وصلت "قُدس" إلى المنزل تحمل في يدها حقيبتها لترى "ليل" تقف في الحديقة بغضب شديد تنتظرها بعد ما سمعته من "عمران". ركضت لها بغضب وقالت: -كنتِ فين يا قُدس؟ اندهشت "قُدس" من لهفة "ليل" وانفعالها في الحديث لتقول: -في إيه يا ليل؟ كنت في الجامعة بحاول أقدم ورقي هنا عشان السنة متروحش عليا. -جامعة؟!
قالتها "ليل" بسخرية وهي تنظر حولها بقلق من أن يسمع أحد الحديث. عندما اطمأنت، بدأت الحديث بغضب سافر بعد أن سحبت "قُدس" من ذراعها جانبًا تقول: -متكذبيش عليا يا قُدس، ماشي؟ عمران شافك من ساعة وأنتِ في المهندسين مع شوية شباب وحاجة أخر قرف. اتسعت عيني "قُدس" على مصراعيها بذهول من الحديث، ثم نفضت ذراعها من يد "ليل" غاضبة من اتهامها الذي لا تصدقه وقالت بسخرية:
-خطيبك مين الأعمى دا اللي شافني، ومهندسين إيه وشباب إيه اللي شفتني معاهم؟ بقولك كنت في الجامعة الأمريكية اللي في التحرير، إيه اللي هيوديني المهندسين أنا؟ وبعدين شباب إيه؟ هو أنا أعرف حد هنا؟ ولنفرض أنه شافني من ساعة، هلحق أجي من المهندسين لهنا في ساعة؟ شغلي مخ البهايم اللي في راسك دا. كزت "ليل" على أسنانها بغيظ أكبر من إهانة "قُدس" لخطيبها وحديثها بالسب عليه فقالت: -وإيه اللي هيخلي عمران يكذب يا هانم؟
مصلحته إيه أنه يألف؟ تأففت "قُدس" بملل شديد من هذا الحديث وقالت بعناد أكبر: -بقولك إيه يا ليل؟ حاسبي على كلامك إنتِ والمحروس بتاعك، أنتوا واعيين بتقولوا إيه وكلامكم دا معناه إيه؟ روحي اعملي له نظارة نظر. تأففت "ليل" بضيق من هذا الحديث وتركتها "قُدس" ودلفت إلى العمارة. وقفت أمام الدرج غاضبة وتمتمت بغيظ: -قال مهندسين قال.
كانت تفتح باب الشقة بلا مبالاة وهي لا تعير اهتمامًا كبيرًا للحديث، فهو مجرد كذبة. نزل "عماد" من الأعلى ودُهش عندما رآها تقف وتعطيه ظهرها. وقف بغضب سافر يفكر وشيطانه يستحوذ عليه من الكره والحقد. فكر في دفعها عن الدرج ليتخلص من حملها ويقهر قلب "الجارحي" كما قهر قلبه بسرقة فتاته. اقترب أكثر منها بهدوء ورفع يده خلف ظهرها وقبل أن يفعل، دلفت "ليل" من الباب غاضبة فأنزل يده سريعًا قبل أن يراه أحد.
في الغورية كان "الجارحي" واقفًا مع تاجر قماش يتحدث عن العمل وعقله مُنذ هجرها غاضبًا ولا يحمل كلمة لأحد. طيلة الوقت مُنفعل ويصرخ بعنف في أي شخص دون أن يبالي بالعواقب أو الأذى الذي يسببه لأي. قال بخنق وطريقة مُشمئزة: -يا عم الحاج، الواحد خلقه في مناخيره لوحده مش ناقصك على الصبح. معاك ثمن البضاعة شيلها، ولو معندكش اللي يشيل، أخلي أي عيل من المحل يوصلها لحد باب محلك على رأسي، لكن مفيش فلوس يبقى مفيش بضاعة.
