وصل أسد أمام مبنى كبير نسبياً. صف سيارته في مكان مخصص ونزل منها بخطى رجولية. صعد بالمصعد إلى الطابق السابع. فتح المصعد ليجد باب المكتب أمامه مفتوحاً. دخل إلى الداخل ليجد السكرتيرة. أسد: المحامي أشرف موجود؟ السكرتيرة: أيوه يا فندم، هو كان منتظر حضرتك. اتفضل. أومأ لها بصمت، ثم طرق الباب ليسمع الإجابة ودلف إلى الداخل وأغلق الباب خلفه. ابتسم أشرف باتساع، وقف من على الكرسي خلف مكتبه وتوجه نحو أسد وصافحه بحرارة.
أشرف: أهلاً وسهلاً يا أسد باشا، نورت المكتب. أسد: منور بصاحبه يا أستاذ أشرف. أشرف: تشرب إيه حضرتك؟ أسد: قهوة سادة لو سمحت. أشرف: حاضر. اتنين قهوة سادة من فضلك يا ريهام، ومتخليش حد يدخل. ريهام السكرتيرة: حاضر يا فندم. جلس أسد على الكرسي أمام المكتب، وجلس مقابله أشرف. تنهد أسد قبل أن يقول: أسد: إيه الموضوع المهم اللي أنت عايزني فيه؟
لم يجب أشرف، بل وقف وسار بضع خطوات إلى الخزانة الموجودة في طرف الغرفة. فتحها بعد أن وضع الرمز السري، ثم أمسك بظرف ما وأغلقها كما كانت. جلس مرة أخرى أمام أسد المستغرب. كان سيتحدث، لكن قاطعه طرق على الباب. دَلفت ريهام وهي ممسكة بصينة عليها فنجانان من القهوة السادة كما طلب، وأيضاً كأسين من الماء. وضعتهم على الطاولة أمامهما وقالت باحترام: ريهام: تؤمرني بحاجة تانية يا أشرف بيه؟
أشرف: لا، بس زي ما قلتلك متخليش حد يدخل مهما كان. ريهام: حاضر يا فندم. خرجت ريهام لتغلق خلفها الباب. نظر أسد إلى أشرف، وقبل أن يسأله تحدث أشرف شارحاً: أشرف: الظرف ده وصية تانية من سيف بيه، والد حضرتك الله يرحمه قبل ما يموت. أسد مستغرباً: وصية تانية!!! دي الوصية التانية غير الوصية الأولى اللي اديتهالي بعد العزاء؟ أشرف يومئ: بالظبط، وطلب مني إنه لما يجي الوقت وإنيسة سارة تتخطب، أسلمهالك وتقراها بنفسك.
أسد متفهماً: طيب يا أستاذ أشرف، متشكر لحضرتك على احتفاظك بالأمانة دي لحد دلوقتي. أشرف: لا يا أسد باشا، العفو، ده واجبي مش أكتر. وقف أسد وهو ممسك بالوصية، وصافح أشرف مكملاً: أسد: متنساش إنت مدعي على حفلة الخطوبة بكرة إن شاء الله. أشرف: إن شاء الله. بس إنت مشربتش القهوة بتاعتك. أسد: مرة تانية إن شاء الله، لأني مشغول. أشرف متفهماً: ماشي، شرفتني بجيّتك يا أسد باشا. أسد: شكراً ليك، مع السلامة. أشرف: مع السلامة.
خرج أسد من غرفة المكتب واستقل المصعد وهبط به لأسفل. فتح المصعد أبوابه ليخرج منه بسرعة ويذهب نحو سيارته. صعد وأدار المحرك، ليتحرك مسرعاً إلى جبل المقطم، حيث مكانه المفضل، ليرى خبايا هذه الوصية الثانية التي خبأها والده طيلة السبع سنوات الماضية. عند حور التي تستلقي على السرير في المشفى. تتبرع بالدم. نعم، حور التي هي دائماً في كل عطلة شهرية تأتي بها في قصر جدها، تأتي إلى هذا المشفى وتتبرع بالدم.
