تحميل رواية «حور الاسد» PDF
بقلم سهام محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان يحب واحدة فخذلته ولعبت به. كانت تحبه فخذلها واستغلها أسوأ استغلال. لتقسم على أن تعود إلى نفسها الصغيرة وتتمرد عليه وتريه الويل لكي يندم على استغلالها، لكن على طريقتها الخاصة. توقفت عن الشعور للحظات فقط تريد أن يستوعب عقلها الصغير ما تحدث به هذا الأحمق الواقف أمامها لتقول بهدوء غير مصدقة إياه: "أنت مجنون صح؟!" ليرد عليها بجمود بارد وعيناه مثبتة في عيناها: "لا مش مجنون." لتصرخ في وجهه وهي تتخصر بطفولية سائلة إياه: "أومال اللي أنت عملته فيا دا يتسمى إيه إن شاء الله؟" تحدث ببرود وهو ينظر إلى ظلا...
رواية حور الاسد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سهام محمود
جلست نردين بجانب ياسر بغضب شديد، متحدثة بغضب أكثر:
نردين: رجعوا النهاردة من تركيا، آل إيه آل قضوا شهر العسل برة.
ياسر بملل: خلاص يا نردين، سيبيهم إنتي في حالهم و خلي موضوعهم عليا أنا.
نردين بإنزعاج: إنت أساسا معملتش حاجة، كل مرة تقول سيبيني يا نردين اهتم أنا بالموضوع، الاقيك معملتش حاجة يا ياسر بيه.
ياسر: لا المرة دي فعلاً، هسببله مشكلة في الشركة زي إلي عملتهاله في فرع شركة تركيا، عشان كدة سافر تركيا هو و مراته، يعني مش بيقضي شهر عسل ولا بصل حتى.
نظرت نحوه نردين بصدمة، لكنها ابتسمت، ثم بنبرة فرحة تحدثت:
نردين: طيب إيه الخطة الجاية يا ياسر؟
ياسر نافياً: لا مش هقولك دلوقتي، خليها مفاجأة.
نردين بعبوس: كنت عايزك تقولي بس مش مهم.
ياسر: عشان كدة بقولك خليها مفاجأة.
نردين: تعرف أنا بتمنى إيه في اللحظة دي؟
ياسر: بتتمني إيه يعني يا نردين؟
نردين بوعيد: اتمنى إنه أقتل حور بأيديا عشان ارتاح منها نهائي، و فعلاً موتها هيبقى على إيدي أنا مش حد تاني.
ياسر: طيب ليه كل الحقد دا عليها، و هي معملتش ليكي أي حاجة او أذتك حتى؟
نردين: حور دي من أول ما اتولدت و هي أخدت اهتمام و حب الكل، حتى أسد من أول ما اتولدت كان هو أول حد شالها، مش أبوها بس. إلي فادني بعدين إنه لما اتعرض لحادث بقى عنده فقدان ذاكرة جزئي، خلاه مش فاكر أي حاجة عن حور دي أبداً.
ياسر بذهول: بتتكلمي جد ولا بتهزري؟
نردين: بتكلم جد، إيه إلي يخليني أهزر في موضوع زي كدة يعني؟
ياسر: طيب و عشان فقدان الذاكرة دا، هو أكيد لازم يبقى نسي حد تاني غير حور دي؟
نردين: لا في دي بقى حاجة غريبة، هو فاكر كل حاجة حصلت معاه و كل الناس إلا هي، عشان كان مرتبط بيها ارتباط قوي، و غير كدة هي كانت معاه في الحادث كمان، عشان كدة دا أثر أكتر على فقدانه لذاكرته.
ياسر: أمممم، يبقى كدة و سبب جوازهم هو وصية أبوه مش كدة؟
نردين تومئ: أيوه السبب هو الوصية، بس مش عارفة ليه، إن في حاجة ورا موضوع الوصية دي.
ياسر: يعني هيكون في إيه؟
نردين: هو أكيد في حاجة.
أصبحت تفكر هي في الموضوع بشدة، بينما بدأ ياسر بجانبها بالعمل على بعض الأوراق، غير مهتم بها.
***
في صباح اليوم التالي، حيث قصر أسد الذي ملأته أشعة الشمس الدافئة، لكن أسدنا القوي كان يهرول مع ليثه حول قصره الكبير، ثم مضت بضع دقائق ليذهب هو و ليث إلى الجناح الخاص به، عندما وصل إلى باب الجناح حمل ليث بين يديه، فيفتح ليث الباب، ثم دلفا إلى الداخل، فيغلق أسد الباب بقدمه.
تقدم نحو السرير، ثم كان ليث سيزأر، إلا أن أسد أشار إليه بالصمت، و رغم صوته إلا أن أعصاب ليث بقيت مشدودة بسبب اشتمامه لرائحة أنثوية تعبق في أرجاء الجناح، و غير هذا وجد جسد ضئيل نائم على السرير، تقدم أسد أكثر نحو حور النائمة بعمق، فيجثي على ركبتيه أمامها، و أنزل ليث ليقف على الأرض، ثم تحدث مشيراً لحور:
أسد بهدوء: من النهاردة و رايح يا ليث، طول ما حور في القصر هتبقى في حمايتك.
نظر نحوه ليث كأنه يسأله من تكون حور تلك، فيفهم أسد نظرته بسرعة، فيكمل:
أسد: حور دي تبقى مراتي و شريكة حياتي، زي ما انت في يوم من الأيام هيبقى ليك عيلتك و مراتك كمان، عشان كدة أنا بقولك إنه حور لازم تبقى في حمايتك، لأنه في عندي أعداء و انت عارف كدة.
قفز ليث على أسد، ثم بدأ يداعب وجهه بأنفه و مقدمة رأسه، يعبر عن فرحه الشديد لأسد بأنه قد حظيى بشريكة حياته أخيراً، أشار إليه أسد بأن يخرج لأنه سوف يذهب إلى العمل، فيخرج ليث بسرعة بعد أن فتح الباب بمفرده، ثم يغلقه أسد خلفه.
استدار أسد ممسكاً بمنشفة و بعض الثياب، إلا إنه نظر بخبث نحو حور، ثم ترك الثياب ليتجه نحو الحمام ليستحم، ثم يفرش أسنانه و يتوضأ، ثم بدأ يجفف جسده من المياه، و بعدها لف خصره بمنشفة أخرى، ثم خرج مجففاً شعره الفحمي.
ما أن خرج من الحمام سمع صوت صراخ حور، فينظر نحوها ليجدها تخبئ وجهها بين يديها، فيبتسم بخبث على نجاح خطته، لكنه تحدث ببرود:
أسد: إيه في إيه عشان تصرخي على الصبح كدة؟ دا حتى كمان الخدم هيفكروا غلط و يفكروا إننا بنعمل حاجة على الصبح.
أنهى حديثه بنبرة و نظرة خبيثة جعلت حور تنزل يديها بصدمة فاغرة فاهها بسبب حديثه، إلا إنها تبدلت ملامحها بسرعة إلى غيظ و انزعاج، ثم أمسكت بالوسادة التي بجانبها لتقذفها في وجهه قائلة:
حور: أه يا سافل يا قليل الأدب، إيه الكلام المعفن إلي بتقوله دا؟
أمسك أسد الوسادة بخفة، ثم بنظرات باردة و صوت أبرد:
أسد: أنا مش سافل و قليل الأدب كمان، و بعدين مش أنا إلي بقول الكلام المعفن دا، الناس إلي موجودة في القصر هي إلي هتقول الكلام دا يا ذكية.
رمى الوسادة على السرير، فتكتف حور يديها انزعاجاً، ثم تقف من على السرير ذاهبة إلى نحو الحمام، لتضع يدها على مقبض الباب ثم تفتحه، إلا ان صوته الذي أرعش جسدها اوقفها قائلاً:
أسد: جهزيلي هدومي عشان أروح الشركة.
حور بغيظ: حااااضر.
دلت إلى الحمام، ثم أغلقت الباب بقوة جعلت الجدران تهتز لقوة الانغلاق، فيتحدث أسد سراً:
أسد: بالراحة لحسن يطقلك عرق ولا حاجة.
فينصدم عندما سمعها تصرخ من الحمام قائلة:
حور: مش هيطقلي عرق، دا انت إلي هيطقلك عرق من كتر التفكير.
همس لنفسه بصدمة:
أسد: يا نهار اسوح، عرفت منين إني بقول عنها كدة؟
حور صارخة: ملكش فيه، إلبس هدومك و اسكت.
أسد بذهول: يا بنت المجنونة!
حور: متشتمش أمي، لأنه ملهاش دعوة.
أسد بصراخ: لااااااء بقى كدة زادت اووي على فكرة.
ضحكت حور بإستمتاع، بينما تجفف وجهها من المياه، ثم تخرج لتجده يصلي، فتبتسم لأنها تراه يؤدي واجبه، لذا ابتعدت من أمامه لتذهب نحو السرير، ثم تقف عليه و تسير فوقه، ثم تقفز قفزة قصيرة، و بعدها اتجهت نحو غرفة ملابسه، و التي أيضاً أصبحت غرفة ملابسها، ثم بدأت تختار له ثياب تناسب الشركة.
أنهى فرضه ليدلف إلى الداخل، ثم يجدها هي تخرج متحدثة، مشيرة إلى الداخل من دون أن تنظر إليه:
حور: هدومك جاهزة جوا على الكرسي، عن إذنك هروح أستحمى.
و من دون حتى أن تنتظر رده، أمسكت بمنشفتها الوردية، ثم ذهبت إلى الحمام، و بدأ الغضب يغلي بداخله، و كان سيتحدث إلا إنه توقف عندما تذكر حديثها، و كيف إنها استطاعت أن ترد عليه حتى من دون أن تسمع حديثه، فيكمل سيره إلى داخل غرفة الثياب، و توقف أمام الكرسي، فيجد بذلة سوداء مع قميص أسود فخم و جزمة سوداء لامعة، امسك القميص بين يديه، يلفه بإستغراب، ثم تحدث بإعجاب:
أسد: هي شكلها بتحب اللون الأسود، ولا أنا متهيألي؟
رمش عدة مرات ناظراً إلى الأمام كأنه ينتظر إجابة منها، لكنه ألقى نظرة أخيرة على القميص، ثم بدأ بارتداء ملابسه، ثم امسك بهاتفه و مفاتيح سيارته و خرج من الجناح.
أما هي فخرجت مرتدية الإسدال، ثم بدأت تؤدي فرضها بخشوع، لتنتهي بعد مدة ليست بقصيرة، ثم بدأت بارتداء ملابسها، و التي هي عبارة عن بنطال جينز أزرق داكن مع تيشرت بأكمام أسود سادة، و عليه حجاب أبيض من القطن الصافي، و ارتدت أيضاً حذاء مسطح أبيض مخطط بأسود، ثم امسكت بهاتفها و خرجت من الجناح متجهة إلى الأسفل، وجدت أسد يترأس الطاولة المستقيمة ذات الطول الهائل، فتجلس على جانبه الأيمن، فتجده يمسك بيده اليسرى هاتفه الأسود و يرتشف بعضاً من القهوة، نظرت نحو فنجان القهوة بإزدراء، ثم تحدثت:
حور: يععع، إنت إزاي تقدر تشرب القهوة على الصبح كدة؟ دي طعمها يقرف، أستغفر الله العظيم، هوووف!
أنزل فنجان القهوة، ثم نظر نحوها ببرود، ليتحدث بنبرة أبرد:
أسد: أنتي إلي بتشربي القهوة ولا أنا؟
حور بغباء: أنت أكيد!
أسد: لسانك إلي بيدوقها ولا لساني؟
حور: لسانك طبعاً!
أسد: بتنزل في معدتك ولا معدتي؟
حور: معدتك طبعاً!
أسد: يبقى ملكيش دعوة، أقدر أشربها على الصبح إزاي ولا مقدرش.
بوجه خالي من التعابير نهائياً، استقام من جلسته، ثم ألقى نظرة أخيرة عليها، ليستدير ثم يذهب و يخرج من القصر نهائياً، متجهاً نحو عمله.
أما هي فكانت تموت من غيظها، فتجد أمامها كأس من عصير التفاح، فتمسك به بسرعة و تبدأ بإفراغ ما فيه في جعبتها دفعة واحدة، ثم استقامت من جلستها ناوية الصعود لأعلى، لكن تنبيه رسالة على هاتفها اوقفها، لتفتح الهاتف، فتجدها رسالة من رقم مجهول، فتقرن حاجبيها بإستغراب، ثم تفتح هاتفها، فتجد محتوى الرسالة كالأتي:
"مفيش خروج من القصر ولا حتى ألمح خيالك من برة، و لو عرفت إنك خرجتي أنا مش عارف هعمل فيكي إيه، عشان ابقى كدة حذرتك يا حور. A.s"
نظرت بصدمة إلى الحرفين، ثم ردت على الرسالة:
"أنت جبت رقمي منين؟ و بعدين ملكش دعوة بيا!"
ظهر رداً على رسالته محتواها كان:
"عندي طرقي الخاصة و ملكيش دعوة"
أغلقت الهاتف بغضب، ثم اتجهت لأعلى، لتجلس على السرير بملل، لكنها نظرت نحو الخزانة، فتبتسم بخبث، ثم فتحت الخزانة لتبدأ بالعبث بها مع ابتسامة شقية، لكنها و بينما هي تبحث في أشياءه، سقط كتاباً على الأرض، فتتوقف عن البحث ناظرة إلى الكتاب المرمي، ثم انحنت ممسكة به، ثم وقفت، قلبت الكتاب، فتجد طرف صورة فوتوغرافية ظاهرة منه، فتسحبها لتنصدم بشدة، لماذا صورتها تتواجد في الكتب، بل لماذا إلى الآن يحتفظ بها؟
أعادت الكتاب إلى مكانه و أغلقت الخزانة، ثم بخطوات بطيئة جلست على طرف السرير، لتنظر إلى الصورة بشرود تام، تتذكر على أثره ذكرى لهذه الصورة.
#Flash Back#
تجري حور بسرعة في حديقة جدها الكبيرة بسعادة مع تصاعد صوت ضحكاتها، ثم تنظر خلفها فلم تجد أحداً يتبعها، فتستند على جذع الشجرة بتعب تتنفس بسرعة، فتسمع صراخ سيف الفرح قائلاً:
سيف: مسكت سارة، مسكت سارة يا أسد، مسكت حور ولا لسا؟
إختبئت هي خلف الشجرة جيداً، و ضآلة حجمها ساعدتها، و من أجل أن لا تنكشف بسرعة أمسكت بشعرها الطويل، تضعه على جانب واحد، و وضعت يد على فمها من أجل أن لا تصدر أصوات، سمعت نبرته المشاكسة، فشعرت بوجهها ينفجر خجلاً و قلبها قفز من مكانه:
أسد: لا هلاقيها متخافش أنت، المهم اقفش سارة كويس عشان متجريش تاني.
سيف بضحك: أمرك يا كبير.
رمقت سارة الصغير سيف بنظرات مغتاظة، ثم عقدت ساعديها بسبب انزعاجها، فكان مظهرها جميلاً جعل سيف ينفجر ضحكاً أكثر من السابق، فتغضب ثم ركلته بقوة على قدمه جعلته يتركها، ثم يقفز على قدم واحدة يصرخ قائلاً:
سيف: يا مجنونة يا بنت المجانين!
ضحكت سارة بصخب، ثم لاذت بالفرار، تجعله يركض ورائها مرة أخرى بعد أن أمسكها بصعوبة بالغة.
حور التي تختبئ خلف جذع الشجرة، نظرت خلسة إلى الأمام فلم تجد أحداً، ثم استدارت ببطء، فتجد أسد أمامها ينظر إليها بهدوء، لحظة صمت مرت عليهم، هي تضع كف يدها الصغيرة على فمها و تمسك شعرها الطويل بيدها الأخرى، و هو جاثي على ركبتيه أمامها ينظر نحوها بهدوء، بينما هي بادلته النظرات المنصدمة، ثم انزلقت يدها التي على فمها لتبدأ بالصراخ بقوة، مما جعله يسد أذنيه من قوة صراخها، فتستغل هي الوضع لتلوذ بالفرار هي الأخرى بقوة، و هو صرخ خلفها بشقاوة:
أسد: همسكك يعني همسكك يا حور.
حور مرددة: مش هتقدر.
أصبحت تلف حول الشجيرات الصغيرة لكي تربكه من أجل أن لا يمسكها، بينما هي في وسط صراخها الحماسي، وجدت نفسها ترتفع في الهواء عالياً، مما جعلها تضحك بصخب أعلى من ذي قبل، فتسمع همسه الهادئ في أذنها:
أسد: أنا مش قلتلك إني همسكك يا حوريتي؟
أومئت بينما تضحك، واضعة كف يدها على فمها، لكنه أزاحه بإنزعاج قائلاً:
أسد: مش قلتلك مية مرة لما تضحكيلي خليني أشوف ضحكتك و متخبيهاش عني؟
حور بأسف: أيوة قلت، أسفة مش هعمل كدة تاني.
أسد: ماشي، أخر مرة، يلا بينا عشان نشوف سارة و سيف عملوا إيه؟
تعلقت هي بعنقه، بينما هو يثبتها بيد واحدة، ثم أوقفه صوتها الطفولي:
حور: أسد، أنا عايزة أتصور و تخلي الصورة معاك على طول و متسيبهاش ابداً.
أسد بإبتسامة: ماشي و ماله، يلا اصورك على التلفون هنا، و بعد كدة هخلي بابا يعمل عليها صورة أكبر و تقعد معايا.
حور: فكرة هايلة، يلا صورني.
أنزلها على الأرض، ثم أجلسها، ليبدأ بترتيب وضعية جيدة لها، كأنها فنان يتفنن في رسم رسمته، لينتهي، ثم يخرج الهاتف من جيبه و بدأ بألتقاط الصورة، و كانت قمة في الروعة، فتراها هي، ثم تبتسم، فيقول بخبث:
أسد: طيب مفيش كلمة شكراً لحبيبك؟
حور ببخل: شكراً يا أسد.
أسد نافياً: لا، في حاجة ناقصة كمان.
حور بتساؤل: إيه هي يا أسد؟
أسد: البووووسة يا حور.
شهقت حور بخجل، و كان شكلها ظريفاً، لكنها ابتسمت، ثم امسكت بوجهه بخفة، لتقبله على كلتا وجنتيه، ثم يضحك هو، ليحملها مرة أخرى و يعودا للعب معاً، و سيف و سارة يتشاركان اللعب معهما أيضاً بسعادة.
#End Flash Back#
نزلت دمعة حارة بينما تتذكر ذلك، لكنها مسحتها بسرعة، ثم تبدلت إلى ابتسامة صافية، ثم تبدلت ملامحها إلى أخرى متعجبة، ثم قالت:
حور: بس هو إيه إلي خلاه محتفظ بالصورة لحد دلوقتي؟ الصورة دي بقالها زمان، أكيد في حاجة عشان الصورة تبقى لحد دلوقتي!!
وقفت هي، ثم أعادت الصورة إلى مكانها، و من ثم نزلت لأسفل متجهة إلى المطبخ، فينظر نحوها العاملون فيه بصدمة، فيتجه كاميرون إليها مسرعة ليتحدث بلباقة:
كاميرون: عايزة حاجة من هنا يا بنتي؟
حور بإبتسامة: أممم، عايزة إيه بصراحة، أنا عايزة حاجات كتيرة.
كاميرون: ليه يا بنتي؟ طيب قوليلنا أنتي عايزة إيه و إحنا هنعمله.
حور بإبتسامة: لا يا عمو، أنا عايزة أجهز الغدا لأسد، بس عندي طلب يا عمو.
كاميرون: أنتي تؤمري مش تطلبي يا بنتي.
حور: ما يؤمر عليك ظالم يا عمو، أنا مش عايزة أسد يعرف إنه أنا إلي جهزت الأكل، بس هو طلبي و أتمنى إنك مترفضش.
كاميرون: حاضر يا بنتي، طيب اتفضلي يلا عشان نجهزه.
حور بحماس: يلا بينا.
رفعت حور أكمام التيشرت عن ساعديها، ثم بدأت بإعداد الطعام مع كاميرون الذي كان يساعدها بدوره، و كانا يتحدثان، و جميع من في المطبخ كان ينظر نحو حور بتعجب، رغم أنه كان بإمكانها أن تقول ماذا تريد على الغذاء، إلا إنها تواضعت و بدأت تطهو، و غير ذلك طلبت أيضاً أن لا يعرف أسد بأنها من طهت الطعام.
بعد مرور ساعتين، انتهت حور و كاميرون من طهو الطعام، ثم خرجت هي لتصعد لأعلى نحو الجناح، فتحت الباب ثم دخلت، فتغلق الباب بقدمها، ثم اتجهت نحو الشرفة، ثم استندت على السور الحجري لتمعن النظر في أرجاء القصر، لترى أن القصر محاط بأعتى الرجال صلابة من الداخل و الخارج أيضاً، تفاجأت هي من كثرة الحراسة حول القصر، لكنها تذكرت بأنها زوجة أسد سيف السيوفي، و ابنة محمد السيوفي، بالتأكيد لديه أعداء كثر بسبب نجاحه في مجال عمله الواسع.
ابتسمت بخفة، ثم كانت تنوي أن تدخل، إلا أنها رأت سيارة أسد تدخل إلى فناء القصر، فتسير بخطوات بطيئة، لتخرج من الجناح، ثم الممر و السلم، و أخيراً قطعت الصالة، فتجلس على إحدى الأرائك الفردية، ثم فتحت هاتفها و بدأت تلعب به لعبة سباق سيارات، و تصدر أصواتاً حماسية، سمعت صوت الباب يفتح ثم يغلق، فتنظر إليه نظرات مختلسة، لكنها لم تجده، عقدت حاجبيها بإستغراب، فتنزل الهاتف، فتنظر إلى الأرجاء و لم تجده، وضعت يدها على رأسها، ثم تحدثت:
حور بتعجب: هو راح فين دا؟ لسا داخل لحق يختفي؟!! عندي حق لما قولتله دراكولا فعلاً!!
سمعت صوته البارد يهمس في أذنها، فتشعر برعشة تسير على طول عمودها الفقري:
أسد: بتدوري عليا ليه يا حور؟
حور بغباء: هو للدرجة دي أنا مهووسة بيه عشان أسمع صوته في ودني كمان! لا و بحس نفس الإحساس اللي بحس بيه لما يهمس في ودني بجد؟!! سبحانك يا رب!!
أسد ببرود: سبحان الله على غبائك!!
حور بإنزعاج: لا كدة كتير، مش للدرجة دي بقى!!
أسد: إنه إيه؟
حور بغباء: إنه أسمع صوتك في ودني دي حاجة مش…. مش… طبيعية؟
نظرت إلى جانب كتفها، فتجد رأسه بجانب رأسها، بل و ينظر إليها أيضاً مستنداً بجسده على ظهر الأريكة، و هي كانت تتحدث إلا أنها بدأت تتحدث ببطء بعد أن رأته، و تنهي حديثها بنبرة متسائلة غبية لدرجة لا توصف!!
أما هو فنظر نحوها بصمت، ثم اعتدل في وقفته، ليفك زر بذلته السوداء، فيظهر من أسفلها قميصه الأسود المشدود بسبب عضلاته القوية، ثم نزع الجاكيت ليرفع بيده ممسكاً به على كتفه، نظرت هي الأخرى نحوه بصمت، ثم وجدته يصعد السلم متجهاً نحو الجناح لكي يبدل ملابسه.
نظرت هي إلى طيفه الذي ذهب، ثم اتجهت إلى المطبخ تخبر كاميرون أن يبدأ بتجهيز الغذاء على طاولة الطعام، ثم صعدت هي بخفة سريعة، ثم فتحت الباب لتطل برأسها من الباب مثل اللصة، لم تجده في الغرفة، فتسمع صوت تدفق المياه صادر من الحمام، لتتجه نحو الخزانة لتفتحها، ثم أخرجت له بنطال أسود و تيشرت أسود بنصف كم، و وضعتهم على السرير، ثم خرجت من الجناح كأنها لم تأتي، لتنزل فتجد ان ترتيب الطعام على الطاولة قد شارف على الانتهاء، لتساعدهم قليلاً مع بعض الحديث المرح الذي تشاركه مع الخدم.
خرج من الحمام مجففاً رأسه و يلف منشفة حول خصره، فيجد ملابس سوداء على السرير، ليعقد حاجبيه بإستغراب، ثم تفحصهم ليبتسم بجانبية على ذوقها الرفيع في اللون الأسود مثل ذوقه تماماً.
ارتدى الملابس بسرعة، ثم شعث شعره بيده بسرعة، ثم امسك هاتفه و خرج من الجناح، نزل السلالم بسرعة، ثم اتجه نحو طاولة الطعام، فيجدها جاهزة و جميع مأكولاتها التي يحبها موضوعة عليها، ثم ابتسم بخفة، لينظر نحو كاميرون الواقف بجانب حور، فيتحدث بإبتسامة:
أسد: هو أنت متوصي بيا النهاردة ولا إيه يا كاميرون؟
كاميرون: لا ابداً يا أسد باشا، دا واجبي مش أكتر، عن إذنك بالهنا و الشفا.
أسد و حور: اتفضل.
رحل كاميرون نحوه عمله، و الذي كان أن يطعم ليث، ف وجبة طعامه قد حان وقتها بالفعل، جلس أسد، ثم جلست حور ليبدأا بتناول الطعام، و حور تنظر بخلسة إليه، شعر هو بذلك، ثم تحدث ناظراً لها:
أسد: عايزة تقولي إيه؟
ارتبكت حور، ثم نظرت نحوه كأنها لا تريد أن تقول شيئاً:
حور: أنا هممممم، خلاص هقول.
أسد: قولي!
حور: أنا عايزة منك إنه تخلي الشغالين هنا يجيوا يوم و يوم على القصر، مش كل يوم، و إن كان على المطبخ، كفاية يبقى فيه إتنين مش عشرة بحالهم كدة، حرام يتعبوا على الفاضي، هو أصلاً مفيش حد بياكل الأكل دا غيرك و أنا معاك.
ترك ما في يده، ثم نظر نحوها قليلاً بتفكير، ثم سأل:
أسد: طيب و أنتي ليه عايزة كدة؟
حور بأبتسامة: اولا عشان هما بني آدمين زينا زيهم، و أكيد كل واحد منهم ليه عيلة، و هما كل يوم هنا مينفعش الواحد يتحرم من أهله و ناسه إلي بيحبهم، عشان كدة أنا فكرت إنهم يجيوا يوم و يوم أحسن من كل يوم، و منه كمان تبقى راحة ليهم.
أسد ببرود: ماشي، هفكر و ابقى أرد عليكي بالليل.
حور بسعادة: بجد شكراً ليك يا أسد، شكراً.
دق قلبه بسرعة و تنفسه اضطرب عندما سمع لفظ اسمه من بين شفتيها، لا يعلم لماذا يشعر بالسعادة بسبب ذلك، نظر نحوها بذهول لحاله، بينما هي تتناول طعامها بسعادة، تنهد هو بخفة، ثم عاد إلى تناول طعامه مرة أخرى، متعجباً من تغير حالة كيانه بسبب لفظها لاسمه.
في الليل**
جلست حور في الشرفة بعد أن أخذت حماماً دافئاً، ثم بدأت جولتها في اللعب بحماس كعادتها، بعد أن حادثت العائلة و سارة أيضاً، و هلال الذي لن تنساه بالطبع.
أسد الذي يجلس في مكتبه يعمل على بعض من أوراق عمله، ليقاطع تركيزه صوت رنين هاتفه، فيترك القلم من يده، ثم امسك هاتفه، فيجد أن المتصل جده، نظر بإستغراب، ثم رد قائلاً:
أسد: السلام عليكم يا جدي!
هلال بإبتسامة: و عليكم السلام يا ابني، عامل إيه؟
أسد: بخير الحمد لله، أنت صحتك عاملة إيه؟
هلال: كويس والله.
أسد: دايماً يا حاج، دايماً إن شاء الله.
هلال: ربنا يخليك، حور عاملة إيه؟
أسد: كويسة يا جدي، لسا من شوية كانت بتكلم سارة.
هلال: طيب كويس، أنا كنت عايزك في موضوع يا أسد.
أسد بأهتمام: اتفضل يا جدي!
هلال: أنا كلمت سيف و سارة أنهم يجوا يعيشوا معايا في القصر بدل ما يقعدوا لوحدهم، عشان اختك و انت عارف إلي حصل.
