الفصل 20 | من 27 فصل

رواية حرب سقطت راءها الفصل العشرون 20 - بقلم نورا عبد العزيز

المشاهدات
23
كلمة
4,638
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

وقف أمام سيارته يحملق في صندوقها بتوتر، خائفًا من معرفة القاتل؟ فتح صندوق السيارة وصُدم عندما رأى ما لم يتوقعه أبدًا. كانت امرأة مكمم فمها ومقيدة يديها خلف ظهرها وقدميها. فظل يحملق بها بصدمة وذهول تام، لا يُصدق أن سيدة بمنتصف الخمسينات هي من فعلت بزوجته مدللتها هذا الشيء.

رفع اللاصقة عن فمها لتصرخ بألم، فأقترب بحدة غاضبًا. أتلت إليه الأمور مع زوجته وفقد طفله لم يكفيهم، بل حاولوا قتلها بالسم داخل المستشفى. سأل بحدة كالسيف وعيناه كالصقر الذي على وشك التهامه السيدة: -ليه؟ مين اللي حرضك على قتل مراتي وابني؟ كانت المرأة ترتجف من الخوف بعد التعذيب الذي تعرضت له من رجال "جلال"، وخنقها مقيدة داخل صندوق سيارة. رأت الرعب في الأرض وكانت أنفاسها تُعد عليها، فتمتمت بضعف: -أنا...

صرخ بجنون وصوته هز جدران المرأب ويتكرر كثير من قوته: -ميـــــــــــــــــــــن؟ -أبوس أيدك يا بيه أرحمني، والله ما عملت حاجة. مسكها من عباءتها بغضب شديد ثم قال بتهديد صريح:

-متخلنيش أرتكب فيكي جناية، أنا كله كوم واللي يقرب لمراتي كوم تاني خالص. لا شرع ولا دين ولا قانون بيقول إنكم تقتلوا روح لسه بتتخلق في بطن أمه. لا شرع ولا دين ولا قانون يا كفار يا ولاد الكلب بيقول إنكم تسمموا مراتي عشان تقتلوا بعد ما نجت بأعجوبة من رب الكون في سقوطها. عيلة لسه مكملتش عشرين سنة في عز شبابها تخلوها تعيش في جحيم ورعب وتشوف الموت كل يوم بسببكم. أنا كمان معاكم، مش هعرف شرع ولا قانون وحق مراتي هاخده من كبدكم. مين...

مين اللي حرضك تقتلي مراتي وتأذيها ها؟ ابتلعت السيدة لعابها بخوف من نظراته المرعبة. وكل ما رأته مع رجال "جلال" شيء، وما تراه في عيون هذا الأسد الجريح شيء آخر من الرعب. جعل الدم تتجلط في عروقها وتشل أطرافها من الذعر، فتمتمت بذعر:

-واحد جالنا البلد في المولد وخدني أنا واتنين ستات من الغجر معاه. وأدينا صورة للبنت اللي سقطناها وقال إنها أخته وحملت في الحرام. واللي عمل كده هرب وهو عايز يخلص من العيل ده عشان أخته تعرف تعيش. ودفع لكل واحدة فينا 5000 جنيه. دمعت عيناه من القهرة وحسرته على خسارة الطفل الذي سيربطه بصغيرته. وبه كان سيجبرها بالعيش معه لشهور حتى تعرف كم يحبها وتقرر البقاء معه برغبتها. تنهدت بحسرة وقال بألم يمزق نبرته:

-ابن الجارحي أبو النور يساوي 30000 جنيه يا عالم نجسة. هو مين؟ اسمه إيه اللي عملها؟ شكله إيه؟ أخرج هاتفه كالمجنون على صورة "عماد الدين" وسأل بخوف: -هو ده؟ هزت رأسها بلا وهي تنظر إلى الصورة بثقة. أعطاها صورة "عادل" شريك أخاه في محاولة قتله لتهز رأسها من جديد بلا. وجعلت الحيرة تسير في عقله وتسيطر عليه، فقالت بخوف: -اسمه عمـــــــــ...