تنحنح الرجل بضيق من إصرار "الجارحي" على كلامه ولا تملك ردًا على عناده وإصراره، فكان صمته أكثر استفزازًا لهذا الثور الهائج. فتحدث بضيق من آفّة الرجل: -شوف هتعمل إيه يا حج وأنا جوه. وتركه ودلف للداخل. كان العمال يتهامسون عن غضبه وحدته اليوم، يصرخ بالجميع لأي سبب مهما كان صغيرًا. قبل أن يصل إلى المكتب أتاه "يزيد" يقول: -معلم جارحي. التفت "الجارحي" إليه بضيق ثم قال: -تعال يا يزيد.
دلفوا للمكتب معًا، فوقف "الجارحي" أمام ركن القهوة يصنع قهوته بنفسه وينفث غضبه بفنجان القهوة، بينما "يزيد" يقول بجدية: -أنا عملت زي ما طلبت، وصلت مدام قُدس على الجامعة واشترينا الملف وقدمنا، بعدين وصلتها للبيت لأنها كانت تعبانة شوية. وطريقنا كان كويس، مفيش أي حاجة من اللي حضرتك توقعتها. تحدث بقلق وهو يسكب القهوة في الفنجان بجدية: -اتأكدت أن محدش كان ماشي وراكم أو بيراقبها؟
-متقلقش يا معلم، وكمان مدام قُدس مكنتش عنيدة النهاردة ولا رفضت وجودي جنبها طول الوقت، كان باين عليها الإرهاق شوية، أعتقد عشان كده معارضتش وجودي. قالها بهدوء. تبسم زوجها بسخرية على كلماته البسيطة ثم تحدث "الجارحي" بخفة قائلًا: -اتعودت على وجود البودي جارد بتاعها، لكن جوزها لأ. لم يسمع "يزيد" تمتمته جيدًا فسأل بلطف: -حضرتك قلت حاجة؟
هز "الجارحي" رأسه بـ "لا". ورغم اطمئنان قلبه من سلامة زوجته، لكن الإرهاق والمرض الذي تحدث عنهما "يزيد" زرعا الخوف بداخله عليها. التفت ليقدم القهوة إلى "يزيد" وجلس على المكتب بهدوء وبدأ يهدأ غضبه، رغم أنها ما زالت عنيدة وتهجره، لكن عقله اطمأن قليلًا والخطر المحاط به لم يهدد صغيرته. فتح "يزيد" الهاتف وقدم صورة لـ "عادل" مع "عماد" وقال:
-اسمه عادل الخواجي. الشق بتاع عماد في الكباريهات والبارات، وتقريبًا تخمين حضرتك صح بنسبة 99% أن عماد اللي طلب منه يضربك بالنار. وده بسبب وجود علاقة معرفة بينه وبين عماد الدين أخوك، لكن غير وجود العلاقة دي، أنا معنديش أي دليل أن عماد الدين هو اللي حضره على الجريمة، بس كمان في نفس الوقت مفيش أي صلة بينه وبينك من قريب أو من بعيد عشان يفكر يأذيك.
