جواد لم يستطع رفض صوتها، فاستدار يجيبها بخشونة. عاوزة إيه؟
سجنت باقي الأحرف بحلقه حينما سُجن عقله وكيانه بطلتها القابضة بنبضات ملتهبة أشعلت جسده. فبلع لعابه وكأنه أصبح مسحورًا بمن تقبض عينيها بطلتها المفاجئة لكيانه الرجولي. فقد كانت تمدد جسدها فوق الفراش مرتدية روب لونه أزرق سماوي حريري مصمم باحترافية تحبس الأنفاس. فمن فوق الصدر بالإكمام دانتيل يظهر بياضها، وباقية حتى القدم من الحرير، وشعرها البني مموج مثل موج البحر فوق منكبيها، تزينه برابطة رأس بذات اللون الأزرق السماوي. أما بوجهها الفاتن، فكانت شفاهها بلون زهري خاطف لمقلتيه، وعينيها العسلية يحتويها الكحل الأسود الذي زاده من اتساعها.
أنثى بغاية الفتنة تناظره بخجل الأطفال، فزادت من سخونة نبضاته المرهقة برؤيتها. أقسم أنه تفحصها بعينيه أكثر من عشر مرات بالدقيقة الواحدة من سحرها لكيانه. كان يعلم أن أسفل الروب شيئًا سيجعله يفقد صوابه، فأي قوة تستطيع أن تحارب هذا الجمال؟ مما جعله يلتفت للجهة المعاكسة لها يتجاهلها تمامًا. فضيقت عينيها بغرابة ونهضت من فوق مخدعها وصارت إليه حتى وقفت بجوار يمينه متسائلة. مالك؟ ماليش. لأ فيه، أومال ليه مش عايز تبص لي؟
حاجة متخصكيش. تحركت خطوتين ثم توقفت أمامه تنظر مباشرة لمقلتيه الخضرويتين التي تشبه حقول النعناع في صباح شتاء دافئ. هو شكلي مش عاجبك؟ أنا كنت فاكراك هتبقى فرحان لما تشوفني كدا. كبلت جوارحه قائلًا ببعض الدفاع لجيوش عينيها. وهفرح ليه؟ انتي متعنيش ليا حاجة. لوت فمها ببسمة حزن. هو أنت ليه شايف البنت التانية أحلى مني؟ بت مين؟ البنت اللي جاتلك البيت وطلعتلك الأوضة، البت أم أحمر.
أدرك مقصدها، فتخطاها يسير للخزانة ليخرج ملابسه. متشغليش بالك بيها، هي حاجة وانتِ حاجة تانية. صارت إليه حتى وقفت بجوار باب الخزانة تناظر عينيه بسؤال تغزوه بسمة البراءة القاتلة لرجولته. بتحبي مين فينا أكتر؟ أنا ولا هي؟
عينيها له مثل السماء الصافية التي تنافي هطول الأمطار، براءتها تنافي الخداع. لغة العيون كانت أشد صدقًا من أي شيء آخر. فشعر بأن قلبه يراها عكس ما يقول عقله. سحر مقلتيها يجعله أسيرًا لشهابها الخاطف. لكنه شغله عقله بشيء آخر ليتفادى تلك الساحرة الصغيرة لرجل لم يخضع لأنثى من قبل. فالتفت وأخذ بنطال وتيشيرت من الخزانة وتجه للمرحاض دون أن يجيب عليها. فشعرت بالحزن يراودها بسبب ذلك التجاهل الجارح لكيانها.
بعد نصف ساعة خرج من الحمام يمسك بمنشفة صغيرة يجفف شعره بعدما ارتدى البنطال الأسود والتيشيرت الأبيض ذات الحمالات. فتفاجئ بها تغفو على الأريكة بدون الروب، باللانجري الروب بذات اللون الأزرق السماوي. هيئته كب دانتيل حتى الخصر، ومن الخصر حتى منتصف الفخذين حريري.
كان الجزء العلوي الدانتيل يظهر جسدها السفلي بأنوثة جعلته يبلع لعابه من شدة فتنتها له بتلك اللحظة. كانت تغفو مثل الحوريات كأنها قادمة من عالم ديزني الخاص بأميرات الخيال. فترك المنشفة من يده واستدار وأمسك بالغطاء وأخذه ثم استتر جسدها من عينيه من عنقها حتى أصابع قدميها. ثم جلس بجوارها على حافة الأريكة يتفحصها بانجذاب يأكل قلبه المتمرد لانجذابه. فرفع يده وملس على وجنتها اليسار القطنية بنعومة.
