في الإسكندرية، كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساءً. في محطة الأتوبيسات، توقف الأتوبيس جانبًا فترجلت "ليان" منه وسارت إلى بيتها قدمًا. فتاة في التاسعة عشر من عمرها، يبلغ طولها 160 سم وجسدها ممشوق، مُرتدية فستان وردي اللون بأكمام من قماش الكتان فضفاض وشعرها الأسود مرفوع على شكل ذيل حصان، مُرتدية حذاء رياضي أبيض اللون وتحمل حقيبتها البيضاء الصغيرة ودفترين على ذراعها.
سارت في الزقاق وهي تلعب في هاتفها وتضع سماعة الرأس الوردية فوق رأسها، تمنع عنها أصوات العالم الخارجي. كان الزقاق هادئًا جدًا، وتخرج من واحد للآخر. الزقاق كان فارغًا وهادئًا وعينيها لم ترفع عن الهاتف. قد اعتادت يوميًا على السير في هذه الشوارع الهادئة دون خوف. تعثرت في شيء ضخم أسفل قدمها لتصرخ بفزع وعادت خطوة للخلف. فصُدمت عندما رأت يد أحدهما لتصرخ بذعر، وأعتقدت أنها جثة مُخبأة بالطريق.
لكن أوقفها سماع صوت استغاثة ضعيف. أقتربت "ليان" بخوف يحتلها لترى شاب في منتصف الثلاثينات غارقًا في دمه وقد تعرض للطعن في خصره. لم ترى ملامحه جيدًا بسبب ضعف الإضاءة. أبعدت الصناديق الكرتونية عنه بتعجل محاولة مساعدته وجعلته يعتدل في جلسته بهدوء. قالت بصوت دافئ: "متخافيش، أنا في أولى طب." حاولت مساعدته ومزقت قميصه بتعجل تحاول ربط الجرح وتضغط عليه بقوة. قالت بعفوية: "أنت نزفت كتير، تقدر تسند عليا وأوصلك لأقرب مستشفى."
بحثت عن هاتفها الذي سقط من فزعها لتتصل بالأسعاف، لكنه مسك يده بقوة يمنعها من فعل ذلك. فتح عينيه ببطء من التعب ورأى أمامه فتاة ملامحها صغيرة ليدرك بأنها لم تبلغ السن فعلًا. تملك بشرة بيضاء، شعرها الأسود بنعومته وغرتها تزيدها جمالًا. لديها زوج من العيون الخضراء الواسعة، شفتيها ملون باللون الوردي اللامع بسبب أحمر الشفاه الذي ترسم به شفتيه. أخذ الهاتف من يدها وأتصل على رقم مجهول.
وقبل عشر دقائق، امتلأ المكان بالرجال وكان يبدو عليهم أنهم رجال عصابات. فابتعدت "ليان" عن طريقهم بخوف. صرخ أحدهم، يبدو أنه قائدهم، يقول: "خدوا الرئيس على العربية بسرعة وأتصلوا بالدكاترة." أخذوه من الأرض وعينيه تحدق بالصغيرة كلما ابتعدت. عادت "ليان" إلى منزلها ففزعت والدتها عندما رأت الدماء على ملابس صغيرتها ويديها. قالت "ليان": "متخافيش يا ماما، دا واحد كان مصاب وساعدته."
"أنا كام مرة أقولك يا ليان أبعدي عن الأغراب، إنتِ ضامنة اللى فى الشارع دا مين؟ قهقهت "ليان" بعفوية وهي تدخل المرحاض تغسل يديها مُتمتمة: "مش أوى كدة يا ماما، متقلقيش عليا، أنا قدها ومبخافش." تأففت الأم بضيق. ثم دلفت "ليان" إلى غرفتها تبدل ملابسها وخرجت تساعد والدتها في تحضير العشاء وتُحدثها قائلة: "أمال بابا فين؟ "في الأوضة بيصلي العشاء." أومأت إليها "ليان" بنعم وجلسوا على السفرة معًا حتى جاء والدها وجلس على السفرة.