أسد متنهداً: أيوه عارف، سيف قالي إنه موافق و سارة كمان موافقة، و غير كدة دي حياتهم و هما حريين، أهم حاجة عندي تبقى أختي مبسوطة و مرتاحة.
هلال: يعني أنت معندكش اعتراض؟
أسد: لا معنديش اعتراض أبداً على كدة.
هلال: طيب كويس، طيب ما تيجي أنت و حور كمان تعيشوا معايا، ابقى لميت العيلة كلها تحت سقف واحد، ابقى عملت إلي عليا.
أراح أسد ظهره على الكرسي، ثم تحدث بإبتسامة خفيفة:
أسد: لا معلش يا جدي، سامحني، مش هقدر أوافقك على كلامك دا.
هلال بعبوس: لييه يا ابني بس؟
أسد: جدي أنا ليا شغلي و بيتي، و غير كدة خلاص أنا مبقتش وحدي، أنا متجوز و لازم تبقى ليا حياتي و خصوصيتي كمان.
ضحك هلال بصخب بعد أن عرف لماذا أسد رفض طلبه، فيتحدث:
هلال: أه منك يا شقي، عشان كدة، طيب ما تقول من الأول إنك عايزة تبقى مع حور لوحدك و الدنيا تبقى فاضية عليك.
أسد بإبتسامة: خلاص يا جدي، أنت فهمت أهوه.
هلال: والله أنت كدة خليتني مرتاح، كنت خايف إنه علاقتكم متبقاش كدة عشان متجوزين بسبب وصية ابوك الله يرحمه.
أسد: لا يا جدي، كل حاجة تمام، و أنا كلمت حور في الموضوع دا، بس هي قالتلي إنه الكلمة الأخيرة كلمتك.
ها هو الآن يشعر بالسعادة تغمره بسببها، لأنها فعلاً تحترمه و تعتبره زوجها، فيبتسم بهدوء، ثم تحدث:
أسد: لا خلاص يا جدي، جوابي وصلك و مفيش مناقشة تاني.
هلال: خلاص يا ابني، زي ما انت عايز.
أنهى أسد حديثه مع جده بعد مناقشة بعض الأشياء التي تخص الشركة، ف جده ماهر في مجال الهندسة المعمارية، أراح ظهره قليلاً متنهداً، ثم طرق الباب ليأذن للطارق بالدخول، ليفتح الباب فيرى أن الطارق هو كاميرون، الذي ابتسم له بإحترام، ثم أغلق الباب خلفه، تقدم بضع خطوات أمام مكتب أسد، ثم تحدث:
كاميرون: مساء الخير يا باشا.
أسد: مساء النور، هاه يا كاميرون، في حاجة؟
كاميرون: أيوة يا باشا، في حاجة حصلت النهاردة و لازم تعرفها.
أسد بأهتمام: إيه هي؟
كاميرون: إلي جهز الغداء النهاردة يا باشا، مش أنا ولا الطباخين.
أسد بإستغراب: أومال مين يا كاميرون؟ حور يعني هي إلي جهزته؟
أومئ كاميرون، ينظر في عيني أسد، ثم أكمل قائلاً:
كاميرون: فعلاً يا باشا، هي إلي جهزت الغداء، و أنا بس إلي ساعدتها، و حتى كمان طلبت مني أني مقولش لحضرتك، و موضحتش السبب.
أسد بشرود: ماشي يا كاميرون، ممكن تروح انت دلوقتي.
كاميرون: تصبح على خير يا باشا.
أسد: و انت من أهله.
خرج كاميرون من المكتب مغلقاً الباب خلفه، أما أسد الذي مسح على شعره بخفة، ثم وجه نظر إلى سقف الغرفة المزين، ثم ابتسم بخفة، ليقف من على الكرسي، ثم خرج من المكتب ليصعد نحو الليث الخاص به، ليداعبه و يتحدث معه و يفهمه، ليث و كان سيزأر، لكن أسد أشار إليه بالصمت من أجل أن لا ترتعب حور و من في القصر.
خرج من غرفة الليث، ثم اتجه بوجه بارد إلى جناحه، ليفتح الباب، فيسمع صوتها المرح يصرخ قائلاً:
حور بحماس: هوب هوب، عديها يلا عديها، هيييييييييييييه ^-^ شاطر، يلا أهوه كدة اللعب ولا بلاش.
اتجه نحو الشرفة، ثم اتكئ على الزجاج، ثم نظر إليها، كانت تتناول لوحاً من الشوكولاتة الداكنة، و شفاهها رغم الظلام، إلا أنك تستطيع رؤيتها حمراء دموية، أعتدل في وقفته بعد أن يأس من أن تلاحظه، ثم تأحم قليلاً، فتلتفت هي ناظرة إليه، ثم تحدثت:
حور بإبتسامة: مساء الخير.
أسد مبتسماً بخفة: مساء النور.
أشارت حور إليه بالجلوس، فيجلس مقابلاً لها على الكرسي، ثم قدمت له بعضاً من الشوكولاتة، متحدثة:
حور بطفولية: تأخد قضمة؟
أسد ببرود: لا، أنا مش عيل عشان آكل الحاجة دي.
حور بعبوس: خلاص أنت الخسران، و بعدين دي حلوة أووي، مقعول مبتحبهاش؟ دا أنت كنت بتموت فيها!!
أسد: كنت بموت فيها؟!!!
نظرت إليه حور بتوتر، ثم ضحكت ضحكة مهزوزة، فقالت:
حور: لا لا، متأخدش في بالك، كلام عبيط لساني قاله ههههههه.
أسد بلا مبالاة: ماشي، أنا فكرت في الموضوع إلي أنتي قلتهولي.
حور بحماس: هااااه، إيه رأيك؟
أسد: موافق على الفكرة لأنها مش بطالة، بس هيبقى في شرط.
حور: شرط؟ شرط إيه هو؟ قول؟
أسد: أنك تجهزيلي أنتي الأكل على طول، و هو دا الشرط.
حور بسعادة: إن كان على تجهيز الأكل، سهلة، دا أنا فكرته شرط كبير جداً.
أسد: لا هو دا الشرط.
حور: طيب ماشي، عن إذنك شوية و هرجع.
أسد: ماشي.
خرجت هي من الجناح ركضاً، ثم اتجهت إلى المطبخ، حيث كاميرون موجود هناك، فتتحدث بسعادة:
حور: كاميرون، بكرة إجازة للكل للي شغال في القصر، و بعد كدة هتشتغلوا فيه كل يوم و يوم.
كاميرون بصدمة: إزاي يا بنتي؟؟! و أسد باشا وافق على كدة؟
حور: عادي، أنا قلتله و وافق، و بكرة إجازة للكل، من بعد بكرة هتيجوا للقصر، و يوم إجازة و يوم شغل، يوم إجازة و يوم شغل، و هاكذا.
كاميرون: ماشي يا بنتي، شكراً ليكي بجد.
حور: الشكر لله يا عمو، و انت كمان خد إجازة معاهم عادي.
كاميرون: لا يا بنتي مينفعش، أنا عندي شغل تاني في القصر.
حور: عمو كاميرون خد إجازة بكرة، و إبقى بعد كدة تعالى على طول لو عايز.
كاميرون: ماشي يا بنتي، عن إذنك أنا بقى أروح أقول لباقي الشغالين في القصر.
حور: ماشي يا عمو، تصبح على خير.
كاميرون بإبتسامة: و أنتي من أهل الخير.
غادرت حور المطبخ بخطوات مهرولة نحو الجناح، ثم فتحت الباب لتدلف إلى الداخل، ثم أغلقت الباب، و كانت ستتجه إلى الشرفة، لكنها رأت أسد نائماً على السرير، لتسير نحوه، ثم جثت على ركبتيها لتمعن النظر في وجهه، فتقبل وجهه، و بعدها جبينه، و من ثم ذهبت إلى الحمام، بدلت ملابسها إلى شورت قطني و تيشرت بنصف كم باللون الرصاصي، و من ثم أطلقت سراح شعرها الطويل، فرشت أسنانها، فتنظر إلى شفتيها الحمراء، لتضحك بخفة، نزعت العدسة لتضعها مكانها، ثم تخرج بعد أن نزعت هي العدسة من عينها أمامه، لم تهتم للأمر، تضعها في النهار، ثم تخرجها قبل أن تنام.
استلقت هي بجانبه، ثم نظرت نحوه لتبدأ شيئاً فشيئاً بالنوم، و تستسلم كلياً له….
رواية حور الاسد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سهام محمود
ها هي الأن محاصرة بين ذراعيه بوجهها المشتعل من الخجل وعيناها تدور في أرجاء الجناح بتوتر.
ثم تحدث هو ببرود ناظراً في عينيها المتوترة:
أسد: هو أنا مش قايل إنّي مش بحب حد يبوسني وأنا نايم، ولا لا؟
حور بتوتر: والله غصب عني، مش قصدي يا أسد، والله تاني.
نظر نحوها باستغراب، تتحدث بتوتر وكأنها على وشك البكاء، وبالفعل، عيناها أصبحت حمراء. أمسك ذقنها ثم رفع وجهها، فتنظر في عينيه الكاحلتين. ثم رفع إبهامه الأيمن مخرجاً عدستها من عينها اليسرى، فتظهر عينها الصفراء. فيتحدث بهدوء، عكس قلبه الذي دق بسرعة عندما ظهرت عيناها.
أسد: طول ما أنتي في الجناح هنا، متحطيش عدسة عشان عينك متوجعكيش، لأنها بتوجع عينك بعدين.
أومأت هي بهدوء، ثم تركها ذاهباً نحو غرفة الملابس لكي يرتدي ملابسه ويذهب إلى الشركة. أما هي، فهرولت نحو الحمام لكي تستحم وتبتعد عنه قليلاً بسبب خجلها. وغير ذلك، كادت أن تنسى بأن الخدم أخذوا إجازة، لكنها تذكرت بأنه يوجد الطباخ وخادم واحد فقط لكي يعدون طعام الإفطار ثم يذهبون. تنهدت براحة، ثم نزعت ثيابها لتستحم. غسلت شعرها جيداً، ثم وضعت على جسدها سائلاً معطراً برائحة الفراولة التي تحبها، ثم غسلت جسدها جيداً، وتبدأ بتجفيفه برقة كعادته مع ابتسامة مدندنة لإحدى الأغاني.
أمسكت منشفة أخرى وجففت شعرها الطويل جيداً. ثم ارتدت ملابسها والأسدال، وخرجت وهي تنظر كلصة، وعلى ما يبدو بأن هذه الحركة ستصبح عادة عندها بسببه، على أي حال!!
لم تجده في الجناح، فتغلق باب الحمام. وبعدها أدت فرضها بخشوع، ثم اتجهت نحو الخزانة، فتخرج بنطال جينز أزرق داكن، وأعلاه تيشرت أحمر بأكمام، وحجاب أبيض. نزعت الأسدال، ثم بدأت بارتدائهم، ولكن قبل أن تلف الحجاب، بدأت تمشط شعرها وجعلته يصل لنصف ظهرها، ثم أدخلته أسفل ملابسها، وبدأت بلف الحجاب الأبيض حول رأسها بلفة بسيطة كالعادة.
انتعلت الحذاء الأبيض وأمسكت بهاتفها، ثم خرجت من الجناح بخطوات مهرولة، ونزلت السلم بسرعة، ثم دخلت إلى غرفة الطعام، فتجده هو. وقف يهندم ثيابه، فتسير هي نحوه قائلة:
حور: أنت هتروح الشغل على طول؟
نظر نحوها، ثم أمسك بهاتفه وتحدث:
أسد: أيوة، بس ممكن أرجع بدري النهاردة عشان مفيش شغل كتير، وعلّيكي إنتي تجهزي الغداء.
حور بإنزعاج متكتفة: عارفة، مش لازم تفكرني يعني.
أسد راحلاً: قلت أقولك عشان أفكرك، لأنك بتنسي كتير الأيام دي.
خرج من باب القصر ثم أغلقه. فأغتاظت حور كثيراً من حديثه، لتخرج لسانها بطفولية، ثم تجلس على الطاولة، وتبدأ بتناول طعامها بهدوء. وبعد أن انتهت، ساعدت الخادم في ترتيب الطاولة بعد معاناة من إقناعها لمساعدته. ذهب الخادم والطباخ بعد أن جهزا وجبة الغداء، والآن القصر هادئ جداً، بث القليل من الخوف في قلبها.
صعدت لأعلى حيث الجناح، فتحت الباب ودلفت إلى الداخل، ثم أغلقته خلفها. جلست على طرف السرير تنظر للأمام بملل شديد، جعلها تتذمر كل دقيقة. نظرت في ساعة الهاتف، فتجد إنه باقي نصف ساعة على موعد عودة الأسد إلى عرينه، لكنها هذه المرة لن تتركه وشأنه.
بينما هي جالسة تعبث في هاتفها، صوت قوي صادر من الغرفة التي بجوار الجناح هزت جدران القصر بأكمله. ارتجفت يدها وسقط الهاتف، ثم همست برعب:
حور: دا… دا صوت زئير أسد!!
وقفت، ثم أصبحت تقفز وتولول قائلة بغباء لا متناهي:
حور: دا أسد إزاي هيجي من أفريقيا لهنا؟؟! أكيد في حاجة، يا لهوتي! دا أنا لسا متنهيتش بشبابي، ولا حتى زهقت أسد.
وقفت فجأة، ثم وضعت يدها على رأسها، وخرج صوتها الذي هدّأ:
حور: طيب، ما أنا أروح أشوف إيه في إيه جنب الأوضة وأرجع عادي.
خرجت حور من الجناح وسارت ببطء نحو باب الغرفة الأبيض. وقفت أمامه، ثم ابتلعت رمقها، لتضع يدها على مقبض الباب وأدارته قليلاً، ثم نظرت بعينيها بخفة. لم تجد أي شيء أمام ناظريها، ثم فتحت الباب بقوة، واضعة يدها اليمنى على خصرها، والأخرى موضوعة على الباب، ثم قالت بسخرية:
حور: هااه، وأنا اللي مفكرة إنه هنا في حاجة، وهو مفيييييييييش…. يا لهووووووتي! إيه دا؟؟!
ثم صرخت بقوة و تركت الباب مفتوحاً وتصرخ، بينما الذي أمامها ينظر إليها بملل وبرود أشد من صاحبه!!
***
في شركة السيوفي للمعماريات.
حيث أسد جالساً يعمل على بعض من أوراق العمل المهمة، فيجد الباب يطرق، ليسمح للطارق بالدخول. فيفتح ويظهر من خلفه أحمد، الذي دخل مهرولاً:
أحمد: أسد باشا، في عندي خبرين حلوين لسا جايين من مصادرنا.
أسد باهتمام: إيه يا أحمد؟
أحمد: المناقصة اللي إحنا مستنينها بتاعت الوفد التركي هتبدأ بعد شهر من دلوقتي، وصفقة رئيس شركة (هايدن Haiden) للأدوية الصناعية بدأت تبحث عن شركة كويسة عشان تهتم بتصميم مصنع كبير على تصميم هما شبه مبتكرينه.
أسد: طيب كويس يا أحمد، حاول إنت تهتم بالموضوع ده كويس عشان يبقى لينا.
أحمد بتوتر: بس هو في موضوع تاني حضرتك لازم تعرف بيه.
ترك أسد ما في يده، ثم نظر إلى أحمد باهتمام:
أسد: إيه هو؟
أحمد: صفقة اللبناني هيبقى ليها شرط جزائي لو متعملش التصميم على ذوقهم، وكمان لو متعملش في وقت مناسب هما هيحددوه. دا غير إنه الشرط الجزائي اللي هيتعوض على بياض، هما هيحددوا المبلغ بدون مناقشة. ومناقصة الوفد التركي لو خسرنا فيها، هياخد الشرط الجزائي فيها 75% من أسهم الشركة. يعني ببساطة، إحنا لو خسرنا في الاتنين هيبقى دمار لينا ولك يا باشا.
ابتسم أسد باستمتاع، ليرتعب أحمد. نعم، يرتعب. ف عندما يبتسم أسد تلك الابتسامة، سوف تحدث كارثة فوق الطبيعية بسبب تفكيره ودهائه الخبيث. فيخرج صوته:
أسد: إحنا هناخد الاتنين دول. حاول تجمع أكبر قدر من المعلومات الخاصة من مصادرنا، وعشان نضمن إننا نكسبهم.
أحمد: أمرك يا باشا.
خرج من المكتب وبدأ يجري بعض الاتصالات الهامة لكي يلبي طلب أسد.
بينما أسد بدأ يعمل على أوراق جديدة، وفي منتصف عمله، صوت تكتكة صدر من أسفل مكتبه. فينحني ويجد جهاز أسود وتضيء منه لمبة حمراء. اعتدل في جلسته، ثم تنهد قائلاً:
أسد: أكيد عرفت ليث، ودلوقتي قاعدة تصرخ. أروح أنا بقى، أحسن تخرب الدنيا ومفيش حد في القصر.
استقام في وقفته، ثم أمسك جاكيت بدلته وأرتداه بحركة سريعة رجولية، وأمسك هاتفه وخرج من مكتبه. فتح باب مكتب أحمد، ثم أطل منه بنصف جسده وتحدث:
أسد: أنا ماشي يا أحمد عشان في حاجة مهمة لازم أعملها. عندك باقي الملفات واهتم بيها.
وقف أحمد، ثم تحدث باحترام:
أحمد: أمرك يا باشا، كل حاجة هتبقى تمام، وأنا ههتم بالموضوع كله، متقلقش إنت.
أسد: سلام.
خرج مغلقاً الباب خلفه، ثم وضع يده اليسرى في جيب بنطاله ببرود، وسار نحو المصعد بخطوات متزنة رجولية، مع وجه بارد بدون تعابير كالعادة.
استقل المصعد لأسفل، ودلف بداخله، فتنغلق الأبواب لينزل لأسفل، مع مرور بضع ثوانٍ. فتحت أبواب المصعد، فيخرج منه، فيقف الجميع محيّنه، بينما نظرات النساء يحترقن شوقاً من نظرة واحدة، رغم علمهم بأنه متزوج، لكن ماذا يمكننا أن نفعل من أجلهن؟! لا شيء بالطبع!!
خرج من الشركة، ثم صعد سيارته السوداء بفخامة، وبدأ يقودها نحو القصر، بينما ثلاث سيارات محملة بالكثير من الحرس الأقوياء. أما هو، أزل زجاج النافذة لأسفل، فيمسك عجلة القيادة بيده اليمنى، ووضع مرفق يده اليسرى على حافة الباب، وينظر للأمام بشرود.
***
حيث بطلتنا حور، التي تنظر برعب للذي يهز ذيله ببرود، ناظراً نحوها. تنفسها سريع، قدماها ثبتتا على الأرض كما الخشب، ودقات قلبها السريعة تستطيع سماعها عن بعد أيضاً. همست بخفوت بسبب رعبها:
حور: دا… دا إيه… اللي جابه هنا؟؟! وبعدين دا أسد وصل إزاي هنا؟
تراجعت للخلف ببطء، بينما هو لاحظ حركتها الفاشلة. ثم بسرعة استدارت وركضت بسرعة نحو السلم، ومن رعبها وخوفها لم تفكر في أغلاق الباب. فيستغل ليث الفرصة ويذهب خلفها، فيقف على أعلى السلم، بينما هي في منتصفه. لتدير رأسها تنظر إليه، فتجده، ليرتعش جسدها بعنف، ثم زاد خوفها أضعافاً، مما جعلها تركض نحو الصالة إلى غرفة الطعام، ثم تغلق الباب خلفها، وتعود بضع خطوات إلى الخلف بظهرها، وتنظر إلى الباب برعب، تطمئن نفسها بأنه لن يستطيع فتح الباب.
ليث هز ذيله مرتين، ثم نزل السلم بسرعة، وأحنى رأسه إلى الأرض يشتم رائحتها ويسير على قوائمه الأربعة بسرعة ثابتة. توقف عند الباب، فيرفع رأسه، ثم وجد الباب مغلقاً. أصدر صوتاً منزعجاً، لأنها تظنه غبياً، لكنه العكس، فهو ذكي. رفع جسده، ثم استند على قوائمه الأمامية، ثم فتح الباب، فينزل مرة أخرى، دافعاً الباب، وينظر إلى المصدمة أمامه، التي قالت بنفس النبرة:
حور بصدمة: دا إزاي قدر يفتح الباب؟؟ سبحانك يا رب!!
أشارت إليه، ثم بدأت بالبكاء المزيف، قائلة تندب حظها:
حور: لييه كدة يا ربي! أنا كنت عايزة أموت موتة محترمة، ويوم ما هتخليني أموت، هبقى غدا للكائن المفترس دا. وبعدين أنا لسا معندتش كفاية مع أسد، ولا زهقته في حياته، ولا علمته الدرس عشان ميستغلينيش تاني في حياته، ولا حتى عرفته إنه أنا حبيبته الصغيرة. وبعدين مش كفاية عليا أسد بشري، لا أبتليتني بأسد حيواني كمان؟ لاااااااا!!
نظر إليها ليث ببرود، ثم أصبح يتقدم نحوها، بينما هي فجأة أصبحت فوق طاولة الطعام الطويييلة جداً، وعادت للخلف بضع خطوات. رفع ليث نفسه على الكرسي أولاً، وبعدها إلى الطاولة، وبدأ يتقدم خطوة، وهي تعود ثلاث خطوات. في الحقيقة، ليث اعتقد أن حور تعرف عنه، لكن اتضح له العكس. ورغم عدم إيذائه لها، كان يجب أن تعرف بأنه حيوان أليف، لكن هي لم تعرف هذا، وكانت فكرة جيدة بأن أسد عرف ليث على حور، وإلا الآن هي كانت ميتة بين مخالبه لا محالة!!
ليث يريد الاقتراب منها لأنه يريد أن يلعب معها ويحظى بمداعبتها قليلاً، لكن يبدو بأن هذا لن حالياً. تقدم خطوة أخرى لتعود هي للخلف، ثم تعثرت قدمها بالتحفة الفنية الموجودة، لتقع على ظهرها بقوة، مما جعلها تغلق عينيها وتئن بصوت عالٍ. وعندما أنت بألم، خاف عليها ليث، ثم أصدر صوتاً قلقاً عليها، لكنها اعتقدت بأنها آخر لحظاتها.
هي من رعبها لم تفكر في إمساك هاتفها والاتصال بأسد أو أي أحد، أو حتى أن تصرخ طالبة المساعدة. الرعب غلب على حواسها جميعها. رفعت رأسها ل ليث، ثم امتلأت عيناها بالدموع، وتعود للخلف. في هذه اللحظة، وصل أسد إلى القصر، ثم نزل من سيارته بخطى سريعة، فتح الباب وأغلقه خلفه. جالت أنظاره بسرعة في أرجاء القصر، فوجده صامتاً ومظلماً بعض الشيء، وشكله يبعث الرعب في نفس الشخص. دق قلبه بسرعة، ثم سار نحو الأمام، وكان سينادي، إلا أنه رأى باب غرفة الطعام مفتوحاً. فينظر من خلاله بتخفٍّ، فيجد حور تزحف إلى الخلف، وليث أمامها. تنهد هو بخفة، ثم تسلل بهدوء من الباب الثاني، وسار نحوها. فيجدها على وشك السقوط، إلى أنه أسندها بصدره، لكنها أقرب إلى معدته، فبالحقيقة.
اصطدم ظهرها ببداية صدره الصلب، فتنظر لأعلى، فتجده ينظر إليها باستمتاع، لكنها لم تلاحظ هذا من رعبها وخوفها. أنزلت رأسها، ثم أشارت ل ليث أمامها، وقالت بتشتت:
حور: أسد أسد أسد أسد أسد اسد.
من تشتتها، لم تستطع أن تقول له شيء واضح، أصبحت تنادي باسمه وتقول "أسد" لعله يفهم. وهو بالفعل فهم، لكن عوضاً عن صمته، أصبح يضحك؟!! فجأة!!
نظرت له بصدمة، ثم رفعت رأسها، وكانت ستدير جسدها، إلا أن يدها انزلقت لتمسك بجسد أسد، الذي اندفع بقوة، فيسقط على الأرض، وما زال يضحك. أما هي، اعتدلت، فكانت تجلس فوقه، ونظرته نحوها، فأنزعجت منه وضربته على صدره بقبضتها الصغيرة، مما جعله يتوقف ويقول:
أسد: أنتي مكنتيش شايفة وشك كان عامل إزاي؟ ههههههه.
ثم انفجر ضحكاً مرة أخرى، فتقول بانزعاج وغضب:
حور: أنت بتضحك عليا عشان شكلي يا بارد؟ تصدق إنك إنسان مستفز فعلاً! دا في أسد في القصر وأنت ولا هامك؟
توقف عن الضحك، لكنه أبقى ضحكة لعوبة مع نظرات مستمتعة، ووضع يده اليمنى أسفل رأسه، ويده اليسرى أمسك بها خصرها، ولم تشعر به، ثم تحدث:
أسد: دا ليث، وأنا اللي مربيه. هو كان عايز يلعب معاكي، بس إنتي اللي جبانة وخوفتي منه بسرعة.
نظرت له بغضب وانزعاج، ثم عقدت ساعديها أسفل صدرها، وتحدثت:
حور: إزاي أنت مربيه ومقولتش قدامي إنه في أسد في البيت؟ وغير كده، إنت عرفت إزاي إنه عايز يلعب معايا؟
أسد: هقولك. ليث، تعال هنا بسرعة.
قفز ليث من على الطاولة، ثم وقف بجانب حور، التي صرخت وكانت ستبتعد، إلا أن يد أسد على خصرها منعتها. أغمضت عينيها بخوف، ودقات قلبها، استطاع أسد أن يسمعها. نظر أسد إلى ليث وأشار بعينه له أن يجلس، فجلس. أمسك أسد يدها وتحدث بهدوء:
أسد: أنا هخليكي تلمسيه، متخافيش، ماشي.
سحبت يدها بسرعة، تهز رأسها بعنف، بينما عيناها مغلقة بقوة. ثم أمسك يدها مرة أخرى وتحدث:
أسد: إنتي بس خليكي واثقة فيا، وخليني أخلي إيدك تلمسه.
اتجه بكف يدها نحو رأس ليث وظهره، وبدأ يمرر يدها على رأسه وظهره ببطء، معيداً الكرة. شعرت هي بملمس ناعم جداً، فعقدت حاجبيها باستغراب، ولاحظ أسد انعقاد حاجبيها. خرج صوتها سائلاً، بينما يدها تمرر على جسد ليث:
حور: دا ناعم أووي؟؟
أسد بابتسامة: أيوة ناعم. تقدري تفتحي عينك، متخافيش. هو مش هيعملك حاجة مهما حصل، هو عايز يلعب معاكي مش أكتر.
بتردد، فتحت عينيها ببطء، ثم نظرت في عينيه الكاحلتين، التي أومأت له. ثم نظرت إلى ليث، ووضعت يدها الأخرى عليه تداعبه، وهي تنظر لأسد، ثم ابتسمت بخفة. بينما أسد ينظر إليها بابتسامة، شعر فجأة بصداع شديد يجتاح رأسه، مما جعله يئن ويريح رأسه على الأرض ممسكاً بها.
نظرات قلق صادرة من حور وليث نحو أسد، الذي يتألم. كوبت حور وجهه بين يديها، ثم همست بخوف:
حور: أسد مالك فيك إيه؟؟
أسد متنهداً: مفيش حاجة، صداع شديد بس شوية وهيمشي.
حور: ماشي. قوم استحمى، من ما تخلص أكون جهزتلك الغداء.
أسد: ماشي.
نهضت حور من على أسد، لينهض هو بدوره من على الأرض، ثم بدأ يسير خارجاً من غرفة الطعام. وبعدها اتجهت هي نحو المطبخ لكي تعد الغداء، بينما ليث يجلس في الصالة. أعدت الغداء ورتبته على السفرة، ثم وجدت أسد ينزل من على درجات السلم بسرعة، وبعدها دلف إلى غرفة الطعام، لتسأله هي:
حور: أحسن شوية؟
أسد: أيوة أحسن.
حور بابتسامة: طيب كويس، يلا بقر عشان تأكل، وبعد كده ترتاح شوية.
أسد يجلس: ماشي.
جلس على مقعده، ثم جلست حور على يمينه، وبدأ هو بتناول الطعام، لتبدأ هي أيضاً بتناول طعامها. بعد مدة خمس أو ست دقائق مرت، تحدث أسد ناظراً إلى حور:
أسد: جدي كان متكلم معاكي في موضوع أو حاجة؟
نظرت إليه باستغراب، ثم فكرت قليلاً، لكنها تذكرت، فتحدثت:
حور: اااه أيوة، كان قايلي إنه هيكلم سيف وسارة عشان يعيشوا معاه في القصر، وكان قايلي إنه هيكلمك إنت كمان عشان نعيش معاه، بس أنا… أنا… توترت في نهاية حديثها.