تحدثت الممرضة أسيل لحور، التي تنظر إلى الإبرة المغروسة في وريدها بيدها اليسرى، ساحبة الدم من جسدها لتنقله في الكيس البلاستيكي الحافظ الذي يتحرك لأعلى وأسفل لكي لا يحدث خلل أثناء عملية نقل الدم. أسيل: مش هتبطلي عادتك دي يا حور؟ حور بإبتسامة: وأبطل ليه يا أسيل؟ وفي ناس عايزة دم، وأنا عندي دم زيادة. أسيل: بس دمك عسل يا بت. حور بغرور مصطنع: طبعاً طبعاً، ما أنا عارفة من زمان إنه دمي عسل يا أختي. أسيل: ابتدينا نِتغَرْ أهو.
حور: سيبك مني، المهم الواد محمد عامل إيه؟ أسيل: ده لسه إمبارح سأل عليكي. حور: لييه؟ أسيل بفرحة: أصله أخيراً هيعملولوا العملية اللي كان بيحلم بيها. سعادة عارمة اجتاحت جسد حور، لتنتفض معتدلة من جلستها وتقول بسعادة: حور: أخيراً، الحمد لله يا رب، الحمد لله. أسيل بفزع: بس يا هبلة، عشان الإبرة متزرقش مكانها. حور: مش مهم، هي مقربتش تخلص. عايزة أروح عند محمد؟ أسيل: دقيقة بس أجيبلك قطن من الدرج هنا.
وقفت أسيل من المقعد لتذهب نحو الخزانة الطبية وتخرج قطن طبي ومعقم ومعه شريط طبي لاصق على شكل دائرة. اتجهت إلى حور لتخرج منها الإبرة، لتتأوه حور بخفة. أمسكت أسيل قطعة القطن ووضعت عليها معقم لتمسح بها مكان الإبرة، لتنزع الورقة البيضاء عن الجهة اللاصقة اللاصقة الطبية وتضعها مكان الإبرة لكي لا تنزف دماً. قالت بابتسامة مربتة على كتف حور:
أسيل: خلصت يا ستي أهو، بس امسكي عصير فراولة أهو تشربيه كله عشان يعوض الدم، يا عوضين فاهم. حور بضحك: فاهم يا فندم. وقفت لتنزل كم التيشرت الأحمر وتفتح علبة العصير وتبدأ بالشرب منها، لتغمز لأسيل قبل أن تخرج من الغرفة، لتترك أسيل تضحك عليها كالعادة. سارت حور إلى أن وصلت إلى السلالم لتبدأ بالنزول من عليها بسرعة كعادتها، لتذهب إلى قسم الأطفال وتتجه في طريق الردهة يساراً وتقف أخيراً أمام باب رقم 213.
ألقت علبة العصير في سلة المهملات بجانب الباب، لترفع يدها وتبدأ بالطرق على طريقة الطبل البلدي، وفتحت الباب وعلى وجهها ابتسامة، لتسمع صوت يقول لها صارخاً بسعادة: محمد: هييييييه، حووووور جاااااات. حور: أيييييوة أناااااا جيييييت. دخلت وأغلقت الباب خلفها، لتسلم على والدته الجالسة على الأريكة قائلة: حور: إزيك يا عمتو صباح، عاملة إيه؟ صباح بابتسامة: كويسة يا حبيبتي، إنتي عاملة إيه؟ حور: الحمد لله، وحشتوني جداً.
محمد وصباح: وإنتي أكتر. محمد: أنا لسه إمبارح سألت عليكي أبلة أسيل. اتجهت حور نحوه لتجلس بجانبه على السرير لترد بابتسامة: حور: ما هي أسيل قالتلي إنك سألت عليا، وإلف مبروك يا سيدي على العملية. محمد: هي أسيل اللي قالتلك برضو عن العملية؟ حور: أيوة هي يا حمو، المهم دلوقتي تعال نلعب ماتش بين كريس وميسي، إنت أنهي واحد. محمد بحماس: أنا هاخد ميسي.
حور بحماس: يبقى أنا كريس، يلا بينا، الفورة من خمسة، ولو جبنا أكتر من كده في الشوط الأول تبقى من عشرة، اتفقنا؟ محمد: اتفقنا، يلا بينا. جلست القرفصاء بجانبه وبدأا في لعب البلاستيشن فيفا لكرة القدم. في الشوط الأول، أحرزت حور سبعة أهداف بينما محمد ستة أهداف. كانت صباح تنظر إلى ابنها محمد بسعادة، فهي كانت خائفة عليه من العملية الجراحية التي سوف يجريها غداً. خافت أن يفكر طفلها بأفكار سلبية، لكن بقدوم حور... حلت المشكلة.
