احتضن عمار ريان وهو يقول: وحشتني وبتوحشني وهتوحشني. ريان بحنان: كله ثلاث شهور تدريب وهتشتغل في القاهرة وهنكون مع بعض على طول. ابتسم عمار بتمنى، ولكن تلاشت بسمته وهو يقول بتمنى: نفسي أكون في الفريق اللي بيشتغل معاك. ريان ببسمة: اثبت نفسك في التدريب، ولا عالِم مش يمكن تكون مع اللي أحسن مني. عمار بحماس: إن شاء الله معاك.
ابتسم له ريان، ولكن تعلقت عيونه بحور التي كانت ترتدي دريس موف هادي وبسيط مع حجاب أبيض به أزهار موف، فاتسعت بسمته تلقائيًا. سمر بحزن وتأكيد: حور أول ما توصلي طمنيني عليكي، فاهمة؟ حور ببسمة: حاضر، أي أوامر تانية؟ هزت رأسها بنفي قبل أن تحتضنها وهي تقول: خلي بالك من نفسك. ريان بلامبالاة: إنتِ رايحة فين؟ ده إنتِ لسه واصلة من ساعتين بالكتير. هزت رأسها بعدم معرفة وشروط، وهي تفكر أين ستذهب، فهي للآن لم تجد مكان.
ريان بحاجب مرفوع واستفزاز: مش عارفة إنتِ رايحة فين يا صغيرة؟ نظرت له بغيظ وقالت بضيق: لأ، عارفة. أنا رايحة فين يا كبير، راجعة القاهرة. ها، ارتحت؟ استأذن عمر ليجهز حقيبته ويسافر برفقة ريان، فهو يريد أن يقضي معه أكبر وقت ممكن. ريان بعدم اهتمام: خلاص، ممكن أوصلك في طريقي، أنا كده كده راجع القاهرة. تحدثت بهدوء رغم توترها: لا، شكرًا. ريان بلامبالاة: خلاص، براحتك. ابتسمت بارتياح وخطت كم خطوة وهي شركة وتفكر أين ستذهب.
قبل أن يقول رسان بصوت عالٍ نسبيًا حتى تستطيع سماعه: صدفة. التفتت حور سريعًا بعيون متسعة من الصدمة. فابتسم لها ريان قائلاً: مش قولتي إننا اتقابلنا صدفة، وممكن أناديكي بيه؟ غمز في نهاية الحديث. حور رغم توترها تحدثت بثقة: أنا مش عارفة إنت بتقول إيه، أكيد إنت غلطان. سلام يا سمر، سوري، معنديش وقت أضيعه. ريان بغرور: براحتك، بس مع أول خطوة هتخطيها برا البيت ده، أبوكي هيوصلك، لأنه بلغ الشرطة إنك مخطوفة، والكل بيدور عليكي.
تذكرت بإمكانها وتحدثت بصوت خافت: مش معقول! ثم التفتت لريان بعدما نظرت لسمر بعتاب، ولكن هزت سمر رأسها نفيًا لما يجول بخاطرها. ريان: عرفت منين؟ اقترب منها بعدما أخذ أكثر من خطوة حتى يقف في وجهها وغمز لها قائلاً بغرور: أصل أنا اللي وصلتها للمحطة، وشكيت أو كنت على يقين إنها هربانة من أهلها. ولما شفتها هنا، رغم إني مكنتش شفت وشها، بس بقا مشكلتها إن عيونها مميزة، وأنا مش بنسى أي حاجة شفتها، ما بالك بقى لو مميزة.