نزل الحديث على "الجارحي" كالصاعقة الكهربائية التي ألجمته. ولأخر لحظة كان يتمنى ألا يقف أمام أخيه في حرب مميتة ونهايتها قتل واحد على يد الآخر. ظل يحملق بالصورة كأنه يتمنى أن يكون "يزيد" أغفل عن شيء ليقول: -عرفت ليه محدش كان بيراقب قُدس، عشان الأفعى جوا بيتي. تنحنح "يزيد" بهدوء ومرر أصابعه بين خصلات شعره ثم قال بلطف: -مطلوب مني حاجة؟
هز "الجارحي" رأسه بـ "لا" وعاد بظهره للخلف من الحيرة ثم أشار إلى مساعده بأن يذهب من أمامه. غادر "يزيد" من المكان وترك خلفه هذا الرجل يحاول أن يمكر لأخيه حتى يسترد حقه مقابل كل شيء فعله لأجله. قاطع تفكيره الخبيث رسالة وصلت على هاتفه ليلتقط الهاتف من فوق المكتب. وكانت الرسالة من رقمها المسجل بـ "صغيرتي". دُهش من رسالتها وهي تخلت عن كبريائها قليلًا وأرسلت له. فتح الرسالة بشغف ولهفة رغم القدر الكبير الذي يحمله من الغضب لأجلها. ودُهش أكثر واتسعت عينيه وفمه
من رسالته ومحتواها الصغير: -عايزة أكل فسيخ. ضحك بخفة على طلبها ثم تنحنح بغرور وكتب لها بمكر بارد: -اطلبي من أهلك يجبولك، الغضبانة مبتطلبش من جوزها. كزت "قُدس" على أسنانها بغيظ شديد ثم كتبت بغلاظة أكبر: -بس دي طلبات ابنك وأنت لما خدتني من أهلي مأخدتنيش بأبنك، ابنك ملزوم من كتب. ابتسم بخفة على حديثهم الحاد وترك صورة "عادل" من يده بدون اهتمام ومسك الهاتف بيديه الاثنتين ثم اقترب للأمام بنصفه العلوي متهمًا بالحديث معها.
كتب بجدية صارمة: -صح عندك حق، ابني ملزوم مني بس مش لحد. من كام يوم كان ابنك لوحدك. -مش عايزة من خلقتك حاجة، صحيح رجالة ميتوثقش فيها. أرسلتها بضيق ليبتسم بعفوية عليها وترك الهاتف ثم خرج من مكتبه وهو يخرج محفظته من جيب بنطلونه وينادي بجدية: -عبدالعظيم. جاء رئيس العمال بتعجل من مناداته، فأعطته بعض النقود وقال بحزم: -ابعت أي عيل من عندك يجيب أكلة فسيخ بحاجاتها، بصل وكده، ويكون نضيف ومن مكان كويس.
تبسم "عبدالعظيم" على حديثه بحماس ومد يده يرجع النقود إلى "الجارحي" وقال بلطف مبتسمًا: -أنا مراتي بتعمل فسيخ بيتي محترمة هتأكله وتدعيلي، هكلمها تبعتلي مع الواد ابني أكلة فسيخ وخلي المرة دي علينا يا معلم. مد يده بالنقود من جديد وقال بلطف لأجل زوجته المدللة:
-خليها تظبط الطبق ليمون وبصل وطحينة والحاجات الحلوة دي، وأكل العيش مفيهوش، خلي المرة دي، ده رزق وأنا كده كده كنت هجيب من برا ومكنتش أعرف أن المدام بتعمل، أهم حاجة بالله عليك تنظفه كويس وتخليه، أنا عايزه على الأكل على طول، ومطولش عشان ساعة كده ولا حاجة همشي. أومأ إليه بنعم وذهب من أمامه يتصل بزوجته، بينما عاد "الجارحي" إلى مكتبه. *** ( الإسكندرية ) كانت "ياسمين" على وشك الانفجار من الغضب بسبب هروب ابنتها، وهكذا "فتحي"
ليقول: -أنا السبب، هي عنيدة، مكنش لازم أعاندها أكتر، كان لازم أروح معاها ونعدي اليوم. -ليان لو ضاعت مني هتبقى أنت السبب. قالتها "ياسمين" بضيق من هروب ابنتها وخوفها من خسارتها. خرجت من الغرفة تحاول الاتصال بابنتها لكن الهاتف كان مغلق. وهذه الفتاة المتمردة لا تهتم لشيء سوى سعادتها وفعل ما تريد. تنهدت "ياسمين" بقلق شديد وقالت:
-يارب أسترها معايا يا رب، ورجعلي بنتي بحق حبيبك المصطفى يا رب، أنا ماليش غيرها، متعاقبنيش على اللي فات فيها ولا بيها. أتاها صوت زوجها بنبرة خافتة يقول: -وهيعاقبك فيها ليه يا ياسمين؟ إحنا مسرقناش ليان من أهلها، ليان أهلها ماتوا وأنتوا شفتوا شهادة وفاة أمها بنفسك. إحنا ربنا هيجزينا خير على اللي عملناه معاها، ربيناها وكبرناها عروسة محترمة ودكتورة وعلمناها، عاملناها بما يرضي الله. التفت زوجته إليه وقالت بخوف
من الماضي وأبوابه المغلقة: -كذبة كذبناها وصدقناها يا حج. تركته ودلفت إلى غرفتها هاربة من الحديث ليتأفف بضيق من هذا الشيء. *** جلست "ليل" مع "عمران" في حديقة المنزل تتحدث، كانت عابسة منذ أن جاء إلى المنزل فسأل بضيق: -طب ممكن أفهم التكشيرة دي لازمتها إيه؟ تحدثت "ليل" بعنف غاضبة تقول: -أنت متأكد إنك شفت قُدس النهاردة يا عمران؟ أومأ إليها بنعم وقال بملل شديد:
-يعني إنتِ قاعدة مكشرة في وشي من ساعة ما جيت وضاربة بوز عشان كده. تنحنحت بخفوت ثم قالت بحدة: -أيوة، لأني مصدقتش وكلمت قُدس لما رجعت واتخانقت معاها وهي قالت أنها مرحتش المهندسين خالص النهاردة. ضحك "عمران" بتهكم وحك لحيته بلطف ثم نظر إلى خطيبته الجميلة وقال بسخرية: -حبيبتي يا روح قلبي، إنتِ فاكرة أنها هتقولك آه روحت ووقفت مع شباب عادي وهي متجوزة؟ دي مصيبة ولو كان جوزها راجل ودمه حامي هيبقى فيها قطع رقبة.
نظرت "ليل" إلى "عمران" بشك من طريقته. عقدت ذراعيها أمام صدرها بغرور ثم تحدثت بنبرة أكثر حدة وثقة: -بس قُدس مكنتش بتكذب، أنا عارفاها كويس، دي كانت بتتكلم بثقة جدًا ومش خايفة ولا حتى توترت لما قلتلها. ضحك بسخرية وأخرج هاتفه من جيبه وفتحه على صورة "ليان" وهي تعانق صديقها وقال بسخرية: -ودي مين؟ أمي يا ليل؟ ما هي قُدس أهو وحاضنة الواد.
نظرت "ليل" إلى الصورة لتُصدم مما تراه. وكانت "ليان" نسخة طبق الأصل من "قُدس" حتى نفس تفاصيل الجسد الضعيف، لم يكن بينهما فارق واحد حتى يظهر الحق من الباطل. تنحنحت بفزع وهي تبتلع لعابها ثم هتفت بتلعثم من هول الصدمة: -قُدس... لم تكمل حديثها ليقاطع صدمتها يد تسحب الهاتف من يدها بقوة. وحين رفعت رأسها صدمت بـ "هادي" لتقف بفزع قائلة: -خالي.
حملق بالصورة واشتعلت نيران الغضب بداخله واحمرت عيناه من الغضب الذي يتطاير من وجهه ورأسه التي أوشكت على الانفجار من رؤية تصرف طفلته. أخذ الهاتف وأسرع للداخل لتركض "ليل" وراءه وهي تقول: -يا خالي استنى. بسط طرق باب الشقة لتفتح "هدير" بفزع من طريقته في الطرق الذي أرعب كل من بداخل الشقة وخرجت "وصيفة" من غرفتها على صوت الدق على الباب. تحدث بلهجة قوية مرعبة: -هي فين؟
خرجت "قُدس" من غرفتها مرتدية فستانًا قطنيًا باللون الوردي قصير يصل لركبتيها وشعرها مرفوع للأعلى على شكل كعكة. رآها تخرج هي الأخرى من طريقة الدق بلهفة فأسرع نحوها، و"هدير" تسأل بقلق من حالة الغضب التي وصل إليها أخاها: -في إيه يا هادي؟ وصل أمام طفلته وبمجرد وصوله نزلت لطمة قوية على وجهها من يده الكبيرة كادت أن تسقط الصغيرة أرضًا ليفزع الجميع. وشهقت "وصيفة" بقوة مما تراه. تحدث بقوة: -أطلق، والنبي طلقني...