في نهاية الشوط الثاني، أصبحت حور تصيح بصوت شبه عالي من حماسها وهي تقترب من إحرازها للهدف العاشر: حور: هوب هوب... الدون أهوه، الدون أهوه... جاي جاي جااااااي... لااااااااااااا بقى كدة حراااام، ظلم. محمد: ههههههه، معلش، المرة الجاية تكسبي إن شاء الله. حور بابتسامة: يلا يا معلم، يكون في علمك جات معاك المرة دي حظ. محمد: ما أنا عارف.
في الحقيقة، عندما اقتربت حور من إحراز الهدف العاشر في مرمى برشلونة، تقدم محمد عليها بخطوة وأحرز الهدف العاشر، مما جعله هو الفائز هذه المرة. نزلت حور من على السرير لتبتسم بخبث وهي تنظر لمحمد، ليعلم أن القادم أسوأ. خرج من سيارته وفي يده الظرف الخاص بالوصية، ليتكئ على مقدمة السيارة. فتح الظرف ليخرج منه رسالتان، كل واحدة منهم في ظرفها. أمسكهم باستغراب لينظر إلى الأول وكان مكتوب عليه اسم سيف، والثاني حور.
قطب حاجبيه باستغراب، لماذا حور في هذه المرة أيضاً؟ التقط أسد الورقة البيضاء المكتوبة بخط يد والده الذي يعرفه أكثر من نفسه. وضع الظرفين في ظرف الوصية الكبير، ليبدأ بقراءة الوصية. ومع كل كلمة تسقط عليها عيناه، تتسع بصدمة أكثر فأكثر. طوى الورقة كما كانت ليضعها في الظرف مرة أخرى. جذب شعره الفحمي للخلف بغضب لوهلة قصيرة. لكنه بعدها ابتسم ابتسامة نصر، فها هو انتصار آخر سوف يضيفه إلى قائمة انتصاراته.
عاد أدراجه داخل سيارته ليبدأ بقيادتها نحو قصر جده. ليصل إلى هناك بعد نصف ساعة، ليهبط بسرعة ويدخل إلى القصر، مما جعله يترك باب سيارته مفتوحاً. وقف في منتصف القصر ليبدأ منادياً بصوت جوهري ارتد صداه عبر الجدران: أسد: جدي، عمي محمد... يا جدي. خرج هلال من غرفته وهو يتكئ على عكازه، ومحمد نظر من فوق ليقول بقلق: محمد: إيه يا أسد، في إيه؟ أسد: عايزك في موضوع مهم. التفت أسد على صوت هلال الذي تحدث:
هلال: وهو محتاج كل الصوت العالي ده؟ أسد: أه، يلا بينا نروح على أوضة المكتب. محمد وهلال: ماشي. استغرب أسد لماذا جده يتكئ على عصاه ولم تكن حور تظهر من العدم. حسناً، كفى هكذا، اهتم بالموضوع الآن، حدث نفسه بينما يدخل إلى غرفة المكتب ليغلق الباب خلفه. ما أن أغلق أسد الباب، نزلت نردين بالتخفي لتقف بجانب الباب وتبدأ باستراق السمع. محمد بقلق: في إيه يا ابني، قلقتني؟
أسد: خير إن شاء الله. بس أنا حابب أقولكم إنه بابا الله يرحمه كان كاتب وصية تانية. هلال: إمممم، وبعدين؟ محمد باستغراب: وصية تانية وإيه فايدتها؟ وطالب فيها إيه؟ أسد بهدوء: طالب فيها إنه سيف وسارة وأنا وحور نتخطبوا ونتجوزوا في خلال أسبوع واحد بس. صدمة ألجمت ألسنتهم. سيف وسارة أمرهما محلول، لكن أسد وحور؟ لم يستوعب محمد هذا الخبر ليقول بصدمة ناظراً نحو أسد: محمد: طيب حور وإنت تتجوزوا بعض إزاي؟
سيف وسارة وافهمناها، بس إنت وحور لييه؟ إيه المغزى من كده؟ أسد: معرفش والله يا عمي، بس إحنا لازم نرتب التحضيرات بقى عشان نلحق نعمل اللي طلبه. هلال: ومطلبش حاجة تاني غير كده؟ أسد: لا، في الظرف بتاع الوصية رسالتين، رسالة لسيف والتانية لحور، وهما بس اللي يفتحوها ويقرؤها كمان. هلال بدون تفكير طويل: خلاص يا محمد، إنت وأسد، طالما إنه ابني سيف الله يرحمه طلب كده يبقى لازم ننفذ حالا وفي أسرع وقت.