لم تكمل اسم "عمران" حين قاطعها دراجة نارية مرت من جوارهم كالصاروخ، ونحرت عنق السيدة بالسكين من سائقها. اتسعت عينا "الجارحي" على مصراعيها من هول الصدمة التي وقعت عليه الآن ووجهه الذي لوث بالدماء من السيدة وقميصه. ليفوق من شروده سريعًا وركض خلف الدراجة بسرعة جنونية، فحتماً هذا هو القاتل الخفي الذي يحوم حوله. أخرج هاتفه وهو يركض وراء الدراجة وأتصل على "جلال" صاحب المبنى، فصرخ بجنون فور استقبال الاتصال:

-القاتل في الشركة، أقفل بوابة الجراج. كان يلهث كالمجنون من الركض. فهم "جلال" بسرعة يضغط على زر الطوارئ وأغلق جميع الأبواب، لكن السائق كان محترف ليعبر البوابة الحديدية في الثانية الأخيرة قبل أن تُغلق. فسقط "الجارحي" على الأرض يلهث بشدة من قوة الركض. عاد لسيارته وكان "جلال" وصل مع "كريم" ورجاله، فأخرج السيدة من السيارة بغضب يجتاحه من هروب القاتل منه وقال بضيق: -الجثة دي تلزمك أنت.

أخذ سيارته وذهب إلى مغسلة السيارة وأدخل سيارته للغسيل. وهو بداخلها يفكر في آخر حروف لفظت بها السيدة "عمـــ". إذا كان "عماد" فكيف لم تتعرف على صورته وأكدت أنه ليس القاتل. ظل يعتصر عقله وذكرياته في التفكير داخل أعماق الماضي، ربما يحصل على شيء. ظل هكذا حتى أنتهت جولة غسيل السيارة وانطلق للمستشفى حيث محبوبته. ***

خرجت "ليل" من المصعد في المستشفى متجهة إلى غرفة "قُدس" لترى "يزيد" جالسًا أمام بابها يحرسها بنفسه بعد محاولة التسمم التي تعرضت لها. وقفت أمام باب غرفة "قُدس" ومسكت مقبض الباب ليوقفها "يزيد" وهو يقف أمامها يمنع طريقها من الدخول وقال: -آسف يا آنسة ليل، المعلم جارحي مانع أي زيارة لمدام قُدس حتى لو كنتِ أنتِ. اتسعت عينا "ليل" على مصراعيها من هول الدهشة التي أصابتها، و"الجارحي" يمنعها من رؤية صديقة طفولتها وتؤام عمرها.

تمتمت بسخرية قائلة: -أنت شارب حاجة على المسا يا يزيد؟ -أنا ليل. -شارب سيجارة. قالها بسخرية مقابل سخريتها ورفع حاجبه بتهكم أكثر وقال بجدية: -ممنوع!! كزت على أسنانها بغيظ شديد حتى سمع صوت صرير الأسنان من مكانه، فقال بخفوت: -إنتِ كويسة؟ تبدلت تعابير وجهها من الصدمة لدهشة أكبر من سؤاله. ولأول مرة يتجرأ على سؤالها عن حالها بجراءة هكذا، فأبتلعت لعابها بارتباك شديد وقالت بحدة: -وإنت مالك؟

حادة غريبة والله، هتأخد وتدي معايا كمان. سمعت "قُدس" حديثهما من الخارج وخصوصًا صوت "ليل" العالي، فتحركت من مكانها بصعوبة تغادر الفراش وهي تتكأ على الحائط حتى وصلت للباب وفتحته وهي تسمع جملة "يزيد" يقول: -متأسف لو تخطيت حدودي يا آنسة، وكمان متأسف لأن تعليمات المعلم الجارحي مش هخالفها. -ليل!!

قالتها "قُدس" بهدوء. فنظرت "ليل" لها بحزن وهي قد ابتعدت كثيراً بعد خطبتها على "عمران" والمشاكل التي ارتكبها في حق "قُدس". اقتربت "ليل" خطوة منها وقالت بعبوس ونبرة دافئة: -أنا جيت أطمن عليكي يا قُدس، كمان وحشتيني أوي ومحتاجة لكِ. تنهدت "قُدس" بتعب متجاهلة كل الضغوطات والتفكير الآن، فقالت بهدوء: -وديني لليان؟ أنا عايزة أشوف أختي.