عايزة تطلقي عشان تمشي على حل شعرك يا فـا جــرة. هرعت "هدير" إلى أخاها ووقفت بالمنتصف بينه وبين "قُدس" التي سقطت دموعها من قوة لطمته والألم الذي شل خلايا وجهها. كانت في حالة من الذهول وتجهل تمامًا سبب ضربها وغضب والدها منها. تحدثت "هدير" بغضب وهي تدافع عن صغيرتها: -إيه ده؟ أنت اتجننت يا هادي؟ بتضربها ليه؟ عملت إيه؟ وإزاي تمد إيدك عليها؟ اقتربت "وصيفة" منهما وقالت بحدة صارمة: -إياك تمد إيدك عليها تاني، إنت فاهم؟
مد يده بغضب يأكل عقله وصدره ليسحب من شعرها لتصرخ بألم. سحبها بقوة من خلف "هدير" نحوه لتتألم وهي تصرخ بفزع قائلة: -أنا عملت إيه يا بابا؟ اااااه أنت بتوجعني. -عملت إيه؟ بصي شوفي عملتي إيه؟ وأطلق وأعيش معاه ليه؟ قالها بقوة وهو يضع الهاتف بيده الأخرى أمام عينيها. فنظرت إلى الصورة واتسعت عينيها الباكية على مصراعيها وهي ترى نفسها في صورة مع شاب لا تعرفه وهي واثقة أنها لم تراه من قبل، فكيف جاءت إلى حضنه هكذا؟
فاقت من صدمتها على صفعة قوة نزلت على وجهها جعلت وجنتها تزرق من القوة ونزفت أنفها. انسدل شعرها من سحبه لها وأصبحت الصغيرة في حالة فوضوية لتقول "هدير" بهدوء: -طب اهدئي بس وبطل ضرب فيها، بنتك حامل وممكن يجرالها حاجة هي واللي في بطنها، خلينا نسمع منه. لم يبالِ بخبر حملها ومن جديد لطم وجهها بقوة وسط صرخاتها. ثم مسك "قُدس" من شعرها بقوة يجذبها نحوه من الغضب الذي تملكه ليقول: -أخرتها كده، ده آخر دلالي فيكِ يا قُدس.
كانت تشهق بقوة وهي لا تصدق ما تسمعه وخصوصًا التهمة التي سقطت على كاهلها وهي لا تعرف عنها شيئًا. كانت تنتفض بقوة من الصدمة وكم الضرب المبرح الذي نالته الآن فتمتمت بخوف أكبر مما يحدث: -والله ما عملت حاجة، أنت إزاي تصدق أني أعمل كده أصلاً؟ والله ما أنا. جذبها بقوة من شعرها لتصرخ بوجع من شدته وكاد أن ينزع خصلات شعرها في يده. تحدث بلهجة مرعبة: -والصور دي، ها؟ والحمار اللي مرمية في حضنه ها؟ صور أمي دي؟
لم تفهم شيئًا وكيف تبرر موقفها وتنفى الذنب عنها وهي بالفعل في الصور. انهال عليها بالضرب كالمجنون وهي أخذت شرفها إلى الوحل. اقترب "هدير" و"وصيفة" منه محاولين إنقاذ الصغيرة من قبضتيه المرعبة وهو الآن يسعى لقتلها فقط. هربت منه مستغلة الفرصة لنجاة نفسها من الموت. خرجت من الشقة ترتجف والدموع تسيل على وجهها بغزارة. وجهها أحمر كالدم من كثرة الضرب التي تعرضت له وشفتيها جُرحت. نزلت الدرجات الأمامية للعمارة لتصطدم بـ "الجارحي" يدخل مع جده. صُدم من شكل زوجته وأثر الضرب على وجهها ودماء شفتيها وأنفها. حدقت به بضعف وخوف