أسد: إحنا هنضطر نأجل الخطوبة لبعد بكرة بدل بكرة. هلال نافياً بصرامة: لا، بكرة تتم خطوبة سيف وسارة وإنت وحور. محمد بحيرة: طيب حور هقولها إزاي؟ كتف أسد يديه إلى صدره ليقول باهتمام: أسد: إحنا هنجيبها هنا في المكتب ونكلمها أنا وإنت. محمد موافقاً: ماشي، موافق. أسد مكملاً: وخلي سيف دلوقتي يجي ويجيبها. محمد: بس هي مش موجودة هنا دلوقتي. أسد مستغرباً: أومال فين؟ محمد: راحت وحدة من المستشفيات اللي قريبة من هنا زي عادتها.
أسد: طيب وهترجع إمتى؟ محمد: في المغرب كده، في وقت العشا بالتحديد. أسد: طيب ماشي. هلال: زي ما اتفقنا، بكرة الخطوبة، وبعدها بأربع أيام هيبقى الجواز، وقبل يوم الجواز تروحوا تكتبوا الكتاب. أسد ومحمد: ماشي. نردين لم تتحمل ما سمعته لتذهب إلى غرفتها بغضب شديد وتغلق باب غرفتها بقوة، مما أصدر صوتاً مزعجاً. لتجذب شعرها بقوة إلى الخلف، لتمد يدها بسرعة نحو هاتفها وتضغط بسرعة على الأرقام لتضع الهاتف على أذنها منتظرة رد الآخر: ؟؟؟
: إيه، في إيه؟ نردين: مصيبة حصلت، مصييبة. ؟؟؟ : مصيبة إيه كمان، مش كفاية اللي أنا فيه بسبب الزفت اللي اسمه أسد. نردين بحقد وغضب: أسد هيتجوز خلال أسبوع. ؟؟؟ : هيتجوز مين؟ نردين: بكرة، هيتجوز حور، الخطة كلها هتفشل دلوقتي. ؟؟؟ : متخافيش، في حلول تانية، اقفلي إنتي دلوقتي عشان ورايا شغل. نردين: ماشي، بس تلاقي حل بسرعة، لو ملقيتش أنا هعمل المستحيل عشان الجوازة دي ما تتمش، سامعني؟ سلام. وأغلقت من دون أن تسمع رد ذلك الرجل.
جلست على السرير وهي تهز قدمها بشدة، خطتها سوف تفشل إن تزوج أسد من تلك الحور لا محالة، لتتمتم بحقد: نردين: كنتي لازم تموتي في اليوم اللي حصل فيه الحادث، بس إنتي عاملة زي القطة بسبع أرواح يا بنت الذين... بس قريب هتموتي على إيدي، قريب. مضى الوقت سريعاً. ليخبر محمد زوجته رضوى وسيف، بينما أسد أخبر سارة. سعدت كثيراً سارة لهذا الخبر، وخصوصاً بأن وعدهم القديم سوف يتحقق. لكن تبقى المشكلة الآن في ردة فعل حور، فقط ردة فعلها!
أصبحت الساعة السابعة الآن. اسودت السماء لتظهر نجومها المشعة بجمال آخاذ، لكن المحزن هو أن القمر مختفي هذه الليلة. حور إلى الآن لم تعد إلى المنزل، لأنها ببساطة لا تزال في المشفى. حيث بقيت تلعب مع الأطفال المرضى، ولعبت مع محمد كثيراً، وصارت مع الأطفال أيضاً. كانت جالسة مع أسيل لتسألها فجأة عن الساعة: أسيل: الساعة سبعة، لييه؟ حور بفزع: يا نهار أسود عليا! دول هيموتوني في البيت ويعلقوني من قفايا.
أسيل: بس بس، بطلي قر، روحي يا ستي، اتصلي عليهم وقوليلهم إنك هنا، ومش هيعملوا حاجة إن شاء الله. بدأت تتفحص جيوب بنطالها لتقول بصدمة: حور: ده حتى التلفون مش معايا، يبقى نسيته في العربية. كملت كده، الله أكبر عليا. أسيل: طيب يلا، مستنية إيه؟ روحي اتصلي عليهم. حور راكضة: ماشي. بدأت حور بالركض لتذهب إلى سيارة سيف المصفوفة، لتقوم بفتحها عن بعد. بعد أن وصلت لها، صعدت بها لتمسك هاتفها الذي كان على المقعد بجانب مقعد السائق.