فنظرت هو في عينيها باستمتاع، ثم تحدث ببسمة جانبية:
أسد: بس إنتي إيه؟
حور: بس أنا مقدرتش أقول حاجة عشان الكلمة في الآخر كلمتك، والشورى شورتك.
أسد بخبث: لييه الكلمة كلمتي؟ مش إنتي على أساس مش معتبراني حد مهم في حياتك؟ اااه صحيح، أنا بالنسبة لك إيه؟
حور: يعني أنت مش عارف؟
أسد بخبث: لا مش عارف.
نظرت إلى صحنها بلامبالاة، ثم هزت كتفيها قائلة بملل:
حور: خلاص مش عارف، مش عارف. أنت من امتى أساساً بتعرف حاجة.
همست في آخر حديثها، مما جعله يسألها مصطنع الغباء، رغم سماعه إياها:
أسد: بتقولي حاجة؟
حور: لا لا مش بقول!!
أسد: ااه، أصلي فكرتك بتقولي حاجة.
نفت برأسها عدة مرات سريعة، مما جعله يبتسم مدة مدة من الوقت. انتهيا من تناول الطعام، فيصعد هو لأعلى، وتركها هي ترتب السفرة. انتهت، لتفتح الثلاجة وتخرج طبقاً من المثلجات بنكهة الشوكولاتة الخام، مما جعلها تهمهم بلذة من مجرد رؤيتها له. أغلقت الثلاجة، وأمسكت بملعقة حلوى صغيرة لتغرسها في المثلجات، وتخرج بسرعة من المطبخ متجهة إلى الصالة، فتجلس على الأريكة المواجهة لشاشة العرض، وشغلت فيلم الأجنبي "الجميلة والوحش" بنسخته الحديثة. أمسكت الطبق وجلست القرفصاء في منتصف الأريكة، وبدأ الفيلم، لتبدأ هي معه بتناول المثلجات.
رويداً رويداً، بدأت يتحول لون شفتيها من اللون الوردي إلى اللون الأحمر القاني، كأنها تضع أحمر شفاه. رآها ليث جالسة، بينما كان يتجول بملل في أرجاء القصر، ليذهب نحوها ويقفز بجانبها، مما جعلها تنتفض بشدة، لكنها تنهدت، ثم جعلته يجلس بجانبها، وبدأت بمداعبته، بينما تشاهد الفيلم. أتى إعلان، ثم نظرت نحو ليث بملل، وقالت بعبوس مبرزة شفتيها للخارج:
حور: ليث، القصر ملل جداً. مفيش حاجة نعملوها هنا في القصر الكئيب دا؟
هز رأسه كأنه يفهمها، مما جعلها تبتسم، ثم حك رأسه في ذراعها، وبعدها عض طرف ملابسها من الأسفل، يحثها على النهوض. ل تنهض باستغراب، ليبدأ بالسير أمامها نحو المطبخ، وهي خلفه.
ذهب نحو الباب، ثم رفع نفسه وفتح الباب، فتنظر هي إليه بحماس، كأنها استكشفت أمراً نادر الحدوث:
حور: بقى كدة، أنت فتحت الباب؟ ااااه يا شقي، زي صاحبك تماماً في أيام طفولته.
أغلقت عينيها، ثم قالت بحسرة مصطنعة، جعلت ليث ينظر إليها ببرود:
حور: الله يعودها أيام، كانت حلوة جداً.
فتحت عينيها، لتجده ينظر إليها ببرود، لترفع حاجبها الأيسر وتقول:
حور: إيه، مالك بتبصلي البصة دي ليه؟ زي أسد بكره البصة دي منك ومنه على فكرة.
هز رأسه بيأس، ثم خرج أمامها، فتتبعه، وبعدها تشهق بفرحة، منظر بديع أمامها: أرض خضراء مثل البساط تماماً، والمسبح بطوله وعرضه الشاهق، مع تحف فنية على جانبيه، مع شجيرات متوسطة الطول دائرية الشكل ومقلّمة جيداً أيضاً. تقدمت بضع خطوات للأمام أيضاً، ثم نظرت لجانبها الأيمن، فتجد ممراً صخرياً يجول في أرجاء الحديقة، مع بعض الزهور والورود المتناثرة في الأرجاء. فتدير رأسها لجهتها اليمنى، فتجد أرجوحة طويلة تتسع لثلاث أشخاص باللون الأبيض السكري، وبجانب الأرجوحة طاولة خشبية بسطح زجاجي مع ستة كراسي خشبية، وغطاؤها أبيض سكري.
أدارت رأسها عدة مرات، ثم تحدثت ناظرة ل ليث الذي بجانبها:
حور: حلو أووي المكان دا يا ليث، شكراً ليك بجد. من أول ما جيت هنا وأنا مطلعش من القصر.
هز ذيله بسعادة، ثم بدأ باللعب الكثير، مما جعلها تضحك بسعادة عارمة، ثم نزعت حذاءها ورفعت بنطالها، لكن قبل ذلك نظرت في الأرجاء لكي ترى إن كان يوجد حرس أم لا، فلم تجد، لتجلس على حافة المسبح وتنزل قدميها في الماء ببطء، وتصدر أصواتاً غريبة من برودة الماء المنعشة. حركتهم قليلاً في الماء لعتاد عليها، ثم ابتسمت، عاضة على شفتيها، وبدأت بتحريكها لأعلى وأسفل بسرعة، مما جعل الماء يتراشق في الأرجاء، وبضع قطرات أتت على جسد ليث، مما جعله يكشر عن أنيابه بانزعاج. جعلتها تنظر إليه بتوتر، لكنه وضع رأسه على فخذها، ورفعه بعد ثانية تماماً، مما جعلها تبتسم، وهو فعل هذه الحركة لكي لا تخاف منه، ونجح في هذا فعلاً.
بعد مدة نصف ساعة في الشمس، نهضت لتنزل بنطالها وترتدي حذاءها مرة أخرى، ثم اتجهت نحو الأرجوحة، فتجلس عليها بقوة، مما جعلها تهتز وتبدأ بالتحرك. فيقفز ليث إلى جانبها بخفة ويجلس. رفعت جسدها جيداً، ثم تثاءبت حور بتعب. نظر ليث لها، وهو يراها تسند رأسها على ظهر أريكة الأرجوحة، داعب يدها برأسه، مما جعلها تدير رأسها له، نظرت إليه وبدأت تسأله:
حور: أنت عايزني أتكلم عن أسد شوية؟
هز رأسه وذيله معاً، مما جعلها تبتسم، وتبدأ بالحديث قائلة:
حور: بص يا سيدي، أسد دا شخص غريب جداً بمعنى الكلمة، محدش بيفهمه بسرعة، وكمان مبيحبش يتكلم عن حاجة تخصه لحد أبداً. دا كان شخص قلبه طيب وكبير، وما زال قلبه كده، بس كان بيضحك ويهزر كمان، وبيحب يلعب كتير أووي كمان. بس بعد الحادث اللي حصله وخلّاه في حالة فقدان ذاكرة جزئي، بقى شخص بارد في تعامله ومستفز في تصرفاته. دا حتى إنه حب واحدة اسمها سردين، ومخدش في الآخر إلا وجع القلب.
تحدثت في آخر حديثها بعد الانزعاج بنبرة حزينة. شعر ليث بحزنها، ليبدأ بمداعبة قدمها برأسه بخفة، مما جعلها تبتسم وتكمل:
حور: فعلاً مخدش في الآخر غير وجع القلب. بقى بارد جداً، وبقى دمه تقيل، وبطل ضحك. همه الوحيد دلوقتي بقى الشغل. في شغل يبقى أسد موجود، مفيش شغل يبدأ هو يشتغل على أي حاجة تافهة. دا حتى عشان يتجوزني استغل الوصية بتاعت عمي الله يرحمه. متوقعتش منه كده بصراحة. بس أنا أول ما شوفته، منكرش إنه شكله حلو بعينيه السودا وشعره الأسود، ولأنه بحب اللون الأسود، أنا تلقائياً بقيت أحبه كمان وكمان. فاكرة لما ماما قالتلي هو عمل إيه لما كانت بتولدني….
***
في قصر هلال، حيث القصر هادئ لدرجة مخيفة. لا يوجد أحد أبداً عدا رضوى وأسد، الذي كان جالساً بجوارها على السرير، يملس على بطنها المنتفخة، لأنها حامل بحور في أواخر شهرها التاسع. داعبت رضوى رأسه بابتسامة، ليبادلها هو بنفس الابتسامة، وأردف قائلاً:
أسد: مرات عمو، هو أنتي مش حامل في بنت؟
رضوى تومئ: أيوة يا حبيبي، بنوتة.
أسد: يبقى هي هتبقى بتاعتي أنا.
ضحكت رضوى بصخب، ثم تحدثت بشقاوة معه:
رضوى: طيب، وبعد ما تبقى بتاعتك، هتعمل بيها إيه؟
رفع أنامل يده، ثم بدأ يعد على أصابعه قائلاً:
أسد: هربيها، وبعد كده أعلمها الصح من الغلط، وأخليها تتعلم الحروف زيي، عشان لما أكبر أنا وهي تكبر، عشان أتجوزها.
رضوى بضحك: هههههه، يا شقي.
ركلة قوية من قدم الطفلة جعلتها تشهق بخفة، ثم تبتسم، ليقول أسد بقلق:
أسد: مالك يا مرات عمو، فيكي حاجة؟
رضوى: لا متخافش، دي البنوتة بتضربني عشان شقية زي باباها.
أسد: هههههه، هي دي لازم تبقى مراتي بأي شكل كان.
رضوى بتعجب: لييه إن شاء الله؟
أسد بغرور: عشان مينفعش تبقى مرات أسد سيف السيوفي، أي حد. لازم تبقى زي مرات الأسد، لبؤة شرسة.
نظرت نحوه بصدمة فاغرة الفم من شدة دهشتها من حديثه الذي يسبق سنه. هذا الطفل غريب حقاً، وعجباً عليك يا زمن. تنهدت بخفة، تهز رأسها يميناً ويساراً، ثم فجأة شعرت بألم حاد أسفل بطنها، وتحديداً في رحمها، حيث شهقت بقوة وبدأت تصرخ، مما جعل أسد بجانبها يفزع، ثم أمسك يدها ويقول:
أسد: مرات عمو، مالك؟ إنتي كنتي لسا كويسة؟
رضوى بألم: ألحقني يا أسد، بولد. روح أتصل بعمك عشان يجي.
أسد مهرولاً: حاضر حاضر، إنتي بس اتنفسي بالراحة وعلى مهلك.
أومأت له، ثم بدأت تتنفس بهدوء، وكل ثانية الألم يزداد أضعافاً مضاعفة. خرج من الغرفة بسرعة ليتجه نحو غرفته، ويمسك هاتفه ويتصل على عمه محمد، الذي رد مبتسماً قائلاً:
محمد: إيه يا أسد، عايز حاجة قبل ما أجي؟
أسد: ألحق يا عمو، مراتك بتولد، تعال بسرعة.
محمد منتفضا: بتقول إيه؟ رضوى بتولد؟ دي لسا قدامها أسبوع كمان!!
أسد ببرود: طالما إنت سمعتني، بتسأل ليه تاني؟ ويلا بسرعة.
محمد بغيظ: أه يا ابن ال****، روح عندها، مسافة السكة وهاجي.
أسد: ماشي، وهدي نفسك لحسن يطقلك عرق.
أغلق الهاتف في وجهه، وبدأ يشتمه بأفظع الشتائم، بينما يخرج مهرولاً من الشركة. أما أسد، ألقى هاتفه على السرير يضحك، ثم خرج راكضاً بخطواته الطفولية نحو الغرفة، فتح الباب وصعد على السرير، ثم أمسك بيد رضوى وطمأنها قائلاً:
أسد: اتصلت بعمي وهو جاي أهو، مسافة الطريق بس.
رضوى بتعب: مش… مش قادرة يا أسد، وجع فظيع، اااه يا ربي.
ارتبك أسد، ثم بدأ يمسح عرقها الذي يتصبب بدون توقف، وقال:
أسد: اتنفسي يا مرات عمو، وهو هيوصل بسرعة إن شاء الله.
تنفست رضوى بسرعة، سرعان ما اقتحم محمد الغرفة بقوة، ليتنظر له رضوى بتعب، وأسد أيضاً. اتجه نحوها بسرعة، ثم تحدثت ممسكة بيده بقوة:
رضوى: ألحقني يا محمد، مش قادرة، بموووت يا محمد.
محمد بتوتر: متخافيش، هاخدك المستشفى دلوقتي.
أومأت له، ثم نظر هو لها قليلاً، لكنه فزع عندما صرخ به أسد قائلاً بغضب:
أسد: بسرعة يلا، مستني إيه؟ عايز أشوف مرااااتي ياااا عاااااااالم.
محمد بصدمة هامساً: يا ابن المجنونة.
صرخت رضوى، لينتفض كلاهما، ثم يسرع محمد بحملها، بينما نزل أسد أمامه، ثم أمر الخادمة بجلب حقيبة الطفلة إلى السيارة، بينما خرج هو وفتح الباب الخلفي لسيارة عمه، ليجلس رضوى بها ويغلق الباب، ثم صعد إلى خلف المقود وجلس أسد بجانبه ومعه الحقيبة، ثم انطلق محمد يقود السيارة بسرعة نحو المشفى.
وصل إلى المشفى بسرعة، ثم نزل ليطلب من الممرضات كرسياً لينقل به زوجته، بينما طلب أسد من الممرضة أن تأخذ الحقيبة وتذهب مع زوجة عمه.
وقف أسد مع عمه، الذي يقطع الردهة أمام غرفة الولادة ذهاباً وإياباً بقلق على زوجته، الذي يسمع صراخها المتألم، وقلبه يدق بسرعة مع توتر وخوف شديدين. بينما أسد تنهد بملل، ثم تحدث:
أسد: كفاية يا عمي، إنت دوختني معاك. اثبت في حتة.
توقف محمد أمام أسد، ثم أرجع شعره للخلف بحركة متوترة منه، لكنه رفع سبابته في وجهه، ثم تحدث بغيظ منه:
محمد: إنت وولّد، اسمعني، اللي أنا بمر فيه ده طبيعي عشان مراتي بتولد، فاهم؟
أسد: طبيعي؟ اللي هو إزاي إن شاء الله؟
محمد شارحاً: يعني إنه اتوتر وبخاف على مراتي، ده طبيعي، لأنها بتولد. لما تتجوز ومراتك تولد، هتفهم إنت.
أسد بثقة: مراتي أساساً لسا بتتولد جوه يا عمي.
محمد: تقصد إيه يا أسد؟
أسد: مراتي هي بنتك.
محمد صارخاً: نعممم! بنت مين دي اللي هتبقى مراتك يا أخويااا!
رفعه من ياقة تيشرته، ولخفة وزنه مع قصر قامته، جعله بمظهر مضحك جداً، لكنه نظر إليه ببرود، ثم قال:
أسد: أولاً، بنتك إنت، هي اللي هتبقى مراتي. ثانياً، أنا مش أخوك، أنا ابن أخوك.
أنزله، ثم صك أسنانه بغضب، لكن فجأة صوت صراخ رضوى توقف، ويبدأ صوت صراخ الطفلة الصغيرة، مما جعل محمد يضحك بسعادة، ومعه أسد، الذي تحمس لرؤية طفلته. نقلوا رضوى إلى غرفة أخرى، ليجلس أسد على الأريكة، بينما جلس محمد على الكرسي بجانب رضوى النائمة من التعب، ثم بدأت العائلة بالقدوم، حيث أتى سيف مع سيف الصغير، الذي يلعب مع سارة، التي تحملها نادية، وأحمد أيضاً، وهلال، الذي كان يتحدث مع أسد، لكن قاطع حديثهم دخول الممرضة تحمل الطفلة، ثم تحدثت:
الممرضة: بنتك يا أستاذ محمد، اتفضل.
وقف أسد، ثم تحدث بغضب شديد:
أسد: محدش هايشيلها غيري أنا الأول.
محمد: نعم، بس أنا أبوها، ومن حقي إني أشيلها أول واحد.
أسد ببرود: مليش دعوة. لو مشلتهاش أنا أول واحد، محدش هيشيلها.
هلال: خلاص يا محمد، سيبه يشيلها.
محمد: بس أنا أبوها يا حاج.
أسد: وأنا جوزها، من حقي إني أمسكها.
محمد: من ساعة ما رضوى كانت بتولد، وهو معلق على كلمة مراتي. مش عارف أعمل معاه إيه؟
هلال: خلاص يا محمد، خليه يشيلها.
سيف: خلاص يا محمد، خليه يشيلها. ولا إنت عندكش مشكلة إنه يشيلها، عندك مشكلة في كلمة مراتي.
محمد: يعني هو أسد هيطلع لمين؟ أكيد ليك يا سيف.
سيف بفخر: هذا الشبل من ذاك الأسد.
ضحك الجميع، ثم أعطت الممرضة الطفلة لأسد، الذي سمى باسم الله، ثم حملها بابتسامة، مبعداً الغطاء عن وجهها، ليجدها نائمة. فرفع سبابته وبدأ يوكس وجنتها بخفة، مما جعلها تحرك وجهها بانزعاج، فتفتح عينيها بخفة، فيشهق أسد بإعجاب، لفت انتباه جميع من في الغرفة، ثم تحدث:
أسد: ياااااه، عينيها حلوين أووي.
محمد: خليني أشوفها كده.
نظر إليها محمد، فيجدها ذات لونين مختلفين، فيتحدث بصدمة:
محمد: فعلاً عينيها حلوة، واحدة صفرا دهبي والتانية زرقا.
أسد: أنا هسميها حور.
محمد يومئ: اسم حلو، وأنا موافق.
حور بنعاس: وبكده بقى اسمي حور، وبقيت مرات أسد على سن ورُمح.
أغلقت عينيها، بينما ليث أصدر صوتاً مرحاً على هذه الذكرى الجميلة، ثم أغلق عيناه هو الآخر ونام بجانبها، بينما الأرجوحة تهتز بهما.
رواية حور الاسد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سهام محمود
استقام من جلسته ثم فرك شعره المشعث بأعين ناعسة. نظر حوله لعله يجدها، لكن لا أثر لها والجو هادئ.
من المستحيل أن تجلس في مكان ويكون هادئًا. أين يمكن أن تكون؟
وقف ثم ذهب إلى الحمام، غسل وجهه بماء بارد ثم جففه. خرج من جناحه لأسفل، بحث عنها في الصالة، وغرفة الطعام، والمطبخ، وغرفة مكتبه. صعد لأعلى مرة أخرى، لعله يجدها في غرفة ليث، لكن لا.
نزل لأسفل ثم اتجه نحو الباب لكي يسأل الحرس عنها، لكنه توقف عندما وجد ليث قادمًا يهرول نحوه. انحنى ليعبث بقدمه رأسه قليلًا ثم سائله بقلق استشعره ليث.
أسد: ليث، أنت تعرف حور راحت فين؟
هز ذيله ثم سار نحو المطبخ. بدأ أسد بتتبعه. فتح الباب الخلفي ثم أكمل سيره وأسد خلفه. سار نحو الأرجوحة التي تتأرجح لأعلى وأسفل. قفز ليث إلى جانب حور النائمة.
بينما أسد وضع يديه في جيوب بنطاله ببرود، نظر إليها وأمعن النظر في وجهها وجسدها غير المرتاح في نومته. اتجه نحوها ثم أخرج يديه ليحملها بين يديه مثل العروس تمامًا.
فتتعلق هي بعنقه بيدها ثم دفنت وجهها في جوف عنقه، مما جعل أنفاسها الساخنة تلفح عنقه. شعر بقشعريرة غريبة بجسده مما جعله يتعجب لهذا الشعور، لكن قلبه بدأ بالنبض بسرعة عندما تلامست شفاهها على جلده.
مما جعل تنفسه يضطرب وتفتح عيناه على مصرعيها. ومن دون شعور منه قبض على كتفها بقوة ويده الأخرى التي على فخذها أيضًا، مما جعلها تقطب حاجبيها بإنزعاج.
همست بخفوت:
حور: أمممم بالراحة يا أسد!
أسد: ماشي.
نظر إليه ليث ببرود ثم أشاح بوجهه بعيدًا عنه، مما جعل أسد يتعجب منه.
أسد: مالك بتبصلي ببرود كدة ليه؟
هز ذيله بملل ثم سار أمامه إلى داخل القصر، مما جعل علامة استفهام كبيرة على رأسه. لكنه كالعادة لم يهتم وسار إلى الداخل ثم صعد السلالم بسرعة نحو جناحه. فتح الباب ونحو السرير لينيمها عليه ومن ثم يدثرها بالملائة الخفيفة ويخرج بعدها نحو الأسفل.
اتجه يسارًا ليفتح باب مكتبه الفخم ويغلقه بعدها. جلس خلف مكتبه ثم امسك أوراق عمل خاصة بإحدى صفقاته وبدأ بدراستها.
في الأعلى حيث حور شعرت بإهتزاز في جيب بنطالها. تنهدت بإنزعاج وهمست:
حور: مين إلي معندوش دم دا عشان بيصحيني من النوم بالشكل دا؟
أخرجت الهاتف وردت على المكالمة من دون أن ترى من المتصل. فتسمع صوت سارة الغاضب قائلة:
سارة: والله إنتي باردة يا حور، يعني لو متصلتش أنا انتي متتصليش.
حور بملل:
ما هو أنا قلت يعني مين إلي هيكون البارد غيرك إلي هيصحيني من النوم في وقت بدري زي كدة.
نظرت سارة بصدمة إلى الأمام ثم أبعدت الهاتف عن أذنها، ناظرة إلى الساعة فتجدها الساعة الرابعة والنصف. فتتحدث بنفس النبرة رافعة سبابتها أمام وجهها سائلة:
سارة: أنتي بتقولي إنه أنا بصحيكي بدري؟
حور:
أيوة مصحياني بدري!
سارة بغضب مكتوم:
حووور حبيبتييي!
حور بتوتر:
إيه يا سارة مالك كدة؟
سارة بصراخ:
أفتحي عينك يا حبيبتي الساعة اربعة و نص العصر.
فزعت حور من مكانها ثم أبعدت الهاتف عن أذنها لترى الساعة فعلاً الرابعة والنصف عصراً. ابتلعت رمقها بتوتر ثم أرجعت الهاتف إلى مكانه فتضحك بتوتر قائلة:
حور: هههه معلش يا سارة، إنتي حبيبتي و أنا حبيبتك و انتي عارفة إنه أنا بحب النوم اووي مش كدة؟
سارة بتنهد:
المصيبة إني عارفة المصيبة.
حور:
معلش زي ما قلتلك قبل كدة، لما ربك بيحب عبده بيبتليه يا حبيبتي.
سارة:
أممم عارفة. المهم يا ندلة الأندال مفيش إتصال واحد من زمان يا ندلة.
حور:
معلش يا سارة ما انتي عارفة بقى، مع إني كنت فاضية النهاردة و كنتي جاية على بالي عشان اكلمك بس سبحان الله كدة سمعتلك صوت زئير أسد و أكتشفت إنه اخوكي المصون مربي أسد زيه بس إسمه ليث كمان.
سارة بصدمة:
إنتي بتقولي إيه يا حور، أسد أيه و أخويا مين و ليث إيه؟
ضربت حور جبهتها بكف يدها ثم بدأت تتحدث بهدوء شارحة:
حور: أخوكي هو أسد تمام؟
سارة تومئ:
تمام.
حور:
متهزيش راسك لاني مش شايفاكي أساسا يا غبية.
سارة تومئ:
ماشي.
حور:
بردو غبية. المهم أخوكي مربي في القصر أسد حيوان.
سارة:
أممم، أسد حيوان. أنتي بتهزري مش كدة؟
حور:
والله ما بهزر، هو أخوكي مربيه من زمان و حتى كمان خلاه يتعرف عليا. و لما مكانش اخوكي في البيت و انا خليت الخدم يمشوا من القصر عشان يأخدوا اجازة رحت انا إيه بعد ما سمعت زئيره فتحت الباب و لما شفته مقفلتش الباب لا من ذكائي الخارق رحت سيباه مفتوح و جريت لتحت.
سارة:
يا عيني على ذكائك يا بنتي يا عيني.
حور:
سلامة عينك ياختي سلامة عينك.
سارة:
ههههههه كلمك جدو في الموضوع؟
حور:
أيوة كلمني بس انا قلتله كلم أسد عشان في الاخير الكلمة كلمته.
سارة:
اه و بعدين؟
حور:
ولا قابلين هيلو كلمه راح هو رفض عشان هو مبيحبش يعني يسيب القصر و شغله و مش هيبقى مرتاح زي لما يكون وحده، فاهمة؟
سارة:
أه فاهمة بس انا كنت متفائلة إنك هتعيشي معايا بس اعمل إيه، النصيب بقى.
حور:
معلش يا حب، هنبقى نيجي زيارات كدة متخفيش.
سارة:
ماشي و انا هستنى.
حور:
ماشي يا سارة لازم اقفل عشان اروح أجهز العشا لحسن أخوكي يأكلني انا.
سارة بضحك:
ماشي يا حور سلام.
حور بشقاوة:
ابقي سلميلي على سيف و اعطيه بوسة من النص.
إحمرت سارة خجلاً بينما حور إنفجرت ضحكاً بقوة. فصرخت سارة:
سارة: امشي يا قليلة الأدب يا حور.
حور:
ماشي حاضر حاضر سلام.
سارة:
سلام.
أغلقت معها حور ثم عضت على شفتها السفلية بحماس. ففنهضت بعدها من على السرير ذاهبة نحو الحمام. غسلت يديها و وجهها ثم قامت بتجفيفهما. وبعدها خرجت من الحمام والجناح. نزلت درجات السلم بسرعة ثم أصبحت تدور في الأرجاء مثل التائهة التي تبحث عن مخرجها من المتاهة، لكنها تنتظر المرشد فقط.
التفت عندما سمعت صوت انفتاح باب غرفة المكتب التي كانت خلفها. فتراه هو واقفاً بهالته الطاغية مع شعره المشعث مما جعله وسيماً إلى درجة بعيدة مع أعين شبه ناعسة. نظرت إليه بخجل استغربه هو.
تحدثت بنبرة متوترة:
حور: أنا هروح أجهز العشا، تحب حاجة معينة أطبخهالك؟
نفى برأسه بدون أن يتفوه بأدنى كلمة. لتلتفت نحو المطبخ لكنها توقفت ثم رفعت سبابتها اليسرى تحركها على شكل دوائر دوائر. ثم تسألت بأستغراب متحدثة بصوت عالي مخيلة إلى نفسها إنها تتحدث بصوت هامس، لكنه العكس:
حور: بس هو أنا إزاي نمت فوق على السرير و انا اساسا كنت نايمة جنب ليث برة في الجنينة؟
أنفاسه الحارة لفحت أذنها وعنقها لأن أسد نزع لها الحجاب من أجل أن تنام براحة أكثر. وبما أنه لا يوجد أحد في القصر غير زوجها، هذا عادي ومن حقه أن يرى شعرها.
اقشعر جسدها من أنفاسه ثم همس بهدوء:
أسد: يعني مين هيكون غيري إلي يقدر يلمسك و يطلعك فوق، لا و كمان يقلعك الطرحة.
ثم ابتسم بجانبية وتغيرت نبرته من الهادئة إلى أخرى خبيثة:
أسد: و كمان لو كنت عايز أقلعك حاجة تانية كنت عملت كدة من زمان.
حور بصدمة:
أنت بتقول إيه؟؟!
نظرت إلى الأمام بأعين متسعة ثم احمر وجهها من كلامه الجريء هذا. وهي بالفعل فهمت حديثه بسرعة البرق. أيضاً استدارت إليه ثم ابتعدت عدة خطوات إلى الخلف.
تحدثت بغضب:
حور: و غير كدة أنا مكنتش هسمحلك إنك تلمسني من دون رغبتي أساسا.
أسد:
أممم، هو أنتي قد كلامك ده؟
تحدث بينما يقترب منها واضعاً يداً في جيبه والأخرى يحك بها وجنته الملتحية بخفة. فتعقد ذراعيها أسفل صدرها متحدثة بثقة:
حور: أيوة قد كلامي، و بعدين مبقاش ليه قد كلامي؟
باغتها بحركة سريعة ممسكاً بكتفها الأيسر بقوة كاتماً غضبه منها:
أسد: لأنه مفيش وحدة في الدنيا دي كلها تقدر تمنع نفسها عني، و غير كدة أنا لو عايز أعمل حاجة مكنتش أستنيت إذنك أساسا لأنه دا حقي الشرعي و انتي كدة بتمنعيني عنه.