تملك منها لتقول بتمتمة: -جارحـــ... لم تكمل اسمه لتسقط بين ذراعيه فاقدة للوعي. فتشبث بها بفزع ولا يعرف ماذا حدث ومن أوصل زوجته لهذه الحالة وتجرأ على لمس فتاته الصغيرة. فتحدث بضعف وهو يحملها على ذراعيه: -قُدسي... *** ( مخزن الصحراوي )
وصل "جلال" على المخزن ليفتح العامل الباب الحديدي الكبير فدلف بالسيارة إلى الداخل ثم ترجل "كريم" من مقعد السائق ثم التف ليفتح الباب الخلفي للسيارة وترجل منها "جلال" يرتدي بدلته الزرقاء، فهندم سترته وأغلق الزر ثم نظر إلى الأمام. وكانوا رجاله يملؤا المكان في كل زاوية هناك رجل معلق من قدميه في الحبل والدماء تملأ وجهه ورأسه. اقترب "جلال" منه فأشار "كريم" إلى الرجال لينزلوا الرجال. لبوا أمره فنظر "جلال" إلى الرجل وقال:
-بركة أن لسه فيك الروح. بدأ الرجل يسعل وقال بتلعثم وصوت مبحوح: -مياه... عايز مياه. تجاهل "جلال" طلبه وجلس على المقعد الموجود ووضع قدم على الأخرى ثم سأله ببرود مخيف يقشعر البدن: -أنت عارف أنا مين؟ أكمل الرجل سعاله بتعب شديد يظهر في ملامحه ليقول "جلال" بجحود: -ما دام اتجرأت ورفعت سكين عليّا وغدرت بيا يبقى تعرف أنا مين؟ -جلال الصياد.
قالها الرجل بتعب واضح في ملامحه والرجال يمسكوه من ملابسه وذراعيه. فرمقه "جلال" وهو يضع السيجارة في فمه وأشعلها بقداحته الذهبية، ثم أنفث دخانه يرعبه أكثر وهتف بحدة مرعبة:
-جلال الصياد صاحب شركة الصياد للحراسة ده اللي قدام الحكومة، لكن في الواقع أنا رئيس أكبر عصابة في البلد والبلدان اللي حواليا. الصياد ده مش لقب العائلة لأن معنديش عائلة، الصياد ده لقب الوظيفة. عارف ليه اخترت الصياد لأني بتأنى أوي في اختيار فريستي وبصبر عليها أوي أوي، بس لما بتقع في إيدي بتبقى نهايتها، ملهاش نجاة من إيدي تاني. تنحنح الرجل بتعب سافر وجلس على ركبتيه يزحف إلى قدم "جلال" وتشبث بها بقوة ثم قال بترجي:
-والله حرمت يا بيه، اطلب اللي عايزه، هم اللي هددوني بمراتي وعيالي، أنا كنت مضطر عشان أنقذ عيالي ومراتي. أنفث "جلال" دخان سيجارته في وجه الرجل ببرود ثم قال: -بس أنا مكنتش مضطر، أنا كنت مستمتع. نظر الرجل إلى وجه "جلال" المخيف وأبتلع لعابه بتوتر ثم قال: -يعني إيه؟ -كريم، طمنوا على مراته وعياله. تحدث "كريم" بنبرة باردة جدًا وعينيه تحدق بالرجل قائلًا: -لا، الحمد لله سالمين، كل واحد فيهم قطعة واحدة. -روحوا لمراته وعياله.
قالها "جلال" وهو يقف من مكانه وقال بهدوء يكاد يقشعر البدن: -دي مجرد قرصة ودن عشان تكون عبرة للي يصوره عقله أنه يقدر يظهر عادي كده قصاد الصياد.