كانت تلهث بسرعة من كثرة الركض. فتحت شاشة الهاتف لتجد مكالمات كثيرة من والدها، سارة، سيف، ورضوى. فتحت الهاتف بذعر وتوتر لتتصل على رقم سيف الذي سيتفهم وضعها بالتأكيد. أبعدت الهاتف عن أذنها بسبب صوت سيف الذي كان يصرخ: سيف بغضب: إنتي فين يا حور؟ حور بتوتر: لسه في المستشفى يا سيف. سيف بغضب: إنتي نسيتي نفسك ولا إيه يا حور؟ ده الساعة سبعة وإنتي لازم تكوني في البيت من ساعة ونص تقريباً.
حور بأسف: آسفة يا سيف، مخدتش بالي من الوقت والتلفون كان في العربية ونسيت أخده معايا. تحدثت بأسف وكانت على وشك البكاء. ليجذب سيف شعره للخلف ويقول بهدوء: سيف: طيب خلاص، متزعليش، وأسف إني بصرخ في وشك، بس أنا كنت خايف لحسن تكون حصلتلك حاجة لا سمح الله يا حبيبتي. حور: لا متخافش، دقيقة بس هشغل العربية وأجي أهو. سيف: ماشي.
أسد الذي كان واقفاً ومسنداً جسده على الحائط ومكتف يديه إلى صدره، الذي اشتد وملامح وجهه التي تهجمت واسودت مرة واحدة عندما سمع سيف ينادي حور بـ "حبيبتي". تنهد بغضب وهو يسيطر على نفسه بصعوبة لكي لا يضرب سيف. وكل هذا بسبب... الغيرة دون علمه بالطبع؟ أدارت حور المفتاح لكي تعمل السيارة، لكن لا فائدة. حاولت أكثر من مرة. لتنظر إلى مؤشر الوقود وتجده صفراً. تنهدت بنفاد صبر وتصرخ بخفة: حور: يوووه بقى، مش وقتك خالص.
سمعها سيف ليقول باستغراب: سيف: إيه، في حاجة حصلت يا حور؟ حور مجيبة: البنزين خلص من العربية. سيف: يااا ربي. حور: هو مفيش بنزين احتياطي في العربية يا سيف؟ سيف نافياً: لا، مفيش في العربية يا حور. حور: وأنا أقرب محطة بنزين من المستشفى اللي أنا فيها بعيدة خالص. سيف: إنتي المرة دي في مستشفى إيه؟ حور: في مستشفى الأمل يا سيف. سيف: اه، طيب ماشي، أنا دلوقتي هتصرف، اقفلي. حور: ماشي، سلام. سيف: سلام. تحدث محمد بعد
أن أنهى مكالمته مع حور: محمد: إيه؟ سيف: كانت في المستشفى ونسيت التلفون في العربية، ولما كانت عايزة تيجي لقت البنزين مخلص من العربية. رضوى وسارة: الحمد لله إنها كويسة. سيف: المشكلة إنه عمي مش موجود عشان آخد العربية بتاعته، وعربيتك يا بابا في التصليح عشان الفحص الشامل. تدخل أسد قائلاً: أسد: اديني أنا العنوان وهجيبها. سيف: هتعبك معايا وأنا ورايا شغل.
أسد: لا عادي، وبعدين أنا رايح أجيب أي حد، ده أنا رايح أجيب مراتي المستقبلية. سيف ضاحكاً: ماشي يا كينج. العنوان هو ******* مستشفى الأمل. أسد راحلاً: ماشي، متقلقوش إنتوا، أنا هجيبها وأجي. همس بهذا الحديث لسيف فقط لكي لا يجلب الأنظار، ثم رحل واستقل سيارته ليقود بسرعة إلى هناك. بينما حور عندما أنهت مكالمتها مع سيف، خرجت وأخذت هاتفها معها وأغلقت الباب وبزر التحكم أيضاً، لتدخل إلى المستشفى مرة أخرى وتذهب نحو غرفة محمد.