احمرت وجنته بخجل، رغم أنها لم تكن المرة الأولى التي يقال لها مثل هذا الحديث وأكثر من ذلك، ولكن هذه المرة هناك شيء مختلف، أو أنها من شخص مختلف؟ تحدثت سمر بصدمة مضحكة: ظابط؟ ظابط؟ عليا النعمة ما في كلمة. ابتسم ريان لحديثها، رمق حور بسخرية. فنظرت له بحنق، قاطعة ذلك سمر وهي تقول بتساؤل: طب هتعملي إيه دلوقتي يا حور؟ تركت حور حقيبتها وجلست أرضًا وهي تقول بعدم معرفة:
خلاص، مفيش حاجة أعملها غير إني أستنى محمد بيه ييجي ياخدني، بدل ما أتعب نفسي على الفاضي. هو كده مش هيتأخر، زمانه على وصول. ريان بتصحيح: أبوكي عرف مكانك من حوالي ساعة، يعني قدامه حوالي ساعتين ونص عشان يوصل هنا. نظرت له قائلة بغيظ: فرقت قوي، ما هو كده كده مقيد حركتي بالعملة. سمر بتدخل وهي تقول باقتراح: ريان، ممكن يساعدك، مش كده؟ لريان. نظروا له منتظرين رده. رفع كتفيه ببرود: أساعدها ليه؟ سمر بترجي: مش إنت تقدر تساعدها؟
ريان بتأكيد: أيوه. سمر ببسمة: يبقى خلاص، ساعدها. تدخلت حور وهي ترمقه بغضب: في إيه يا سمر؟ هو إنتِ هتتحايل عليه؟ أنا مش محتاجة مساعدتك على فكرة. أنا عندي أهون إني أتجوز عادل ولا إني أقبل مساعدتك. ريان بسخرية: على أساس أنا قاتل نفسي عشان أساعدك. حور بغيظ ثم قالت بهدوء وهي توضح له الأمر من ناحية أخرى: على فكرة دي مش رجولة، يعني إنت ترضى إن أختك تتجوز غصب عنها ومتساعدهاش؟
نظرت سمر باهتمام لريان، ونظرت له حور بتمعن لترى تأثير حديثها عليه. بينما ريان هز رأسه بنفي، فابتسمت حور بثقة، بينما استرسل هو حديثه بتوضيح: مستحيل طبعًا، بس اديكِ قولتي أختي، هل إنتِ أختي؟ رمقه بنظرة شاملة أخجلتها، ففي نهاية حديثه. ولكنها تجهلت ذلك، فهو أخرى فرصة تمتلكها. هزت رأسها بنفي قبل أن تضيف: أنا أه مش أختك، بس ممكن تعتبرني أختك، مش كده؟ رمقه باستخفاف وهو رأسه بنفي: لأ. قالت وهي تنظر له ببرائة مصطنعة:
هو مش الشرطة في خدمة الشعب بردوا؟ وإنت الشرطة وأنا الشعب، فخدمني، قصدي ساعدني. قال يوسف بضحك، فهو استمع إلى آخر جزء من الحوار: مقنعة على فكرة، فساعدها. قال ريان بمقارنة بسخرية وهز رأسه باستمتاع وهو يقول: مش هساعد حد، وبعدين أنا مخابرات. حور بتفكير وهي تكشر عيونها: شرطة بردوا، على فكرة. رمقه بسخرية وهو مستمتع بحديثها معه. فقالت بأمل: مقتنعتش حتى ولو شوية صغيرة؟ هز رأسه باستمتاع. حور بتفكير:
طب أنا لو حصلي حاجة، سمر هتزعل، وسمر دائمًا بتقول إنك ممكن بتعمل أي حاجة عشان متزعلش. ضحكت سمر بقوة، وشاركها يوسف في الضحك على حديث حور الطفولي، وكأنها يأست من أن يقتنع. ريان باستفزاز: خلاص، صعبتي عليا، خلاص هوصلك، بس إنتِ عارفة إنتِ هتروحي فين؟ حور بنفي وهي تبتسم: لأ، لسه هشوف، بس وصلني إنت القاهرة. ريان بتكشيرة: طب وإنتِ بتضحكي ليه؟ كشرت حور عيونها وهي تقول: يعني أعيط مثلًا؟ ريان بصلها بغيظ من ردها وقال:
إنتِ ممكن تقعدي في شقتي. قاطعته وهي تصيح بغضب، فهل يعتقد لأنها تحتاج المساعدة سوف تقبل بأن تجلس بشقته؟ فإذا هو لم يعرف من هي حور التهامي: إنت مجنون؟ مين دي اللي تقعد في شقتك؟ إنتِ فاكراني زي البنات اللي إنت تعرفها؟ لأ، فوق كده واعرف أنا بتكلم مين، أنا حور هانم التهامي. تقولي كده؟ يقاطعها وهو يصيح فيها بغضب: إنتِ هبلة يا بت انت ولا إنتِ فاكرة نفسك مين عشان أبصلك؟
أنا كنت مسافر مهمة لمدة ثلاث شهور، وكنت بقدم لكِ مساعدة، مش أكتر، بس إنتِ اللي فاكرة نفسك حاجة كبيرة. رمقه باستخفاف ولم يتحدث. هتفت سمر لتهدئة الوضع وحتى تصمت حور التي كانت على وشك الحديث مرة أخرى: هي مش قصدها يا ريان، هي بس أعصابها فلتت من الضغط اللي بتمر بيه، هي معاها عذرها، وبعدين إنت كلامك بردوا يتفهم غلط. تحدث بحدة وهي يرميها بعصبية: ما هي لو سبتني أكمل كلامي كانت فهمت قصدي إيه. نظرت له بضيق ولم تتحدث.
يوسف بتأكيد: سمر عندها حق، وهي فكرة كويسة يا حور، اقعدي في الشقة وظبطي أمورك على مهلك في الفترة اللي ريان هيكون في شغله، وريان بردوا هيعمل احتياطاته عشان محدش يوصلك، رغم إني مش فاهم هو في إيه بالظبط، بس ده أفضل ليكي. حور بتفكير وقلة حيلة مصطنعة: خلاص، موافقة. نظر له بسخرية وحاجب مرفوع، بينما نظرت هي في اتجاه أخرى وهي تفكر فيما هو قادم. بينما ابتسم ريان ابتسامة خفيفة لا يعلم سببها. هل سببها حور وتصرفاته؟
لا يعلم، ولكن هكذا أراد أن يبتسم. كان يوسف يجلس بجانب ريان وحور وعمار بالخلف. عمار لريان: ريان. نظر له ريان عبر المرآة الأمامية ينتظر منه أن يكمل حديثه. فأكمل عمار وهو يشير له على بيت ما: اقف هنا، شهاب صاحبي هيسافر معانا. أوقف ريان السيارة ونظر لعمار ونقل نظره لحور وهو يقول بجدية: حور، البسي نقابك عشان ممكن نمر على لجنة ولا حاجة، وتعالي قدام، وارجع إنت يا يوسف، لأن مش هينفع تقعد جنب شابين.
أومأت به وأخرجت نقابها وارتدته وجلست بجانبه، وهي تمتم بأن تمر على خير. فتبسم لها وهو يقول: هسترها، متخافيش. ثم نقل نظره لعمار وهو يعقد حاجبيه بإنزعاج: إنت يا ابني صاحبك ده فين؟ عمار بتكشيرة: هو قال إنه طالع، أهو، أهو. ثم رفع صوته بحيث يصل لصديقه الذي يقترب من السيارة. فهتف بعدما فتح باب السيارة ليركب: في إيه يا عم شهاب، اتأخرت ليه؟ قال شهاب بعدما جلس بجانبه في الخلف:
الحاجة كانت مسكاني ومش مبطلة، بتبوس وبتدعي، ومقتنعة إني داخل امتحان مش تدريب. ريان ببرود: ما هو التدريب اللي حضرتك مستهتر بيه ده أسوأ من الامتحان بمراحل، يعني الامتحان ممكن تسقط وتمتحن تاني وتدخل سنة جديدة ملهاش علاقة، وإلا قبلها، بمعنى إن تفوقك فيها مش مرتبط بالمرحلة اللي قبلها، بس ده هيتبني عليه كل حاجة. هز رأسه قبل أن يعود بنظره لعمار وهو يسأله: حضرتك مين؟ تحدث عمار ببسمة وفخر: ده المقدم ريان الشرقاوي. شهاب بذهول:
ده أخوك ريان؟ أومأ به ببسمة وفخر لم يتمحى من نظراته بعد. فابتسم شهاب لريان وهو يقول بجدية: اتشرفت بمعرفتك يا فندم. هز ريان رأسه ببرود. فقال شهاب لعمار بصوت منخفض: هو أنا ليه حاسس إنه مش طايقني، وشوية كمان وهيجي يخنقني؟ عمار بمرح: حاسس مش متأكد. ابتسم شهاب ثم قال بتساؤل: واللي جنبه دي المدام؟ نظر عمار لحور ثم لشهاب: لأ، دي صاحبة سمر، أختي، هي من القاهرة. ثم أكمل بصوت منخفض: بس إيه يا واد يا شهاب، حتة مزة؟ شهاب بفرحة:
دي دعوة أمي ليا. استجاب. عقد حاجبيه بتساؤل: ليه؟ شهاب ببسمة: أصلها قالتلي، روح يا ابني ربنا يرزقك بالتكمل معاها نص ديني. ريان بسخرية: هي الحاجة قالتلك كده؟ فتح شهاب عيونه على وسعها، فهو كان يتحدث بصوت منخفض حتى لا يسمعه أحد: هو أخوك هيمارس شغله علينا ولا إيه؟ ريان بحاجب مرفوع: عندك مانع؟ جاء شهاب حتى يتحدث، فقاطعه عمار وهو يضع يده على فمه: واللهي ما انت قايل حاجة، ده إنت بتسودها. ثم نظر لريان وهو يقول:
هو مش قصده يا ريان. ريان ببسمة باردة: بعد ما شوفت صاحبك ده، هيبقى حظكم أسود لو بس اتقابلنا صدفة في الجهاز. عمار بخوف وهو يردد: ربنا يسترها. ثم نظر لشهاب بغيظ، جاذبًا يده بعيدًا عن فمه. فأبتسم شهاب بتوتر لريان. وضعت حور تلقائيًا يدها على يد ريان عندما مرت سيارة والدها من جانبهم. تعلقت عيونها بعيون والدها الذي كان يجلس بجانب السائق للحظات، ولكن من الواضح أنه شارد لكي لا يستطيع التعرف عليه.
نظر لها ريان بتساؤل، فسحبت يدها بسرعة، فهي لم تشعر بنفسها وهي تمسك يده وهي تعتذر: أنا آسفة، بس العربية اللي عدت بتاعت بابا، وهو كان بيبص لي، فخوفت يكون عرفني. ابتسم ريان بتفهم: متخافيش، أبوكي مش هيعرف يوصلك. كان شهاب يتحدث مع يوسف ويتعرف عليه، ولكن جذب انتباه ما حدث، فنظر لعمار وهو يهتف بتساؤل متوتر من أن يسمعه ريان: هي هربانة ولا إيه؟ عمار بعدم معرفة وحيرة، فهو أيضًا جذب انتباه حديث حور: مش عارف. ريان لشهاب:
متدخلش في شيء ميخصكش، وبالذات لو كان يخصني، عشان مزعلش منك، لأن زعلي وحش قوي. وادعي بقى إنك متقابلنيش، لأني هظبط لك لسانك اللي بيتكلم من غير تفكير. نطق شهاب سريعًا بتوتر وخوف: يارب تتعمى. نظر له ريان بذهول: إنتِ بتدعي عليا بالعمى يا حيوان؟ شهاب بتوتر: مش إنت اللي قولت ادعي إنك متشوفنيش تاني، فدي أصح دعوة. يوسف بضحك: تصدق إنك ذكي، والجهاز هيكون فخور بيك فيما بعد. رمق ريان يوسف بغيظ وهو يقول: نفس نوعيتك.