ويحادثها داخل عقله باستفهام يحرقه. تصرفاتك بتخليني أتجنن. ببقى عايز أرمي عليكِ يمين عشان أرتاح منك، لكن قلبي بيرفض بعدك. أنتِ سبب كسرتي قدام نفسي، تمسكك براجل غيري عامل زي السكينة بيدبحني، مخليني مش طايق أسمع صوتك. ورغم كدا فيه حاجة جوايا رافضة إني أسيبك. ورغم كدا بكرهك، عمري ما كرهت حد في حياتي قد ما كرهتك. يمكن عشان أنتِ الوحيدة اللي قدرتي تكسريني في نظر نفسي. بس كرهي ليكِ بيوجع قلبي وأنا مبحبش الوجع.
ورغم كدا شايفك غير كل البشر جوايا، حاجة بتقول إنك بريئة ومضحوك عليكِ. بس كلامك وردودك عكس شكوك. أنا عمري ما احتارت في قضية زي ما احتارت في قضيتك معايا، لغز لحد دلوقتي مش قادر أحله. ختم حديثه بتنهيدة ساخطة بشكوك تأثره. ثم نهض وصار للتخت ليغفو عليه. بذات الوقت بقصر شديد الفخامة بحجرة نوم تغفو [غنوه] معانقة [ياسر] زوجها، الذي يملس على شعرها بقول مليء بالتوعد. أنا وعدتك إني أجيب لك حقك، وأديني بنفذ.
طالعته بمقلتيها متسائلة. حتى لو [جواد] صدق الحكاية كلها، طب لحد إمتى هيفضل مصدق؟ أكيد هيجي له يوم ويعرف الحقيقة؟ [ياسر] بتوعد عصيب. عارف إنه هيعرف، بس بقى على ما يعرف هيكون عاش له كام يوم في عذاب. خليه يحس باللي عمله معاكي. باح بشذايا ذكرياتها المفخخة ببراكين الآلام جعلت مقلتيها تتسع بدموع الكراهية.
عمري ما هنسى اليوم اللي شافني فيه وقال لي إنه مش هيسمح ل [هشام] يتجوزني. دا غير تهديده ليا اللي بسببه قررت إني أهرب عشان أبعد عن شره. شدد من احتضانه لها مواسيًا بقول جاد.
من يوم ما عمي ما مات بعد ما حد بعت له جواب بيحكيله فيه عن حكايتك مع [هشام]، وأنا خدت عهد على نفسي إني مش ههدا ولا هرتاح غير لما أكسر [جواد] وخليه ييجي زي الكلب يركع تحت رجلك. أنتِ مش بس بقيتي مراتي وتجوزنا بعد ما عمي ما توفى، لأ. أنتِ عمري وكرامتك من كرامتي. أنا واثقة إنك هتجيبي لي حقي يا حبيبي. تبسم الآخر بمكر.
هجيبه فعلاً، من النهارده. والبداية هتبقى مفاجأة لبيت [الهلالي]، وبالأخص [لجواد] اللي هيصحى على صريخ خبر هيخلي اللي باقي من حياته دمار. فزعت من عناقه تناظره بعين تجحظت بقلق مما يخطط. مر أول ساعات الليل والدقة الثانية بعد منتصف الليل بقصر [الهلالي] بالقاهرة، وبحجرة [هشام] النائم. فتح مجهول غريب عليه الباب وبدأ يقترب بحذر حتى توقف أمام التخت وأخرج شيئًا حاد تلمع أطرافه. فنحنا عليه ليفعل ما قد أتى من أجله.
لأن حقيقي أنا مش هتعب وأكتب وأنزل لناس مبتقدرش تعبي ولا بتحترم مجهودي. أتمنى نعدي الـ 1500 لايك وكومنت. آراءكم بلاش ملصق وشير للحلقة وريفيو على الجروب دا. جميلات بحور الخيال 🌊❤️ معاً أديبة الأحساس العازف 🎸 لادو غنيم 🌿 ـــــــــ🎸 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد 🌺 ـــــــــ]
مرّت أول ساعات الليل، ودقّت الثانية بعد منتصف الليل بقصر الهلالي بالقاهرة، وبحجرة هشام النائم، فتح مجهول غريب عليه الباب، وبدأ يقترب بحذر، حتى توقف أمام التخت، وأخرج شيئاً حاداً تلمع أطرافه، فنحنا عليه ليفعل ما قد أتى من أجله.