يقول بحب: "حمد الله على السلامة يا حبيبتي." "الله يسلمك يا حبق." قالتها "ليان" بلطف وتتناول طعامها. كان الصمت يسود بينهما حتى قاطعتهما "ليان" تقول: "حضرتك فكرت في طلبي؟ تنهد "فتحى" بخفوت وتوقفت "ياسمين" عن الطعام وتغيرت تعابير وجهيهما الاثنين. لتفهم "ليان" أن طلبها ما زال مرفوضًا. تحدثت بجدية: "بابا، أنا طلبت منك أروح مع أصحابي القاهرة، هو يوم سد رد مش هتأخر، الساعة 8 بالكثير هكون هنا." "لا، القاهرة لا."
قالتها "ياسمين" بضيق شديد وانفعال واضح في ملامحها. مما جعل "ليان" تُدهش من رفض والدتها القاطع. فنظرت إليها بضيق وقالت: "ليه لا، هي القاهرة بتعض؟ لم تقبل "ياسمين" النقاش ووقفت من مقعدها تاركة الطعام ثم ولجت إلى غرفتها غاضبة. فنظرت "ليان" إلى والدها مُندهشة من تصرف أمها وقالت: "أنا مش فاهمة، هو في إيه؟ تنهد "فتحى" بهدوء وقال بخنق: "مفيش، هي قلقانة عليكِ لأنك بنت وعايزة تسافري لوحدك."
"حضرتك ممكن تيجي معايا، أنا مش رافضة دا؟ قالتها بجدية. ليغادر "فتحى" هو الآخر المكان تاركين الصغيرة في حيرتها. تركت "ليان" الملعقة من يدها بضيق واستفهام كبير في عقلها. دلتفت إلى غرفتها غاضبة وظلت بها حتى غرقت في نومها من التعب. في مكان آخر، داخل فيلا كبيرة في الإسكندرية تملأها الحراسة والرجال من كل مكان وفي كل زاوية. كان الطبيب يعالج جرح الرجل وسط صرخاته القوية. قال: "الحمد لله أن الطعنة ما أذتش الأعضاء."
تحدث "كريم" بقلق على رئيسه قائلاً: "يعني هو بخير؟ ابتسم الطبيب ونظر إلى الرجل المصاب بعفوية ثم قال: "متقلقش عليه يا كريم، هو أسد، ومش أول طعنة لجلال بيه." أومأ إليه بنعم. ليقف "جلال" يرتدي تيشيرته ببرود شديد جدًا وملامح وجهه الغليظ. يشير بيده إلى الطبيب بأن يرحل.
وقف "كريم" الشاب صاحب الثلاثين عامًا خلفه ببدلته السوداء، يشابك يديه ببعضهم أمامه وينظر بعينيه البنية على "جلال" من الخلف، ويدون لحية ويصفف شعره الأسود للأعلى. تحدث "جلال" بنبرة حادة قائلاً: "عملت إيه؟ مد "كريم" يده إلى رئيسه بالتابلت وكان مفتوحًا على السيرة الذاتية لـ "ليان". تحدث بهدوء:
"ليان فتحي محفوظ، قدّمت 54 يوم وتم التاسعة عشر سنة، طالبة في أولى طب جامعة إسكندرية، معروفة بين صحابها بالشخصية القوية وبتحب المغامرة والتحديات، عنيدة لأقصى درجة وأتُفصلت من مدرسة في الإعدادية بسبب ضربها لمدرس حاول يلمسها وأتُفصلت من مدرسة في تانية ثانوية عشان ضربت زميلتها في المدرسة ورفضت تعتذر من المديرة، وحيدة أبوها معندهاش أخوات، باباها فتحي محفوظ صاحب شركة محفوظ للأدوات المنزلية وفضل 20 سنة مبيخلفش وبعد عشرين سنة جواز ربنا رزقه بـ ليان."