هز يوسف رأسه وهو يبتسم. بينما ضحكت حور بصوت عالٍ على ما يحدث، فنظرت لها ريان سريعًا وهو يضيق عينيه بحدة، فنظرت للجهة الأخرى. يوسف بمرح: ضحكت يعني قلبها مال؟ شهاب بتأكيد: كنت هقول كده، بس خوفت من المقدم. وظلوا طول الطريق على هذا المنوال، بين مزاح شهاب المستمر مع يوسف وعمار، وحنق ريان منهما. وصل ريان يوسف لبيته، ثم نظر لعمار وشهاب بتساؤل: طب إيه؟ عمار بعدم فهم: إيه؟ ريان بغيظ: هتروحوا فين؟ شهاب بسماجة:
معاك، لأننا لسه بكرة. قاطعه ريان بنفاذ صبر: انزلوا. عمار وشهاب بصدمة: نعم؟ ريان بحظع: انزلوا يلا. نزلوا سريعا، وقال عمار بتساؤل: نزلنا أهو، هنعمل إيه؟ انطلق ريان بالسيارة، فنظر شهاب بحنق لعمار: أخوك خلع، طب هنعمل إيه؟ عمار بضيق: كله منك ومن دمك التقيل، يلا نروح أي فندق نقضي فيه الليلة. شهاب بتساؤل: هتوكلني؟ نظر لها بحدة وطرق وذهب. شهاب وهو يجرى خلفه: مش هاكل يا مان.
نظر له عمار وضحك على صديق طفولته الذي من المستحيل أن يتغير. وصل ريان للعماره التي يقطن بها ونزل من السيارة وانتظر نزول حور التي تأخرت، فهتف بنفاذ صبر: مش هستناكي كتير، يلا. نزلت حور بتوتر وهي تنهّر نفسها على مجيئها معه، فالله وحده يعلم ماذا سوف يحدث لها، كيف تأتي مع شاب عازب لشـقته. صعدوا الشقة، فابتسمت حور براحة وهي تتطلع لـ الشقة بإعجاب من ديكوراتها وترتيبها التي يظل على حبه للنظام. رمقها ريان بلامبالاة
وهو يتجه نحو غرفته: الشقة قدامك أهي، اعملي اللي انتِ عايزاه، أنا هدخل آخد دش. حور بذهول وسرعة: هو إنت مش هتمشي زي ما قلت؟ وقف ريان وهو يمسك رأسه بتعب وهو يقول بتنهيدة: بكرة لسه هسافر، بكرة، اعتبريني ضيف للنهارده. بساومأت له بإحراج، فهي تطلب منه الخروج من شقته وهو يبرر لها، فهي لا تملك ذلك الحق. حاولت أشغال عقلها في أي شيء غير التفكير في ريان، ولكن وجدته مازال واقفًا، فقالت بأسف:
أنا آسفة، أنا عارفة إنها شقتك وحقك تاخد راحتك فيها، وإن أنا اللي ضيفة. قاطعها ريان ببرود وهو يكمل طريقه: أنا مش فاضي أسمع ده كله، واتوقع كلامي واضح، وأنا مشوفتش حد محتاج مساعدة وممدتش إيدي أساعده. وأشار لها ع غرفة: اتفضلي، ادخلي ارتاحي في دي. نظرت له بغيظ وقالت بهمس: قليل الذوق. ابتسم بخفة ودخل غرفته ليرتاح من تعب السفر والقيادة لفترة كبيرة. بدلت حور ملابسها، البنطلون من الجينز وتشيرت طويل، ورفعت شعرها وزفرت بضيق
وهي تضع يدها على بطنها: طب إيه، أنا جعانة؟ هو مش هياكلني ولا إيه؟ خرجت من الغرفة وهي تلتفت حولها لعلها تراه، ولكنها لم تراه. فتنهدت براحة وبحثت عن المطبخ ووجدته: أنا هشوف إيه اللي هيتاكل في البيت ده. لم تجد شيئًا يصلح للأكل سوى الخضروات. ووجدت لحم نيء فابتسمت وأخرجت ما تريد لتعد فراخ ومكرونة، فهذا أسرع شيء. أخذت تتحرك بصعوبة لعدم معرفتها بأماكن الأشياء، فتارة تبحث عنهم وتارة تتجه لتكمل ما تعد من طعام.