آنت هي من قبضته القوية لكنها تحكمت بنفسها ثم نظرت إليه بغضب وتحدثت بنفس النبرة أيضاً:
حور: و أنا كنت هقاومك لأنك مش أسد إلي كنت أعرفه زمان، إنت دلوقتي واحد بيجري ورا مصلحته الشخصية حتى إنك استغليتني و اكيد استغليت ناس كتيرة غيري قبل كدة. و بعدين هان عليك قلبك الأسود دا إنه يستغلني أنا حبيبتك الصغيرة…..!
أغلقت فمها بصدمة بعد أن ضربت مكان قلبه. ثم نظرت في الأرجاء بتوتر وأعادت النظر في وجهه. فتدفعه بعيداً عنها تحت أنظاره الصادمة وتذهب نحو المطبخ بسرعة.
بينما هو رفع يده لكي يوقفها. لكن ألم رهيب اجتاح رأسه مما جعله يمسك رأسه بيديه الاثنتين وأصبح يغلق عينيه بقوة ويعيد فتحهما بسرعة لعل الألم يزول، لكن لا فائدة. وعقد حاجبيه عندما بدأت صور مبهمة تظهر في خياله وتتدفق خلف بعضها. مما جعله يصرخ بقوة ويغلق عيناه بقوة أيضاً. فيهوي على الأرض جاثياً بركبتيه. ومن كثرة الألم أصبح يشعر بوجود طنين في أذنيه.
خرجت حور بفزع من المطبخ فتراه على حالته لتصرخ:
حور: أسد! مالك يا أسد؟
خرج صوته هامساً وضعيفاً لكنها سمعته بسرعة:
أسد: راسي بتوجعني أووي!!
حور:
طيب ليه؟
أسد:
مش عارف، حاسس بسكاكين بتغزني فيها مش قادر.
حور:
طيب قوم معايا قوم.
وقف بمساعدته بعد أن أحاطت خصره بيدها ثم بدأ بالسير. بينما هو ألمه لا يخف بل يزداد أضعافاً مضاعفة. صعدا درجات السلم ثم فتحت باب الجناح واتجهت فوراً نحو الحمام. فتحت الباب لتدخله نحو حوض المغسلة. أحنت رأسه مما جعله يتساءل رغم ألمه:
أسد: أنتي هتعملي فيا إيه؟
تحدثت في سرها:
حور: أنا لست عملت فيك حاجة حاجة، بس أصبر عليا أشوف إيه إلي تاعبك و انا هبدأ لعبتي معاك.
تحدثت بصوت مرتفع قلق:
حور: هغسلك رأسك بمية باردة عشان وجعك يروح و بعدين أسكت بطل كلام.
تحدثت في آخر حديثها بنبرة أمرة مما جعله يصك على أسنانه. ثم أحنى رأسه مجدداً وفتحت المياه الباردة وبدأت بغسل رأسه كاملة. وبعد خمس دقائق تماماً أغلقت صنبور المياه ورفعت رأسه قليلاً. وبالفعل شعر بالألم يذهب تدريجياً. لكنه أيضاً شعر بنعاس.
بدأت حور تجفف رأسه بالمنشفة برقة ويد خفيفة. خرجا من الحمام ثم أجلسته على طرف السرير ووقفت هي قبالته. وأمسكت بمنشفة أخرى وأعادت الكرة مرة أخرى. وهو نظر إليها بنعاس شديد. فيحاوط خصرها على حين غرة منها جعلتها مصدومة. وضعت يديها على أكتافه لكي تبعده لكن هيهات، جسده مثل الحائط.
خرج صوته الناعس ببطء:
أسد: أنا عايز أنام، متسيبنيش لوحدي. و لو سبتيني مش هيحصلك طيب، فاهمة؟
وبما أنه وصل لهذا الحد من النعاس قررت أن تجاريه وتقول:
حور: ماشي مش هسيبك، نام أنت.
أمسكها أسد ثم بثانية وجدت نفسها مستلقية هي وهو على السرير. وهو مغمض العينين ونائم. تحركت قليلاً لكنه شد على يده حولها مما جعلها تتنهد بخفة.
خمس دقائق مرت ببطئ ثم رفعت رأسها تنظر له. أنفاسه منتظمة ويبدو عليه إنه غارق في النوم الشديد. رفعت يدها ثم مررتها على شعره الكثيف بخفة. لمسات قليلة من يدها جعلته يبتسم في نومه من دون وعي. لكن هي سعادتها لا توصف بهذه الابتسامة.
أخرجت يدها من شعره تضعها على وجهه متحسسة كل جزءاً منها بحب صادق. شردت كالعادة في ملامحه. ليبدأ النعاس بالتسلل إلى عيناها بخفة. فتجد نفسها تدفن رأسها في صدره قدر استطاعتها وتنام بين أحضانه.
العلاقة بينهما الآن متذبذبة بشكل غير طبيعي. مثل موقف الآن، تشاجرا على شيئاً ما ثم هو يطلب منها طلباً ما بنعاس فتوافق هي؟ حسناً… أولاً الأسباب كالتالي:
1- حور هي تعلم بحالته لهذا هي دائما شبه متفاهمة ومراعية لحالته، لو أن أحداً غيرها كانت فقدت منذ زمن.
2- أسد منذ وفاة والده وهو بارد الطباع مع الجميع. وغير هذا هو أيضاً منذ فترة الحادث يشعر بأن هناك شيئاً غير طبيعي في حياته، يشعر بنقص لكن لا يتحدث.
3- حالات الصداع التي أصاب بها والصور المبهمة التي ظهرت في ذاكرته لم يتذكرها. رغم إنه رآها إلا إنه لم يعرف أي شيء مما حدث.
4- حور لم تبدأ بعد بخطتها لكي تنتقم منه وهذا لانها لم تعتاد على جو القصر.
5- هناك أحداث قادمة وشيقة بينهما لهذا انتظروني.
يسير على شاطئ الإسكندرية حافي القدمين وممسكاً بجاكيت بذلته بيد واليد الأخرى ممسكاً بحذائه. رفع رأسه فيجد النجوم متلألأة في السماء الحالكة. أنزل رأسه متنهداً ثم تحدث بابتسامة:
—-: أخيييييرا يا عالم هرجع لحبيبة قلبي وروحي. همممم، بس يا ترى هي هتفتكرني ولا هتنساني كالعادة؟ بس يلا مش مهم. حور حبيبتي أنا راجعلك بكرة و هنتقابل كمان و هاخد إلى أنا عايزه منك برضاكي او غصب عنك لاني عارفك عنييييدة. ههههههههههه.
ضحك بصخب في آخر حديثه ثم عاد أدراجه إلى سيارته صاعداً بها لكي يتجه إلى منزله ويستعد لخطته المحكمة.
رواية حور الاسد الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سهام محمود
بعد مضي يومان لم يتحدث فيهما أحد إلى الآخر. هو يمضي وقته في العمل كالعادة، بينما حور تمضي وقتها في اللعب مع ليث في الحديقة، ومشاهدة أفلام الأكشن الكوميدية مع بعض الرسم المعماري في دفترها الصغير، وأخيراً تحضير وجبة الطعام للأسد البارد.
رن هاتفها بينما تجلس تشاهد التلفاز وتتناول لقمة من حبات الفشار. أمسكت هاتفها ثم سمعت صوتها القائل:
سارة: حوووووور.
حور بملل: ناااااااااعم؟!!
سارة بحقد: نعمة ترفسك يا بعيدة.
حور: ربنا يسامحك يا صرصور.
سارة بتنهد: وي સામح الجميع يا أختي. المهم دلوقتي، مش النهاردة الخميس؟
حور بخبث: لييييلة أبليس و هنلعب و نقول خالاويص ههههههه.
سارة بخجل: يا قليلة الأدب يا حور، دماغك راحت حتة تانية.
حور بضحك: أنا بهزر معاكي يا بت، مالك. ماشي، النهاردة الخميس وبكرة الجمعة على خير، في حاجة؟
سارة بحماس: أييوة في، وحاجة حلوة كمان.
حور بشك: صوتك المتحمس دا مش مريحني أبداً، خير اللهم إجعله خير!!
سارة: سيف اتكلم مع أسد عشان تيجوا تقضوا يوم الجمعة والسبت كله معانا في البيت.
حور بتردد: و... و هو موافقش، صح؟
سارة بحزن مصطنع: هو يا حور، بصراحة أنا مكنتش عايزة أقولك بس...
تنهدت بظهرها بخيبة أمل، ثم تحدثت بحزن وسرعان ما ظهر على وجهها:
حور: لا خلاص مش مهم تقولي يا سارة، ما هو أسد وأنا عارفاه..
قاطعتها سارة بصراخ:
سارة: أسد موااااااااافق يا هبلة.
وقفت حور على الأريكة بسرعة وتحدثت بعدم تصديق:
حور: أنتي قلتي إيه؟!!
سارة: بقولك إن أسد وافق.
بدأت الابتسامة تظهر رويداً رويداً على وجهها، لكنها تحدثت مرة أخرى بغباء. بالطبع لن تصدق، فهي منذ أن عادت من شهر البصل كما لقبته، وهي لم تخرج من القصر الكئيب:
حور: بذمتك، عيدي تاني!!
سارة بضحك: بقولك إنك أنتي هتيجي، وأسد موافق.
حور بصراخ: هيييييييييييه، أسد وااااافق، هيييييييه.
من حماستها وفرحتها المفرطة، ألقت بالهاتف بعيداً، ثم بدأت بالصراخ المتواصل ورفع يديها لأعلى كأن فريق النادي الأهلي انتصر على فريق نادي الزمالك. صاحت سارة باسمها عدة مرات لكنها لم تجد رداً، فأغلقت الهاتف متنهدة بابتسامة.
لكن في الجهة الأخرى، بعد أن كان ليث نائماً، استيقظ بفزع من صراخ حور المتحمس، التي قفزت من على الأريكة إلى الأرضية، ثم تركض بين أرجاء القصر بفرحة. وجدت الباب يفتح لتجد أسد يدخل منه بوجه خالٍ من التعابير، لكنها من دون تفكير اتجهت نحوه صارخة بفرحة، مما جعلته مندهشاً من تغيرها هذا. ولم يستفق من الصدمة الأولى ليتلقى الثانية عندما قفزت محتضنة إياه، متعلقة بعنقه مثل القرد، وحاوطت خصره بقدميها. ليلف يديه حول خصرها وظهرها خشية أن تسقط، وكانت تقول بسعادة غير مدركة للوضع:
حور: شكراً شكراً شكراً ليك بجد يا أسد.
أسد: شكراً على إيه؟ أنا مش فاهم حاجة يا حور؟؟
أبعدت وجهها عن وجهه ثم تحدثت بابتسامة سعيدة للغاية:
حور: شكراً لأنك وافقت على إنه نروح نقضي الإجازة في بيت هلال، بجد شكراً. أنت مش عارف أنا فرحانة قد إيه دلوقتي.
أسد: طيب كويس إنك فرحانة، وكويس إنك كلمتيني كمان.
إحتضنته وهي لم تستوعب ما قاله حتى. آه، صحيح، نسيت أن أقول لكم إن حور لم تكن محجبة، بل أطلقت العنان لشعرها الطويل. تخيلوا معي تلك اللحظات التي مرت قبل قليل، وهي تجري وشعرها يتحرك بانسيابية، وغير هذا، هي في هذه اللحظة يحملها أسد وشعرها يصل إلى ركبتي أسد تماماً. يا رفاق، حسناً، أطلت عليكم في المدة، نعود لموضوعنا الأساسي.
عادت إلى احتضانه، بينما هو شد على حضنها برفق وأغلق عينيه، سامحاً لرئتيه باستنشاق أكبر قدر من عبير شعرها الذي يفوح في الأرجاء بقوة. لكنه فتح عينيه عندما شعر بارتعاشة قوية تجري في جسدها. عقد حاجبيه باستغراب، أما هي، فقد وضعت كل يد من يديها على كتفيه وأبعدت نفسها بقوة. نظرت بوجه صادم مع عينين متسعتين بظرافة، وكانت ستصرخ إلا إنه رفع إبهامه الأيمن إلى مستوى شفتيه يشير إليها بالصمت. وهي تلقائياً كررت حركته وتهز برأسها لأعلى وأسفل مع وضع إبهامها الأيمن على منتصف شفتيها. أنزلها هو بهدوء، ثم نظر إلى وجهها وعينيها بهدوء شديد، ثم بصمت أشد رحل من أمامها مثل النسمة العبقة.
أخرج هاتفه من جيب سترته التي يخفي بها وجهه، بينما هو جالس في إحدى المقاهي. بدأ بفعل حركات مضحكة، لكنه في الحقيقة يحاول أن يتذكر رقم هاتف أحد ما. وبعد برهة من الوقت تذكره، ليبدأ بكتابة الرقم ووضعه على مستوى أذنه منتظراً إجابة الطرف الآخر.
—: السلام عليكم.
رضوى باستغراب: وعليكم السلام، مين معايا؟!
— بعبوس: لا كدة عيب يا ماما رضوى، بالسرعة دي نستيني بردو!!
رضوى متذكرة: ههههه، معلش يا أبني، حقك عليا. أنت عامل إيه، ومامتك عاملة إيه؟
تحدثت بسعادة عارمة عندما عرفته، فيرد عليها بابتسامة مبهمة يلعب بطرف سترته:
—: ماما، تعيشي أنت يا ماما رضوى.
شهقت رضوى بقوة غير مصدقة لما تسمعه أذناها، كيف حدث هذا؟ لم تنتظر كثيراً لتسأله بنبرة حزينة وقد أدمعت عيناها بالفعل:
رضوى: إزاي دا حصل؟ وإمتى؟ وإنت متصلتش بيا ليه؟
—: إزاي؟ ف دا بسبب المرض اللي أنتي كنتي تعرفيه. وإمتى؟ دا من سنتين ونص. ومتصلتش ليه؟ لأنه أنا في الفترة اللي فاتت مكنتش هنا، كنت برة مصر عشان الشركة بتاعت بابا الله يرحمه.
رضوى بحزن: يا حبيبي يا أبني، وإنت دلوقتي فين؟؟
—: أنا في القاهرة عند واحد صاحبي.
رضوى بسعادة: طيب كويس، أحنا استقرينا في بيت جدك هلال، عشان لما تحب تيجي تعال على البيت وهتلاقينا كلنا موجودين.
—: حاااضر يا ماما رضوى، هبقى أزوركم إن شاء الله.
رضوى: إن شاء الله يا حبيبي.
—: سيف وحور عاملين إيه؟؟
رضوى: عقبالك كدة يا حبيبي، هما اتجوزوا.
انفتحت عيناه بصدمة، ثم تحدث بنفس النبرة:
—: بجد يا ماما رضوى، إمتى الكلام دا؟
رضوى: من مدة تلات أسابيع كدة.
—: أه، والله. وكبرتوا يا عيال، كبرتوا خلاص. أنا يوم كدة وهبقى أجي عندكم.
رضوى: تشرف وتنور يا حبيبي، في أي وقت البيت بيتك.
—: تسلمي يا ماما رضوى.
رضوى: الله يسلمك يا حبيبي.
تحدثا لدقائق أخرى معا، ثم أغلق معها المكالمة. أمسك بفنجان القهوة الذي أمامه ليرتشف منه قليلاً، ثم تركه، ووقف ليضع الحساب على الطاولة، ثم ذهب نحو سيارته يقودها نحو منزله.
وضعت كأس الماء أمامه ثم تحدثت بهدوء:
حور: أنا هروح أحضر الشنطة بتاعتي وشنطة بتاعتك.
أسد ببرود: لا، أنتي هتحضري شنطة واحدة بس.
حور بغباء: واحدة؟! اللي هو إزاي يعني دا؟!!
أسد ناظراً لها: يعني إنك تحضري لبسي ولبسك في شنطة واحدة. إيه اللي مش مفهوم في اللي أنا قلته؟
عقدت ساعديها أسفل صدرها بغيظ طفولي، فتردف قائلة:
حور: لا مفهوم كل اللي قلته، عن إذنك.
أسد: اتفضلي.
سارت بسرعة نحو الجناح، بينما هو بدأ بتناول وجبة غدائه.
دلفت إلى المقهى بخطوات متكبرة كعادتها، لا شيء جديد. جلست على إحدى الطاولات، ثم رفعت يدها مشيرة للنادل بأن يأتي، فيسير نحوها فسألها باحترام:
النادل: اتفضلي، طلبات حضرتك إيه؟
نردين: هاتلي فنجان قهوة بسرعة.
النادل باحترام: حاضر، ثواني هيبقى قدام حضرتك.
ومن دون كلمة شكراً، ذهب النادل يؤدي عمله. أما هي، فبالفعل ثوانٍ قليلة مرت ليأتي فنجان القهوة أمامها. نظرت في ساعة يدها بعجل، ثم تذمرت بانزعاج، لكنها رأته يدخل المقهى متجهاً نحوها بابتسامة خبيثة، فيجلس أمامها لتقول بغضب:
نردين: إيه اللي أخرك يا زفت لحد دلوقتي؟؟
كرم بانزعاج: زحمة يا نردين، زحمة.
ضيقت عينيها بشك، ثم أومأت لتشير إلى النادل ثانية فيأتي، لتقول:
نردين: كاسة عصير مانجا مسقعة بسرعة.
النادل: حاضر.
ذهب النادل، فيريح كرم ظهره على ظهر الكرسي، ثم تحدث:
كرم: هاه، عايزة مني إيه؟
نردين: عايزة منك خدمة تعملهالي اليومين الجايين دول.
كرم: ماشي، بس إيدك على الحلاوة الأول، وبعد كدة أفهم إيه المطلوب مني بالضبط عشان يتنفذ صح.
نردين تومئ: مفيش أسهل من كدة.
قطع حديثهم عندما أتى النادل واضعاً كأساً من العصير أمام كرم، الذي أمسكه بعد رحيل النادل ليرتشف منه رشفة سريعة. وهي في المقابل أخذت رشفة من فنجان قهوتها، ثم قالت:
نردين: أنا عايزة أك تراقب وحدة، وتبقى وراها زي ظلها تماماً، متسبهاش ثانية وحدة.
كرم: ماشي، معاكي صورة ليها؟
نردين: معايا، خد اهيه.
أعطته صورة لحور، فيصفر كرم بإعجاب واندهاش من جمال حور، فيقول:
كرم: يا بنت الـ... إيه الجمال دا؟ أنا أول مرة أشوف وحدة بجمالها. مين البنت دي يا نردين؟
انزعجت بشدة من حديثه، لتزفر بغضب، ثم اردفت كأنها غير مهتمة:
نردين: دي حور بنت عمي.
كرم: امممم، ماشي. هي فين دلوقتي عشان أبدأ مهمتي أنا بقى.
نردين: هي حالياً مش هنا، بس لما أنا أرن عليك وأقولك إنها هنا، تيجي على العنوان اللي هبعتهولك و تبدأ تراقبها، فاهم.
كرم: سهلة يا جميل، إيدك على الحلاوة.
أخرجت من حقيبتها مبلغاً من النقود، ثم تحدثت:
نردين: الباقي بعد ما تخلص المهمة، فاهم؟؟
كرم يومئ: ماشي، متخافيش، ومتحطيش في بالك خااالص.
نردين: أما نشوف أخرتها معاك.
استمرت بارتشاف قهوتها ببرود، وهو يعد النقود بسعادة ويشرب عصيره. هكذا هي حالهم حالياً.
إلى ماذا تخططين يا نردين هذه المرة يا ترى؟
أنزلت الحقيبة السوداء من على طرف السرير بعد أن رتبتها جيداً، وكما طلب، ثيابها وثيابه معاً. تنهدت بانزعاج، ثم ذهبت إلى الحمام، توضأت وارتدت إسدالها، ثم خرجت. فرشت سجادة الصلاة أمامها، وبدأت تؤدي فرضها بخشوع تام. بعد وقت ليس بالقصير، انتهت من صلاتها، فتجلس القرفصاء على السجادة، وتبدأ بالتسبيح بأعين مغلقة براحة وابتسامة تزين شفتيها.
وقفت نازعة الإسدال عن جسدها، ثم علقته في إحدى الشماعات المخصصة، ثم رفعت السجادة عن الأرض تطويها، واضعة إياها على الرف العلوي للخزانة. وبالكاد وصلت إليه، وضعت يدها على خدها بملل، تفكر بما عليها فعله الآن. بما أن لا أحد في القصر سواها هي وأسد، قررت أنها سوف تطهو بعض الطعام الذي تفضله، وصناعة حلوى سريعة. ابتسمت على هذه الفكرة الرائعة. أمسكت شعرها وجعلته يصل إلى نصف ظهرها، ثم لفت الحجاب الأسود لفة سريعة وبسيطة، بينما كانت ترتدي بيجامة صيفية حمراء منقطة بأسود، والحذاء البيتي الذي يسمى (لكلوك). فتنظر إلى قدميها بغرابة شديدة، لتنزعهما مرة ثانية، فتبتسم وكعادتها تسير حافية القدمين!!
فتحت باب الجناح، ثم نزلت بسرعة متجهة نحو المطبخ، وهي تعلم بأنه موجود في المكتب، لهذا فليعمل براحته، لن تزعجه. بدأت بتجهيز المكونات التي تريدها، ثم وضعتها على قطعة الرخام الطويلة في المطبخ. أخرجت خشبة القطاعة من إحدى الأدراج وسكين متوسطة حادة جداً، وبدأت بتقطيع الفلفل الأخضر قطع صغيرة، وبعدها الأحمر والأصفر، وغيرهما من الأشياء الكثيرة. وبدأت بطهوه في مقلاة متوسطة الحجم. وبعدها بدأت تعد مكونات الكشري الذي تحبه جداً، فتنتهي منه أيضاً بعد مدة ليست كثيرة. وبدأت بإعداد كيكة الشوكولاتة، وضعتها بالفرن وضبطت الساعة لكي لا تحترق منها. مسحت وجنتيها بخفة، وبعد ذلك في ثيابها، استدارت لتنظر إلى المطبخ، فتجده في فوضى عارمة تماماً. فتشهق بتعجب واندهاش، واضعة يديها على فمها، وبأعين متسعة من الصدمة.
طقطق رقبته بينما تنهد بخفة ليشعر بالعطش. فيقف من على الكرسي ويخرج من المكتب متجهاً نحو المطبخ، فتوقف عند المدخل، ناظراً لحور التي تضع يديها الملطخة بخليط بني اللون، وبيجامتها أيضاً مع بعض المسحوق الأبيض، والذي كان دقيق، ووجهها أيضاً. وغير هذا كله، المطبخ بحالة فوضى. اتجه نحوها بهدوء، فيسألها:
أسد: إيه اللي أنتي عاملاه في نفسك دا، وإيه اللي مخلي المطبخ بالشكل دا؟
نظرت نحوه بسرعة، ثم أزالت يديها من على فمها، ليكتم ضحكته بصعوبة على شكلها المضحك. فوجهها بداية من وجنتها إلى ذقنها ملطخ بخليط الكيكة التي صنعتها. نظرت نحوه باستغراب، لكنها توترت، ثم أجابت بارتباك كأنها لم تفعل شيئاً:
حور: ع... عادي يعني، كل ما هناك إنه أنا حضرت العشا بس، وبعد ما خلصت الكيكة لقيت المطبخ بالشكل دا، وبعدين أنا ما عملتش حاجة.
أسد رافعاً حاجبه: والله!!
حور: أه والله.
نفت برأسها، ثم أجابته بنبرة اعتيادية. فترفع يديها وتشير لهم بأعينها، قائلة ببراءة خادعة:
حور: دول إيديا اللي عملت كل دا، إي... إيه دا؟!
نظرت بصدمة إلى يديها، ثم همست بصدمة أكبر جعلت مظهرها مضحك:
حور: يا أنهااااااار! إسووووح عليا!!
لم يعد أسد قادراً على تمالك نفسه، فينفجر ضاحكاً بصخب عليها. وهي رفعت رأسها بصدمة تنظر نحوه، لكنها ابتسمت من دون وعي عندما رأته يضحك، ووقف قلبها من مكانه بسبب ضحكته الرنانة تلك التي بعثرت كيانها دفعة واحدة. تمالك نفسه واستجمع أنفاسه اللاهثة من كثرة الضحك، فيتقدم نحوها، وهي ثابتة في مكانها. وقف أمامها ليتقدم خطوة، وتبدأ هي بالعودة إلى الخلف خطوة. يتقدم خطوة، وتعود خطوة إلى أن أصبحت محتجزة بينه وبين الرخام الطويل. رفعها من خصرها جالساً إياها على الرخام، فتصبح قريبة من طوله. لينزل جسده إليها قليلاً، ويقرب وجهه من وجهها المتعجب من وضعها والملطخ أيضاً. رفع حاجبه الأيمن وابتسم ابتسامة مستمتعة، ثم تحدث بنبرة مستمتعة أيضاً:
أسد: تصدقي إنه أنا بقالي فترة مضحكتش كدة، بس النهاردة ضحكت بسبب وشك دا.
حور بانزعاج: ماله وشي إن شاء الله مش عاجبك؟!
تحدثت بينما ترفع حاجبها وتتخصر بطفولية كبيرة. قهقه عليها، ثم أخرج هاتفه وفتح الكاميرا، وأخذ لها صورة، ومازال يقهقه أيضاً. نظرت نحوه بتعجب، فيدير الهاتف لكي ترى صورتها، فتتسع عيناها بصدمة وفاغرة الفاه، لأن وجهها ملطخ بفوضوية. تحدثت بنفس النبرة التي تعتلي وجهها:
حور: إيه اللي مخلي وشي كدة؟!
أسد بابتسامة: إنتي اللي عملتي كدة في نفسك.
حور بعدم تصديق: لا مش مصدقة أبداً!
أسد ينفي: لا صدقي، وأووي كمان.
نفت برأسها عدة مرات متتالية. نظر في عينيها المذهلة، فيحني رأسه نحو رأسها أكثر، لتختلط أنفاسهما الساخنة ببعضها البعض. أمعنت النظر في عينيه السوداوين، اقترب من وجنتها اليمنى يمتصها ببطء. أغلقت عينيها، لتضغط بقبضتي يديها على حافة الرخام، وشعرت بفراشات تطير في معدتها واضطرب تنفسها. استمر هو في امتصاص وجنتها تماماً، ثم ابتعد قليلاً عن وجهها، ابتعد فقط سنتيمتر واحد.
همس بنبرة مبحوحة جعلت جسدها يرتعش بأكمله:
أسد: خدك حلو أوووي.
لم تستطع أن ترد عليه، بل بدأت تقضم شفتيها بتوتر ومازالت مغمضة العينين. اقترب مرة أخرى من وجنتها ليعيد امتصاصها، لكن هذه المرة بقسوة قليلاً، جعلتها تئن من الألم. اقترب من شفتيها ببطء، فيلامس طرف شفتيها. قبض على كتفيها بخفة ليقبلها بخفة، صدمت على أثرها بشدة. فتحت عينيها بصدمة، لم تستوعب بعد بأنه أخذ حق امتلاك شفتيها، ولم تستوعب بأن قبلتها الأولى ذهبت الآن أيضاً. بينما هو مستمتع بتقبيل شفتيها، بدأت تتخبط بين ذراعيه لكي تبعده، لكن لا فائدة. بعد مرور وقت ليس قليل، ابتعد عنها بأنفاس لاهثة، وهي أيضاً تتنفس بعمق. نظر نحوها بانتصار، ثم قال بابتسامة لعوبة:
أسد: أحلى بووسة والله.