هز "يزيد" رأسه بنعم. وأخذت "ليل" يد "قُدس" وساروا في الرواق معا حتى وصلوا لنهايته حيث غرفة "ليان". فتح "يزيد" الباب ودلفوا. وكان "هادي" بالداخل مع "فتحي" و"ياسمين". رأى صغيرته تتحرك، فأسرع نحوه يأخذها بقلق قائلًا: -أي اللي قومك بس يا قُدس؟ تحملت على كتف والدها حتى وصلت إلى أختها. نظر الاثنتين لبعضهما وتبسمت "قُدس" بلطف ثم قالت: -إنتِ كويسة؟

أومأت إليها بنعم وسألت "ليان" بقلق على الصغيرة وهي تبدو أضعف بكثير منها بوجهها الشاحب وضعف قدميها اللتين ترتجفان من حركتها. ورغم ذلك تحملت لتأتي لأختها: -إنتِ شكلك تعبانة أوي؟ اقعدي. تبسمت "قُدس" بعفوية رغم المرض الظاهر عليها وقالت: -لا، أنا كويسة متقلقيش عليا خالص. دلف "الجارحي" ومعه "هدير" يقول بقلق: -إنتِ إي اللي قومك من مكانك؟ نظر الجميع على لهفته على صغيرته وقالت: -أنا كويسة أوي متقلقش.

اقترب منها بجنون مترعباً من حركتها وحملها على ذراعيه، لكن استوقفته "هدير" وهي تقول: -خليها يا جارحي، خلينا نحتفل بعيد ميلادها هي وأختها مع بعض. فتحت علبة الكعك التي جلبتها معها بمناسبة عيد ميلاد الفتيات، ووضعت بها شمعتين لهما وبدأ الجميع يغنون معاً أغنية عيد الميلاد. نظر "ليان" لهما بفضول من هذه العائلة ظهرت لها من العدم والآن تشاركهم تفاصيل حياتها. بارك الجميع لهم عامهم الجديد.

أخرج "هادي" من جيبه علبة قطيفة وردية اللون مستطيلة وفتحها كان بها قلادتين على شكل قلب مقسومة لنصفين بكل قلادة نصف وأعطى الجزء الأول لـ "قُدس" والأخر لـ "ليان" وقال بحنان ودفء: -كل سنة وأنتوا طيبين يا حبايب قلبي والعمر كله ليكم. -عقبال مليون سنة يا قُدس أنتِ وليان.

قالتها "هدير" وهي تقدم هديتها للفتاتان وكانت عبارة عن دفتر وردي وقلم مصنوع من الذهب به ريشة من الأعلى بشكل ناعم. تبسمت "قُدس" على جمال الهدية وبارك "فتحي" لـ "ليان" وقدم لها مفتاح سيارة من ماركة كيا كهدية لعيد ميلادها مما جعلها تبتسم برقة. تحدث بنبرة هادئة: -كل سنة وإنتِ طيبة وبخير وبصحة يا حبيبة قلبي. -وحضرتك طيب يا بابا.

قالتها "ليان" بهدوء وبسمة تنير وجهها وسعادة تغمرها من عيد ميلادها الأول مع هذه العائلة واهتمامهم بها كـ "قُدس" تماماً. *** تبسم "عماد الدين" وهو يقف أمام باقة من الزهور الحمراء بسعادة. فجاءت له الموظفة فأشار على فترينة المجوهرات وقال بحماس: -عايز العقد ده لو سمحتي. تبسمت الموظفة بدورها وقالت برحب: -تحت أمرك يا فندم.

أخرجت العقد له ووضعت في علبة قطيفة مربعة زرقاء اللون ودفع ثمنه نقداً بعد أن جمد "الجارحي" أرصدتهم جميعاً. أخذه وغادر المكان ليذهب إلى المستشفى حيث "ليان". وصل إلى غرفتها وكانت الساعة الواحدة صباحاً ليُصدم عندما وجد الغرفة فارغة. فسأل الممرضة بقلق: -لو سمحتي هي آنسة ليان فين؟ أجابته الممرضة بدهشة: -هي مش في أوضتها؟ تحدثت الأخرى صديقتها قائلة:

-لسه خارجة من شوية ومشيت في اتجاه الأسانسير مع واحد، الراجل اللي كان معاهم طول العملية وهدد بسلاح الدكتور. أومأ "عماد الدين" بنعم وقد فهم أن أحداً غيره سبقه ليغادر المكان.