لتجده جالساً بملل واضح من وجهه، وصباح تحاول أن تخرجه من ملله لكنه صعب قليلاً. أدخلت رأسها بطريقة مضحكة بعد أن طرقت الباب، لينظر لها محمد ليبتسم هو وصباح عندما نظروا لها، لتدخل إلى الداخل وتغلق الباب خلفها، لتقول مقتربة من سرير محمد وتقف بجانبه: حور: مين اللي مخلي حمو زعلان كده؟ محمد: أنا مش زعلان، أنا كنت في حالة ملل، بس لما جيتي طار في الهوا. حملته حور من سريره لتجلسه على الكرسي المتحرك الخاص به.
نعم، فمحمد لديه شلل في أقدامه بسبب حادث سير أصابه، وسوف تتم عملية جراحية له غداً. استغرب محمد، لكنها ابتسمت في وجهه لتغمز لوالدته صباح وتخرج من الغرفة دافعة الكرسي المتحرك للأمام. لتشرح له: حور: عايزة يا محمد لما تقوم كده بالسلامة وتشدي حيلك تبدأ بالعلاج الطبيعي، عارفة إنه هيبقى صعب شوية لأني جربته من زمان، بس صدقني هيفيدك جداً. محمد: أنا عندي أمنية واحدة بعد ما أمشي على رجليا إن شاء الله.
حور: إن شاء الله يا حبيبي، إيه هي؟ تحدثت بينما تدفع الكرسي إلى داخل المصعد لتهبط به لأسفل: محمد: عايز أحضر فرحك يا حور. حور بسعادة: ده من عينيا يا قمر إنت. محمد: هستنى أهو، وغير كده إنتي عارفة عنوان البيت. حور: أيوه عارفة. يلا بينا على جولة النهاية يا حمو. دفعت الكرسي خارج المصعد، ليرفع محمد يديه بحماس ويصرخ قائلاً: محمد: الجولة النهائية. حور: يلاااااااا.
بدأت حور بدفع الكرسي بقوة كبيرة وتبدأ بالركض وتصرخ هي ومحمد بسعادة وحماس، والجميع ينظر إلى حور بابتسامة، فهم يعرفونها منذ زمن. بدأت بالركض هنا وهناك دافعة الكرسي، وصوت ضحكاتها يملأ أرجاء المشفى كلها. وصل أسد أمام باب المشفى لينزل ويغلق الباب خلفه. اتجه نحو سيارة سيف باعتقاده إنها بداخلها، لكن ظنه قد خاب. اتجه نحو المشفى ليدخل ويسمع صوت ضحكات عالية ليستغرب، أليس على المشفى أن تكون هادئة عوضاً عن الإزعاج؟
نظر أسد في جميع أرجاء المشفى باستغراب، وما زال صوت الضحك يدوي في المكان، والممرضون والأطباء يعملون كأنه لا يوجد صوت أو أي شيء. من حقك يا أسد أن تستغرب وتندهش من هذا الوضع. لكن فجأة ظهرت حور وهي تدفع الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه محمد، الذي يرفع يديه لأعلى ويضحك بحماس وهي تضحك معه أيضاً. إذا هي سبب هذا الضحك؟ هذا السؤال دار في باله.
بقيت عيناه السوداء معلقة عليها، تضحك بعفوية شديدة وتساعد على ضحك محمد وإعطائه طاقة إيجابية لموعده الحافل غداً. هنيئاً لك يا حور، فقد نجحت في مهمتك هذه أيضاً. رغم إنه سعيد بداخله وهو يراها تضحك، إلا إنه شعر بالغضب كون جميع الموجودين يرون ضحكتها تلك. تهجم وجهه للحظة، لكنه ناداها بهدوء وصوته الجوهري، رغم هدوئه، إلا إنه هز الجدران: أسد: حور. توقفت مندهشة من هذا الصوت الذي ينادي اسمها، لتعلم إنه هو أسد لا شخص آخر غيره.
التفت نحوه لتجده واقفاً بقرب باب المشفى المفتوح، لتدير رأسها بتوتر وتنظر إلى محمد وتقول بابتسامة: حور: حمو حبيبي، الجولة النهائية خلاص خلصت. محمد بعبوس: لييه طيب، لسا شوية. حور بأسف: معلش يا حمو حبيبي عشان الوقت اتأخر جداً وأهلي كانوا خايفين عليا لأنه الليل جه من بدري زي ما إنت شايف. محمد يومئ: ماشي يا حور، المرة الجاية هنجري ورا بعض، مش إنتي تزوقيني. حور تقبله: إن شاء الله يا حبيبي.