نظرت نحوه بغضب عارم، ثم تحدثت بغضب أشد:
حور: أنت مين سمحلك إنك تبوسني يا قليل الأدب؟؟
أسد: أنا سمحت لنفسي إني أبوسك، وبعدين قليل أدب ليه؟ ما هو دا اللي بيحصل بين راجل ومراتي، دا كمان بيحصل أكتر من كدة. تحبي أعرفك بيعملوا إيه؟
نبرة خبيثة اعتلت صوته مع نظرة أخباث في عينيه. شهقت على أثرها، وكانت ستضع يدها على فمها، لكنها تذكرت أنها ملطخة، فقبضت عليهم بغضب، ثم بدأت تضرب صدره بقوة، وكانت ضرباتها مثل الدغدغة بالنسبة له:
حور: أه يا سافل يا قليل الأدب! إزاي تقدر تقول الكلام المعفن دا؟
استمر هو في الضحك، ثم أمسك كفي يدها وبدأ يمتص رؤوس أناملها بخفة، جعلتها تنتفض بشدة. حاولت أن تبعد يدها، لكن لا فائدة. حاولت أن تفكر، فنظرت بجانبها لتجد كومة من الدقيق، فتراودها فكرة جهنمية. أبعدت كف يدها اليسرى بسرعة، ثم أمسكت بعضاً من الدقيق ورشته على وجهه بقوة. ترك يدها، هو بدأ بالسعال بخفة، ومسح وجهه وشعره. فنظر نحوها ليجدها تضحك على مظهره، وبالذات شعره الذي بدا وكأنه بشعر شائب. أومأ نحوها بابتسامة، وهو يردد بوعيد مضحك:
أسد: مااااشي، ماشي، مردودالك، بس في مرة تانية.
أخرجت له لسانها بضحك، ثم خرجت ركضاً من المطبخ إلى الجناح بسرعة البرق. فتحت باب الجناح، ثم إلى داخل الحمام بسرعة، نزعت حجابها وثيابها كاملة، ووقفت تحت مرش الماء (الدش)، لتبدأ قطرات المياه الباردة بالتساقط على رأسها، فتغلق عينيها براحة، وقطرات الماء تنساب على جسدها ببطء. ابتسمت، ثم فتحت عينيها، ثم بدأت بغسل وجهها ويديها جيداً.
اشتعلت من الخجل عندما تذكرت قبلته، لكنها ابتسمت بخفة. وبعد برهة، انقلبت ملامحها لتصبح منزعجة، وبعد ذلك تنهدت، ثم تغيرت إلى أخرى غبية، ثم تنهدت مرة أخرى، وبعد ذلك إلى غاضبة. هي دائماً متقلبة المزاج. انتهت من جولة استحمامها، لتلف جسدها بمنشفة بيضاء وتترك شعرها ينقط قطرات من الماء على الأرضية. فتحت الباب قليلاً، ثم أطلت منه بعينيها الزرقاوين، تنظر يميناً ويساراً خشية أن يكون متواجداً في الجناح، لأنه من سرعتها نسيت إحضار بعض الملابس قبل دخولها إلى الحمام. فتحت الباب كاملاً، ثم خرجت ممسكة جيداً بمقدمة المنشفة خشية أن تسقط. أغلقت الباب، ثم استدارت تسير على أطراف أصابعها نحو الخزانة، ومع كل خطوة تخطيها تنظر يمينها ويسارها. فتحت باب الخزانة، ثم أخذت منامة سوداء متكونة من سويت شيرت أسود مع بنطال قطني أسود، وكانا بقماشة قطن خفيفة، وارتدتهم بسرعة. وقفت أمام المرآة لتبدأ بتمشيط شعرها، بعد ذلك طوت شعرها لنصف ظهرها، ثم أدخلته أسفل ملابسها. أمسكت بحجاب أبيض ناصع، ولفته بإهمال على رأسها، ثم خرجت من الجناح متثائبة.
دخلت المطبخ فلم تجده. بدأت بتنظيف وترتيب الفوضى التي أحدثتها. طوت أكمام المنامة عن ساعديها، فتنتهي بعد نصف ساعة. أمسكت أطباق الطعام، ثم خرجت نحو غرفة الطعام، رتبت الطعام عليها، وبدأت بالبحث عن أسد. فتحت باب مكتبه فلم تجده. عادت نحو المطبخ، فتحت الباب، لكن لفحتها نسمة هواء خفيفة. نظرت في الأرجاء، لكن لا يوجد له أثر أيضاً. عادت إلى الداخل مغلقة الباب، وبملامح قلقة قليلاً. صعدت لأعلى نحو الجناح، لم تجده. طرقت على باب الحمام، ثم فتحته، لكن لم تجده. عادت أدراجها، ثم سارت نحو غرفة الملابس، أضاءت المصباح، لكن لم تجده أيضاً. أطفأت المصباح، وهرولت إلى الخارج، ثم لم تحتمل، فأصبحت تنادي:
حور: أسد! أنت فين؟؟ يا أسد!!
وقفت بجانب السلم ممسكة بدرابزين السلم، ثم نفخت بانزعاج وقلق، ثم وضعت يدها على جبينها. تذكرت هاتفها الموضوع على الطاولة. ركضت نحو الطاولة بجانب شاشة العرض، فتحت قائمة الرسائل بسرعة، ثم فتحت محادثتها بينها وبينه، ثم ضغطت على رقمه، وبدأت بالاتصال به:
الكنترول: الرقم الذي تحاول الاتصال به مغلق أو خارج نطاق التغطية، يرجى المحاولة لاحقاً.
حور: استغفر الله العظيم. طيب هو راح فين يعني دلوقتي؟
سارت ذهاباً وإياباً، ثم سمعت صوت انزعاج ليث، لتستدير لتراه مبللاً بالمياه، هو وأسد، الذي نزع تيشيرته وبقي بالبنطال فقط لتظهر عضلاته. لكنها اتجهت نحوه بغضب عفوي، وصرخت بغضب:
حور: أنت كنت فين يا أستاذ؟؟
رفع حاجبه، ثم نظر إليها من بداية رأسها إلى أخمص قدميها، فيبتسم بجانبية، ثم يسأل:
أسد: وأنت عايزة تعرفي ليه أنا كنت فين؟
حور بانزعاج: عشان أنا جهزت العشا، وزمانه برد دلوقتي.
أسد راحلاً: خلاص، ساهلة، هروح أغير هدومي وأجيلك عشان نتعشى.
لم تجبه، بل رمقته بنبرة مغتاظة، ليصعد السلم بسرعة نحو الجناح ليغير ثيابه. هو كان يستحم هو وليث بعد أن ألقاه في المسبح، لهذا كان منزعجاً.
بعد دقيقتين نزل هو، ثم وجدها جالسة على كرسيها، ليسحب كرسيه ويجلس عليه. أمسك بالملعقة، وسمَّ بالله، ليبدأ بتناول الطعام، وهي خلفه سمت بالله وبدأت تأكل مستمتعة بطبق الكشري أمامها. بعد مدة من مراقبته لها وهي تأكل باستمتاع، انتهوا من تناول الطعام، ليذهب هو ويجلس أمام التلفاز لكي يستمع إلى فيلم رعب. أما هي، فرتبت طاولة الطعام، وبعدها أخرجت الكيكة من الفرن، وضعتها على الرخام، ثم بسطت كف يدها عليها، فتجدها باردة. فتحت الرف الموجود في الأسفل، مخرجة سائل الشوكولاتة البارد، وبدأت تزينها. انتهت، لتأخذها هي وصحنَين وشوكتين وسكين، ثم خرجت، وضعتها على الطاولة الزجاجية أمامه. جثّت على ركبتيها، وقطعت الكيكة، فتضع واحدة لأسد وواحدة لها، ووضعت الشوكة بجانبها. وقفت ممسكة بالطبقين، لتمد يدها له، فينظر لها عاقداً يديه على صدره ورافعاً حاجبه الأيمن، لترفع حاجبها الأيسر. أطالت المدة قليلاً، فيمد يده ليأخذ الصحن. جلست بجانبه، لكن بعيداً قليلاً، وجلست القرفصاء على الأريكة. أمسكت الشوكة وبدأت بتناولها وتشاهد فيلم الرعب معه. لكنه نظر إليها بتعجب عندما سمع ضحكها، لأنه أتت لقطة مرعبة بالفعل، لكنها تضحك عوضاً عن الخوف؟!! فعلاً يا حور؟!!
حسناً، لا يهم... بدأت رويداً رويداً شفتيها بالاحمرار بسبب الشوكولاتة الموجودة في الكيكة. ألقى نظرة عليها بسرعة ليعيد نظره إلى التلفاز، ثم أدرك تغير لون شفتيها، ليرجع نظره بسرعة. تأمل فيها قليلاً، ثم تنهد مستغفراً ربه، وعاد إلى مشاهدة الفيلم المرعب مع استمرار ضحكها المتواصل على المقاطع المرعبة جداً.
تعدت الساعة 12:30 بعد منتصف الليل. انتهى الفيلم، ليرفع يديه عالياً فارداً عضلات يده وصدره، ثم تثأب بنعاس شديد. نظر بجانبه ليجدها تضع رأسها على طرف الأريكة ونائمة بعمق. وقف ليطفئ التلفاز، ثم حملها بين يديه وصعد بها لأعلى. فتح الباب بيده، فيدلف داخلاً ويغلقه بقدمه. تقدم نحو السرير، ثم أنامها عليه، فتتدحرج إلى منتصف السرير وتنام بوضعية الجنين. قهقه بخفة عليها، ثم اتجه نحو الحمام، غسل وجهه وفرش أسنانه، ثم خرج مجدداً. اتجه نحو السرير ليستلقي بجانبها. أدارها نحوه، نازعاً الحجاب عن رأسها، واضعاً إياه على الكوميدينو بجانب السرير. رفع رأسها مرة أخرى، يضعها على ذراعه، ويحتضنها؟؟! آسفة، أقصد يعتصرها بين يديه ويستنشق عبير شعرها الأخاذ، ليغرق رويداً رويداً في النوم.
وضع كاميرون الحقيبة في حقيبة السيارة، ثم خرجت حور مرتدية جيب سوداء مع تيشرت أحمر وحجاب أسود مع حذاء رياضي أسود أيضاً. فتحت باب السيارة، فتجلس بجانب أسد، الذي نظر لها بنظارته السوداء بفخامة، فابتسم بوجهه بعفوية، ثم أدار رأسه وبدأ بالقيادة نحو قصر جده هلال.
رواية حور الاسد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سهام محمود
بدأت بالقفز في أرجاء الغرفة بحماس شديد.
خرج هو من الحمام يمسح وجهه بالمنشفة وينظر نحوها بتعجب من حماسها هذا.
تحدث بحاجب مرفوع:
سيف: مالك يا بت انتي بتنطي كدة ليه؟
سارة بإبتسامة: عشان حور جاية النهاردة.
هيييه هتيجي النهاردة هتيجي النهاردة يااا سلااام.
كتف يديه ثم قال متذكرا:
سيف: بس انتي مكنتيش متحمسة كدة ليوم جوازنا قد ما انتي متحمسة دلوقتي عشان حور جاية النهاردة.
توقفت عن القفز ثم نظرت نحوه بخجل شديد.
رفعت نظرها إليه بتوتر ثم بنبرة متوترة أيضا خرج صوتها:
سارة: ل..لا أصل أ…أنت عارف بقالي فترة مشفتهاش و انت عارف انها اختي و صحبتي و طبعا عارف ب طبيعة علاقتنا بسردين أستغفر الله العظيم كله من حور قصدي من نردين يا سيف.
سيف يومئ: أاااه خلاص ماشي بس يلا هاتي بوسة الصبح يلا.
سارة تنفي: لا مش هينفع عشان انت اكيد متوضي و مش هتخلي وضوئك يتنقض عشان بوسة صح؟
سيف يهمهم: مممممم ماشي يا ختي ماشي بس في الليل هبقى اخدها غصب عنك أو برضاكي ماشي يا سوسو؟
سارة تومئ: ماشي أن شاء الله في الليل.
سيف: يلا روحي ساعديهم تحت و شوفي لو كنتي عايزة حاجة قوليلي ماشي.
سارة: حاضر.
سيف متمنيا: يحضرلك الخير يا حبيبتي انتي.
خرجت من الغرفة لتنزل السلم بخطوات مهرولة و تدلف إلى المطبخ بسرعة.
تجد نادية و رضوى يجهزون الطعام فتمسك السكين و تبدأ بالتقطيع مع نادية بإبتسامة.
تسألها رضوى:
رضوى: سارة هو سيف في الأوضة ولا نزل تحت؟
سارة: لا يا ماما لسا منزلش لأنه كان بيصلي و قالي انزل هنا اساعدكم بس انتي عايزة منه حاجة اندهولك؟
رضوى بإبتسامة: يا ريت يا حبيبتي عشان عايزاه في موضوع مهم.
سارة: حاضر حالا هروح أقوله.
تركت السكين ثم خرجت من المطبخ.
صعدت درجات السلم و فتحت باب الغرفة فتجده قد ارتدى الجلبية البيضاء من أجل صلاة الجمعة.
ابتسمت ثم تحدثت إليه:
سارة: ماما عايزاك في موضوع مهم تحت.
سيف باستغراب: ما قالتلكيش ايه هو الموضوع دا؟
سارة: لا مقالتليش حاجة و بعدين دي حاجة تخصك انت و ماما انا مالي.
سيف: ماشي انزلي انتي قدامي و انا جاي.
سارة: حاضر.
خرجت من الغرفة يتبعها هو.
دلتفت إلى المطبخ فتتحدث سارة موجهة جديتها الى رضوى:
سارة: اهوه هو برة يا ماما مستنيكي.
رضوى تنهض: ماشي يا حبيبتي ساعدي عمتك نادية عبال ما اجي من برة خمس دقايق و هاجي.
سارة تومئ: حاضر يا ماما حاجة تاني؟
رضوى: لا يا حبيبتي.
بدأت تساعد نادية في حين خرجت رضوى فتجد سيف ينظر في ساعة يده.
تحدث ليرفع رأسه على صوتها:
رضوى: تعال معايا عايزاك في موضوع مهم.
سيف: حاضر.
خرجا من القصر الى الجهة الخلفية أمام المسيح.
تجلس على إحدى المقاعد ليجلس أمامها.
فيسأل بأستغراب:
سيف: نعم يا ماما خير في حاجة؟
رضوى: أيوة يا حبيبي في حاجة و مهمة اوووي كمان.
سيف: ايه هي؟
رضوى: تعرف ابن عمتك ريهام ؟
سيف: أيوة مالها؟
رضوى: ابنها جيه مصر و هو هيجي هنا بكرة عشان يعملها مفاجأة للكل هنا و طبعا مفيش غيرك انت و باباك الي تعرفوا.
سيف: ماشي صحيح يا ماما مش يبقى هو و حور..
رضوى مقاطعة: أيوة أيوة متقولش لحد هي صحيح حور تعرف أنه علاقتهم كدة بس اسد ميعرفش كدة ولا حد خالص غيرنا احنا.
سيف يومئ: ماشي حاضر دي هتبقى احلى مفاجأة ل حور والله و كمان هتفرح جدا.
رضوى: أيوة هتفرح بس متنساش كمان أنه بكرة حفلة يوم ميلاد سارة مراتك عشان كدة هتروح تجيب هدية بعد صلاة الجمعة انت و اسد و هتاخدوا حور معاكم تجيبلها هدية.
سيف موافقا: ماشي مفيش مشكلة بس انتي بقى عليك تحضري الكيكة و كل حاجة.
رضوى: ساهلة جدا طيب روح دلوقتي و استنى اسد و حور مع عمك و ابوك و جدك .
سيف يقف: ماشي يا ماما.
دلف الى الداخل هو و والدته.
هي اتجهت إلى المطبخ و هو الى غرفة الجلوس.
بعد مرور نصف ساعة
صف أسد سيارته بجانب سيارة سيف.
و الذي سرعان ما جعل حور تفتح الباب و تقفز منها ثم ركضت بضع خطوات لكنها توقفت على ندائه لها بقوة صمت أذانها و جعلت قلبها مثل المهرجان تماما.
أستدارت شيئا فشيئا فتجده يستند على مقدمة السيارة بوجه خالي من التعابير بسبب تصرفها هذا.
توترت ثم بدأت بقضم شفتها السفلية بقوة شديدة و أعتصرت سبابتها اليسرى بين كف يدها اليمنى و تختلس النظر بين الحين و الآخر في وجهه البارد.
دق قلبها أكثر عندما رأته يتجه نحوها بخطوات رجولية متزنة واضعا يده اليسرى في جيب بنطاله.
وقف أمامها ثم إنحنى لكي يصل إلى رأسها بسبب قصر قامتها.
ثم خرج صوته البارد مثل السقيع.
أرتجف جسدها على أثر نبرته تلك:
أسد: أنتي ليه متسرعة كدة على طول هو مفيش وجود ليا ولا إيه يا حور؟
توترت ثم نفت يرأسها عدة مرات و مازالت على حالتها.
فوجدت يده تتجه نحو وجهها.
امسك وجهها ثم تحدث بنبرة باردة قائلا:
اسد: رجلك متعتبش باب البيت الا و انتي معايا فاهمة؟
نبرته الباردة بثت الرعب في جسدها باكمله حتى النخاع ولا اراديا بدات تهز راسها بين يديه بخفة.
ليتركها ثم يمسك يدها باحكام شديد جعلها تان داخليا.
خطوات قليلة وصلوا الى باب القصر.
رفع يده ثم طرق مرة واحدة فيجد الباب ينفتح ليظهر من خلفه محمد الذي ابتسم بسعادة حينما سقط نظره على حور و اسد.
ترك مقبض الباب و فتح ذراعيه مستقبلا في احضانه وردة عمره في بستانه الواسع.
فتترك يد اسد بسعادة و تسقط في احضان والدها تصرخ بحماس طفولي.
اما عزيزنا شعر بفراغ يجتاح جسده فيقبض على كف يده بخفة و يتنهد بغضب صامت لاجل والدها و عمه.
تحدث محمد بشوق عارمو هي بين احضانه:
محمد: حبيبتي حمدلله على سلامتك شرفتي و نورتي البيت يا روحي.
حور بحماس: الله يسلمك يا حمو و بعدين منور بصحابه.
ابعدها عن حضنه قليلا ثم مد يده ناظرا ل اسد الذي ابتسم بخفة و كادت ابتسامته تظهر لكن اسد يبتسم ابتسامة طويلة عريضة تحلمون يا احبائي.
التقت يده بيد عمه ليصافحه قائلا:
محمد: عامل ايه يا اسد؟
اسد: تمام الحمد لله يا عمي انت عامل ايه؟
محمد بابتسامة: الحمد لله يا ابني يلا اتفضلوا جوا الكل مستنيكم من بدري.
حور بشقاوة: خلاص انا جيت ونورت البيت ومحدش ليه دعوة بيا ماشي.
محمد: ماشي براحتك يا حور.
سارت؟؟… بل ركضت بسرعة نحو الصالة فتجد شقيقها واقفا.
ما ان وجدها امامه ركض نحوها والتقطها بين يديه مثل الطفلة.
فيحملها و بدا يدور بها بسعادة و هي دفنت راسها في عنقه.
فينزلها بعد برهة ثم تقول:
حور: ازيك يا سيف وحشتني اووووي.
سيف بابتسامة: انا كويس و انتي كمان وحشتيني جدا.
حور: و سارة عاملة ايه؟
سيف يقهقه: دي هتموت عشان تشوفك انتي و اسد.
حور: هزقها النهاردة متقلقش.
سيف: ماشي براحتك اومال اسد فين؟
نظرت حورخلفها فلم تجده ثم قالت مفكرة:
حور: ممكن تلاقيه طلع الاوضة فوق عادي يا سيف.
سيف باستغراب: عادي ازاي يا حور؟
حور: اقصد انه ممكن يكون بيرتاح يا سيف ما انت عارف السواقة وتعبها.
سيف: ماشي بس المهم دلوقتي روحي سلمي على جدك و سارة عشان ميزعلوش.
حور بابتسامة: هيلو دا سيبوا عليا لكن سارة خليها مفاجاة ماشي.
سيف: تمام.
مدت كف يدها ثم حركت حاجبيها للاعلى و اسفل لكنه لم يفهم فسال عاقدا حاجبيه:
سيف: ايه مش فاهم؟
ضربت جبينها بكف يدها بسبب عدم فهمه لها لكنها تنهدت بخفة ثم اردفت:
حور: هات مفاتيح عربيتك عشان اروح اجيبلها الهدية بتاعتها.
سيف: ماشي يا ستي خدي اهيه.
اخرج مفاتيح سيارته من جيبه ثم اسقطهم في كف يدها لتمسكهم بفرح وتستمر في السير الى الداخل.
لتجد هلال يشرب كاسا من الماء فتبتسم ابتسامة شيطانية لانه لم يلاحظها فتصرخ قائلة:
حور: هييييييييييلو.
بصق هلال الماء من فمه بشكل مضحك جدا ثم سعل بخفة و تمتم عندما راها امامه:
هلال: يا بنت المجنونة انتي كنتي هتموتيني دلوقتي.
بدات بالضحك الصاخب جدا ثم اقتربت منه بروية ومن ثم عانقته و قبلت وجنته اليسرى و قالت:
حور: بعيد الشر عنك يا هيلو يا قمر انت.
هلال: لا ياختي بعيد الشر عنك دي مش هتنفعني المرة الجاية.
قهقهة حوربخفة لكنها شعرت باذنها تعتصر من اسفل حجابها فتصرخ ضاحكة ممسكة بيد هلال باليد التي يمسك بها اذنها و قالت:
حور: هيلو حبيبي متتهورش يا حبيبي عشان ودني في حد عايزها تاني.
هلال: لا اسد مش هيبقى عايز ودنك هو هيبقى عايز حاجة تاني.
حور: و الله؟؟! طيب ايه هي؟
هلال: و انا اعرف منين يا هبلة انتي مش انتي مراته و تعرفيه اكتر مني!!
ترك اذنها فتمسد اذنها بخفة و التي بالتاكيد اصبحت حمراء لكنها جلست على الارضية امامه ثم قالت بدرامية ممسكة بظهرها:
حور: اااااااخ يا بوووي.
رفع حاجبه من تصرف حفيدته ثم قال:
هلال: هو يا بنت انتي يمكن طلع عندي عرق صعيدي و طلع عليكي انتي بس.
حور مفكرة: يمكن هو انا عارفة حاجة مش انت تبقى ادرى بنسل العيلة يا هيلو.
هلال بنفاذ صبر: انتي يا بت انتي قومي يلا من هنا قومي بدل ما ترفعيلي الضغط قومي.
قهقهة حورثم وقفت راكضة خارج القصر نحو سيارة سيف ثم فتحتها عن بعد لتصل اليها فاتحة باب السائق و تجلس خلف المقود وضعت المفتاح في مكانه و ادارت المحرك ثم بدات بقيادة السيارة خارج حدود القصر متجهة بها نحو المركز التجاري لكي تشتري الهدية.
حيث في الاعلى كانت تقف نردين في الشرفة تراقب حور التي خرجت من حدود القصر فتعود الى الداخل بابتسامة خبيثة على محياها.
فتمسك سريعا بهاتفها و تتصل على كرم فتسمع صوته قائلا:
كرم: هاه يا مزتي نبدا الخطة بقى ولا ايه؟؟
نردين: ايوة ابدا هي لسا خارجة من القصر بعربية لونها ابيض.
كرم: خلاص خلاص شفتها قدامي اهيه.
نردين بحماس: طيب يلا بسرعة و نفذ الخطة زي ما قلتلك انا.
كرم: ماشي سلام.
نردين: سلام.
تركت الهاتف على السرير ثم بدات تسير في ارجاء غرفتها و هي تفرك يديها بحماس و ابتسامة عريضة على وجهها و تفكر ان كان سيحدث شيئا ام لا؟
بعد مدة 20 دقيقة
صفت حور السيارة امام المركز التجاري ثم نزلت من السيارة مغلقة اياها عن بعد ثم سارت نحو الامام لكي تختار الهدية بعناية شديدة ف هي من اجل صديقتها المفضلة و اختها التي لم تحصل عليها ايضا.
وقفت امام المصعد ثم ضغطت على الطابق ال4 و كانت بمفردها.
انتظرت قليلا ليصل المصعد الى الطابق المحدد ثم فتح ابوابه لتخرج هي منه بسرعة و تبدا بالسير مهرولة قليلا لتقف امام محل للتحف الفنية للزجاج.
دلفت اليه بسعادة ثم بدات تسير في ممراته المملؤة بجميع الاشكال و الالوان التي تدهش الانظار لكنها اتجهت الى رفوف البلورات الثلجية ثم التقطت واحدة يوجد بداخلها تمثال صغير ل عريس يحمل عروسه.
هزتها بخفة لتبدا البريق بداخلها بالتحرك مثل تساقط الثلوج فينفتح فاهها باعجاب منها.
امسكتها باحكام ثم اتجهت نحو المحاسب لكي تدفع ثمنها وتغلفها الفتاة هناك بلفة جميلة.
خرجت من المحل و في يدها كيس الهدايا.
سارت قليلا فترى محل للاكسسوارات دلفت بداخله ثم طلبت من العامل ان يصنع قلادة ذهبية باسم سارة و سيف ليلبي طلبها سريعا و تنتهي بعد 10 دقائق.
بعد ذلك خرجت من المحل و كانت ستخرج لكنها اصطدمت بشخص ما ليسقط منها هاتفها لتنزعج قليلا لكنها انحنت لكي تمسك هاتفها لكن ذلك الشخص الذي اصطدمت به سبقها ممسكا هاتفها و كانت ستقول:
حور: انا اسف….
ة!!.—-: حور؟؟
نظرت بصدمة نحوه صدمة شديدة جدا لدرجة انه اغرقت عيناها بالدموع و تحاول نطق اسمه لكنها لم تستطع.
تقدمت نحوه و رفعت كفي يديها مكوبة وجهه ثم دققت في ملامح وجهه الجميلة فيبتسم هو لينقل لها عدوة الابتسامة.
ثم خرج صوتها مهزوزا:
حور: انت…..انت جيت اخيرا جيت!!
—-: ايوة رجعت عشان بقيت وحيد في الدنيا و جيت عشانك انتي و سيف و بعدين انتي وحشتيني اووي يا حور.
نطق بتلك الكلمات و هو يحتضنها الى صدره فتبادله هي بدون تردد و بدات بالبكاء بصمت ليقول لها:
—-: هششششش بس بس دا انتي لسا بتعيطي اول ما تشوفيني.
حور: ايوة لسا.
رفعت راسها ثم قالت بابتسامة:
حور: انا عايزة اقولك حاجة.
—-: ايه هي يا حبيبتي؟
حور: انت وحشتني اوووي يا عزت.
عزت: و انتي كمان يا حبيبتي.
في هذه الاجواء تم التقاط العديد من الصور بالة التصوير التي بين يدي كرم و كان يبتسم ابتسامة سعيدة لان مخطط نردين قد نجح بالفعل….
تحركت حورهي و عزت ممسكة يده بشدة و ابتسامة تزين وجهها البشوش ليلتقط صورة لهم ايضا.
بعد مدة دلفا الى كافيتيريا المركز التجاري ثم جلسا على اقرب طاولة لتتحدث حور بسرعة:
حور: انت كنت فين يا عزوز طول المدة دي؟
عزت: كنت برة في الشغل بتاع الشركة و كانت حصلت كم مشكلة كدة و بسبب الظروف بس.
حور: ممممم ماشي مش هتقل عليك بس قولي ملقيتش ليك مزة كدة عشان تكمل حياتك معاها ها؟
قهقه على غمزتها التي اتت في اخر حديثها بشقاوة ثم نفي براسه مع ضحكة خفيفة لكنها عبست قليلا مبرزة شفتها السفلية بطريقة مضحكة جعلته ينفجر ضحكا اكثر من ذي قبل.
لتبتسم بخفة على ضحكته لتتم التقاط صورة لهم مرة اخرى من قبل كرم.
سالها بهدوء:
عزت: المهم انتي عاملة ايه و ايه الدنيا معاكي؟
تنهدت حور ثم بدات بسرد الاحداث:
حور: ولا حاجة غير اني اتجوزت اسد من مدة مش طويلة اووي و عايشة معاه في قصره لوحدنا و هو مش مفتكر حاجة طبعا بسبب الحادث الي حصل و النهاردة جينا هنا نقضي الاجازة و هنمشي بكرة في الليل.
عزت: ممممم مش نردين في القصر بتاع جدو؟
حور: اه هي يا سيدي ست سردين موجودة فيه.
عزت: ههههه سردين؟
قهقهة بخفة ثم اومئت له بابتسامة خفيفة مبررة لهذا اللقب:
حور: ايوة سردين عشان هي رخمة اووويو متكبرة و خلاص مينفعش اتكلم كدة في قفاها حرام.
عزت: يااااه يا حور على طيبة قلبك.
حور بخبث: دي مش طيبة يا بابا دي حسن الاخلاق بتاعتي.
عزت: لا شاطرة يا بت.
حور: اكيد اومال ايه؟
ضحك عزت ليتحدثا في احاديث جانبية قليلا ثم مضى بعضا من الوقت لتودع عزت راحلة من امام المركز التجاري فيلوح لها بابتسامة خفيفة تزين وجهه.
