مفيش سبب معين. كل الحكاية إنه يتيم ملوش أهل، ولقيته، فقررت بدل ما أوديه الأحداث أو ملجأ، أتكفل بتربيته." "بأعجاب: خير ما عملت. الرسول ﷺ قال: أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة. تربيتك للولد دا أجرها كبير جداً عند ربنا." لم يكن يفكر بالثواب بتاتاً، مما جعلهُ يجيب: "طب أنا هطلع عشان عايز أرتاح شوية. ومتنساش يا هشام الساعة سبعة تبقى جاهز عشان نتحرك سوا." جلس بجوار عمهِ: "متقلقش، هتلاقيني موجود في المعاد."
أومأه بتفهم، وصعدا الدرج حتى وصلا لممر الحجر، وتجها لحجرة نومهِ، فوجدا مرعى يقف عند بابهِ، فوقف أمامهِ متسائلاً بخشونة: "إيه اللي موقفك هنا؟ "باستياء: أنا اتهنت في بيتك يا جواد بيه، ودا ميصحش. دا إكرام الضيف واجب ياراجل." فرك لحيتهِ بتسع صدراً لحديثهِ: "أرغي يا مرعى." "يرضيك أن البت سامية تقولي إن دمي تقيل ويلطش، وكل دا عشان بقولها إنها زي عود النعناع، كل ما تخضر رائحتها تنعنع الجو؟ "باستياء: وأنت بتاعكس البت ليه؟
مانا قولت ألغيها يمكن الصنارة تغمز ونتجوز. تعرف يا مرعى، بالله لو متعدلت لهتشوف معايا أيام سودا أسود من أيام الصعيد." زم فمهِ باستياء: "الجواز غيرك فين جواد بيه اللي كان كل فين وفين لما يتعصب عليا. حقيقي الواحد يتجوز عاقل يتحول مجنون، مبالك بقا باللي كان مجنون من الأول." تجحظت عين الأخر بشراسة، وأمسكهِ من لايقة قميصهِ: "هو مين دا اللي مجنون يالا؟ ابتلع ريقهِ بصعوبة بتلبك:
"مش ساعتك، أنا قصدي على الناس التانية. هو في حد في عقلك؟ ولا هدوئك؟ دا أنت مشاء الله عليك تتحط على الجرح يولع. قصدي يبرد." "أنا هفوت هالك المرة دي بمزاجي، لكن بالله المرة الجاية هعلقك على باب القصر عشان تستعيد ذكريات الصعيد بمزاج." تركهُ فهم بالذهاب مردداً بعبث: "ربنا على المفتري. كانت ساعة سودا لما دافعت عنك قدام المأمور. وهمام." "بتبرطم في إيه؟ زمجر، فقاله الآخر ببسمة قلق إثناء سيره:
"بدعيلك بطول العمر، هو أنا ليا بركة غيرك." نزل يركض من فوق الدرج. أما جواد، ففرغ حنقهُ بنفخة بالهواء، ثم أمسك بمقبض الباب، وفتحهُ، ودخلا، وأغلق الباب خلفهُ، واستدار يحرر أزرار قميصهِ. فسمع صوتها الناعم بأنثى يناديه: "جواد." لم يستطع رفض صوتها، فاستدار يجيبهُا بخشونة: "عاوزة إيه؟
سُجنت باقي الأحرف بحلقهِ حينما سُجن عقلهِ وكيانهِ ببطلتها القابضة بنبضات ملتهبة أشعلت جسدهِ، فبلع لعابهِ، وكأنهِ أصبح مسحوراً بمن تقبض عينيها بطلتها المفاجئة لكيانهِ الرجولي. فقد كانت تغفو فوق الفراش مرتدية...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!