وصلت "ليان" للسطح مع "كريم" وتركها على بابه وحدها لتسير في الداخل باحثة عن "جلال" لتُصدم عندما رأته يجلس على الأريكة الخشبية الموجودة وحوله ورود مزينة الأرضية وطاولة عليها شموع وكعكة عيد الميلاد. اقتربت أكثر منه لتُصدم من هذا المشهد الرومانسي وتُتمتم بعفوية: -أي كل دا؟ أخذ يدها بحنان ليساعدها في السير وأقتربت نحوه حتى وصلت للطاولة وكانت مزينة بطريقة رومانسية ناعمة. أحضر صندوق كبير كان موجود على المقعد

ووضعه فوق الطاولة وقال: -كل سنة وإنتِ طيبة وبخير ومعايا. رفعت رأسها بسرعة من كلمته الأخيرة وحدقت بوجهه بدهشة كبيرة وعيناها ترمش بسرعة أكثر من الدهشة. رفع يده إلى وجهها الجميل ووضع يده على وجنتيها الناعمة يحتضنها بإعجاب شديد واضح. نظرت له بارتباك أكثر وعيناهما تحترق من نيران قلوبهما التي نشبت بداخلهما في هذه الوهلة. تحدث "جلال" بنبرة خافتة هامساً إلى طبيبته الجميلة: -أنا بحبك يا ليان.

ظلت تحملق به مصدومة من جملته ليكمل مفاجأته دون سابق إنذار حين أقترب أكثر يتذوق شفتيها الباردة ويديه تسلل لخصرها النحيلة وهي تحت تأثير الصدمة ولا تصدق أن رجلاً عصابات مثله يقتل بدم بارد يعرف شيئاً عن الحب ووقع بغرامها.

على الجهة الأخرى، سقطت باقة الورود من يد "عماد الدين" على الأرض من هول الصدمة التي أصابته حين رأى رجلاً يقبلها وسط الورود والشموع وهي بين ذراعيه مستسلمة تماماً. فكز على أسنانه وهو يغلق قبضته بإحكام قبل أن يفقد أعصابه الآن وقد خذل قلبه مرة أخرى من هذا التوأم وطعن من جديد حتى أحرقته نار العشق وبات العشق جحيمه القائم. غادر المكان مسرعاً قبل أن يسحب مسدسه ويقتل "جلال" في الحال.

أبعدته "ليان" بسرعة عنها فنظر "جلال" لها بدهشة من رفضها له. ظلت ترمق عينيه اللامعة ببريق مشاعره ودفئه، فقالت بتلعثم شديد: -أنت إزاي تعمل كده؟ -ليان، أنا بقولك بحبك... مش منتظر منك محاضرة أخلاق في لحظة زي دي، أنا منتظر... صرخت به بانفعال شديد وكاد عقلها يقتلها من فعلته الوقحة وسرقته لقلبتها الأولى بخباثة: -منتظر إيه؟ إنّي أترمي في حضنك وأنا بقولك بموت فيك ومستنيش وحياتك. دي وقاحة.

تماسك أعصابه ولأول مرة أحد يهينه هكذا وتهزمه امرأة. والآن بعد أن هُزم يتعرض للإهانة منها حتى دهست كبرياءه وغروره وضربت برجولته عرض الحائط. التفت لكي يغادر من أمامها فلم تمنعه وظلت محلها حتى سمعت صوت باب السطح يغلق بقوة. انتفض جسدها من قوة ضرب الباب.

وقف "جلال" وراء الباب بصدمة ألجمته يحاول ترميم كبريائه ورجولته. نظرت للطاولة بحزن وهذا الصندوق لتفتحه وكان بداخله بالطو أبيض جديد حفر عليه اسمها بخيط من الذهب يليف بطبيبة مثلها، وصندوق مجوهرات كامل وفستان أسود جميل وخاتم زفاف معه بطاقة كُتب بها:

(لطالما كنت رجل عنيد متكبر ومتحجر القلب لم تهزمي امرأة من قبل مهما كانت تملك جمال، لكن هذا الرجل متحجر القلب قد هزمته طبيبته الجميلة "ليان" وقد ختمت على قلبه بعينيها الساحرة فلا شيء يداوي هذا المريض سوى بقاء طبيبته معه للأبد... تتجوزني يا ليان؟

دمعت عينيها الخضراء بحزن من حدتها معه فركضت نحو باب السطح رغم جسدها المريض لكن هذا الرجل فعل المستحيل أجله ولأجل إنقاذ حياتها لا يستحق هذه المعاملة القاسية منها. فتحت باب السطح وهي تركض على الدرج وتنادي عليه بتعب: -جلال... جلال...