ففتح هشام عينيه، وأمسك بيد الدخيل وجذبه فوق الفراش، فشعر بحمل زائد تسبب بحبس أنفاسه لثوانٍ، فألقاه بعيداً عنه، وفزع من فوق الفراش يشعل الضوء، أثناء محاولاته لضبط أنفاسه، ونظر إلى من فوق فراشه، فوجدها فتاة بالعشرينات من عمرها، سمينة الجسد، بيضاء البشرة، بشعر بني وعيون بذات اللون، ووجنتين سمان بطعامه، أدرك سبب هذا الوزن الذي تسبب بكتم أنفاسه لثوانٍ، لكنه تجاهل كل تلك الأمور وهتف بزمجرة: أنتِ مين وبتعملي إيه هنا؟
نهضت من فوق الفراش، وبيدها مرآتها الصغيرة التي أخرجتها منذ قليل من الحقيبة لتضعها على الكومودينو، ثم ناظرته بارتباك: أنا زلابية، قصدي شغف، أبقى مساعدة مستر فوزي في الشركة وفي البيت. قوس حاجبيه باستفهام: مساعدته في الشركة والبيت إزاي؟ هفهم حضرتك، أنا بنت نعيم السكرتير بتاعه الخاص، ولما بابا توفى أونكل فوزي صمم إني أجي أعيش معاه هنا، وأخلي بالي من طلباته، وكمان من شغله. وإيه اللي جايبك أوضتي؟
دي أوضتي، حتى اسأل أونكل فوزي، أنا كنت مسافرة الساحل بخلص شوية ورق ولسه واصلة حالاً. فرك جبهته برسمية: يعني إيه أوضتك؟ بصي أنا هسيبك النهاردة، والصبح ابقى اسألي بهية هانم عن أوضتك الجديدة. سار من أمامها، فالتفتت له توقفه بسؤالها: معرفتش حضرتك مين هشام، ولا جواد، ولا فارس؟ نظر لها مستفهماً: ده انتِ مذاكرة العيلة كلها بقى؟ شغف بحرج: لأ، دي سامية هي اللي فتحتلي الباب وقالتلي على أساميكم. ردف تزامناً
مع التفتاته لجهة الباب: أنا هشام. تبسمت بقول: تشرفت بيك يا... لم تكمل جملتها، ووجدته ترك الحجرة، فلوت فمها بغيظ: طب حتى عبرني بالكلمة، دي الكلمة الحلوة صدقة. انتهت من الحديث ودخلت للحمام لتغتسل. ـــــــــ أما هشام، فتجه لحجرة فارس ليغفو لديه. ـــــــــ
أما بحجرة جواد، فاستيقظت ريحانة، فوجدت نفسها تغفو فوق الأريكة وجسدها مغطى بالكامل، فالتفتت للجهة التخت، فرأته يغفو مكانها، فألقت الغطاء من فوقها ونهضت، ثم صارت إليه وجلست بجواره على حافة الفراش تناظره باستفهام: أنت ليه مش بتقرب مني؟ هو أنا وحشة ولا مش عاجباك؟ ولا البنت أم أحمر شاغلة بالك أوي كدا؟ ساعات بحس إنك بتكرهني، وساعات بحس إنك بتداري حبك ليا، حاجة غريبة أوي مش قادرة أكتشفها، حاسة إني قدام كيان بحاول استكشفه.
فتح عينيه بعدما أيقظته بكلماتها الشائكة باستفهام، وقالها باستفسار: أنتِ إيه بالظبط؟ إزاي بتتكلمي بعقل كدا؟ نبض قلبها بحزن، ففرغت المياه لتصير لمجرى عينيها: أنا بنت عادية أوي، أقل من أي بنت ممكن تقابلها في حياتك، كل الحكاية إن اللي عشته خلاني غريبة عن الباقين. جلس أمامها يحاورها ليكشف لغزها: أنتِ اسمك إيه؟ تبسمت بصفاء: ريحانه. أنتِ فعلاً متجوزة من الواد التاني؟ تحركت مقلتاها بارتجاف:
ياسر، أنت مش ناوي تطلقني بقى وترجعني ليه؟ نسمة قالتلي إني لما ألبسلك البس ده هتقرب مني وتعملي حاجات وحشة. فرك مدمع عينيه بسخط: رجعنا للجنان تاني، ادخلي عليا بالمصايب، السنيورة قالت إيه لنسمة؟ أجابته بعفوية: قولتلها إنك مش عاوز تقرب مني وتعملي حاجات وحشة، عشان كده لبستني البس ده وعملت فيا كده، وقالتلي إنك أول ما هتشوفني كده هتتلوى، ومش هتقدر تقاومني، وهتنحرف، وهنعيش ليلة عالمية.