نظر "جلال" إلى صورتها في السيرة الذاتية ثم قال بجدية: "خلي عينيك عليها." أومأ "كريم" بنعم. قال: "أحم، بالنسبة للي حصل... قاطعه "جلال" بنبرة حادة أكثر برودة: "قفل على الموضوع دا ومع شروق الشمس خلى الرجالة تجهز عشان هننزل القاهرة." أومأ إليه بنعم. في القاهرة، عاد الجميع من الخطبة بسعادة. فاستوقفهم "الجارحي" بنبرة قوية: "ديحة!! نظرت "مديحة" وهكذا الجميع إليه. فأقترب منها بهدوء وقال:
"آخر مرة تفكري تقربي من مراتي أو حتى تدخلي في شئونها وأنا موجود على وش الدنيا." تأففت بضيق من تصرفه أمام الجميع. فهل يفكر حفيدها في إهانتها أمام العائلة؟ لتقول بضيق: "أنت سامع نفسك بتقول إيه؟ الظاهر أن اسم ديحة خلاك تنسى مكانك وبتتكلم مع مين؟ تحدث "حمدي" بتعب من طول اليوم قائلًا: "خلاص يا مديحة، ادخلي شقتك." أقترب "الجارحي" منها خطوة وقال بتهديد واضح دون خوف: "آخر مرة يا حجة، هكلم معاكِ باللسان."
"أنت قد اللي بتقوله دا." وضع يديه في جيوبه بغرور وقال بكبرياء: "الزمن علمني أني لما أقول أكون قد القول وجربيني يا ديحة، وغلاوة الحج عندك لتجربيني بس، لأن برضو حاجة اتعلمتها من الحج جوزك لما أعمل أكون قد رد الفعل... وإنتِ عملتي فكوني قد رد فعل الجارحي أبو النور. مراتي خط أحمر." كزت على أسنانها بضيق غاضبة منه. وقفت "قُدس" تشاهد جراءته في تحدي جدته وتهديدها أمام زوجها وابناءها.
يراقب جميع الرجال تهديد الحفيد للجد دون أن يلفظ أي منهم بحرف. أعلن حربه على الجميع لأجلها كما وعدها. جزء من قلبها يتعلق به باستماتة وجزء أخرى منها يحكم عقلها الذي يرفض العودة له وكل ذرة بالمنطق تخبرها بأنه سيعود لقساوته من جديد ولم تدوم رِقته ولطفه معها. كانت تصارع وحدها ما يدور بداخلها والحرب القائمة بين القلب المُسلح بالعشق والعقل المُسلح بالمنطق. تحدث "حمدي" بهدوء قائلاً:
"جارحي، أنا واقف واللي بتكلمها مرات حمدي أبو النور." تبسم "الجارحي" بسخرية وقال بلطف مُصطنع مُستفز: "حقك عليا يا حج، على راسي بس أي اللي يخلي مرات المعلم حمدي أبو النور تجسس عليه وتتصل بالمحامي تسأل على الوصية والأملاك." اتسعت أعين الجميع وهكذا "حمدي" الذي صُدم من تصرف زوجته وهي تبحث عن ماله فقط. مر "الجارحي" من جوارها وقال بهمس: "دي قرصة ودن صغيرة من الممكن أعملها لو قربتي لقُدس."
كادت "مديحة" أن تتحدث بتلعثم خائفة من زوجها الذي يُمقنها بعينيه ثاقبة تملأها الشر والحقد، لكنه لم يسمح لسماع صوتها ودلف إلى شقة "وصيفة" ليدخل الجميع إلى شققهم. صعد "الجارحي" أولًا لكنه لم يسمع خطواتها. فالتف ليرى "قُدس" تسير نحو شقة "وصيفة". فسأل بدهشة: "رايحة فين؟ حدقت به وشعرت بهزيمة قلبها الخائف من تقلبة عليها وما زالت تشعر بالحزن والخذلان من جعلها دمية في يديه. هزمها العقل بأفكاره المُرعبة.