في هذا الوقت كان قد بدل ريان ثيابه بعدما أخذ حمام وجلس على السرير وأخذ يتطلع أمامه بشرود وهو يتذكر ما حدث منذ أن التقى بحور. تلك الفتاة التي التقاها صدفة، لم يتوقع أن يجتمع معها مرة أخرى في حياته، ولكنه اجتمع معها مرة أخرى في نفس اليوم، وليس هذا فقط، فهي معه في نفس الشقة. لا يعرف لماذا ساعدها؟ هل لأنها لا سترك أحد محتاج مساعدة؟ أم لأنه بها شيء يجذبه لها؟ حاول طرد أفكاره، فهي فتاة.
احتاجت المساعدة وهو ساعدها، وهكذا انتهى الموضوع، فليخرص هذا العقل الذي يفكر في كل شيء ولا يترك شيء يمر مرور الكرام. يخرج من شروده على رائحة طعام ذات رائحة لذيذة. استغرب ذلك بشدة، فلما تلك الرائحة قريبة هكذا؟ وجد نفسه يفتح باب الغرفة سريعا ليعرف مصدره، فهو في ظل ما حدث معه، نسي أن يأكل شيئًا، ورائحة الطعام جذبتها بشدة لشدة جوعه. اتجه ناحية المطبخ سريعا فوجد فتاة تتحرك بخفة وهي تضع الطعام على الطربيزة الموجودة بالمطبخ.
استغرب ذلك بشدة، ولكن عندما دقق في ملامحها عرف أنها خور. استغرب لماذا لا ترتدي حجابها، ولكنه توقع أنها من الممكن أن تكون غير محجبة، فضحك بخفة، فهو أول مرة رآها كانت بالنقاب، وبعد ذلك بحجاب، ولأن بلا، فبماذا سوف يراها المرة القادمة؟ ضرب رأسه بخفة، فبماذا تفكر الآن؟ هيئتها وهي تتحرك بكل هذا النشاط تحثه أن يتقدم ويحتضنها من الخلف، وهز رأسه سريعا ينفض تلك الأفكار العجيبة التي هاجمته مرة واحدة.
ابتسمت حور عندما رأته وحثته على التقدم ليشاركها الطعام، فهي أعدت الطعام لشخصين. حور ببسمة: تعالى كل، أنا عملت أكل لأني جعانة جدًا، وعملت حسابك لأن أكيد إنت كمان جعان. هز رأسه وهو يتقدم منها دون أن ينطق بحرف. بدأ يأكل تحت أنظار حور التي انتظرت ردة فعله على مذاق الطعام، ولكنه لم يتحدث رغم إعجابه بطعم الطعام، وحتى لا يظهر أي شيء على ملامحه حتى ولو كان مستمتعًا أو لا. أفهمت رأسها بلامبالاة، فلماذا تهتم برأيه؟
وبدأت في تناول طعامها هي الأخرى دون أن تتحدث. انتهوا من تناول الطعام في صمت رهيب من كلا الطرفين. فقامت حور لتنظيف الطربيزة. اقترب ريان ليساعد، ولكنها هزت رأسها بنفي وهي تقول: لأ، اعمل إنت حاجة نشربها، ويا ريت لو تكون قهوة. نظر لها بحاجب مرفوع. فقالت باستغراب عندما لم يتحرك: في حاجة؟ تنهد بضيق ولم يتحدث وبدأ في صنع القهوة. فحملت هي الأطباق وهي تتجه للحوض: في هنا. غسلت أطباق. رمقها بسخرية: لا، يغسلها بصابون عادي.