ركبت في السيارة ثم ادارت المحرك و بدات بقيادتها من امام المركز التجاري لكن بعد ان ابتعدت بمدة وجيزة بدا قلبها يخفق بسرعة شديدة لا تعلم سرها للاسف لكنها مسدت مكان قلبها بخفة و تنهد قليل لتكمل قيادتها بهدوء و روية من اجل الطريق.
بعد مضي 20 دقيقة
دلفت سيارة سيف داخل حدود القصر ثم امسكت حور الهدايا و اتجهت الى الباب الخلفي من جهة الحديقة و المسبح و فتحت الباب اظهرت جزءا من عينها اليسرى لكي تراقب الوضع و ان ترى ان كانت سارة في المطبخ ام لا.
لم تجدها لتدخل بحذر و روية ثم ما ان اغلقت الباب بدات بالركض السريع نحو غرفة اسد و لحسن الحظ لم يلحظها احد فتحت الباب ثم اغلقته تريح ظهرها لتفاجا بزوجها العزيز جالسا على الكرسي بالقرب من الشرفة و ينظر في الساعة كانه ينتظر شخصا ما وهو كان ينتظر حور فقط…
ابتلعت رمقها بتوتر شديد ثم اعتدلت في وقفتها لتسير نحوه بخطوات بطيئة نسبيا و نظرها معلق بنظراته الباردة مثل الصقيع.
وقفت امامه بينه و بينها خطوتان تماما كانت ستتحدث لكنه قاطعها بنبرته الباردة:
اسد: كنتي فين يا….انسة؟
حور: !!!!
تحدث بكلمة “انسة” بسخرية فتاكة جدا كانه يذكرها بمقامها عنده.
صحيح انها صدمت قليلا؟؟… لا اقصد كثيرا و جدا ايضا لكنها لم تشعره بذلك لهذا ابتسمت بخفة في وجهه ثم تحدثت ببساطة:
حور: كنت برة بجيب حاجات كدة.
اسد: و الحاجات دي تخليكي تروحي تجيبيها وتطلعي عشانها من غير ما تاخدي اذني؟
حور بتوتر: انا….انا كنت….انا كنت…
استقام سريعا ممسكا بها من اكتافها حتى جعل اطراف اقدامها تلامس الارضية فقط لتشهق من الالم الذي اجتاح نصفها العلوي فقط من قبضتيه.
تركت ما في يدها يسقط ارضا لتمسك ساعديه العريضين ثم همس بنظرات مملؤة بالغضب الشديد جدا لدرجة انها اصبحت حمراء مثل الدم و همسه مثل فحيح افعى جعل جسدها يرتجف رغم الالم:
اسد: انتي ايه؟؟…. ها انتي ايه يا حور اقسم بالله تخرجي من برة البيت تاني من غير اذني مش هيحصل طيب فاهمة ولا افهمك على طريقتي.
لم ترد عليه بسبب المها لهذا غضب اكثر فهزها بين يديه بعنف شديد جعلها تان اكثر من ذي قبل فتقول بدون وعي:
حور: فاهمة فاهمة….سيبني بس ارجوك!!
دفعها من أكتافها التي كان يقبضهم بقوة لتتراجع عدة خطوات إلى الخلف ثم إنكمشت على نفسها ممسكة بأكتافها بسبب الألم العنيف الذي يسير بداخلهم.
فترفع رأسها ناظرة إليه فتجده يتنفس بسرعة و عيون حمراء من الغضب الشديد مع ملامح سوداوية حادة فترتعش بشدة مع نظرات صادمة موجهة نحوه.
لم يبالي لها ليخرج من الغرفة صافعا الباب بقوة لدرجة أنه كاد أن ينتزع في قبضة يده ليخرج من القصر سريعا صاعدا سيارته ب رجولية طاغية جدا و بسرعة الصاروخ كان خارج حدود القصر بوجه غاضب و كيان متوتر جدا!!
بسرعة الصاروخ ذهبت و أغلقت الباب بالمفتاح ثم ذهبت نحو السرير فتسقط بجانبه و تبدأ عبراتها بالهبوط واحدة تلو الأخرى لتشعر على نفسها فتضم ركبتيها إلى صدرها و تحيطهم بذراعيها لتتألم منهم فتأن مع شهقاتها التي بدأت بالخروج بسرعة تبكي و تبكي و تبكي هذا ما يسعها فعله الأن بسبب ألمها و بسبب ألم قلبها الذي يفوق أي ألمٍ أخر.
بعد مدة إستغفرت ربها ثم بدأت تمسح وجهها بقوة و بعدها إستقامت نزعت حجابها و بعد ذلك التيشرت الذي كانت ترتديه لتذهب نحو المرآة تنظر إلى أكتافها التي أصبحت خليط بين الألوان الأزرق، البنفسجي، و الأسود بالفعل.
إعتلت نظرات الصدمة كليا على وجهها من إمساكه لها لمدة دقيقتين فقط قبضته تفعل هذا؟!!.
تلمستهم بخفة لتقسم على أن ترد له الصاع صاعين بالفعل ثم قالت بصوت طفولي غاضب:
حور: والله لهوريك يا أسد يا إبن سيف على إلي عملتوا فيا ده و إن ما وريتك مبقاش أنا حور بنت محمد و يا أنا يا أنت النهاردة.
أمسكت ببعض الثياب ثم إتجهت نحو الحمام لتستحم عسا أن يخفف ذلك من ألم أكتافها الرهيب.
أنتهت بعد مدة ليست بقصيرة فتخرج منه محيطة بجسدها الرشيق منشفة بيضاء و شعرها منسدل على طول جسدها و تسقط منه بعض قطرات الماء.
إتجهت نحو الخزانة أخرجت بيجامة صيفية ذات أكمام طويلة باللون الوردي و ترتديهم ثم بدأت تمشط شعرها و بعد ذلك تثنيه إلى النصف و من ثم تدخله أسفل ملابسها و تلف بعد ذلك حجابها الأبيضحول رأسها ثم اتجهت نحو الباب فتحت الباب و من ثم خرجت منه “”حافية القدمين”” و بسرعة لاسفل و نحو المطبخ تحديدا لم تجد أحدا سوى والدتها التي تطبخ فتبتسم و تذهب نحوها محتضنة إياها من الخلف فتبتسم رضوى عليها فهذه عادتها.
أمسكت حور حبة فراولة كانت في الوعاء و تبدأ بتناولها لتسأل والدتها:
حور: ها يا ماما هتعملي انتي التورتة بتاعت يوم ميلاد سارة ولا هتجيبوها جاهزة؟
نظرت لها رضوى رافعة حاجبها الأيسر بعيد من سؤال أبنتها الغبي ثم أردفت:
رضوى: أنني غبية يا بت ولا إيه؟! و بعدين إيه إلي يخلينا نجيب تورتة جاهزة و إحنا بنعرف نعملها؟
نظرت نحوها حور بغباء لا متناهي مائلة رأسها قليلا للجهة اليمنى بينما تلتقط يدها حبة إخرى من الفراولة فتصفعها رضوى على يدها فتتأوه حور مصطنعة الألم بينما نظرت نحوها رضوى بإنتصار لكنها ثواني و أنفجرت هما الأثنتان من الضحك الصاخب بالفعل لتساعدها حور في تجهيز مكوناتها و بينما هي تحمل وعاء الزجاج جاءها سؤال في عقلها لتسأله والدتها:
حور: طيب يا ماما إحنا إزاي هنخليها مفاجأة و سارة هتبقى في البيت هنا يمكن المفاجأة متنفعش و تطلع على الفاضي بسبب كدة.
رضوى مهمهمة: هو بصراحة أنا فكرت في كدة طبعا و بقول إنه نخلي سيف ياخدها لمشوار كدة برة عيال ما يرجعوا نكون إحنا جهزنا الصالة و كل حاجة تبقى تمام.
حور تومئ: فكرة مش بطالة يا رورو والله!!
جهزنا بالفعل كل شيء ثم خرجتا من المطبخ لكي تذهب حور نحو الصالة فلم تجد أحدا لتسمع صوت تكبيرات يوم الجمعة في المسجد على التلفاز لتعلم أن الجميع ذهب إلى المسجد لكي يصلوا صلاة الجمعة.
ابتسمت بخفة لتصعد لأعلى ثانية و هي في الردهة تصادف تردين التي إبتسمت إبتسامة خبيثة و تقول:
نردين: إزيك يا حور عاملة إيه؟
حور: تمام الحمد لله و أنتي؟
نردين: هيبقى النهاردة احلى يوم في حياتي و خصوصا الليلة دي بالذات.
إعتلت ملامح الأستغراب وجهها لترفع أكتافها بلا أهمية غير مبالية بها:
حور: طيب كويس عن إذنك.
تقدمت خطوة واحدة لتمسك ناردين بيدها اليسرى و تهمس قائلة:
نردين: و النهاردة هتبقى في مفاجأة ليكي أنتي كمان يا حلوة عشان كدة جهزي نفسك كويس.
ثم تركتها و تذهب نحو غرفتها لينقبض قلبها من بين أضلعها لتمسد مكان قلبها بخفة و تسير نحو الغرفة و تغلق الباب خلفها و رأيها أصبح مشوشا بالكامل من حديثها الذي يحمل لغزا كبيرا.
تنهدت و من ثم هزت رأسها عدة مرات لكي تزيح تلك الأفكار من عقلها.
أتجهت نحو كيس الهدايا و تفتحه لتتفحص الزينة لتجدها ممتازة و غير مبللة اعتقادا منها أنها إنكسرت بينما سقطت منها عندما باعتها ذلك الأسد بقبضته فتتنهد براحة كبيرة.
عند أسد الذي كان يقود سيارته بلا وجهة محددة و يشعر بكيانه متهيجاً بالكامل و يدق بعنف قبض على المقود بقوة شديدة و عيناه حمراء من الغضب الشديد الذي يسيطر عليه تدريجيا أصبح يهدأ و يعود إلى حالته الباردة تلك من جديد.
سمع رنين الهاتف ليخرجه من جيبه ثم يرد فيجيب ب برود:
أسد: السلام عليكم يا سيف في حاجة؟
سيف: لا مفيش حاجة بس كنت هقولك تعالا على الجامع عشان نصلي صلاة الجمعة في المسجد الي بنصلي فيه على طول.
أغلق عيناه لثواني ثم تنهد يعيد فتحهما ثم قال:
أسد: انا بعيد عنكم يا سيف صلوا انتوا و انا هصلي في اقرب مسجد أو جامع عندي متقلقش انت.
سيف: هو في حاجة يا أسد صوتك مش مريحني؟
أسد: في والله في.
سيف متسألا: في ايه خير ان شاء الله؟
أسد يشتكي: اختك النهاردة طلعت من البيت من غير ما تاخد اذني ينفع كدة يا سيف؟
همهم سيف في الجهة الأخرى ثم تحدث بهدوء سائلا إياه:
سيف: طيب مش هي كانت راجعة و في أيدها حاجة ولا كانت أيدها فاضية؟
أسد مستذكرا: كانت ماسكة في أيدها كيس هدايا على ما اعتقد!!
سيف: هي طلعت عشان تجيب هدية ل يوم ميلاد سارة و لما قلتلها خدتي اذن جوزك راحت قالتلي سيبه يرتاح من سواقة الطريق عشان متعبة بس و انا أكدت عليها انك لو زعلت اقولك انا الكلام دا.
مرة أخرى يقع الخطأ على عاتقيه بسبب غضبه اللامبالي بأحد اذاها مرة أخرى من دون أن يشعر شتم نفسه كثيرا في سره لكنه عاد إلى أرض الواقع عندما تحدث سيف:
سيف: هو في حاجة حصلت يا أسد هو انتوا الاتنين اتزاعلتوا مع بعض ولا ايه؟
أسد: لا لا مفيش حاجة ابدا حصلت انا قلت اقولك بس لاني افتكرت انك مش عارف.
سيف بابتسامة: لا انا عارف كل حاجة و يلا سلام عشان الصلاة هتبدأ.
أسد: ماشي سلام.
رمى الهاتف على المقعد بجانبه بينما يزفر بحدة.
صدح صوت الاذان في جامع قريب منه ليتجه نحوه بسرعة ليركن سيارته بالقرب منه ليطفئ المحرك و يخرج من سيارته فيغلقها ثم يتجه نحو الجامع ليتوضأ و يصلي جماعة مع من في الجامع.
بعد مدة
خرج من الجامع و هو يستغفر ربه كثيرا على ما فعله بها اتجه سريعا نحو السيارة ليفتحها ثم بدأ يقود نحو محل مخصص للاكسسوارات ليدلف إليه بسرعة ثم يخرج بعد مدة و في يده كيس هدايا متوسط الحجم ثم يقود نحو القصر.
وصل إلى القصر فيجد الباب مفتوحا ليدلف للداخل و يتجه لأعلى صاعدا السلالم بخطى سريعة جدا فيجدهم مجتمعين حول باب غرفته ليعقد حاجبيه بإستغراب من تجمعهم هذا فيسأل بإستغراب:
أسد: في إيه عشان متجمعين على باب غرفتي كدة؟
نظروا جميعاً له نظرة سريعة و يعيدوا نظرهم إلى الباب متاجهلينه تماما فينصدم هو من ردة فعلهم الغريبة هذه لكن غضب داخلي بدأ يسير في عروقه ليقبض على كيس الهدايا ثم صرخ بصوت جوهري ثم آذان الجميع:
أسد: هتفهموني في إيه هنا ولا و أقسم بالله العظيم ما هيحصل طيب النهاردة.
تقدم سيف نحوه بخطوات بطيئة ثم تحدث:
سيف: حور بقالها مدة قافلة على نفسها في الاوضة و مش راضية تفتح لحد الباب.
أسد متسألا: طيب ليه ؟ و إيه السبب؟
سيف: مش عارفين و مش راضية حتى تقول السبب ولا تنطق بحرف واحد حتى.
اومئ بخفة ثم رفع يده اليمنى يمرر أنامله من خلال خصلات شعره فتاكة السواد ثم تحدث ببرود لا يقبل النقاش:
أسد: طيب خلاص أنا عرفت المشكلة أتفضلوا إنتوا تحت و أنا هتكلم معاها.
سيف معترضا: بس…
أسد مقاطعا: من غير بس يا سيف قلت أتفضلوا تحت و أنا هشوف مالها.
سيف مستسلما: ماشي براحتك.
بدأ الجميع بالأنسحاب و ينزلون لأسفل بينما هو واقف أمام الباب ثم طرق بهدوء فيسمع صوتها الهادئ يقول:
حور: عايز إيه؟! مش كفاية إلي عملتوا فيا؟
أسد: طيب ممكن تفتحي عشان نتفاهم و بعد كدة هشوف حل للهبل إلي أنتي عملتيه دلوقتي؟
حور بتهكم: يعني إلي عملته دلوقتي دا هبل مش كدة؟
أسد: أيوة هبل.
حور: ماشي خليك زي ما أنت واقف و ملطوع زي البرص في الباب و قولي لو طعمه عجبك ولا لا عشان اغيرهولك.
إنزعاج شديد بدأ يظهر على ملامح وجهه فيقول بصدمة:
أسد: أنا ملطوع و زي البرص يا حور طيب هتفتحي ولا و حياة أمك ما هتفلتي من تحت إيدي النهاردة؟
حور تغيظه: هيهيهيهي و حياة أمي قال طيب يا بابا أفتح الباب براحتك أنا مش هفتحه.
أسد: بقى كدة؟
حور: أيوة كدة و أبو كدة و شكل كدة و الي جاب كدة كمان هاه.
أسد: ماشي هعد لحد تلاتة عشان تفتحيه لو متفتحش انا هكسر الباب و إلي يحصل يحصل.
حور ببساطة: ماشي يلا عد و انا مستنية انك تكسره.
أسد: مااااشي 1-2-3.
عند عده للرقم ثلاثة كان مهيئا جسده لكي يصدم الباب بكتفه العريض فيتقدم بسرعة لا بأس بها نحو الباب فيتفاجأ بأن الباب إنفتح أمامه ليعدل من نفسه بسرعة فتكمل هي عليه لتعرقله بقدمها الضئيلة فيسقط أرضا على ظهره بقوة جعلته يتأوه بقوة ثم صرخ:
أسد: يا بنت المجنونة!!
أغلقت الباب هي خلفها بالمفتاح ثم بسرعة جلست القرفصاء على معدته المسطحة و عقدت ساعديها أسفل صدرها ثم نظرت له رافعة حاجبها الأيسر و لاوية شفتيها بطريقة مغرية ثم تحدثت بينما هو مشغول بآلم ظهره:
حور: هااااه يا بشمهندس أسد سيف السيوفي عجبتك الحركة دي ولا عايز حركة تاني؟
تنهد قليلا ثم فتح عيناه ببطئ ليجدها جالسة على معدته بهيئتها المضحكة تلك و للحق هو لم يشعر بها أساسا بأنها جالسة عليه فيقول :
أسد: أنني من إمتى و انتي قاعدة القاعدة دي؟! انا محستش بيكي خالص.
حور: والله؟
أسد: والله!!
حور: ياااا رااااجل؟
أسد: والله تاني.
حور: طيب افتكر أنه كل دا التجمع إلي عملته على الباب و الوقعة دي و القاعدة الي انا قاعدتها عليك دلوقتي عشان تحرم مرة تانية انك تمسكني مسكة بدري و عشان تزعق فيا من غير ما تفهم يا أستاذ.
أراح رأسه على الأرض ثم تحدث متنهدا:
أسد: خلاص حقك عليا انا اسف مكنش قصدي و بعدين دي عادتي اني مسمعش لحد ابدا و بعمل الي في دماغي من غير ما اسمع لحد.
ألقى نظرة عليها ليجدها ملتوية الشفاه مع نظرة لا مبالاة فتاكة نحوه مما جعله يضحك بصوت لا بأس به مما جعل قلبها يدق بسرعة جدا لكنها تنهدت بإنزعاج من حالها المتقلب هذا بسبب إبتسامته فقط!!.
بينما ينظر لها وجد شيئا مزرقا ببشاعة اعلى كتفها ليعتدل بسرعة مما جعلها تفزع و تتمسك به لتجده يرفع نصف كم البلوزة التي ترتديها لتتآلم مصدرة تأوها عالي لينظر لها بقلق مما جعلها تبتعد عنه بسرعة ثم جلست على الأرض تمسد كتفها قليلا ليراه بوضوح مزرق و لونه قريب الى الأسود منظره بشع الى حدا كبير جدا و لقد علم أن ذلك بسبب فعلته و غضبه الا مبرر له.
انزل رأسه ثم تنهد كابتا غضبه من نفسه و شد شعره بقوة إلى أن كاد قتلع من جذوره!!، رأت حاله المتقلب هذا لتقترب منه و تسأله بقلق ممسكة بساعده:
حور: أسد مالك في حاجة حصلت معاك؟!، ولا دماغك واجعتك تاني!!
رفع رأسه ثم نظر نحوها ” حقا حور؟!!، بعد كل ما فعلته بكي تقلقين علي هكذا و كأنه لم يحصل شيء بيننا؟!” لم يستطع أسد كبح نفسه ليحاوط خصرها الرشيق بين ساعديه القويين و يحتضنها بقوة مما جعلها تنصدم و من ثم ألقى برأسه على كتفها و تحدث بصوت نادم لكن بنبرة خافتة تكاد تسمع:
أسد: انا بجد اسف على إلي عملته فيكي يا حور بجد انا اسف!!، اتمنى انك تسامحيني مقصدتش اني اعمل في كتفك إلي عملته دا والله العظيم تاني!.
أسندت كفي يديها على كلتا اكتافه العريضة ثم ابعدت رأسه و نظرت في عيناه ثم تحدثت بحنان قائلة:
حور: متتاسفش يا أسد أنا عارفة طبعك كويس و بعدين انا بصراحة كمان غلطت كان لازم اقولك قبل ما اطلع بس انا قلت إنه انت تعبان ولازم ترتاح رحت قلت ل سيف عشان كدة احنا الاتنين غلطنا في حق بعض و انا اسفة مش هعمل كدة تاني.
أسد: لا انا غلطت انا مكنش لازم اتعصب بالطريقة دي على الفاضي من غير ما اسمعلك بس كنت عامل زي الثور الهايج و مراعتش مشاعرك.
ابتسمت بخبث ثم تحدثت بقهقهة عليه:
حور: طيب كويس انك عارف نفسك!!
أسد باستغراب: تقصدي ايه باني كويس اني عارف نفس…ي!!!، يا بنت المجنونة.
اومئت حور له بينما تضحك عليه بصوت مكتوم مما جعله يبتسم و يحملها بسرعة ثم يستلقيا على السرير لتتحرك بطفولية جدا لياحصرها بين ذراعيه ثم يقول بنبرة لعوبة:
أسد: على فكرة أنا ضريبة على كلمة اسف لأنه مش بتطلع بالساهل زي ما انتي مفكرة.
حور: ايه يعني مش فاهمة؟
أسد بإنتصار: انا هفهمك دلوقتي.
بعد ابتسامته المريبة تلك التي لم ترتح لها فاجأها باقترابه منها بسرعة البرق و الصق شفتيه بشفتاها و بدأ يقبلها بخفة عدة ثواني ليستوعب عقلها الصغير ما الذي يفعله هذا الرجل بصراحة هو إلى أن انتهى من تقبيلها و أشبع رغبته بها هي كانت ما تزال في حالة تريد استيعاب ما فعله، رفع رأسه ليجدها بهذه الحالة ليبدأ بالقهقهة عليها فتنظر هي إليه و تسأله بغباء مع نظرة استغراب:
حور: هو انت عملت ايه دلوقتي؟
أسد: انا عملت ايه؟
حور: أيوة انتي دلوقتي حالا يعني عملت ايه؟
أسد يتلاعب: تقصدي دي؟
أقترب منها ليقبلها قبلة سطحية و هو يبتسم و من ثم رفع رأسه مرة أخرى ليجدها تومئ له و مازالت نظرة الأستغراب و التشوش تعتريها ليبتسم و هو يقول :
أسد ببساطة: كنت ببوسك عادي.
حور: امممم بتبوسني!!
أسد: أيوة ببوسك عادي دا من حقي على فكرة.
حور: ماشي دي عشان بوستني من غير استاذان.
أمسكت ساعده و بدأت تعضه بقوة كبيرة لدرجة أنها شعرت باسنانها سوف تتحطم من صلابة يده لتبعد يده عن فمها و تمسك فمها بألم بينما هو قهقه عليها فيقول:
أسد: خلاص يلا نامي عشان انا نعسان و عايز انام.
حور: بس انا مش نعسانة و مش عايزة انام.
استلقى بجانبها و اخذها بين أحضانه و يحاوطها بأحكام ثم أغلق عيناه متنهدا بينما هي بدأت تتلوى بين ذراعيه لعلها تجعله يتركها لكن لا حياة لمن تنادي!!!.
استسلمت هي بعد أن شعرت بالتعب من كثرة المحاولة لتتثأب بنعاس لم تعي على نفسها فتدفن رأسها في صدره و ثواني معدودة كانت قد ذهبت في سبات عميق إلى مملكة سلطان النوم.
فيفتح عينا واحدة ليجدها نامت فيبتسم بخفة ثم يغلقها براحة و يبدأ بتمسيد كتفها بخفة شديدة لكي لا يؤلمها و بعد عدة دقائق نام هو الآخر براحة لأنها بين ذراعيه.
رواية حور الاسد الفصل السادس عشر 16 - بقلم سهام محمود
تقدم أسد ليمسك بيدها ويرافقها إلى غرفة العناية المشددة.
فتتكلم الطبيبة رؤية:
رؤية: انت مين حضرتك؟
أسد: أنا جوزها. أسد. هي حالتها إيه يا دكتورة؟
رؤية: بص يا أستاذ أسد، أنا هتكلم معاك بصراحة... الحالة اللي هي فيها، الآنسة حور، حرجة.
أسد بصدمة: ليه؟
رؤية موضحة: حالة الإصابة اللي كانت متصابة فيها خطيرة، بحيث إنها هتاثر عليها مستقبلًا. وحاليًا هي هتاثر على حركة رجلها الشمال، بس بالعلاج الطبيعي هتقدر تمشي عليها في فترة أقل من شهر. ده غير إنه كان ظاهر عندها في جنبها الأيسر متعرض للضرب الشديد والعنيف، أدى لانكسار ضلعين، سبب لها نزيف داخلي، بس قدرنا نسيطر عليه الحمد لله. وهي حاليًا في غيبوبة لأنها اتضربت في منطقة خلف الرأس. وكمان لسه مش عارفين هتاثر على ذاكرتها ولا لأ. بعد مدة 24 ساعة هننقلها لغرفة عادية في حالة عدم حدوث أي مضاعفات.
أسد: طيب يا دكتورة، ممكن أشوفها دلوقتي؟
رؤية: لا، حاليًا مش ممكن للأسف يا أستاذ أسد.
أسد: أرجوكي يا دكتورة، خلينا أشوفها لمدة خمس دقايق بس.
رات رؤية الإصرار والقلق والخوف في عيناه، فتستسلم قائلة:
رؤية: ماشي يا أستاذ أسد، لمدة خمس دقايق لا أكتر ولا أقل.
أسد بسعادة: متشكر يا دكتورة، متشكر جدًا لكِ.
رؤية: العفو، دا واجبي مش أكتر. أتمنى لها الشفاء إن شاء الله.
رحلت رؤية بعيدًا عن ناظري أسد، بينما تحرك أسد في سعادة عارمة لأنه سوف يراها، لكنه أيضًا حزين جدًا بسبب ما أصابها.
كان سيدلف للداخل، لكنه وجد عزت قادمًا نحوه مهرولًا ليسأله عن حالة حور.
عزت: أختي يا أسد، هي كويسة مش كده؟
أسد يومئ: حاليًا لا، لأنها في العناية المركزة. بعد 24 ساعة هيخرجوها منها لغرفة عادية، بس...
عزت: بس إيه يا أسد؟
أسد متنهدًا: بس بسبب الجرح هياثر على حركة رجلها الشمال، هتحتاج إنه يتعالج بعلاج طبيعي لمدة أقل من شهر. وكمان لقوا إنه عندها ضلعين مكسورين، هما سبب النزيف الداخلي. وكمان ضربة قوية في راسها من ورا، ممكن تخليها تفقد الذاكرة.
عزت بصدمة: كل ده حصل لها بسبب بنت الـ... نردين.
أسد بغضب: متجيبش سيرتها قدامي. على العموم، أنا دلوقتي هروح أشوف حور، وأنت قلت لحد في القصر؟
عزت بنفي: لسه مقلتش لحد. أنا يا دوب لحقت إني أسكت البوليس وجهزت ورق المستشفى وجيت لك بسرعة أهو.
أسد: طيب قول لهم عشان هنروح نشوف حكاية نردين دي.
عزت: ماشي، بس ادخل أنت الأول وطمني، ماشي.
أسد: ماشي.
تركه أسد، ثم دلف لداخل العناية المركزة، ثم أغلق الباب بخفة. استدار لكي يراها ليجدها ممدة على السرير، مستلقية على جنبها الأيمن، والأجهزة الطبية محيطة بها، وقناع جهاز التنفس موضوع على فمها، بينما الملاءة تحيط جسدها، وشعرها متناثرًا من حولها مثل الملاك، لكن ملاك مصاب وأجنحة مكسورة.
تقدم نحوها أكثر، ثم جثى على ركبتيه ونظر إلى وجهها. لم يستطع منع نفسه ليبدأ بالبكاء مثل الطفل، ممسكًا بيدها ويردد قائلًا:
أسد: كله بسببي، كله بسببي يا حور... كل اللي أنتِ فيه بسببي أنا. سامحيني يا حور لأني سببت لك الأذى ده كله.
ظل على تلك الحال لمدة دقيقة، ثم مسح دموعه بقوة، وقد أصبحت عيناه احمرار، ثم ردد قائلًا:
أسد: متخافيش يا حور. أنا هاجيب لك حقك الليلة دي قبل شروق الشمس. أنتِ بس خليكي نايمة ومرتاحة، وصدقيني من النهاردة ورايح مفيش أي حاجة هتحصل لك.
ترك يدها، ثم خرج من الغرفة بمظهر مهيب وقوي.
تخيلوا مظهره معي، يرتدي بنطال البدلة السوداء مع قميص أبيض ناصع ملطخ بالدم في منطقة الأكمام والصدر، وترافقها ملامح وجه سوداوية غاضبة، وشعر أسود مشعث يعطيه الهيبة الكاملة مثل هيبة الأسد عندما ينتصر على منافسه. هكذا هو مظهره، بمعنى آخر، رجل فخم مهيب يلق بك اسمك يا عزيزي.