كانت تعلم أن بمجرد دخولها لشقته سيتبدل حاله من جديد معها ويقسو عليها. فقررت أن تهرب منه وتمتمت: "داخلة عشان أنام." قالتها بتعب. ليترجل "الجارحي" الدرجات التي صعدها حتى وصل أمامها مُندهشًا من هجرها. اعتقد أن لطفه وقبلته صباحًا كان نهاية الفراق والهجر بينهما. أم تكفي خطوته في البداية بتقبيلها لمصالحتها وإعلان السلام بينهما لتبدأ حياة جديدة بينهما ويسعدوا معًا بطفلهما. تحدث بدهشة مُتسائلًا عن هروبها منه: "ليه؟
رفعت نظرها نحوه بتوتر وعينيها دامعة تتمنى لو تلقي بجسدها الصغير بين ذراعيه وتختبئ به من قسوة العالم. لكن عقلها الخبيث لا يوافقها على النعيم ودومًا يأخذها إلى الجحيم. فتحدثت ببرود مُصطنع تخفى به حربها القائمة بداخلها بعد أن رمقته بجدية: "أعتقد أن كلامي كان واضح لما قلتلك أني عند أهلي لحد ما تبعتلي ورقتي." يضحك بسخرية من تحولها الغريب. قضم شفته السفلية بغيظ ثم قال بهدوء: "أنا فكرت أنك عقلتي و...
حك لحيته بضيق من عنادها الشديد وقال مُتأففًا من تمردها: "هو مش المفروض أني صالحتك الصبح وقربنا من بعض وضحكك في وشي و... ، إنتِ واعية إنتِ بتعملي إيه يا قُدس؟ أنا مش هتحمل صبيانتك دي كتير." قاطعته وهي تتذكر يومها كاملًا معه وتقول بعنادٍ وتحدٍ:
"فكرت لما تعاملني كويس يوم هعقل وأرجع عن قراري. أنا مش هرجعلك يا جارحي، مش هرجعلك عشان زي ما أنت قلت قبل كده أنا مش مناسبة ليك ولا أنت كمان مناسب ليا. آه، أنا يمكن النهاردة تقبلت اللي في بطني لما شوفته لأن غصب عني أنا أم وقلبي مال لما شوفته وسمعت صوته، لكن متقبلتش وجودك. أنا فكرت كتير وعرفت أنك مش الراجل اللي أنا عايزاه ولا فيك ميزة واحدة مناسبة ليا." شعر بحدتها في الحديث وإهانتها له كرجل بكلماتها القاتلة.
فجذبها من ذراعها بقوة إليه وقال بلهجة مُخيفة مُرعبة: "إنتِ مين اللي صورلك أن يحق ليكِ أنك تقربي من كرامتي ورجولتي؟ أوعي يا قُدس في يوم أو حتى لحظة تنسي أني الجارحي أبو النور. أنا لو بنفذلك طلباتك وبعملك اللي عايزاه دا عشان كرم أخلاق مني مش ضعف، ومتخلقتش الست اللي تلوي ذراعي. عايزة تتطلقي...
عيني زي ما تحبي بس ما بعد ما تولدي ابني ولحد ما تولديه مش عايز ألمح ظلك حتى. مبقاش الجارحي أبو النور إذا ما دفعتك ثمن المساس بكرامتي وتقليلك مني كراجل." دفعها من ذراعها للخلف بغضب سافر وقال بحزم: "غوري يا قُدس." صعد إلى شقته غاضبًا يتوعد لها بالكثير من الإهانات والذل على جرح كرامته. دلتفت إلى شقة "وصيفة" بهدوء شديد والحزن حليفها في هذه الليلة.
في الإسكندرية، تسللت "ليان" من غرفتها في السابعة صباحًا قبل أن يستيقظ والديها. وصلت لباب الشقة وخرجت منها عازمة أمرها على السفر بعناد. ترجلت للأسفل ووجدت سيارة ملاكي بها أصدقائها الأربعة، ولدين وبنتين. صعدت في الخلف مع البنات وانطلقوا جميعًا إلى القاهرة، وخلفهم سيارة رجل "جلال" يراقبها. كان "كريم" يقود السيارة بـ "جلال" الذي يجلس في الخلف يتابع أعماله على جهاز التابلت.