هزت رأسها بتفهم وبدأت في تنظيف الأطباق. فنظر تجاهها وهو يقول: قهوتك إيه؟ ابتسمت له وهي ترد عليه بسؤال: إنت بتعرف تعمل إيه؟ عقد حاجبيه باستغراب: إجابة غريبة، بس خلاص، أوك، هعملهالك زي ما بحب أشربها. ابتسمت حور بحماس: أوك، أنا بحب القهوة في كل حالاتها عدا أنواع معينة. وعندما انتهت من غسيل الأطباق نظرت لريان وهي تقول: هات القهوة وتعالى نشربها في البلكونة. أومأ لها بهدوء وذهب خلفها. جلست حور وقالت ببسمة:
الجو ده ميغركش إنك تعمل حاجة. نظر لها ريان وهو يتفحصها بدقة من شعرها الذي يتطاير بفعل الهواء على رقبتها برقة. قاطعته حور نظراته وهي تقول بتوتر مسحوب بخجل: قصدي إن هوا وقهوة، فهو مغري للكلام، للكلام وبس. قال ريان بتساؤل: كلام إيه؟ حور بحماس: احكيلي عني. ريان ببرود: مفيش حاجة تـُحكى عني، إن ظابط وبشتغل وبس. حور بتفكير: طفولتك مثلًا، شبابك كده، يعني. ظهر الألم على وجه ريان وقال بشرود: معشتهاش. حور باستغراب: قصدك إيه؟
ريان ببرود: مقصديش، ولو عايزة كلام أو زي ما بتقولي الجو مغري للكلام، فتكلمي إنتِ. حور ببسمة: هحكيلك يا عم، بس عشان أنا مطمنالك وحاسة بأمان معاك وحاسة إنك هتكون صديق وفي. ريان بضحك: يااه، ده كله حاسة معايا؟ ده إنتِ وقعتي بقا. حور بتكشيرة: بقولك صديق وفي، ولا مسمعتيهاش؟ ريان باستفزاز: ما هي بتبدأ كده وبعد كده بتاخد ليفل أعلى، بس أوك، أصحاب أصحاب. حور بتأكيد ومرح:
أصل ماما قالتلي، أوعي تحكي لحد غريب حاجة عن حياتك. ثم مدت يدها. نظر ريان لإيدها ثم ابتسم وصفحها. حور ببسمة: أصحاب؟ ريان بتأكيد: أصحاب. حور ببسمة: أنا حور محمد التهامي، أو الباشمهندسة حور، حبيت مجال الهندسة عشان كده دخلته، عندي اخت أكبر مني بسنة اسمها شهد، وأمي اسمها هناء، كانت من أسرة متوسطة الحال، رغم إنها بنت عم بابا، بس زي ما بيقولوا من الفرع الفقير، بس بابا حبها، ودي أسرتي المتواضعة. فقال ريان بتفكير:
احكيلي طفولتك كانت إزاي؟ ريان مكنش عارف ليه هو سألها عن طفولتها، يمكن عشان ده كان سؤالها ليه في البداية، أو عشان ده سؤال متوقع، أو عشان يتأكد إنه بس اللي عانى في طفولته، ولا في ناس زيه عانوا. حور ابتسمت تلقائيًا لما ريان سألها، لأنها دي كانت أجمل مرحلة في حياتها:
كانت جميلة جدًا، كانت كلها لعب وسفر، وكان اهتمام بابا جميل، وحنان ماما أجمل، كنا بنقضي أغلب الوقت مع بعض، رغم شغل بابا، إلا إنه كان دائمًا يفضلنا وقت، أول ما يوصل كنت بجري عليه عشان أحضنه قبل شهد، وشهد هي كمان تجري ويخدنا في حضنه، وناخد الشوكولا، وماما تستقبله وتقوله حمدًا على السلامة، وهو ياخدها في حضنه بفرحة ويبوس جبينها بحب، وناكل سوا، ونتخانق مين اللي هيقعد جنب بابا وماما، عشان ترضينا تعمل نفسها زعلانة وتقول، عايزين تقعدوا جنب بابا، وأنا لأ، من الآخر، هي كانت أجمل مرحلة في حياتي، لدرجة إني نفسي أرجع طفلة من تاني، هي دائمًا الطفولة بتبقى أجمل مرحلة في حياة أي حد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!