كان كل شيء مثاليًا في حياته وقلبه حتى ظهرت هذه الصغيرة وعيونها السحرية التي قلبت حياته رأسًا على عقب، وكيف للقدر أن يجمع صغيرة برقتها أمام رجل بوحشيته. صرخ باسمها من الفزع قائلًا: -قُـــــــــدس التفت إليه بفزع من صرخته وكانت أن تسقط من فزعتها وظهوره من العدم فجأة فتشبثت بالدرابزين جيدًا وهي ترتجف قائلة: -خضتني أقترب بهلع نحوها وشعر بنفضة في صدره أسقطت قناع الغرور والقسوة الذي أرتداه أمامها، تنهد بهدوء وتحدث
بلطف وخطوات تتقدم ببطء: -أهدئي يا قُدس، أنا مصدقك وقلت لك كده، مصدقك أهدئي وأنزيلي من فوق.
تنهدت بلطف وتمالكت أعصابها ثم نظرت للأمام بخمول وقد نفدت طاقتها بفضل والدها. اقترب "الجارحي" منها أكثر حتى وصل إليها لينقض عليها يحيط خصرها بإحكام حتى لا تفلت منه. صُدم عندما رآها جالسة على الشرفة وفي يدها كوب عصيرها وتنظر للسماء مستمتعة بالليل. تنهد بإحراج من تصرفه وإظهار خوفه عليها في حين أنها لا تبالي بشيء. شعرت بدفء من احتضانه لها من الخلف وظهرها متكئ على صدره وتشعر بأنفاسه فتحدثت "قُدس" بصوت دافئ وهامس:
-شكرًا إنك مصدقني وما ضربتنيش زي بابا. سحبها بلطف من فوق الشرفة وهذا المكان لا يناسب الحديث. أنزلها أرضًا في الغرفة فأستدارت الصغيرة إليه ليرمق وجهها المتورم وما زال لا يصدق أن والدها تهور في ضربها حتى أخفى ملامح وجهها الجميلة وعيونها الخضراء حمراء وجفنها الأيسر متورم لدرجة أنه أخفى لون عينها الخضراء. تحدث بلطف مشفقًا على حال فتاته:
-متشكرنيش، دا واجبي عليكِ يا قُدس. لو كل واحدة جوزها شك فيها وكذبها في الزمن ده، زمن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يبقى كل البنات هتطلع فاجرة وهتطلق. أساس أي علاقة الثقة ومش صورة عبيطة اللي هتكسر الثقة دي. الثقة لو اتكسرت مبترجعش يا قُدس عشان كده مش صح إن أي موقف يكسر الثقة بين زوجين.
جلست على الفراش بتعب ورأت الطعام لتبتسم بعفوية على تلبيته لطلبها رغم شجارهما. وضعت يدها على وجنتها بألم من فمها بعد أن ابتسمت. تناولت لقمتها الأولى بشراهة تحت أنظاره الثاقبة لها فجلس على حافة الفراش يراقبها وهي تلتهم الطعام بعفوية رغم ألمها. شعر بدفء وسعادة بداخله لمراقبته لطريقتها وكيف أصبحت جميلة بسبب حملها وتناولها للطعام. مد يده إلى وجهها بمكعب من الثلج لتفزع فقال بلطف: -آسف.
رفعت نظرها إليه وطال الصمت بينهما والنظرات التي تلفظ بالكثير رغم ألمهما المتجمدة. عينيها كانت تخبره بكم الحب الذي تكنه إليه منذ نعومة أظافرها وعينيه تظهر ربكته وتوتره في حضرتها. تنفست بأريحية ويده تمرر الثلج على كدماتها. ***
كانت "ليان" تجلس مع أصدقائها في المطعم تتناول وجبة العشاء قبل أن تعود إلى الإسكندرية. فتحت هاتفها بعد أن أغلقته طيلة اليوم لتهرب من اتصالات والديها، ليرن هاتفها في لحظتها برقم والدتها "ياسمين" فخرجت من المطعم بضيق وأجابت عليها: -أيوة يا ماما. تحدثت "ياسمين" بانفعال شديد من تصرف ابنتها قائلة: -أخيرًا تكرمتي وردتي يا ست هانم، أنا ربيتك على كده يا ليان، تهربي من البيت ها.