رن هاتفه من قبل الرجل الذي يراقب "ليان" فحدثه "كريم" ثم أغلق الهاتف وقال: "ليان في طريقها للخروج من إسكندرية مع أربع شباب، بنتين وولدين." رفع "جلال" نظره عن التابلت باهتمام وقال: "معقول يكون لها دخل بالهواري؟ خليه وراها." أومأ إليه بنعم وأعطى الأمر للرجل في الهاتف. في السيارة الأخرى، كانت "ليان" تستمع مع أصدقائها في سفرهما إلى القاهرة حتى وصلوا إلى بوابة القاهرة، فتحمس الجميع. [[ عمارة أبو النور ]]
استيقظت "هدير" صباحًا مع أذان الظهر. خرجت من غرفتها ورأت "سنية" تجهز الإفطار مع والدتها "وصيفة" التي تبسمت فور رؤيتها لوجه ابنتها وقالت بلطف: "صباح النور يا عروسة." تبسمت "هدير" بخجل وجلست على الأريكة تقول بهدوء: "خلاص، خليتيني عروسة." تركت "وصيفة" السفرة لـ "سنية" وذهبت نحو ابنتها ثم قالت:
"طبعًا وست العرايس كمان. أنا شفت الدكتور امبارح وعينيه متشالتش من عليكي وبصراحة أنا ارتحت له مع أني متكلمتش معاه بس حسيت بقبول كدة جوايا من ناحيته." ضحكت "هدير" بعفوية على والدتها ثم قالت بملل: "ههههه، برضو اللي قبله كده. صفصف، إنتِ أي رجل تحت بند عريس بترتاحي له والقبول بيبقى مليون المية." حاولت إخفاء خجلها وتوترها من الخطوة التي أقدم عليها "مصطفى". فتحدثت "وصيفة" بعفوية: "يا شيخة، يعني انتِ مش عايزاه؟
أقول للحج إني سألتك وموافقتيش." تنحت "هدير" بأحراج وقالت بتوتر وارتباك: "إيه يا صفصف، مستعجلة ليه؟ ما هناخد وقتنا في التفكير." ضحكت "وصيفة" بعفوية على ابنتها ثم قالت بأريحية: "طب قومي يا أختي صحي قُدس عشان تفطر على ما أشوف أبوكِ خلص ولا لسه." بحثت "هدير" حولها عن والدها وقالت بهدوء: "هو فين؟ التفتت "وصيفة" حولها بخوف أن يسمعها ثم همست إلى ابنتها بقلق شديد قائلة:
"ما نامش طول الليل بعد القنبلة اللي رماها الجارحي قُصادنا، ومن الفجر عمال يتصل بالمحامي وجاله من صباح ربنا وقاعدين في المكتب جوه. ربنا يستر من تفكيره، أنا أول مرة أشوف أبوكِ كده وبالغضب والعصبية دي كلها من يوم ما اتجوزته وكله من وش البومة اللي متجوزها." تنهدت "هدير" بقلق وقالت: "ربنا يستر." فتح باب الغرفة يقاطع حديثهما الهامس. وكانت "قُدس" تركض نحو المرحاض تستفرغ ما بأحشائها وخرجت تتكئ على الحائط بظهرها.
فوقفت "هدير" و"وصيفة" من مكانها وساروا نحوها. فكانت شاحبة جدًا. فسألت "هدير" بقلق: "مالك يا قُدس؟ "تعبانة شوية." قالتها "قُدس" بتعب ودوران رأسها لا يتركها. فمسكت رأسها بتعب وحاولت الاستقامة فتعثرت قدميها. لتمسك "هدير" يدها بقلق وكانت باردة كقطعة من الثلج. فوضعت يدها الأخرى على جبين "قُدس" وكانت باردة جدًا مما جعلها تتحدث بفزع: "يا لهوي، ده إنتِ متلجة يا قُدس، اتصلي يا ماما بالدكتور."
سارت "قُدس" بتعب معها نحو الأريكة مُتمتمة بضعف: "مفيش داعي يا دودو، أنا مش عيانة." رمقتها "هدير" بقلق بينما "وصيفة" تحدق بالصغيرة وقالت بتردد وصوت خافت: "إنتِ حامل؟ نعملك اختبار حمل." "آه." قالتها "قُدس" بتعب وألقت بجسدها على الأريكة نائمة من وجع بطنها الذي يلازمها. لكنها فزعت عندما أطلقت "وصيفة" الزغاريد في الشقة بفرحة تغمرها.