كادت الضحكة تفر من بين شفتيه، لكنه كبلها بداخله بسبب عفويتها القاتلة، وأكمل ارتداء قناع الصرامة: ريحانه، اتكلي على الله من قدامي وروحي غيري اللبس ده، وانسى كلام نسمة نهائي. وقفت بتزمت: هو إيه اللي أنسى كلام نسمة؟ أنا مش فاهمة، متلوحتش لي زي ما قالتلي. فرك جبهته، ونهض واقفاً أمامها، بعدما أخذ الروب من فوق التخت وألبسها إياه ليخبئ مفاتنها من عينيه التي تطالبه بالتشبع بها، تزامناً مع حديثه الجاد:
عشان الحاجات دي هتحصل بمزاجي مش بمزاجك. وأمتى بقى هيجيلك مزاجك ده؟ لما أعرفني، هبقى أبلغ ساعتك. أنتِ ليه بتاخديني على قد عقلي؟ وبعدين أنتِ بتلبسيني ليه؟ أنا مش عايزة ألبس. نزعت الروب وألقت به على الأرض، فناظرها جواد بتعصب: أنتِ عايزة إيه في ليلتك دي؟ ما تتهدي يابت. مش هتهدى غير لما تعملي حاجات وحشة. فرك شعره بفقدان صبر: أنتِ مش فاهمة أنتِ بتقولي إيه، استهدي بالله كده، والبس الزفت ده ونامي.
انحنى وأحضر الروب وأعطاها إياه، فألقت من جديد على الأرض بتزمت أشد: قولتلك مش عايزة ألبس، أنا مبسوطة كده. وضعت يدها بخصرها، فزاد تحديد خصرها، فتنهد جواد بكبت لمطالبها قائلاً بسخط: وأنا كده بقى مش مبسوط، بالله يا ريحانة لو معملتيش اللي بقولك عليه، لهخليها ليلة جحيم عليكِ بسبب أم أعصابي اللي باظت بسببك دي. تذكرت بعضاً من دروس نسمة لها، فلمعت عينيها ببسمة خافتة بنعومة، وتقدمت منه خطوتين، ثم رفعت مرفقيها
تعانق وجنتيه بنعومة مردفة: حبيبي، أنا عايزة إياك جانبي شوية عشان خاطري.
تعالت أنفاسه بصدر يعلو ويهبط برياح حرارية آتية من جوف القلب الثائر، فشعرت بأن مخططها يلقى النجاح مثلما أخبرتها نسمة، فقررت البدء بالخطوة الثانية، وأنزلت يداها ببطء حتى طرف التيشيرت، ونزعته من عليه وألقت به بجوار روبها، ثم نظرت إلى جواد الواقف بحالة لا يحسد عليها، فهو أمام اختيارين، إما أن يتهاون ويلبي طلباتها، أو أن يرفضها من أجل دوافعه، وزاده الأمر سوءاً حينما حاوطت عنقه بيديها، ثم رفعت ساقيها تقف على أطراف أصابعها لتصبح بقامته، وبدأت بالاقتراب منه لترتوي من ذلك الرجل الرافض للخضوع لها، ورأت أنه على وشك النيل منه، فأغمض عينيه رفضاً لتلك المطالب، وأمسك بيديها وألقاها بعيداً عنه، تزامناً
مع فتح عينيه وقوله الصارم: يُتُرى دي بردو تعليمات نسمة، ولا اجتهاد شخصي من الليليكي مع الباشا بتاعك؟ نفت بخوف أربكها: أنا مكنتش بعمل كده معاه، دي نسمة هي اللي قالتلي على الحاجات دي عشان تقربلي. جواد بصرامة: أنتِ إيه مبتفهميش؟ أنا مش عايزك، ولا عمري هعوزك. فرت الدموع من مقلتيها المرتجفة، فاقترب منها قائلاً بسخط:
البسي ده، يرجع الصبح لنسمة، وع الله تاخدي لبس تاني من عندها، واللي يحصل مابيني أنا وأنتِ هنا في أوضتنا محدش يعرف عنه أي حاجة، من الاحترام إن أي حاجة بتحصل مابينك أنتِ وجوزك مفيش تالت يعرفها. أومأت بالموافقة، فـانحنى وحمل الروب وألقاه على جسدها يأمرها بحدة: ادخلي غيري القرف ده حالا، ياله. حاضر. لبت أوامره ودخلت للحمام وهي ترتجف بخوف من صوته المخيف لكيانها.