غادر المكان ليطلق الرجال سراح الرجل الذي فر هاربًا بإعجوبة لا يصدقها عقله. رغم تعبه ومرضه ركض في الطريق ليعود إلى منزله ودلف وكان المنزل هادئًا جدًا ومرتب. بحث عن زوجته وأولاده الثلاثة ليُصدم بفزع عندما رأى زوجته الحامل في الشهر التاسع وعلى وشك الولادة مذبوحة في الأرض وقد نحر عنقها وأخذ جنينها من أحشائها ووضع في صدرها بعد أن أخرجوه هؤلاء المجرمون من رحم أمه وأطفاله الاثنين جثث هامدة بجوار والدتهم ليصرخ بذعر من هول
المنظر المرعب الذي يراه. وركض يبحث عن طفله الثالث فوجده مع رجل ملثم ويضع السكين على عنقه وفي أقل من ثواني نحر عنقه. وقف الرجل من مكانه وقبل أن يتحرك نحو الملثم أخذ رصاصة في رأسه فسقط قتيلًا بجوار عائلته. وكان هذا تهديد "جلال" له. غادر الرجل من المكان وأرسل رسالة إلى "جلال"
تحتوي على كلمات بسيطة: -تم المهمة نظيفة بدون أدلة. تبسم "جلال" بمكر شديد وهو يجلس في سيارته التي وصلت إلى فيلا في مدينتي ولا يبالي بشيء من قذارة أفعاله ودون أن ترجف له عينه من بشاعة ما فعله. لطالما كان يصفوا الجميع بـ رجل بلا قلب لا يعرف الرحمة لطفل أو امرأة، يقهر دون أن يبالي. *** ( عمارة أبو النور ) خرج الطبيب من غرفتها بعد أن فحصها وقال بلطف: -دي الأدوية اللي هتمشي عليها.
أومأت "هدير" بـ "نعم" ليغادر الطبيب بهدوء. نظر "الجارحي" إلى الصور الموجودة في الهاتف بهدوء ليتحدث "عمران" بنبرة خافتة قائلًا: -أنا مكنش قصدي حاجة بس... لم يكمل كلمته فقاطعه لكمة قوية على وجهه أسقطه "الجارحي" على الأريكة من قوته بسبب غضبه وما تعرضت له زوجته في غيابه بسبب هذا الأحمق. فزع الجميع وكان "هادي" جالسًا بجوار "وصيفة" و"حمدي" ليتحدث "الجارحي" بنبرة قوية غاضبة: -مين اللي طلب منك تصورها، أو حتى تتكلم عنها؟
-بدل ما تعاقبه هو، روح عاقب السنيورة اللي... كان يتحدث "هادي" بغلاظة وصوت خشن ليقاطعه "الجارحي" بنبرة حادة: -عمي، أنا مراتي أشرف من الشرف ومحدش يجرؤ أنه يتكلم عنها كلمة واحدة. وبصريح العبارة أحمد ربنا أوي أنك عمي وأبوها لأن اللي حايشني عنك إنك أبوها، لكن حتى لو كنت أبوها ميحقلكش أبدًا ترفع إيدك عليها، بنتك على ذمتي وأنا ولي أمرها دلوقتي. ضحك "هادي" بسخرية وقال: -وإيه كمان يا سبع الرجالة؟
ألقى بالهاتف في وجه "عمران" غاضبًا ثم قال بغضب مرعب: -امشي غور اطلع بره وأنا عايز أسمع أنك جبت سيرة مراتي على لسانك مرة تاني وساعتها هقطعلك لسانك. غادر "عمران" من الشقة مرعوبًا من "الجارحي". ففتح باب الغرفة وخرجت "قُدس" منها مُنهكة من التعب وجسدها لا يقوى على حملها من الصباح وهي مريضة وبعد الضرب المبرح الذي تعرضت له زاد إرهاقها وتعبها. تحدثت بنبرة مبحوحة وخوف من والدها: -أنا معملتش حاجة يا بابا، والله ما عــ...