خرج من الغرفة ليرى جميع أفراد العائلة أمامه. سارة شقيقته، ورضوى والدتها، ونادية زوجة عمه أحمد، منهارين من البكاء. ومحمد وسيف وهلال وأحمد متماسكين، لكن سيف كانت عيناه حمراء، والظاهر إنه أيضًا كان يبكي سرًا. لم يتفوه بأي كلمة، لكنه تحدث بصوت هادئ صم آذانهم جميعًا:
أسد: كل اللي مراتي فيه دلوقتي بسبب نردين.
شهق الجميع بصدمة، لم يصدقوا ما حدث. لكن تقدم أحمد من أسد وقال، مربتًا على كتفه:
أحمد: روح يا أسد، خد حق مراتك.
أسد: مش أنا اللي هاخد حقي. من بنت حقي من بنتك هيخده لي القانون. ولأنه بنتك، متقدرش تعمل العملة دي إلا لما يبقى في حد وراها. عشان كده أنا هروح أشوف مين عزت هنا، وهو هيقل لكم وضع حور إزاي. وكمان الآنسة أسيل موجودة معاكم في حالة لو حصلت حاجة.
أومأ له الجميع. ليتركهم أسد ويرحل خارجًا من المستشفى، مستقلاً سيارته، ثم قاد نحو قصره بسرعة جهنمية، ليصل في غضون 10 دقائق، فيفرمل بقوة لتصدر إطارات السيارة صوتًا مزعجًا. ثم نزل منها، تاركًا الباب مفتوحًا. اقتحم أبواب قصره بقوة، ثم نزل نحو القبو المظلم، وفتح الباب الحديدي، ليجدها جالسة على كرسي خشبي، ومنزلة رأسها، بينما هي مقيدة القدمين واليدين.
تقدم منها، فتبصر ظله الطويل، فترفع رأسها. كانت ستتحدث، لكنها وجدته بتلك الهيئة التي تشبه الشيطان، فتصمت وترتجف من مظهره المرعب هذا. تقدم، ثم قال بفحيح هامس:
أسد: هتقولي مين ورا العملة السوداء اللي عملتيها دي، وإلا أنا هعمل الصح معاكي.
من مظهره فقط قررت الاعتراف، بما أن موقفها صعب، وخصوصًا بأنه يعلم بأنها السبب فيما حدث سابقًا، فتقول:
نردين: أنا كنت السبب في اللي حصل لحور، بس فكرة سرقة الملف بتاع معلومات الصفقة كانت فكرة ياسر.
أسد: وأنتي وافقتي من غير أي مقابل؟ كله لمصلحتك... لدرجة إنك وقعتي بيني وبين حور بسبب الصور اللي صورها كرم ليها مع أخوها عزت.
نردين بصدمة: هو اللي كان معاها ده يبقى أخوها؟
أسد: أيوه، عزت هو أخوها. ودلوقتي أنتِ هتروحي للقسم وتعترفي على نفسك وعلى ياسر. ده هيخفف من العقاب عنك شوية، ودا أحسن من إني أروح وأقدم بلاغ فيكي.
نردين تومئ: ماشي، أنا هقول كل حاجة هناك، متخافش.
أسد ببرود: أنا مش خايف، ولا هخاف من شوية عيال زيكم.
صمتت نردين لأنها ليس لديها ما تقوله أو تتحدث به من الأساس. فك قيودها لتقف وتسير خلفه، ثم جلست بجانبه في السيارة، ليقود هو نحو أقرب قسم شرطة، لتذهب هناك وتعترف على نفسها وعلى ياسر، فتباشر النيابة العامة بإصدار القرار بالقبض على ياسر، لتنجح تلك المهمة بالقبض عليه.
عاد إلى القصر ليبدل ثيابه، فمن ثم نظرت عيناه نحو دمائها التي كانت في قميصه بالكامل ويده، فيغسل يده، ثم وجهه، ومن ثم خرج من القصر متوجهًا نحو المشفى مرة أخرى. لم يجد أحدًا من العائلة، ليجد فقط عزت، وينظر من زجاج الغرفة لحور، وأسيل التي كانت تتفقد مؤشراتها الحيوية لتتأكد من عدم حدوث أي مضاعفات. فتخرج، لتجد أسد يقف بجانب عزت، الذي كان يربت على كتفه، فتقول مطمئنة إياهم:
أسيل: اطمن يا أستاذ أسد، أنت والأستاذ عزت، حور كويسة ومفيش أي خطر حاليًا. وأنا المسؤولة هنا عن حالتها، لأني طلبت كده من الدكتورة المسؤولة عنها.
أسد: أنا متشكر لكِ يا آنسة أسيل على جهدك وتعبك.
أسيل: لا يا أستاذ أسد، دي حور أختي وأكتر، ودي أقل حاجة ممكن أقدمها لها.
ابتسم لها أسد، فترحل لكي تتحدث مع الدكتورة رؤية، بينما عزت تابعها بناظريه، ليشعر بضربة قوية على رأسه، ليحكها متأوهًا، ثم يقول:
عزت: إيه مالك؟ ضربتني ليه؟
أسد: متتبصش البصة دي للبنت دي تاني، فاهم؟
عزت: ليه إن شاء الله؟ وأساسًا بصتي ليها كانت إزاي؟
أسد: هقولك أنا، بصتك ليها كانت عاملة زي كأنك عايز تخطفها وتهرب بها لمكان محدش ممكن يوصلك فيه.
عزت بصدمة: أنت بتتكلم بجد ولا بتهزر يا أسد؟
أسد بصدق: بتكلم بجد والله... وخدها نصيحة مني، مش هتلاقي حد زيها تكون شريكة حياتك.
عزت مفكرًا: طيب، هي اسمها، وكمان بتشتغل ممرضة، وباين من وشها إنها بنت ناس وأخلاقها عالية، وكمان جمال وقصيرة. هي نفسها مواصفات شريكة حياتي المنتظرة.
أسد: شفت إزاي؟ يلا روح انطلق، ومتجيش هنا إلا وهي على ذمتك، ووريني شطارتك.
عزت راحلًا: ماشي، هوريك شطارتي يا أسد.
رحل من أمام ناظريه، ليدير وجهه مبتسمًا، ثم تقدم خطوتين نحو الأمام لينظر لحور من خلف الزجاج، ينظر لها بشوق كبير للغاية. كان ينوي أن يخبرها اليوم بأنه قد استرجع ذاكرته منذ وقت الحادث، وقد كان متوقعًا بأنها لاحظت تصرفاته الغريبة تلك، لهذا هو كان مقررًا لأن يخبرها بذلك، لكن تسير الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد حدث ما حدث، وهو يتمنى لها بأن تكون بخير الآن، وأن لا يحدث لها أي مكروه.
***
بينما عزت يسير في ردهات المشفى بحثًا عن أسيل تلك، لكنه لم يجدها. ليوقف ممرضة، ثم يسألها لتدله أين مكانها، فتوجه فورًا إلى الخارج، ليجدها تقف بقرب شجرة ما، وتعقد يديها أسفل صدرها، وتنظير إلى السماء حالكة السواد بشرود. ليتقدم منها ويحمحم قائلًا:
عزت: مساء الخير يا آنسة أسيل.
أسيل: مساء النور... عن إذنك، أنا مضطرة إني أمشي، لأنه وقفتنا دي متنفعش حضرتك.
كانت سترحل، لكنه أوقفها قائلًا:
عزت: أنا آسف، بس مش هاخد من وقتك كتير، ممكن سؤال؟
أجابته بينما تنظر نحو الأرض:
أسيل: اتفضل، بس بسرعة لو سمحت.
عزت: حاضر. هو إنتي مرتبطة؟
أسيل بهدوء: أعتقد أنه دي حياتي الخاصة، وأنا حرة فيها. عن إذنك.
عزت: بس أنا عايز أتقدم لكِ وأطلب إيدك.
كانت سترحل، لكنها توقفت بصدمة، لم تصدق ما تسمعه. ليكمل قائلًا:
عزت: رقم والدك، أو لو عندك أخوكي عشان أكلمه ويقول لوالدك.
أسيل: أنت ممكن تروح تاخد رقم والدي من الملف، هتلاقيه في الاستقبال. وبعدين، أنت مفيش حاجة صعبة عليك، بما إنك على معرفة بأسد السيوفي وحور. عن إذنك.
عزت بسعادة: اتفضلي، إذنك معاكي.
رحلت أسيل، بينما هي شبه سعيدة لأنها حزينة على حالة حور. للحق، هي لم تركز في ملامحه كثيرًا. حسنًا، سيكون أمامهم لقاء قريب. دلفت هي إلى الداخل لكي ترى باقي المرضى، لأنها مناوبتها الليلة. بينما عزت ظل لمدة من الوقت متكئًا على ظهره بجذع الشجرة، وينظر إلى السماء.
استند أسد برأسه على زجاج الغرفة، وهو يشاهد حور. وهو على هذه الحال منذ مدة. تقدمت أسيل منه لتراه على تلك الحالة، فتتحدث:
أسيل: أستاذ أسد، أنت ممكن تاخد استراحة، أو تقعد على الكراسي دي.
أسد: لا، مش قادر أبعدها عن عنيا ثانية واحدة. لما أبعد عنها بحس إنه مفيش هوا بتنفسه.
ابتسمت بخجل من كلامه المعسول هذا، فتتحدث:
أسيل: ربنا يخليكم لبعض، ويحببكم في بعض أكتر وأكتر يا رب.
أسد: شكرًا لكِ.
أسيل: أنا هدخل وأطمن على حالتها.
أسد: يا ريت لو سمحتي يا آنسة أسيل.
أومأت له، ثم دلفت إلى الداخل. اقتربت من جهاز التنفس لتقلل قوة اندفاعه ليصبح مناسبًا لحالتها، ومن ثم تفقدت سائل الدم والسيروم المركز، ومن ثم نظرت إلى المؤشرات الحيوية، فتجدها في حالة تحسن. خرجت لتقول بسعادة:
أسيل: أستاذ أسد، حور كويسة، وهي في حالة تحسن. بكرة الصبح إن شاء الله لو بقت بالحالة دي، ممكن ننقلها لغرفة عادية، وهتبقى تحت إشراف الدكتورة رؤية، وأنا مع الدكتورة كمان.
أسد: الحمد لله. شكرًا لكِ يا آنسة أسيل.
أسيل: العفو، دا واجبي مش أكتر. عن إذنك.
أسد: اتفضلي.
رحلت أسيل من أمام أسد، ليبق هو وينظر نحو إلى حور كالعادة. بعد مرور مدة من الوقت، وجد يدًا موضوعة على كتفه، ليتحدث بـ هدوء:
أسد: حالتها اتحسنت شوية عن الأول. ممكن لو بقيت على الحالة دي للصبح، هينقلوها لغرفة عادية.
عزت بسعادة: الحمد لله لك يا رب. طيب كويس. أنا هقول لسيف عشان يقولهم في البيت، لأني خليتهم يرجعوا بالعافية.
أسد: ماشي.
تحرك عزت للأمام قليلًا، وأخرج هاتفه لكي يهاتف سيف ويخبره.
***
في الصباح
كان عزت جالسًا ونائمًا في نفس الوقت، حيث يسند رأسه على الحائط، ومكتف يديه على صدره، بينما أسد يقف نفس تلك الوقفة، ومغمضًا عيناه طيلة الليل. لو انغلقت عيناه لمدة دقيقة، استيقظ مفزوعًا، ومن ثم يعود إلى حالة الانتظار تلك.
تقدمت أسيل من باب الغرفة، فتقول:
أسيل: صباح الخير يا أستاذ أسد، إحنا دلوقتي هننقل حور لغرفة عادية هنا في نفس الطابق.
أسد: صباح النور، ماشي يا آنسة أسيل.
تقدمت الدكتورة رؤية بعد دخول أسيل لتبدأ بفحص جسد حور، فـ تجد مؤشراتها الحيوية أصبحت أفضل عن ليلة أمس، لتوافق على طلب النقل لغرفة عادية.
خرجت رؤية، وخلفها أسيل وممرضتين أيضًا يدفعون السرير المتواجدة عليه حور. ليتحكم في نفسه قليلًا، ثم سأل الطبيبة قائلًا:
أسد: هاه يا دكتورة، حور كويسة، مش كده؟
رؤية: الحمد لله، هي في حالة تحسن كويسة، بس لسه مش متأكدين من حالة فقدانها للذاكرة ولا لا.
أسد: طيب، وهنتأكد إمتى من الكلام ده؟
رؤية: بعد ما تفوق على طول، واحتمال إنها تفوق من المخدر بعد ساعة من دلوقتي.
أسد: طيب، أنا ممكن إني أبقى معاها في المدة دي لحد ما تفوق؟
فكرت رؤية، ثم قالت:
ماشي، موافقة. بس لو سمحت، مفيش غيرك أنت بس اللي هتدخل عندها، غيرك أنت لأ.
أسد: ماشي، كده تمام.
رؤية: ماشي، ولما تبقى الغرفة جاهزة، إحنا هنبلغ حضرتك فورًا.
أسد: ماشي يا دكتورة، شكرًا لكِ.
رؤية: العفو، دا واجبي.
رحلت رؤية، ليتجه أسد نحو عزت ويهزه بقوة، ليستيقظ الآخر مفزوعًا، قائلًا:
عزت: إيه؟ فيه إيه؟ هي اتجوزت حد غيري ولا إيه؟
أسد ببرود: أنت لو ملحقتش نفسك وحجزتها، ممكن تتجوز حد غيرك.
عزت ملاحظًا: لا يا عم، خلاص. ما هي اتحجزت لي من امبارح، متخافش.
أسد: وأنا مش خايف، بس المهم قوم روح أنت، وأنا هبقى هنا مع حور. ولو عايز ترجع، ابقى ارجع، بس بعد ما ترتاح.
عزت يقف: ماشي. أنت مش عايز حاجة؟
أسد: لا، مش عايز حاجة.
عزت: ماشي.
رحل عزت، لستدير متنهدًا، ثم يجد أسيل قادمة نحوه:
أسيل: أستاذ أسد، أنت ممكن تدخل الأوضة دلوقتي، لأنها بقت جاهزة.
أسد: ماشي، شكرًا لكِ يا آنسة أسيل.
أسيل: العفو.
رحلت أسيل، ليذهب أسد نحو الغرفة، ليفتح الباب ويدلف إلى الداخل، ثم وجدها على حالها. أغلق الباب، ثم تقدم نحوها، ساحبًا الكرسي بسرعة رهيبة، ثم أمسك يدها وأصبح يقبلها بجنون، ثم تحدث:
أسد: حور، حبيبتي، يا حوريتي، أنتِ مش عارفة أنتِ عاملة فيا إيه دلوقتي.
تنهد مقبلًا يدها مرة أخرى، ليجد أناملها تتحرك، قابضة بضعف على يده. نظر نحو عيناها، ليجدها مغلقة. تنهد بسعادة، ثم تحدث:
أسد: حور، أنتِ سامعاني مش كده؟
حركت أناملها قليلًا، توافقه على حديثه. في الحقيقة، هي تسمعه، لكنها لا تستطيع أن تفتح عيناها. استمر في حديثه قائلًا:
أسد: سامحني يا حور، لأني موصلتش في الوقت المناسب عشان أنقذك. سامحيني يا حور.
قبضت على يده بخفة، ثم أكمل:
أسد: أنا كنت عايز أقولك على حاجة، أول ما أرجع القصر، وهي إنه ذاكرتي رجعت لي يا حور. أيوه، ذاكرتي رجعت لي من وقت الحادث، بس كنت عايز أخليها لكِ مفاجأة، بس حصل اللي حصل. وأنا دلوقتي بقولها لك أهو، وأنا عارف إنك سمعاني.
لم يجد ردًا على حديثه هذا، ليعتقد بأنها نامت. لكنها في الحقيقة كانت مصدومة داخليًا من حديثه. حسنًا، سوف تريك يا حبيب القلب الصغير.
بعد ساعة
أصبحت حور تحرك عيناها لتفتحها ببطء شديد، لتعتاد عيناها على الضوء، فتجد شعرًا أسود أمامها. لتحرك يدها قليلًا، ليستيقظ الآخر بفزع، ثم يجدها مستيقظة، ليقول بسعادة:
أسد: حور، أنتِ أخيرًا فوقتي؟
نظرت نحوه باستغراب تام، ثم كانت ستتحدث، لكنها وجدت شيئًا ما على فمها، لتنزعه متنهدة، ثم قالت بصوت مبحوح:
حور: أنت مين؟
نظر نحو أسد بصدمة شديدة، ثم تردد في إخراج صوته:
أسد: إزاي أنا مين؟ أنا أسد يا حور، أنا أسد جوزك؟
حور: أنا اسمي حور. طيب، أنا فين؟ وبعدين، أنا اتجوزت إمتى؟
أسد: يا نهار أسود عليا وعلى اللي خلفوني. دي مش فاكرة حاجة.
ضغط أسد على زر الطوارئ، لتأتي الطبيبة وأسيل، وتبدأ بفحصها، حالما وجدتها مستيقظة، لتسألها:
رؤية: اسمك إيه؟
حور: مش عارفة اسمي إيه؟! بس الأخ ده بيقول إنه اسمي حور.
رؤية: طيب، أنتِ متعرفيش هو مين؟
حور: لا، مش فاكرة هو مين.
رؤية: طيب، ماشي. على العموم، اسمك هو حور، وهو يبقى جوزك. أنتِ جيتي امبارح في حالة حرجة وعندك إصابة في ضهرك، والإصابة دي أثرت على حركة رجلك الشمال، وبالعلاج الطبيعي هتتحسن في مدة أقل من شهر، تمام يا حور؟
حور: تمام يا دكتورة.
رؤية: أتمنى لكِ الشفاء العاجل.
حور: شكرًا لكِ.
استدارت رؤية تنظر نحو أسد بجدية، لتقول:
رؤية: أستاذ أسد، ممكن دقيقة من وقت حضرتك برة؟
أسد: أيوه، اتفضلي.
خرجت من الغرفة، بينما أسيل تنظر في وجه حور بصدمة، ومن ثم قالت:
أسيل: حور، أنتِ عارفة أنا مين ولا لا؟
حور: لا. أنتِ مين حضرتك؟ أنا أول مرة أشوفك. هو حضرتك مين؟
أسيل بصدمة: أنا أسيل صحبتك هنا في المستشفى، اللي كنتي على طول تيجي تتبرعي بالدم هنا، وأنا معاكي.
حور بأسف: للأسف، أنا مش فاكرة حضرتك يا آنسة أسيل. أنا متأسفة جدًا.
أسيل: لا، متتأسفيش.
أما في الخارج، حيث الطبيبة رؤية تقف أمام أسد، فتقول موضحة لحالة حور:
رؤية: حالة الآنسة حور هي أنها فقدت الذاكرة كليًا، لأنه لو جزئيًا، هي كان ممكن تكون فاكرة اسمها، لكن لأ، هي مش فاكرة اسمها ولا حتى مفتكرة حضرتك.
أسد: طيب، وهي ممكن ترجع لها الذاكرة إمتى وإزاي؟
رؤية: حاليًا دا مش معروف حضرتك، لأنه دا بيعتمد على حالة المريض.
أسد: طيب، لو أنا حاولت إني أفكرها، هو دا ممكن يساعد؟
رؤية: أكيد، دا هيساعد جدًا.
أسد: طيب، وبالنسبة للعلاج الطبيعي، هتبدأ فيه إمتى؟
رؤية: هي ممكن تبدأ فيه الأسبوع الجاي، يكون الجرح التأم على بعضه، بحيث إنه بسبب أي حركة ميسببش نزيف.
أسد: طيب يا دكتورة، لو سمحتي، يفضل إنه اللي يبقى مسؤول عن العلاج الطبيعي هي دكتورة، مش دكتورة.
رؤية: ماشي يا أستاذ أسد. أنا أعرف واحدة محترفة في العلاج الطبيعي، هكلمها وأخليها تتابع مع حضرتك، وأنا معاها، متقلقش.
أسد: متشكر لكِ يا دكتورة.
رؤية: العفو.
دلف أسد إلى الداخل، ليجد أنها ما زالت مستلقية على جنبها الأيسر، لكن مستيقظة. تقدم خطوة أخرى، ليجد العائلة في الغرفة. ليخبرهم أسد بما حدث. لم يصدقوا، ليتحدث معها الجميع، لكنها أيضًا لم تكن تتذكرهم. ثم بعدها بفترة، غطت في نوم عميق.
***
مضت فترة في أحداث المشفى، حيث خرجت حور منذ مدة أربع أيام، وهي حاليًا في القصر تتعرض للعلاج الطبيعي، وقد بدأت به مع الطبيبة التي أجرتها الطبيبة رؤية. حيث في فترة العمل لدى أسد، يكون موعد العلاج، وبعد فترة العمل يساعدها أسد في كل شيء، ويحاول جعلها تتذكر بأخبارها بعض الذكريات في طفولتهم، وحتى بعد أن تزوجها، لكن لا فائدة، هي لا تتذكر أي شيء.
بدأت حور بالسير على قدمها اليسرى بشكل جيد جدًا، وأسد سعيد جدًا هو والعائلة بهذا التحسن الكبير. بينما اقترب موعد الصفقة العالمية، ليقرر أسد بأن يرسل عزت وأحمد لكي يتولياها. كلاهما فيرحبان بهذه الفكرة برحابة صدر. أما عن موضوع عزت وأسيل، فعزت ذهب إلى والدها وتحدث معه، وأخبره من يكون وما هي الكلمة التي جمعته بها، ليخبرها والدها بهذا الخبر، لتخبره بأن ينتظر قليلًا وتقرر. استخارت ربها في هذا الأمر، ووجدت نفسها مرتاحة كثيرًا، لتوافق. لكن عندما علم والد أسيل بأنها أخبرته عن حالة أخته، قرر أن يؤجل حفلة الخطوبة إلى موعد آخر، حتى تتحسن حالة حور للأفضل، ليرحب عزت بهذه الفكرة، ويكتفي هو وعمه محمد وأهل أسيل بقراءة الفاتحة فقط.
بينما في يوم من الأيام، كانت حور تقف في الشرفة، وكان أسد في المنزل، لكنه يدرس بعض الصفقات والعقود. كان ليث يقف بجانب حور. فـ تجلس حور في الغرفة على السرير، وجعلت ليث يجلس بجانبها، وهي تواجه الباب بظهرها. بدأت تتحدث، وهي تداعب رأس ليث، وتقول بـ خبث:
حور: تعرف يا ليث، أنا لعبت لعبة على أسد.
هز ليث ذيله بقوة، فـ تبتسم قائلة:
حور: أيوه، لعبت عليه لعبة، وهي إني فقدت الذاكرة عشان يعرف يحس بإحساسي طول المدة اللي فاتت دي، لما كان هو فاقد الذاكرة وتعبني وغلبني معاه. حبيت إني أشوف هو إزاي هيحس لما يعرف إني مش فاكرة حاجة، وفعلاً نجحت في كده.
سمعت صوت تصفيق يأتي من خلفها، لتنصدم، ثم هبت واقفة، لتجد أسد يصفق لها بحرارة، ويتقدم خطوة تلو الأخرى، ثم قال:
أسد: أهنئك يا حور على الخطة الحلوة دي، وفعلاً نجحتي فيها وبتقدير ممتاز كمان.
لا يعرف ماذا يفعل معها، هل يعنفها أم يعاتبها أم يسامحها، وتعود علاقتهما إلى سابق عهدها ويتصالحا، وكان شيئًا لم يكن؟ هو محتار، لكنه تحدث:
أسد: طيب، قبل ما تعملي خطتك دي، مفكرتيش إزاي هيبقى إحساس أمك وأبوكِ وأخوكي عامل إزاي؟ مفكرتيش إحساس سارة هيبقى إزاي؟ مفكرتيش أبدًا يا حور وأنتِ بتعملي كده؟
تنفست بسرعة، ثم تحدثت بغضب:
حور: فكرت مئة مرة قبل ما أعمل كده، وكان قلبي بيتقطع لما شفتهم بيبكوا قدامي. عارفة إني كنت أنانية لما عملت كده، بس كله بسببك، لأنك أنت لما رجعت لك الذاكرة يوم الحادث، خبيت عني حقيقة إنك افتكرت كل حاجة. مكلفتش خاطرك حتى بأنك تقولي عشان تعوضني عن كل السنين اللي فاتت من غيرك. غيرت من طبعك من يوم الحادث وحسيت إنه في حاجة غريبة فيك، ولما تعمل حاجة وأبص لك، بتحسسني إن الحاجة دي أنت كنت بتعملها من زمان ومتعود إنك تعملها على طول. بينما أنا كنت بفكر فيها مرة واتنين وتلاتة لحد ما يجي لي صداع وأقول لأ، هو لو افتكر حاجة، أكيد كان قلي على طول، لأني أنا حبيبته الصغيرة اللي كان أول واحد يلمسها، أول واحد يسميها، أول واحد يتخانق مع حد عشانها. لكن لأ، أنت مهتمتش بكل ده ومخبرتنيش. شفت بقى إحساسي كان إزاي لما كنت في الحالة دي؟ نفس إحساسك بالضبط لما لعبت عليك نفس اللعبة اللي أنت لعبتها عليا. ولعلمك، أنا مش ندمانة إني عملت فيك وفي أهلي كده.
بينما هو في حالة صدمة، تركته وخرجت من الجناح متجهة إلى غرفة أخرى.
مضت تلك الليلة في هدوء رهيب جدًا، حيث هو لم ينم ولم يأتيه طعم النوم حتى. لهذا انتظر إلى أن أشرقت الشمس ليذهب إلى الغرفة التي كانت بها، فيطرق الباب قائلًا:
أسد: حور، أنتِ صاحية؟
لم يتلقى أي رد. طرق مرة أخرى، لكن لا رد أيضًا. لهذا فتح باب الغرفة، ليجدها فارغة. تقدم إلى الأمام وهو ينادي باسمها، لم يتلقى ردًا أيضًا. فتح باب الحمام أيضًا، لكنه لم يجدها. لكنه وجد على الطاولة الصغيرة ورقة أسفل المزهرية، فتحها سريعًا، ثم وجد رسالة مكتوب فيها:
حور: أنا خرجت من القصر، متفكرش إنك تدور عليا، لأنك مش هتلاقيني.
نظر بغضب إلى هذا الكلام، ثم أطبق الورقة بين قبضته ورماها بغضب، ثم صرخ بجنون.
بدأ بالبحث عنها في جميع أنحاء القصر، لكن لا أثر لها. ذهب نحو غرفة المراقبة لكي يرى تسجيل الكاميرات، فلم يجد لها أي أثر أيضًا، ليعلم بأنها تجنبتها أو أنها أوقفتها مؤقتًا. شد شعره للخلف بقوة شديدة، ثم خرج من الغرفة واتجه نحو جناحه ليبدل ملابسه بسرعة، ثم أمسك بهاتفه واتصل على سيف، ليرد عليه الآخر بنعاس:
سيف: أيوه يا أسد، فيه حاجة عشان ترن من الصبح كده؟
أسد: أيوه، فيه. حور مفيش في القصر.
سيف مفزوعًا: بتقول إيه؟ إزاي هي مفيش في القصر؟ طيب وخرجت إزاي وهي مش فاكرة حاجة؟ يا المصيبة السوداء.
أسد ينفي: لا، هي فاكرة كل حاجة.
سيف باستغراب: إزاي فاكرة كل حاجة؟ مش فاهم.
أسد: أنا هفهمك، بس الأول قوم وشوفها عندكوا في القصر ولا لأ.
سيف: ماشي، ماشي.
أغلق أسد الهاتف في وجه سيف، ثم استقل سيارته، وبدأ بالبحث عنها في طول الطريق، لكن لا أثر. هاتف عزت وأخبره، ليخرج الآخر ويبدأ بالبحث عنها، لكن لا جدوى أيضًا، ليهاتف أسيل، لكنها أخبرته بأنه لديها مناوبة ليلة في المشفى، لهذا هي لم تراها.
استمر البحث عنها لمدة طويلة، فيعودوا خائبين الأمل إلى قصر هلال.
أخبرهم أسد بعد أن عاد إلى القصر، فينصدم الجميع بما حدث، بينما هو ينظر إلى سقف الحائط بشرود. والدة حور بدأت بالبكاء، ومن ثم تقول:
رضوى: بنتي راحت فين يا محمد؟ بنتي يا محمد. أنا عايزة حور يا محمد. كفاية اللي حصل، والله ما هازعل منها بسبب اللي عملته، بس خليها ترجع لحضني.