سمع صوت صغيرته من الأعلى وكانت تلهث بقوة فصعد كالمجنون لأجلها وكيف تركض وهي مريضة هكذا. الخوف عليها هو من حركه وهزمه مرة أخرى أمامها. نزلت بسرعة لتلحق به قبل أن تفقده لتتعثر قدميها من ضعف جسدها والدوران الذي أصابها من الحركة المفرطة وكادت أن تسقط عن الدرج لكن لحسن حظها وصوله فسقطت بين ذراعيه ليتشبث بها بإحكام وقوة وهو يقول: -ليــــان...

شعر بضربات قلبها وانفاسها العالية التي أوشكت أن تنقطع. تنهد بلطف وانحنى بظهره بخفة ليحملها على ذراعيه فسكنت رأسها على كتفه وعاد بها إلى الغرفة ليضعها في الفراش بحنان فتشبثت بعنقه وهي تقول: -أنا آسفة، متزعلش من عصبيتي. أومأ إليها بنعم ومسح على رأسها بحنان. همس إليها بلطف وقال: -ارتاحي يا دكتورة ليان، ارتاحي وبعدين نتكلم.

رمقته بصمت شديد من تلقيبه لها بطبيبة مما يعني أنه يحمل بداخله الغضب والحزن منها. لكن قلبه المتحجر يملك من الحب ما يكفي للهفة والخوف عليها رغم حدتها وتصرفها العاق معه. *** وقف "هادي" من مقعده على السفرة وقال بهدوء: -مش عاوزة حاجة مني يا صفصف قبل ما أطلع. نظرت والدته إليه وتنحنحت "وصيفة" بتوتر وقالت بهدوء: -والنبي يا هادي تطل على أختك لأحسن شكلها وهي راجعة من الشغل النهاردة مكنش مريحني خالص. عقد "هادي" حاجبيه بدهشة

من قلق والدته وسأل بلطف: -ليه؟ حصل حاجة معاها؟ تنهدت "وصيفة" بحزن من تعاسة ابنتها ثم قالت بهدوء شديد: -معرفش يا هادي بس تقريباً كده الدكتور مصطفى سافر النهاردة، تقريباً ده تخمين. هز رأسه بنعم ثم قال بهدوء: -متشغليش بالك يا صفصف.

أنهى جملته واتجه نحو غرفة "هدير" ليسمع صوت شهقاتها المبحوحة من الداخل وأنين بكاءها المكتوم من هذا الحزن. طرق باب الغرفة وقلبه مفطور على أخته الصغيرة. دلف للغرفة ليراها تمسح دموعها بسرعة جنونية خائفة أن يرى أحد دموعها وقالت بهدوء: -في حاجة يا هادي؟ تحدث "هادي" بنبرة خافتة محاولاً عدم إحراج أخته الصغيرة قائلاً: -لا يا حبيبتي، سلامتك كنت جاي أطمن عليكِ، ممكن أدخل. أومأت إليه بنعم فتبسم ثم دلف إلى غرفتها وجلس أمامها

على الأريكة وقال بلطف: -محدش بيهرب من المقسوم يا هدير، ولا النصيب بيتهرب منه يا ضي عيني. هزت رأسها بنعم موافقة الرأي معه ثم قالت بهدوء شديد: -عندك حق، بس أنت بتقول ده ليه؟

-أبداً جم على لساني قلت أفضفض بيهم وياكِ، يمكن من الأحداث اللي بتحصل حواليا والمصائب اللي نازلة على قُدس برضو. كل دي حاجات خلتني أفكر إن محدش بيهرب من المقسوم ونصيبك هيصيبك مهما يعمل البشر. مثلاً شوف جارحي محاوط على قُدس إزاي وبرضو نصيبها صابها ومعرفتش تهرب منه.