أما هو، فأمسك بالتيشيرت وارتداه، ثم انحنى وأخذ سيجارة من علبته، ثم أشعلها بالمشعلة السوداء وألقاها على الكومودينو، وبدأ يتناول دخان سيجارته بلهفة، يخرج باقي دخانها بتوعد قائلاً: ماشي يا نسمة، أنا أوريتك مابقيش أنا جواد، أما أنتِ يا ريحانة، فأنا هفضل وراكِ لحد لما أعرف حكايتك إيه.
بتلك اللحظة، خطر شيء على عقله، فـامسك بجواله وبدأ يبحث عن تشخيص تغير أسلوب الشخص وكأنه شخصين، كان يبحث عن أي شيء يعطيه نبذة عن تلك المخلوقة العجيبة، فتفاجأ بالإجابات التي أظهرها علم النفس، فبدأ يقرأها بعين ضيقها بغرابة:
انفصام شخصية حاد، يجعل المريض يعيش بشخصيتين، كل شخصية تظهر في وقت معاكس للشخصية الأخرى، المعروفة بشيزوفرينيا أو المايو كلينك، هذا الانفصام يحدث إثر الضغوطات النفسية أو مشاكل قهرية بالصغر، المريض يعيش بشخصيتين بجسد واحد.
رفع عينيه من على شاشة الجوال، وبدأ يتذكرها وتغيراتها التي تحدث بين الدقيقة والأخرى، بدأ يتذكر شخصيتها الناضجة التي تظهر لبعض الوقت، وشخصيتها الطفولية المتصدرة له، علم بتلك اللحظة أن زوجته ريحانة تعاني من انفصام شخصية حاد، تعيش بشخصيتين بجسد واحد، الشخصية الأولى هي شخصية طفلة لا تدرك الحياة، والشخصية الثانية ناضجة تفهم كل شيء بأمور الحياة، رغم معرفته بالحقيقة، إلا أنه كان يجب أن يتأكد بنفسه.
فقرر انتظارها حتى تخرج من الحمام ليستجوبها بأسلوبه الخاص. وترك الجوال وأطفأ السيجارة، وظل ينتظرها حتى خرجت من الحمام تحاوط جسدها بالمنشفة البيضاء وشعرها المبلل يحتضن ظهرها، واقتربت من الخزانة لتخرج ملابسها. فـسار إليها حتى توقف خلفها مباشرة، وأمسك بخصرها وجعلها تسير له لتصبح أمام عينيه التي سبحت ببحور شمسها، ثم اقترب من أذنها ليبدأ بمخططه قائلاً بمكر:
تعرفي إنك بتفكريني بغوايش مرات أبوكِ، يوم ما جننكم البيت سابتنا ودخلت الحمام وخرجت بنفس شكلك ده، كانت مفكرانا زباين جايين لمزاجنا. حاول استفزاز شخصيتها الخفية، فقد تذكر أنها تظهر بكل وضوح عندما يذكر اسم زوجة أبيها، وبالفعل نجح الأمر، ووجدها تدفعه بكفتيها بصدره تبعده للوراء، تزامناً مع زمجرتها الدامعة: أنت مبزهقش؟ قلتلك أنا مش غوايش ولا عمري هبقى زيها، أنا ريحانة، أشرف من أي بنت قابلتها وأشرف من مرات أبويا.