وقفت حور بعد أن كانت تجثو على ركبتيها أمام محمد. نظرت نحو أسد الذي ما زال ينظر لها، لتلمح أسيل لتؤشر لها لتأتي نحوها وتنظر لها بمعنى ماذا؟ لتقول لها: حور: خدي محمد وطلعيه على أوضته لأني همشي دلوقتي. أسيل تومئ: ماشي، مفيش مشكلة يا حور، ترجعي بالسلامة يا حبيبتي. حور: تسلمي يا حبيبتي، سلام. سلام يا محمد. محمد وأسيل: سلام يا حور. بدأت بالسير نحو أسد وتلوح لهم.
لتمسك أسيل بالكرسي وتدفعه نحو المصعد وتتحدث مع محمد الذي يبتسم من حديثه معها لأنها تقول له بعض النكات المضحكة. بدأت بفرك يديها بتوتر وهي تتجه نحو أسد الذي وضع يده في جيب بنطاله الأزرق ببرود تام. لتسمع همس بعض الممرضات بينما تمر من جانبهن عن وسامته الطاغية تلك. لتشعر بالغضب بداخلها، لكنها نجحت بإخفاء هذا عن معالم وجهها. وقفت أمامه لتنظر إلى أصابع يدها بينما تحدثه: حور: السلام عليكم. أسد: وعليكم السلام.
حور: آسفة إني اتأخرت عليك، بس كنت بتكلم مع محمد. أسد ببرود: لا مفيش مشكلة، بس يلا اتفضلي قدامي عشان كل البيت كان خايف عليكي بسبب تأخيرك ده. حور بعبوس: مكنتش عارفة إنهم هيخافوا عليا بالشكل ده. طيب يلا نمشي بعد إذنك. أسد: اتفضلي. تحرك أسد أمامها، لتتنهد وترفع رأسها لتمشي خلفه. اتجهت إلى سيارته لتسأله وهي تشير إلى سيارة سيف: حور: طيب وعربية سيف هتفضل هنا؟ أسد: لا متخافيش، في حارس هييجي وياخدها.
حور صاعدة السيارة: طيب ماشي. اتجهت حور وصعدت في الخلف، إلا إنه تحدث بصوت غاضب هادئ: أسد: تعالي اقعدي هنا. أشار لها بيده على مقعد بجانب السائق. لتقول له بنفي ناظرة من زجاج السيارة: حور: لا مش هقعد جنبك. أسد: أنا قلت تعالي اقعدي يعني تعالي، ولا إنتي خايفة؟ ابتسم بخبث في آخر حديثه. لتنظر في وجهه بتحدي لتقول له: حور: أنا مش بخاف من حد إلا من اللي خلقه.
لتنزل من الخلف بغضب وفتحت باب المقعد الذي بجانب السائق وجلست على المقعد بغضب. ليبتسم بخبث ليدير رأسه أمامه ليدير المحرك ويبدأ في القيادة وبسرعة قليلاً. كانت هي تنظر إلى جانب الطريق الذي من جهتها ورأسها مستندة على زجاج النافذة. كان يسترق النظر لها بين الحين والآخر. أعجبه طبعها الهادئ، لينظر إلى الطريق مرة أخرى، لكنه لا يعلم ما خلف هذا الهدوء بعد. بعد 20 دقيقة.
وصل أسد إلى القصر ليدخل السيارة في الفناء ويصف سيارته ليطفئ المحرك. لتنزل حور من السيارة وتغلق الباب. ليهبط هو برجولية وبدأ بالسير خلفها. فتح أحد الخدم الباب عندما طرقته حور لتدخل وتتجه بسرعة نحو غرفة المعيشة، لتجدهم جالسين، ليرفعوا رؤوسهم عندما رأوها، ليقف سيف ويتجه نحوها ويحتضنها بقوة لتبادله الاحتضان ليقول: سيف: خوفتيني عليكي يا حور. حور: أنا آسفة، مكنش قصدي والله. سيف: أنا عارف إنه مش قصدك يا حبيبتي، عارف.