بينما "هدير" نظرت إلى الصغيرة بدهشة ولم تصدق أن فتاة بعمرها تحمل بداخلها جنين وعلى وشك أن تكون أم. طلبت الطلاق ولم تخبرها بأن شيء قد حدث بينهما والآن تفاجئها بالحمل وما زالت هنا غاضبة وتهجر زوجها. خرج "حمدي" على صوت الزغاريد مُندهشًا من وجود الفرحة في بيته ليقول بحدة صارمة: "ما خلصنا يا وصيفة الخطوبة وخلصت." كان في أشد غضبه وعلى وشك هدم المنزل على رؤوس الجميع. لكن أوقفه صوت "وصيفة" التي تقول بحماس وفرحة تغمرها:
"تعالى يا حج شوف عروستنا وبارك لها، قُدس حامل." اتسعت عيني "حمدي" على مصراعيها من هول الصدمة التي وقعت عليه. فتحدث بهدوء وتلاشى غضبه: "طيب روح أنت دلوقت واعمل اللي قلتلك عليه في أسرع وقت." أومأ "المحامي" إليه بنعم وقال بلطف: "عن إذنك يا حج ومبروك، يتربى في عزكم." غادر المحامي. وأقترب "حمدي" بعكازه وخطواته الضعيفة نحو حفيدته الجميلة.
جلس على الأريكة بجوارها فرفعت جسدها بتعب ليمسح على رأسها بحنان رغم الضغط والضيق اللذان يحتلان عقله. تحدثت بلطف ونبرة دافئة: "إنتِ حامل يا قُدس؟ "آه يا جدو." بدأت "وصيفة" نوبة من الزغاريد من جديد لتصرخ بها "حمدي" رافعًا عكازه في وجهها بحزم: "اخرسي، كتم على الموضوع ده." ادهش الجميع من حزمه وإخفائه للأمر. فنظر "حمدي" بهدوء إلى الصغيرة وقال: "مين يعرف إنك حامل؟ "انتوا وجارحي بس." قالتها بقلق. ليقول بحزم شديد موجهًا
حديثه إلى ابنته وزوجته: "إياكِ حد غيركم انتوا الاتنين يعرف ولا يشم خبر عن الموضوع ده، اللي حاول يقتل جارحي لسه متمسكش والعيلة كلها أول ناس محل شك واللي عايز يأذيه مش هيغلب على أذى ابنه." تحدثت "هدير" بقلق مما حدث وقالت: "عندك حق يا بابا وخصوصًا إني شاكة في عماد." تنهد بهدوء شديد ثم قال: "أنا بس أتأكد." رفع رأسه لها بجدية يرمقها بنظرة مُرعبة ويتطاير منها الشر:
"إياكِ يا وصيفة حد يعرف، قُدس هنا في بيتك أمانة عندك وسلامتها هي واللي في بطنها مسئوليتك فاهمة؟ وأي حاجة تعوزها متطلبهاش من حد غير جارحي بما إنه عارف بحملها وجوزها. إياك حد يشك مجرد شك في أنها حامل." هزت "وصيفة" رأسها بنعم وجلست بجوار الصغيرة. ليقترب "حمدي" أكثر ويقبل رأس "قُدس" بلطف وقال بحب: "مبارك يا نني عيني وخلي بالك من نفسك عشان تجيبلنا بنوتة قمر زيك كده." تبسمت "قُدس" بعفوية على دلل جدها لها.
فقاطعهم صوت دقات الباب ودلفت "آسيا" بعد أن كان الباب مفتوح بعد خروج "سنية" وسألت بفضول: "خير يا مرات أبويا الزغاريد دي من عندكم مش كده؟ تنحت "وصيفة" بتوتر وقالت بحماس: "أيوة يا آسيا، باركيلي أختك هدير جالها عريس وأخيرًا وافقت تقعد معاه، الدكتور اللي كان قاعد معانا امبارح على الترابيزة." نظرت "آسيا" إلى أختها بحقد وقالت بضيق: "آآآه وماله، مبروك مقدمًا يا هدير." "الله يبارك فيكِ يا آسيا." قالتها "هدير" بهدوء.