لم يرد محمد على حديثها، ليستدير محمد نحو أسد، ويقول:
محمد: أسد، دور على مراتك ورجعها بيتك، لأنك تعتبر المسؤول عن اللي حصل لحور.
وقف أسد، ثم تحدث باحترام:
حاضر يا عمي.
خرج من القصر متوجهًا نحو قصره، وبدأ بالبحث هو والحرس عنها، لكنهم لم يجدوا أي أثر لها في جميع أنحاء القاهرة.
في المساء، حيث ارتمى جسده المنهك على الأريكة، متنهدًا بتعب، ثم أصبح يفكر أين هي؟ أين يمكن أن تكون؟ لكن لا فائدة، لأنه لا يعلم أي أماكن أخرى تذهب إليها. واقترح على سيف بأنها قد تكون عادت إلى شقتهم المتواجدة في الإسكندرية، لكن سيف أنكر هذا بحجة أنها لا تحب أن تكون متواجدة في أي مكان بمفردها.
في نفس الليلة
تقف هي أمام أمواج شاطئ البحر، الذي يقابل زرقة عيناها في عتمة الليل. تنهدت بخفة، لتستنشق أكبر قدر من الهواء المنعش، ومن ثم تزفره ببطء. تحركت خارجة من حدود الرمل، برغم أنه يوجد عدد لا بأس فيه من الناس، لكنها غادرت لكي تحظى ببعض الراحة.
اتجهت هي نحو حقيبتها، وبدأت بجرها من اليد، ثم بدأت بالسير ببطء نحو مبنى العمارة التي كانت به. دلفت إلى المدخل، ثم صعدت درجات السلم بسرعة، لكي لا يراها أحد. وقفت أمام باب الشقة، ثم تركت الحقيبة، ثم أبعدت المزهرية التي بجانب الباب، ثم أخرجت المفتاح، لتقف مرة أخرى وتفتح الباب بالمفتاح، ثم أمسكت بحقيبتها، ودلفت إلى الداخل. ثم رأت جميع الأثاث مغطى بملاءات بيضاء. نزعت الحجاب عن رأسها، ثم طوت أكمام تيشرتها، وبدأت بالتنظيف جيدًا.
بعد مدة ساعة
انتهت حور من التنظيف، ومن ثم دلفت لغرفتها لكي تستحم وتبدل ملابسها، ثم استلقت على سريرها، ورويدًا رويدًا بدأت تغوص في النوم دون إرادة منها من كثرة التعب.
في الصباح
استيقظت حور بسبب طرقات صغيرة وخفيفة على الباب. غسلت وجهها، ثم اتجهت سريعًا نحو الباب. فتحت الباب بعد أن لفت الحجاب حول رأسها، ثم لم تجد أحدًا، لكنها سمعت صوت ضحكات أنثوية طفولية جدًا. لتنزل بصرها للأسفل، فتجد ريم الصغيرة تقف على قدميها وتبتسم لحور. فـ تفتح حور ذراعها لها، فتسقط ريم في أحضانها بشوق كبير، بينما تتحرك بفوضوية تدل على سعادتها وفرحها الشديد. وقفت حور، بينما تحملها، ثم أغلقت الباب، ودلفت فورًا نحو غرفتها، ثم تحدثت بشوق كبير:
حور: حبيبة قلبي يا ريم، كبرتي وبقيتي حلوة وزي القمر، بسم الله ما شاء الله.
ضحكت ريم بصخب، بينما تتمسك بثياب حور، وتشد الحجاب من الخلف دلالة على أنها تريد أن تلعب في شعرها. لتقهقه حور بسبب شقاوتها تلك، لترحب بفكرتها، وتنزع الحجاب عن رأسها، ثم تشاهد ريم شعر حور المنسدل، ولم تصدق، لتبدأ باللعب به وسط ضحكاتها الصاخبة.
قاطع لعبهم سويًا صوت الجرس مرة أخرى، لتمسك حور بالحجاب مرة ثانية وتلفه حول رأسها، ثم حملت ريم بين يديها، واتجهت نحو الباب لتفتح الباب، فـ تجد صفاء تقف بتوتر، لـ تصدم ما إن رأت حور، لتقول صفاء بصدمة:
صفاء: حووور! أنتِ بتعملي إيه هنا؟ وجيتي إمتى وإزاي؟
ضحكت حور، ثم قالت:
حور: ده بدل ما تقولي لي الحمد لله على السلامة يا صفاء.
صفاء: آسفة، مأخدتش بالي.
حور: ولا يهمك يا حبيبتي، اتفضلي ادخلي عشان أفهمك أنا هنا ليه.
صفاء: ماشي.
دلفت صفاء إلى الداخل هي وحور، ثم جلستا على الأريكة، ثم قالت:
حور: أجيب لك حاجة تشربيها يا صفاء؟
صفاء بنفي: لا يا حبيبتي، تسلمي. مش عايزة حاجة. فهمني إيه اللي حصل معاكي عشان تيجي هنا.
حور: مفيش غير شوية مشاكل حصلت بيني وبين جوزي.
صفاء: آه، صحيح. أصل نسيت إنك متجوزة. طيب يا هبلة، سبتي البيت ليه وجيتي هنا؟
حور: أصلي اتخنقت من جو هناك، قلت أجي أشم نفسي هنا شوية.
صفاء: برضه مكانش لازم تسيبي البيت كده وتيجي. طيب أنتِ خبرتي حد إنك جاية هنا؟
حور بنفي: لا، مقلتش لحد خالص.
صفاء: أهو، ده بقى أكبر غلطة، دي إنك مقولتيش لحد. تلاقي تلاقيهم قلقانين وخايفين عليكي قد كده.
حور: مش مهم.
نظرت صفاء نحو حور، ثم قالت:
صفاء: أنا مش هتقل عليكي بكلامي يا حور.
حور: لا، براحتك، مفيش تقل ولا حاجة.
صفاء: لا، برضه. أنا هسيبك لوحدك دلوقتي. رتبي أفكارك ونفسك، وخليكي قاعدة كام يوم لوحدك، وبعد كده ارجعي لجوزك وبيتك.
حور: ماشي يا صفاء، هفكر في كده.
صفاء: ماشي، أنا لازم أمشي عشان ورايا شغل.
حور: ماشي، براحتك. أنا آسفة إني شغلتك بسبب مشاكلي التافهة.
صفاء بابتسامة: لا يا حبيبتي، ولا يهمك. ده أنتِ زي أختي بالظبط وأكتر يا هبلة.
احتضنتها حور جانبًا، ثم قالت:
حور: حبيبتي يا صفصف، حبيبتي.
صفاء: وأنتِ حبيبتي كمان. يلا بقى، لازم أمشي.
حور: ماشي، خلي بالك من نفسك.
صفاء: حاضر يا حبيبتي.
رحلت صفاء هي وريم، ثم دلفت حور نحو المطبخ لكي تطبخ أي شيء. بدأت بإعداد فطور خفيف، ثم تركته يبرد قليلًا أمام الهواء الطلق، ثم دلفت نحو غرفتها ونحو الحمام مباشرة، لـ تنزع ثيابها والحجاب، ثم بدأت بالاستحمام. انتهت منه وخرجت من الحمام، تلف المنشفة حول جسدها الرشيق، لتقف أمام الخزانة، وتبدأ بانتقاء أي ملابس بيتية تقع تحت يدها.
***
بينما أسد استيقظ من نومه، وذهب نحو الحمام مباشرة، ثم استحمم، ليخرج من الحمام ويرتدي بدلة سوداء، أسفل السترة قميص أسود، ثم نزل لأسفل. جلس على طاولة الطعام، تناول قليلًا فقط بسبب شهيته المعدومة منذ رحيلها. ليقف ويخرج من القصر، مستقلاً سيارته، ويقودها نحو الشركة.
لقد ربح أسد الصفقة العالمية بجدارة تامة، بينما كانت حور تتلقى العلاج في تلك الفترة. وأيضًا قد كان يتابع الأخبار مع أحمد، بينما عزت يقوم بالعمل بكفاءة تامة.
أسبوع يمضي
منذ رحيل حور، أصبح أسد عصبيًا لدرجة مرعبة، ويستشط غضبًا من أتفه الأسباب. منذ رحيل حور، وهو يرسل الحراس لكي يبحثوا عنها في كافة الأنحاء، لكن لا فائدة. بينما حور تجلس وحيدة، لا تتكلم إلا القليل، وحينما تتحدث، إما تكون تتحدث مع نفسها، أو تردد بعض الأناشيد الطفولية، أو تكون تقرأ في كتاب الله. لاحظت صفاء ذلك، لتقرر فعل شيء خبيث للغاية.
في الليل
أتت صفاء ووقفت أمام باب حور، بينما تمسك بين يديها كأسين من الشوكولاتة الباردة، التي تحبها حور، بل تعشقها لدرجة الجنون. أمسكتهم جيدًا، ثم طرقت الباب بخفة، لتسمع صوت حور، التي تصرخ بصخب من الداخل، تقول:
حور: أيوه، ثواني و جاية أهو.
فتحت الباب، فـ تجد صفاء تقف وتمسك بيديها ما كانت تتمناه في تلك اللحظة. ابتسمت بحالمية أمام صفاء، التي ضحكت على حور. فـ تتحدث حور:
حور: يلا، يلا ادخلي بسرعة.
صفاء: ماشي، حاضر، حاضر.
دلفت إلى الداخل، وكانت صفاء ستمد لها كوب الشوكولاتة، وكانت حور ستمسك به، إلا أن صفاء سحبت يدها نحوها، ثم قالت:
صفاء: خلينا ندخل أوضتك الأول، وبعد كده أبقى تاخدي كاستك. اتفقنا؟
حور: اتفقنا، اتفقنا، بس يلا.
صفاء: طيب، يلا أمشي قدامي.
سارت حور أمام صفاء، لـ تسبقها إلى داخل غرفتها، ثم فتحت حور الباب، وتجلس فوق السرير. لـ تأتي صفاء وتجلس أيضًا بجانبها. مدت لها كأس الشوكولاتة، لتشربه دفعة واحدة، ثم تنهدت براحة بعد أن انتهت من شربه. نظرت نحوها صفاء بصدمة، ثم قالت:
صفاء: يخربيتك يا حور! إيه ده؟ أنتِ خلصتي كاستك وأنا لسه مخلصتش كاستي. ده هما كان لازم بدل ما يسموكي حور، كان لازم يسموكي وحش الشوكولاتة.
ضحكت حور بـ ثمالة في وجه صفاء، ثم تحدثت، وهي تصبح رؤيتها ضبابية وتشعر بالصداع:
حور: صفاء، أنا راسي بدأت توجعني بشكل رهيب.
صفاء بغباء: تقولي إيه؟
حور: مش... مش عارفة إزاي.
مال جسد حور على صفاء، لتسندها صفاء، بينما تبتسم، لـ تترك كأس الشوكولاتة على الأرض، ثم تنيم حور وتغطيها بالملاءة الخفيفة لخصرها، ثم تخرج من الغرفة، بينما تمسك الكأسين. اتجهت نحو الصالة، فـ تجد هاتفها. أمسكته، ومن ثم فتحته، لـ تحمد الله، لأنه ليس برمز حماية أو كلمة سر. فتحت المكالمات المستلمة، فـ تجد اسم زوجها أسد، فـ تتصل وتنتظر رد الآخر. بينما أسد كان جالسًا في مكتبه في الشركة، ليسمع رنين هاتفه، لـ يرد من دون أن يرى الاسم:
أسد ببرود: الو؟
ارتجف جسد صفاء من نبرته الباردة، لكنها تمالكت نفسها لترد قائلة:
صفاء: السلام عليكم.
رد أسد مستغربًا من صوت المرأة التي تحادثه، لـ يرفع شاشة الهاتف، فـ يجد اسم حور، ليحدق به بصدمة، ثم رد مسرعًا:
أسد: وعليكم السلام. مين حضرتك؟ ده رقم حور مراتي.
صفاء: أيوه، صح. ده رقم حور، وأنا مدام صفاء، جارة حور.
أسد: أهلاً يا مدام صفاء. حور كويسة، مش كده؟
صفاء مطمئنة: أيوه، هي كويسة، بس حبيت إني أبلغ حضرتك إنه حور بقالها هنا في إسكندرية من مدة أسبوع. محبيتش إني أتقل عليها وأسألها إيه اللي حصل بينكم، عشان كده أنا نصحتها إنها ترجع بعد يومين أو يوم، بس هي طنشت كلامي. عشان كده أنا نومتها بمنوم يخليها نايمة لحد بكرة الصبح، واتصلت على حضرتك، أفضل من إني أتصل بحد من أهلها عشان متحصلش مشاكل، وأقولك إنك تيجي وتاخدها معاك.
لم يصدق ما تسمعه أذناه. حقًا إن كيدكن عظيم يا جنس حواء. رد بصوت فيه أمل وسعادة:
أسد: شكرًا لكِ يا مدام صفاء. أنا جاي حالًا، ممكن العنوان؟
صفاء: أكيد. ************ هو ده العنوان.
أسد: شكرًا لكِ يا مدام صفاء. أنا فعلًا مش عارف أرد جميلك ده إزاي.
صفاء: لا، متشكرنيش ولا حاجة. وبعدين، حور دي زي أختي وأكتر.
أسد: وأنتِ أكيد زي أختها وأكتر.
صفاء: تسلم حضرتك. أنا هسيب لك مفتاح الشقة تحت المزهرية اللي جنب الباب عشان لما تيجي تدخل على طول.
أسد: ماشي، كده تمام.
صفاء: ماشي، مع السلامة.
أسد: مع السلامة.
أغلق أسد الهاتف وأدخله داخل سترته، ثم أمسك بمفاتيح السيارة، وبدأ يهرول بخطوات مسرعة، ويخرج من الشركة، ثم استقل سيارته، وبدأ بالقيادة الجهنمية نحو الإسكندرية، ليصل هناك في وقت قياسي بالفعل. صف سيارته في مكان مخصص، ثم ارتجل منها وأغلقها بالمفتاح. تقدم بخطوات سريعة نحو مدخل العمارة، ومن ثم استقل المصعد نحو الطابق المحدد، ثم خرج منه، ليجد باب الشقة في جهته اليمنى. تقدم نحوها، ثم نظر لأسفل، فـ يجد المزهرية. أبعدها، ليجد المفتاح. أمسك به، ثم فتح الباب به، ليدلف إلى الداخل، فـ تضرب أنفه رائحتها النفاذة، فيغلق عيناه مستمتعًا بتلك الرائحة.
توجه نحو الأمام لكي يبحث عن غرفتها، ليجدها مفتوحة الباب، بينما هي نائمة؟ أقصد منومة بهدوء. ليتجه نحوها ببطء، ثم جلس فوق طرف السرير، ينظر لها بسعادة، وهو لا يصدق نفسه بأنه قد وجدها.
نام بجانبها بعد أن نزع سترته وجذمته الرجالية. احتضنها بقوة شديدة بين يديه، ثم استنشق عبير شعرها الآخاذ، ليصبح مخدراً منه بقوة. ثم أبعد بعضًا من خصلاتها عن عنقها، فيقبله عدة قبل، ثم دفن رأسه فيها، ليذهب رويدًا رويدًا في النوم المريح، بعيدًا عن التعب والهم الذي كان يارق مضجعه منذ رحيلها.
***
في الصباح
استيقظت حور من نومها، الذي كان مثل سبات دب قطبي. فتحاول تحريك يديها، لكنها وجدتها مكبلة من قبل شخص ما. كانت ستصرخ، لكنها اشتمت رائحة تعبق في الأرجاء، وهي تعرف صاحب هذه الرائحة جيدًا. تنهدت قليلًا، ثم أدركت ذلك، لتقول بصوت هامس مصدوم:
حور: أسد هنا؟
همهم أسد قرب أذنها عندما شعر بها تنطق باسمه، فـ تسير القشعريرة في جسدها على طول عمودها الفقري، ثم خجلت بشدة، لتبدأ بمحاولة التملص منه، لكنها بلا جدوى معه نهائيًا.
وجدت صوته الرجولي يهمس في أذنها:
أسد: متفكريش نفسك إنك تقدري تهربي مني يا حور مرة تانية، يبقى بتحلمي يا حبيبتي.
حور بخجل: طيب سيبني خليني أقوم.
أسد: لا، مش هسيبك إلا لما تجيبي اللي مأخدتوش منك في الأيام اللي فاتت دي.
حور: استنى، أنت عرفت مكاني إزاي؟
أسد: مش مهم.
اعتدل هو ليصبح فوقها، وهي أسفله. نظرت نحوه بصدمة، لقد أنبتت لحيته، وأصبحت أكثر ظهورًا، وجعلته أكثر وسامة ورجولة، وازدادت نظراته حدة، كل هذا في فترة أسبوع فقط. تحدث، بينما يميل عليها ويهمس بحرارة في أذنها، وأنفاسه الساخنة تضرب عنقها وأذنها، لـ ترتجف جسدها أسفله، بينما يحكم بقبضته على يديها:
أسد: أنتِ تعبتيني أوي الأسبوع ده يا حور، خلتيني زي المجنون، خلتيني زي المريض اللي مش لاقي دواؤه عشان يخف، خلتيني أبقى زي المدمن اللي بيدور على مخدره اللي بيروقه، خلتيني أبقى زي السكران اللي لسه عايز يشرب أكتر وأكتر من السكر، خلتيني زي واحد عطشان عايز يرتوي من المية، كأنه في وسط صحرا. كل ده خلتيني أحس بيه، ليه كده يا تمشي وتسيبيني، هاه؟ ليه؟
حور: لأنك أنت السبب. لأنك مصرحتنيش بأنه ذاكرتك رجعت بعد كل السنين اللي فاتت دي. أنت متعرفش إحساسي كان إزاي لما عرفت إنك مش هتفتكرني تاني. كنت خلاص فقدت الأمل إني أبقى ملكك يا أسد. أنت فاهم إني أبقى ملكك أنت وبس.
لم يجعلها تكمل حديثها، لأنه أسكتها بقبلة، بث فيها كم هو كان مشتاقًا لها، كم كان يفتقدها، كم كان قلبه يؤلمه لفراقها القصير هذا، وكم يتمنى أن تسمح له بأن تصبح ملكه قولًا وفعلًا، لكنه لن يجبرها أبدًا. ترك شفتيها عندما احمرت من تقبيله لها، ثم أمال برأسه يقبل عنقها عدة قبل خفيفة، جعلت تنفسها يضطرب ويصبح متقطعًا، بينما تشعر بموجة من الفراشات تحلق في معدتها بقوة كبيرة جدًا. تاوهت بخفة عندما عضها بقوة، ثم أسند رأسه على كتفها، لكي تنتظم أنفاسه وأنفاسها قليلًا، ثم قال هامسًا:
أسد: حور، أنا بحبك من أول ما أنتِ كنتي لسه في بطن أمك، ماشي؟ وحاليًا، أنا مش بحبك بس، أنا بعشقك لدرجة أنتِ متتصوريها.
استدارت حور نحوه، ثم قالت:
حور: وأنا زيك كمان، ويمكن أكتر.
أسد بنفي: مش أكتر مني.
حور: ماشي، مش أكتر منك. ممكن ننام بقى عشان حضرتك شكلك كنت بتشتغل، ومكنتش بتنام.
أسد: كله بسببك.
حور: آسفة.
أسد: متعتذريش بسهولة، ماشي؟ لأني بحب عنادك.
حور: وأنا بحبك أكتر.
أسد: وأسد كمان بيحبك يا حوريتي.
احتضنها أسد، لـ تبادله الحضن، ثم دفن رأسها في تجويف عنقه، ثم رويدًا رويدًا يغطيان في سبات عميق، كأنهما لم يستيقظا منذ مدة قصيرة.
أتت فترة العصر، فـ تستيقظ حور لـ تجد أسد ما زال نائمًا. اعتدلت بخفة، ثم فركت رأسها قليلًا. مدت يدها بكسل تهز أسد، ثم قالت، بينما تتثاءب:
حور: أسد، يا أسد، اصحى يلا، إحنا بقينا العصر أهو.
همهم أسد قليلًا، ثم استقام يمسح وجهه، ثم قال:
أسد: هي الساعة كام دلوقتي؟
حور: مش عارفة، بس يلا قوم عشان تستحمى، عبال ما أجيب لك هدوم من دولاب سيف. ولا أقولك، استنى، قوم تعال أوديك تستحمى في أوضته هناك، وعشان تلبس براحتك.
أسد: ماشي.
استقامت حور، بينما تسحبه من يده، ثم دلفت نحو الغرفة المقابلة لها، ثم فتحت الباب، و تركت يده، ثم قالت:
حور: روح الحمام قدامك هناك، والبس في الدولاب، البس اللي يريحك، وبعد كده ابقى انزل وجيب حاجة عشان أجهز العشاء.
أسد: ماشي.
استدارت، بينما كانت تنوي الرحيل، لكنها سحبها بقوة من يدها، ثم استقبلها في أحضانه، لتصرخ بخفة، ثم يقول بـ خبث:
أسد: طيب، إيه رأيك نستحمى أنا وأنتِ سوا، بدل ما أستحمى لوحدي؟
احمرت حور خجلًا، لتضربه على صدره، ثم تقول:
حور: يا سافل، يا قليل الأدب! إيه اللي بتقوله ده؟
أسد: تصدقي، بقالي مدة كبيرة مسمعتش الجملة دي. حلوة أوي لما بتطلع منك.
ضحكت حور، ثم قرصته، ليفلتها هو، لتهرب منه، فيبتسم هو، بينما يشعث شعره بيده، ويتجه نحو الحمام لكي يستحم ويحلق لحيته تلك، ثم يرتدي إحدى الملابس البيتية السوداء، ثم يخرج قائلًا:
أسد: يا حور، أنا هروح أجيب الحاجات الناقصة. عايزة حاجة أجبهالك أنا وجاي؟
صرخت من داخل المطبخ، قائلة:
حور: هات لي شوكولاتة، أهم حاجة.
أسد يقهقه: ماشي يا حور. حاجة تاني يا حبيبتي؟
حور: لا يا حبيبي، روح وتعالى بالسلامة.
خرج من الشقة ومن العمارة، لكي يذهب نحو سوبر ماركت، مستقلاً سيارته، في مكان قريب، يبعد بشارع فقط من العمارة، ليشتري المستلزمات الهامة والضرورية. ثم خرج من السوبر ماركت عائدًا إلى الشقة. تحدث، بينما يدخل:
أسد: يا حور، أنا رجعت.
خرجت حور من المطبخ، ثم تقدمت نحوه لتحمل بعضًا من الأكياس، ثم نظرت إلى ما بداخلهم، لتبتسم عندما وجدت الكثير من الشوكولاتة. لـ ترفع نفسها، ثم تقبل وجنته، وتقول:
حور: شكرًا ليك بجد.
أسد: العفو يا حبيبتي.
حور: هات الحاجة دي بقى، أوديها المطبخ، وأنت اقعد اسمع التلفزيون، أو الهي نفسك بأي حاجة، عبال ما أخلص تجهيز الأكل.
أسد: ماشي.
دلفت حور نحو المطبخ، بينما هو دلف نحو الصالون، ليجلس أمام التلفاز، ومن ثم شغله، ليبقى يبحث عن أي شيء مسلٍ، لكن قاطعه رنين هاتفه، لـ يخرجه من جيبه، ليرى اسم عزت ظاهرًا في الشاشة، لـ يرد قائلًا:
أسد: أيوه يا عزت؟
عزت بـ صراخ: أيوه إيه؟ وأنت سايب الشركة تضرب تقلب من الصبح، وأنت فين أساسًا؟ لا موجود في القصر، ولا حتى سيف يعرف مكانك.
أسد: أنا لقيت حور، ومعاها دلوقتي.
عزت: طيب كويس، وكانت فين؟
أسد: في شقة إسكندرية، في البيت بتاع عمي محمد.
عزت: طيب كويس، الحمد لله.
أسد: الحمد لله. أنت خبرهم في القصر، وأمور الشركة رتب أمورها أنت وأحمد.
عزت: ماشي، هرتبها. بس أنت متتأخرش عليا، ماشي؟ لأنك عارف أنا عايز أجيب مراتي على بيتي، وخطيبتي مش راضية تعمل حاجة إلا لما تبقى مراتك موجودة.
أسد: متخافش، كلها يومين تلاتة هنيجي القاهرة.
عزت: ماشي، يلا سلام.
أسد: سلام.
أغلق الهاتف، ثم رماه بجانبه، وأصبح ينظر للتلفاز.
في المساء
تناولا طعام العشاء، ثم رتبت حور السفرة، بينما قام أسد وجلس أمام التلفاز. فـ تنتهي حور من تجهيز الحلوى، وتضعها أمام أسد، بينما هي أمسكت لوحًا من الشوكولاتة، ثم بدأت تلتهمها. فتجد أسد ينظر لها، لـ تمد له قطعة، لكنه نفى برأسه، لـ ترفع هي كتفيها، ثم تنزلهم، كأنها تقول له: (أنت الخسران). فـ يقهقه هو بخفة، ثم نظر نحو التلفاز. وقفت هي، ثم قالت:
حور: أنا هروح أستحمى، ماشي.
أسد: ماشي.
تركته حور، ثم دلفت إلى غرفتها، لتتجه نحو الحمام. نزعت ثيابها، ثم استحمت. انتهت من الاستحمام، ثم جففت جسدها وشعرها، ثم ارتدت قميص نوم أسود من الستان اللامع، ومن ثم مشطت شعرها، ثم وضعت أحمر شفاه ناري، ومررت فرشاة المسكارة على رموشها الكثيفة. سمعت صوت انغلاق الباب، لـ تعلم بأنه قد دخل الغرفة. نظرت إلى نفسها في المرآة، فـ تخجل من نفسها، لكنها وضعت كفي يديها على جنتيها، ثم تحدثت توعي نفسها قائلة:
حور: أهدي يا حور، دا جوزك حلالك، يعني دا لا عيب ولا حرام. ماشي، أهدي يا حور، أهدي يا حور.
فتحت طرفًا من باب الحمام، لـ تجده جالسًا فوق السرير، وعاري الصدر، ويرتدي البنطال القطني فقط، و يتأفف بين الحين والآخر. تشجعت هي، لـ تخرج، ثم حمحمت بصوتها قليلًا، ثم قالت بنبرة عادية، لكنها خرجت متوترة:
حور: إيه ده؟ أنت جيت إمتى؟
أسد: لسه من شو...
خرج صوته متقطعًا عندما رآها بتلك الأنوثة الطاغية، بإطلالتها التي خطفت أنفاسه وجعلتها تذهب أدراج الرياح.
بينما هي تقف مطأطأة الرأس من خجلها الشديد. وقف هو ليخطو نحوها بضع خطوات نحوها، ثم أمسك يدها وقبلها بخفة، ثم احتضنها، مستنشقًا إياها بخفة، جعلها تغمض عيناها بقوة من توترها وخجلها. تمالك نفسه قليلًا، ثم تحدث بصوت مبحوح جدًا، لكنه رجولي وفخم، طرب أذنها:
أسد: طيب، روحي توضئي عشان نبدأ حياتنا ببركة ربنا.
حور بخجل: الحمد لله، متوضية. وأنت؟
أسد بابتسامة: وأنا كمان. روحي البسي الإسدال، وأنا هلبس التيشيرت، ماشي؟
أومأت له، لـ ترجع نحو الحمام وترتدي الإسدال وتلف الحجاب حول رأسها، ثم تخرج، لتجده قد ارتدى تيشرته. نظر نحوها بسعادة، ثم بدأ يأمها في الصلاة. أمنية حياته وحياتها تحققت أخيرًا. انتهيا بعد مدة، لتجلس هي بقربه، ثم أمسكت يده اليمنى، وبدأت بالتسبيح عليها، وتبتسم، بينما تنظر إلى كف يده القوية، والتي كانت عكس يدها الضعيفة والصغيرة. سعادة غامرة وطمأنينة ترسو في قلبيهما النابض بالحب الحقيقي، حب طفولتهما. لم يخذلهما الله سبحانه وتعالى في أن يجعل كلاهما نصيبًا وقسمًا بالآخر، رغم كل ما حدث من صراعات، سواء كانت بسببهما أو بسبب طرف آخر. حكمته في أن يرى مدى قوتهما وتماسكهما ببعضهما البعض، من دائمًا على أمل وثقة في الله الواحد الأحد، الذي خلقنا من نطفة صغيرة تكاد ترى بالعين المجردة. سبحانك يا الله، سبحانك يا أرحم الراحمين.
تمت