ابتعدت حور عن أحضانه لتتجه نحو والدها وتقبله على رأسه وتردف بمرح: حور: إيه يا حج، متعودناش على التكشيرة دي؟ محمد: هو لما أبقى مكشر كده مش زعل، ده خوف يا حور، فكرت إنه حاجة حصلتلك يا بنتي. حور: خلاص، وعد مني مش هعمل كده تاني أبداً أبداً. محمد بابتسامة: طيب يا حبيبتي. لتتجه نحو رضوى وتحتضنها وتحتضن سارة، لتذهب بابتسامة نحو هلال لتجده ممسكاً عكازه لتردف بغضب بينما تمسكها من يده:
حور: تاااني يا هيلو تااني، مش قلت طالما إني هنا متتمسكش العصاية. هلال: طيب ما إنتي يا هبلة مكنتيش موجودة، أمشي مع مين أنا بقى؟ حور بغباء: مع عفريتك طبعاً، وهي دي محتاجة ذكاء. هلال: ما كفاية عفاريتك إنتي علينا بقى، يلا على العشاء يا جماعة. الجميع: حاضر. أمسكته حور لتمشي معه وتصل إلى طاولة الطعام وتجلسه إلى مقعده. لتجلس هي على مقعدها ويبدأ الجميع بتناول الطعام.
انتهوا بعد مدة ليست بقصيرة، لتقف حور وتتجه نحو هلال لتمسكه وكانت تتجه نحو غرفة المعيشة ليقول لها: هلال: لا، دخليني على أوضة المكتب. حور باستغراب: لييه يا هيلو؟ هلال: عشان عايزك في موضوع يا حبيبتي. حور بشك: ماشي، بس هدخلك وأجيبلك الدواء ونتكلم بعدها. هلال: طيب. فتحت حور باب غرفة المكتب لتضيء الأنوار وتجلس جدها على الأريكة السوداء في الركن الشمالي للمكتب. خرجت مرة أخرى لتدخل المطبخ وتجلب كأساً من الماء ومعه الدواء.
في اللحظة التي خرجت فيها من المكتب، دخل أسد ليجد هلال جالساً على الأريكة ليومئ له. لتدلف حور إلى الداخل لتلاحظ أسد الذي كان متكئاً على طاولة المكتب بحركة معتادة منه تدل على فخامته. لتذهب نحو هلال وتعطيه الدواء لتضعه على الطاولة أمامها، ليربت هلال بجانبه على الأريكة، ثم تجلس حور بجانبه ليبدأ هلال محادثاً إياها بهدوء. ودلف في هذه اللحظات سيف ومحمد، لتنظر لهم حور بشك لتعلم إنه موضوع خطير وكبير جداً.
هلال: بصي يا حور، أنا عارف إنك بنت عاقلة وهتفهمي اللي هقوله دلوقتي ويا ريت متقاطعنيش وأنا بتكلم. حور: ماشي حاضر، بس إنت قلقتني. هلال: لا متقلقيش. المهم إنه النهاردة عرفنا إنه عمك سيف الله يرحمه كاتب وصية تانية. عقدت حاجبيها باستغراب. وصية ثانية؟ وما شأني بها؟ أكمل هلال: هلال: عمك بقى في الوصية دي طالب إنه سارة وسيف أخوكي يتخطبوا ويتجوزوا في أسبوع واحد بس. حور بفرحة: طيب حلو يا هيلو. هلال: بس في حاجة تانية كمان.
حور: إيه هي؟ هلال: إنك إنتي وأسد ابن عمك هتتخطبوا لبعض وتتجوزوا في نفس الأسبوع اللي سارة وسيف هيتجوزوا فيه. حور بصدمة: إيييه؟ صدمة حلت عليها لتنظر نحو أسد بنظرة سريعة لتجده مكتف يديه نحو صدره وينظر لها باهتمام. لترجع بنظرها إلى جدها الهادئ لتتحدث والصدمة لم تزل: حور: طييب ليه كتب كده؟ هلال: السؤال ده هتعرفي إجابته من الرسالة اللي سابها لك دي. مد يده لأسد ليعطيه الرسالة التي كتب عليها اسمها في غلافه.
ليمدها إلى حور لتمسكها بسرعة وتفتحها لتخرج الورقة البيضاء المطوية وتفتحها وتبدأ بقراءتها بينما تحرك شفتيها بين الحين والآخر من دون إصدار أي صوت. لتمر خمس دقائق ثم تنزل الورقة من أمام ناظريها وملامحها هادئة. نظرت إلى وجه هلال الهادئ وسيف ومحمد اللذان كانا متوترين، ما عدا أسد الذي كان هادئاً. نظرت مرة أخرى إلى جدها هلال لتقول بهدوء وثقة صدمتهم، وأكثرهم هو:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!