قاطعها "الجارحي" بنبرة حادة صارمة حادقٍ في وجهها يقول: -إنتِ بتبرري لمين وليه؟ اسمعوا كلكم أنا مراتي أشرف من أتخن واحدة على ضهر الكون واللي بيفكر في الموت بس هو اللي يحاول يجيب سيرتي. مراتي ليها راجل اسمه الجارحي أبو النور، وأقفلوا الموضوع ده. اقترب منها ونظر في عينيها الباكية وترتجف بحزن خائفة. تنهد بهدوء يلومها على هجره والبُعد عنه. انحنى ليحملها على ذراعيه برفق فتشبثت بعنقه بضعف والآن أمانها معه وحده. أوقفه "هادي"
بغضب وهو يقول: -أنت واخدها على فين؟ قُدس مش هتتحرك من هنا غير لما أفهم إيه القرف اللي شوفته ده؟ تأفف "الجارحي" بغضب وقال بضيق: -يا عمي بقولك مش مراتي، عايز تفهم إيه؟ إيه مسمعتش عن مصايب النت والتكنولوجيا في الزمن ده؟ تنهد "هادي" بضيق ثم قال بنبرة خافتة: -طب أنا هعمل نفسي مصدقك ومش هي؟ مين بقى اللي هيركب صور للمدام ولا عمران مصلحته إيه في أنه يركب صور زي دي؟
نظر "الجارحي" إلى وجه زوجته المتورم من الضرب وشعر بغصة قوية بداخله مما عانت "قُدس" به. لا يحمل رؤيتها تتوجع بهذا القدر فقال بضيق: -دي بس بتاعتي أنا، أنا هعرف مين اللي عملها ومصلحته وهدفعه التمن من دمه عشان ده شرفي وعرضي... عن إذنك بقى عشان مراتي تعبانة. صعد بها إلى شقته وكان هادئًا. وضعها بالفراش برفق ووضع الغطاء عليها فتحدثت بصعوبة من الألم الذي تشعر به في وجهها المتورم قائلة: -أنت مصدقني؟ -أكيد.
قالها ببرود دون أن ينظر لها ثم التفت لكي يغادر الغرفة وقال مستديرًا: -متنسيش دوائكِ وابقي كُلي عشان صحتك. غادر الغرفة وصعدت "سنية" له بالأكل الذي وصل مع ابن "عبدالعظيم" وضعه على السفرة ثم دلف إلى الشرفة واتصل بـ "يزيد" فسأل بهدوء: -أنت قلت قُدس كانت معاك النهاردة طول اليوم؟ -آه يا معلم. تنهد تنهيدة مُعبأة بالحيرة والتوتر ثم قال:
-هبعتلك عنوان في المهندسين، في واحد متخلف بيقول أنه شاف قُدس النهاردة الساعة 3 في هناك، عايزك تتأكد من كاميرات المراقبة. تعجب "يزيد" من هذا الحديث وأجاب بثقة من كلماته: -اتأكد من كاميرات مراقبة إيه؟ الساعة 3 أنا كنت على باب الجامعة مع مدام قُدس واتحركنا الساعة 3 ونص تقريبًا بعد ما طلبت العصير على البيت على طول، هأتأكد من إيه وهي كانت معايا وقتها، إزاي هتكون في المهندسين في نفس الوقت؟ أومأ "الجارحي" بـ "نعم" ثم قال
بجدية وهناك شيء لا يفهمه: -أنا عارف بس مش فاهم إيه اللي يخلي عمران يقول كلام زي ده ويصور فعايز أعرف المكر اللي مخطط له تجاه قُدس عشان أقدر أحميها. أومأ "يزيد" له بـ "نعم" ثم أنهى الاتصال تمامًا ودلف إلى الداخل ليرى الطعام كما هو فتنهد بهدوء ودلف إلى المطبخ يجهز الطعام ووضع الأطباق على الصينية لأجل صغيرته وأخذه لأجلها فولج إلى غرفتها ليُصدم عندما رأى "قُدس" تقف على حافة الشرفة وتحاول إنهاء حياتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!