زم فمه ببسمة ربح، متنهداً بجفاء: أهلاً، نورتي ملعب ابن الهلالي، واحدة واحدة على بعض عشان لسه المشوار قدامنا طويل، قوليلي بقى أنتِ مختلفة عن غوايش في إيه؟ ده أنتِ تربيتها. قوس عينيها بحنق: أنا اتربيت في بيت أبويا معاها، بس عمري ما خلتها تقرب مني أو تلوثني زي ما لوثت نفسها. يُتُرى بقى التلوث ده نوعه إيه بالظبط ياست الشريفة؟ ولا الشريفة مكنتش ضمن ليالي مرات أبوها؟ حاول استفزازها ليخرج كامل شخصيتها، فنزفت عينيها
دم الغضب الذي مزق كيانها: أنت بتستفاد إيه من كلامك ده؟ ليه مش مقتنع إني غيرها؟ أنا عارفة إنك مش عاوز تقربلي عشان مفكرني ملوثة زيها. أنت حر في تفكيرك، لكن أنا محدش لمسني، أنا أشرف من الشرف. والتفكير اللي في دماغك دا بقا أنت حر فيه. قطب جبهته مستفهمًا بجدية. محدش لمسك؟ أومال الكلب اللي كنت متجوزاه كان إيه دنيته معاك؟ إيه مقضيها نوم؟ تنهدت بتزمت وهي تجفف الدموع المتساقطة بصمت.
أنا مقولتش كدا. وبعدين أنا زهقت من أسئلتك الغريبة دي، أنا تعبت وعايزة أنام. التفتت لتخرج ملابسها من الخزانة، فجذبها بقوة من ذراعها قائلًا بشخط. لما أكون بكلمك متلفيش وتديني ضهرك عشان مزعلكيش مني زعل بجد. رأى الغضب في مقلتيه، فـرتجف جسدها بعين تزوغ برهبة. أنا مكنش قصدي أزعلك، حقك عليا، بس سيب دراعي، أنت بتوجعني. أدرك أنها عادت لشخصيتها الطفولية مما جعله يبتعد عنها بتزمت.
أصل أنا ناقص جنان، بدل ما كانت واحدة بقوا اتنين. [ريحانه] بارتباك. خلاص متزعلش، أنا مش هعمل كدا تاني. والحاجات الوحشة مش هقولك عليها غير لما مزاجك يجيلك، بس متتأخرش. يا معين. زمجر بدعاء ثم أكمل ناظرًا لها. أموت وأعرف التانية مسمية الحاجات الوحشة إيه؟ تانية مين؟ قصدك على أم أحمر؟ قطم على شفاهه السفلية بحنق.
لأ، قصدي على أم شخصيتين. بصي عشان شكل اللي جاي كدا سواد، من النهارده عايزك تشيلي الحاجات الوحشة دي من عقلك، وتحاولي تبقي عاقلة كدا، وبلاش أمور الاستفزاز عشان أنا جايب آخري. تركها تناظره بغرابة، وغفا على الأريكة يضع يده على عينيه ليحجب ضوء الحجرة، وبـعقله يـفكر بأمرها الذي أصبح يشغله. *** أما بالأسفل بمطبخ القصر كان يقف [مرعي] يتناول الماء، فوجدت [سامية] دخلت، وحينما رأته لوت فمها بتزمت.
استغفر الله العظيم على الإشكال اللي جاتلنا. أغلق قنينة المياه بستياء. الله ليه بس كدا يا نعناعة حياتي، دا بدل ما تقوليلي إنك شفتي ملك جمال مصر. لوت فمها بتزمت. أنت ملك جمال مصر؟ أومال [جواد] باشا يبقى إيه؟ لأ [جواد] باشا دا حلاوة تجزع النفس، زي عصير القصب المسكر، أومال أنا حرش زي البصل مطلوب كتير. بقا البصل مطلوب، وعصير القصب اللي يروي الواحدة بقا يجزع النفس. أيوه، اسمعي مني، أنا النسخة الأورچينال.
أبعدته بيدها لتفتح الثلاجة. طب وسعلي كدا يا أورچينال عشان عطشانة وعايزة أرتوي. اعصريني وشربيني يا نعناعة قلبي. أشربك هو في حد بيشرب بردو البصل؟ بلا نيلة بقا مش شبه لي نفسك بالبصل. بس الحرش، ياريت تاخدي الكلمة على بعضها. بص يا [مرعي]، أنت بكبيرك أوي أعتبرك زي أخويا، أنما غير كدا متلاقيش يا عنيا. زم فمه بستياء. أخوات؟ لأ، متشكر. العفو. قطب جبهته مستفهمًا.