فتحدث "حمدي" بضيق: "باركتي يا آسيا، امشي غورى عند أمك البومة." شعرت "آسيا" بضيق واحراج أكبر من طرد والدها لها ثم قالت: "كده يا أبا، ماشي." "غوري روحي لأمك السودة، ما إنتِ طالعة وارثة السواد منها." قالها بغضب شديد لتخرج "آسيا" من الشقة غاضبة. تبسم "حمدي" بعفوية وقال: "قومي يا قُدس اتسندي عليا ونفطر سوا، أنا عايز الواد يطلع فيه العز." ضحكت عليه ووقفت تتسند عليه رغم ضعف جسده لكنه كان يدللها بحنان. فتحت "ياسمين"
باب غرفة ابنتها وهي تقول: "صحي النوم يا ليان، الفطار... لم تجد ابنتها في الغرفة. فخرجت بذعر تبحث عنها في المرحاض لكن لم تجد أثر لابنتها. مما جعلها تصرخ باسم زوجها: "فتحي... ألحقني يا فتحي، ليان مش موجودة." ترك الهاتف من يده وقال بدهشة: "يعني إيه مش موجودة؟ "قالتها بذعر وقدميها تركض في كل أرجاء الشقة باحثة عن ابنتها والخوف تملك منها وبدأت يديها ترتجف بخوف وكاد قلبها أن يتوقف."
"بقولك مش موجودة، يالهوي لتكون راحت القاهرة بجد." خرج "عمران" من الشركة التي يعمل بها في المهندسين الساعة الرابعة عصرًا. دلف إلى أحد المطاعم مع أصدقائه وطلبوا الغداء. رن هاتفه باسم "ليل" خطيبته الجميلة. فخرج من المطعم يحدثها بعفوية وقال: "خطيبتي القمر." "إيه دا، في إيه؟ قالتها "ليل" مُندهشة من كلمته. ليتابع الحديث بعفوية وقال:
"أصل لحد دلوقتي مش مصدق أنك بقيتي خطيبتي خلاص وأمبارح دبلتي نورت إيديكي. عايز أقولك أني طول اليوم النهاردة مخلعتش دبلتك أبدًا وحاسس بفرحة وهي منورة إيدي." ضحكت "ليل" على حبه وقالت برقة: "لا صدق يا روحي." "بحاول والله أصدق أنك خلاص بقيتي بتاعتي." قالها بحب وهو يضع يده في جيب بنطلونه وينظر في الأمام على المارة بسعادة. تحدثت "ليل" بخجل من كلمته: "لسه يا حبيبي، الكلام ده لما أبقى مراتك رسمي، دلوقتي أنا خطيبتك وبس."
كان يستمع لحديثها بحب وقال بمشاكسة ومرح: "بت، أنا خلاص اعتمدت أنكِ بقيتي مراتي، إحنا في عيلتنا الخطوبة بحكم كتب الكتاب." قهقهت "ليل" على مزاحه وقالت: "ده في شرع مين ده؟ "في شرع قلبي يا نبض قلبي." قالها بدلال يتغزل بمحبوبته. ليُصدم عندما رأى "قُدس" تقف على الجهة الأخرى من الطريق مع شاب في عمرها ويمازحون بعضهم باللمس. فتحدث بدهشة: "قُدس." استعجبت "ليل" من كلمته وقالت بدهشة: "قُدس... مالها؟
خرج شاب وبنتين من المطعم المقابل ليقفوا معهم. فقال "عمران" بضيق من تصرفات الفتاة التي يراها: "بنت خالتك واقفة مع شباب ونازلة ضحك ومرقعة وسط الشارع، هو فين جوزها اللي عاملكم رعب يشكمه." تعجبت "ليل" من حديثه وقالت بغضب: "لا، أنت أكيد بتهزر، قُدس مين اللي بتهزر وتتمرقع مع شباب." لم يبالي بشيء بعد أن خرج صديقه يناديه من أجل الطعام. فأنهى الحديث مع "ليل" وأغلق المكالمة. لكن شعر بشيء يخبره بأن يصورها.
فالتقط صور لها مع الشباب ودلف للداخل. مرت "ليان" مع أصدقائها بسعادة تغمرها في رحلتهما وكانت نسخة طبق الأصل من "قُدس".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!