أومأت إليه بنعم مقتنعة بحديثه، لكن الحزن واليأس يحتلان ملامحها الهادئة واختفاء "مصطفى" بعد وفاة والدها جعل الخيبة والخذلان يصابان قلبها البريء. وقف "هادي" من مكانه وقبل رأسها ثم غادر في صمت ولا يعرف كيف يتصل برجل يخبره أن يأتي ليتقدم لخطبة أخته؟ أليس من المفترض أن يعززها ويأتي "مصطفى" ركضاً لطلبها؟!! *** كانت "قُدس" جالسة في الفراش بغرفتها الجديدة في المستشفى مع "ليان" في غرفة واحدة وتتحدث في الهاتف مع "مصطفى"

قائلة بضيق: -يعني طيارتك النهاردة الساعة تسعة، مستغربة إنك مجتش تتطمن عليا ولا تزورني حتى يا دكتور مصطفى. فتح باب الغرفة ودلف "الجارحي" ومعه وجبة صغيرته المفضلة من الدجاج المقرمشة. سمعها تقول بجدية: -لا، دودو مش عندي وبعدين أنت هتفضل تهرب منها لحد إمتى؟

أنا بكلمك بصفتك دكتوري النفسي اللي بستشيره وبفضفض معاه وبدفع ثمن ده، لكن خلي بالك يا دكتور إن دودو دي أغلى حد عندي ولو إنت مش عايزها مش هنجبرك عليها ولا أنا مثلاً هحاول أوقف راسين في الحلال غصب. جلس "الجارحي" أمامها مندهشة من حديث زوجته مع رجل آخر ورفع حاجبه بعد أن عقد ذراعيه أمام صدرها فقالت بجدية أكثر: -حيرتني معاك يا دكتور، عايزها وسايبها وماشي...

مرة دكتور قال لي اللي يحب يمسك في حبه بإيده وأسنانه لأن الحب فرصة ونعمة ربنا بيكرمنا بيها مرة واحدة في الحياة كلها ولو راحت عمرها ما بترجع. كانت تذكره بحديثه معها سابقاً عن حبها لـ "الجارحي" وأنهت الحوار بحزم تقول: -معرفش، ومش من حقك تسألني عن أحوال هدير لأنها متخصكش، ثم إن هدير محتاجة رجل بجد يحارب الدنيا والظروف عشانها مش جبان بيهرب من أول مطب في الطريق.

أنهت الحديث بإغلاق الهاتف في وجهه دون أن تتركه له مجال للرد أو الجدال معها. نظرت "قُدس" إلى زوجها الغاضب من حديثها مع "مصطفى" لتتابع حدتها معه وقالت: -أتصرف. اندهش من طريقتها وأمرها الغريب له وسأل بفضول: -أتصرف في إيه؟ عملتي مصيبة جديدة؟ هزت رأسها بلا وهي غاضبة ومزاجيتها حادة جداً اليوم بسبب الشجار بينها وبين "مصطفى" فقالت بتمرد:

-بغض النظر عن ظرافتك المتناهية، لكن لا، دكتور مصطفى مسافر الساعة 9 وهدير مموت نفسها من العياط والقهرة وبصريح العبارة كده بتحبه وهو اتقدم أكتر من مرة وكل مرة تتأجل منكم، أتصرف وحل الموضوع ده النهاردة عشان هدير متستاهلش كسرة القلب دي. -وأنا هعمل إيه؟ هروح أجيبه من قفاه وأقوله اتجوزها غصب، أديكِ قلتي مسافر يعني أتخلى عنها. قالها ببرود شديد فقاطعتهما "ليان" وهي تقول بهدوء:

-بصرف النظر عن تريقتك بس أه، روح هاته من قفاه من قلب المطار وجوزهاله، لأن الفرصة مبتجيش كتير ولأن الحب مبيتعوضش، يعني مثلاً لو صحيت الصبح وقالوا لك قُدس مسافر وهتسيبك للأبد هتخاف وقتها على كبريائك وغرورك ولا هترجع تمنعها وتمسك فيها عشان متسبكش.

نظر "الجارحي" إلى "ليان" في حديثها الجنوني حتى ذكرت اسم زوجته فأدار رأسه تجاهها وتذكر هروبها سابقاً منه لبلاد الخارج وكيف عاش سنوات من العذاب في هجرها له وسرقت النوم من عينيه والبسمة من شفتيه. تنهد بهدوء وهو يحاول أن يستوعب أن "هدير" عمته المدللة طيبة القلب ستعيش ما عاشه في الهجر الآن ليقول بهدوء: -حاضر هتصرف... يــــزيــد. فتح باب الغرفة ودلف "يزيد" فتبسمت "قُدس" على زوجها المتحكم والمسيطر. ***