بصي أنت شكلك كدا ملكيش في البصل الحرش، يمشي معاكي طبق الفول المدمس. نفخت بزمجرة. بصل وفول مدمس؟ والله أنت أخرك رنجة. يوه، ومالها الرنجة بس يا نعناعتي، دي حتى عليها الطلب. [سامية] بتزمت. أنا همشي قبل ما مرارتي ما تتفقع. كادت تذهب لكن الكهرباء انقطعت عن القصر بالكامل، فـامسكت بيد [مرعي] بخوف. النور قطع ليه؟ أنا بخاف من الضلمة يا [مرعي]. عانقها من منكبيها مبتسمًا.
الله عاش إيدك يا ريس، ضلمها علينا، هو أحنا خدنا إيه من النور. نغذته بكوعها بصدره بتزمت. النور يشتغل، وأنا هكسرلك دراعك يا فحل البصل. تبسم بضحكة استمتاع. ضرب الحبيب زي أكل الزبيب يا نعناعتي، امسكي فيا بضمير بدل ما تلاقي حاجة بتشدك. بتلك اللحظة سمع صوت حركة تأتي من الإيڤينچ، فقالت [سامية] باقتراح. اتحرك معايا، شكل حد صحي ونازل يشوف النور قطع ليه. ما إحنا كدا حلوين. حلوين؟
طب لو ممشيتيش معايا هصوت، وألم عليك البيت، وأقول إنك بتتهجم عليا. زم فمه بسخرية. أتهجم عليكي؟ مرة واحدة، دا أنا ماسكك أكنى ماسك مصارع، دا أنت عندك عضلات مش عندي. يالهوي، هصوت يا [مرعي]. خلاص، خلاص، أمشي معايا. بدأ يتحركا سويا بحذر في الظلام، حتى وصلا لستارة ممر المطبخ المقابل للإيڤينچ، وقبل أن يتخطي الستارة، سمعا شخصًا يقول بأمر ذات صوت منخفض.
كل واحد فينا هيعمل اللي أطلبه منه، هنطلع نولعوا في أول و تاني أوضة، وننزل على طول، مش عايز غلطة عشان الباشا ميولعش فينا. دب الخوف بقلب الاثنين، ونظرا من خلف الستارة، فوجدا رجلين بأقنعة سوداء، يمسكان بكاشفات ضوء، وبيد كل منهما جركن بنزين، فنظرا بخوف إلى [سامية] قائلًا بصوت بالكاد تسمعه. الأوضة الأولى والتانية بتوع [فوزي باشا] و [فارس] و [الواد] كريم. و [هشام] بيه أنا شوفته من قيمة ساعة داخل ينام عند [فارس] بيه.
هتفت [سامية]، فتجحظت عيناهما بخوف الموت مما سيحدث. *** بذات الوقت، بحجرة [غنوه]، فكانت تسأل [ياسر] باستفسار. مقولتليش إيه الحاجة اللي هتدمر [جواد]؟ ناظرها بخبث. موت أخوه وعمه. تجحظت عينيها بصدمة. أنت ناوي تموت [فارس] و أونكل [فوزي]؟ هما ونصيبه، لا يموتوه، يا أما يتشوه. تلبكت بقلق. بس هو كدا مش غلط، هما مالهومش ذنب؟ لأ، ليه؟ دول أهله، وأكتر ناس هتوجعه. وبعدين بلاش قلبك يبقى رؤيا كدا، عشان إحنا لسه بنقول يا هادي.
[غنوه] بصلابة. من يوم اللي حصل وبابا مات بسبب جواب [جواد]، وأنا شيلت الرؤية من قلبي، وحلفت إني مش هرتاح غير لما أخليه ذليل ملوش قيمة. ملس على شعرها بدعم. هيحصل قريب أوي، زمان دلوقتي [قصر الهلالي] مولع. طب هو أنت عارف أزي إن النار هتوصل لـ [فارس] و أونكل [فوزي]؟ بس. عشان العين اللي لينا في قصرهم، حددتلي مكان أوضة، وعلى أساسهم اتحركوا رجالتي. [غنوه] ببسمة. مع إني مبحبش الأسلوب دا، بس أنا معا أي حاجة توجع [جواد].
[ياسر] ببسمة ربح. تعالى في حضني بقا، خلينا نحتفل. زمت فمها ببسمة خجل، فقد فهمت مقصده، واقتربت منه لتسكن ذراعيه، وتبدأ معه ليلتها التي ستشهد على اندماجهما كجسد واحد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!