في مطعم على النيل كانت "ليل" جالسة مع "عمران" يتناولان الطعام في هدوء. ليري الممرضة التي دلفت إلى غرفة "ليان" و"قُدس" من بعيد تشير له فوقف بتعجل وهو يقول: -عن إذنك يا روحي خمسة وراجعالك. أومأت إليه بنعم ثم غادر ليسير بعيداً حتى ذهب إلى الممرضة وسحبها معه تجاه المرحاض فقالت بدلال وهي تضع يديها على صدره: -وحشتني. أبعد يديها عنه بقلق من أن يراهما أحد وقال بتوتر: -إيه اللي جابك هنا يا تمارا مش قولنا لينا شقة نتقابل فيها؟

تبسمت "تمارا" بدلال مفرط ورفعت يديها تحيط عنقه بإثارة وقالت: -اتصلوا بيا في المطعم يأكدوا عليا الحجز وعرفت إن حاجز للسنيورة بتاعتك في مكاننا المفضل، قلت لازم أجي أشوف ست الحسن والجمال اللي فضلت تخطبها في العلن عني وأنا اتجوزتني عرفي وفي السر. أبعد "عمران" يدها عنه وقال بقلق: -اعقلي وبلاش جنان ومتهديش كل اللي بخطط له من سنين، علن إيه وسر إيه ما دام في الآخر عارفة إن قلبي كله ملكك لوحدك.

رفعت عينيها الزرقاء نحوه تتطلع بملامحه وشعرها الذهبي المموج مسدول على الجانبين يحيط بوجهها الحليبي ذو البشرة البيضاء، فقالت بإثارة ونبرة دافئة: -لو فعلاً لوحدي اللي في قلبك سيبها دلوقتي وتعالى معايا. تنهنح بحرج من عينيها السحرية وهي تلقي عليه تعويذتها الملعونة التي سرقت قلبه وجعلته يذوب بمشاعرها، فشعرت بيديه تتسلل إلى خصرها بعد أن كان يدفعها لتبتسم بخباثة ودفعت باب المرحاض وهي تدفع هذا الرجل معها.

أنهت "ليل" تناول طعامها وتعجبت لتأخره وهي تنظر حولها بتوتر من التأخير. فرن هاتفه لتنظر إليه بتردد وألتقطت الهاتف بحيرة وخوف من فكرة التجسس عليه وفتحت الهاتف وهي تعرف الرمز السري حين رأته سابقاً دون أن يدري "عمران". رأت رسالة على الواتس أب من قلب أحمر دون تسمية، ففتحت المحادثة بينهم لتُصدم عندما رأت الحديث القائم بين الطرفين عن تسمم "قُدس" و"ليان" عمداً وتحريض على قتل التوأم ورسائل أخرى غرامية وفتاة ترسل له صور لها بملابس فاضحة لتدمع عينيها بصدمة قاتلة وتركت الهاتف من يدها سريعاً بعد أن محت أي أثر لتجسسها عليه.

دفعت تكلفة الطعام وغادرت تاركة له رسالة على الواتس أب محتواها: (أنت سبتني ومشيت روحت فين، أنا مروحة) . فرت هاربة قبل أن يراها ويُدرك أنها رأت شيئاً في هاتفه. لكن لسوء الحظ أن "عمران" عاد ليراها تغادر المكان فشعر بشيء مخيف وأخذ أشياءه وغادر. ناداها بقلق من الخلف: -ليل... ليل... كانت منهارة تماماً وبعد أن سمعت صوته ارتعتبت من الخوف أكثر. هذا الرجل قادر على قتل التوأم فماذا سيفعل بها؟

حاولت إيقاف سيارة أجرة قبل أن يصل لها لكن لا جدوى. فرأت سيارة "يزيد" وهي تعرفها جيداً فركضت نحوها وفتحت الباب ليُصدم "يزيد" الذي كان يحلق في هاتفه وفزع من فتح باب سيارته ليرى الفتاة منهارة من البكاء فمسكت يده بسرعة وهي ترى "عمران" يقترب وقالت: -أمشي بسرعة من هنا. اتسعت عيناه على مصراعيها بجنون وقال: -عملك حاجة؟ -أنزله. -أمشي.

صرخت بجنون منهارة من البكاء ليضغط على زر التشغيل وتنطلق السيارة بسرعة جنونية في اللحظة التي وصل بها "عمران" لمقبض الباب وفتحه. وللحكـــــــــــــــــــــايـــة بقيـــــــــــــــــــــــــــــــــة، يُتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...