أفلتت "ليان" بضيق من رد والدتها وألتزمت الصمت وسمعتها "ياسمين" لتقول بخنق شديد: -انفخي كويس، انتِ فين بقى إن شاء الله؟ وهترجعي امتى؟ -لسه هناك هركب وأجي. قالتها بنبرة حادة ثم أغلقت الهاتف دون أن تترك وقتًا لوالدتها أن تتحدث. وقفت بضيق واتصال والدتها عكر صفو مزاجها. قاطعها صوت زميل لها جاء من الداخل يقول: -الأكل جه. -طيب جاية. قالها بزمجرة ووجه عابس. نظر إلى وجهها بحيرة متهمًا ملامحها الغاضبة ثم سأل: -مالك؟
تحدثت بانفعال تبوح بما بداخلها قائلة: -زهقت وحقيقي الحياة بقت مملة. أنا عندي تسعة عشر سنة مش صغيرة عشان الحظر والقلق اللي أنا عايشة فيه. أنا لو عليا ثأر مش هتبقى حياتي كده. ربت صديقها على كتفها وقال بلطف: -طب أهدي، تعالي نقعد في العربية لحد ما تهدئي مش هينفع ندخلهم وإنتِ متعصبة كده.
ذهبت إلى السيارة معه وجلسوا بداخلها وكل هذا تحت أنظار المراقب الذي أرسله "جلال". التقطت صورة لها في السيارة مع صديقها وأرسل الصورة إلى هاتف "كريم" الذي كان يقود السيارة وبدوره أعطى الهاتف إلى "جلال". نظر إلى الصورة بدهشة وظل يحدق بها قليلًا ثم نظر خارج النافذة بضيق وضغط على زر النافذة لتفتح ويستنشق الهواء الخارجي مما أدهش "كريم" ولأول مرة "جلال" يفتح نافذة سيارته. ظل يراقبه في المرآة الأمامية حتى سمعه يقول:
-اطلع على المكان ده. -هتروح بنفسك؟ قالها "كريم" مستفهمًا عن سبب رغبة رئيسه في الذهاب إلى طفلة مثلها وماذا بها لتنال هذا القدر من الاهتمام. نظر "جلال" في المرآة على "كريم" الذي تجرأ على طرح سؤال له. تنحنح "كريم" بهدوء وغير مسار السيارة في صمت. كانت "ليان" تتحدث بالسوء عن معاملة والدها لها وقالت بغيظ شديد تكبحه بداخله: -مش قادر يفهم أني كبرت كفاية، زهقت وقرفت من تصرفه وتحكمه فيا.
وضع "أيمن" يده على قدمها يربت عليها لتُدهش "ليان" من تصرفه ويده تتحسس قدمها بلطف فدفعت يده بقوة تنفث بها غضبه قائلة: -مش ناقصاك خالص. تنحنح بحرج ثم أخذ يدها في يده بلطف ونظر إليها عن قرب ثم قال بعفوية ونبرة دافئة خبيثة: -ليان، أنا عارف إن مش وقته بس أنا مش قادر أداري عليكِ أكثر من كده. رفعت حاجبها له ببرود وقد فهمت خبثه ومكره ثم قالت بسخرية: -يا حرام، مش قادر تقاوم جمالي.
تبسم بمكر بسمة مزيفة ورفع يده الأخرى إلى وجهها يضع خصلات شعرها خلف أذنها مجيبًا على سخريتها ببراءة مصطنعة: -بغض النظر عن أنك بتقوليها بسخرية، لكنه ده حقيقي. أنا معجب بيكي جدًا يا ليان، وفعلًا مش قادر أقوم جمالك. ضربت يده بقوة ثم قالت بغيظ شديد: -أنت عبيط صح، أنت فاكر إني ممكن أبصلك؟
أنت ولا يوم ما أفكر أرتبط هرتبط بواحد زيك مش لاقي يأكل ولسه بيأخد مصروفه من أبوه. أنت فاكرني مش عارفة إنك مأجر العربية دي وبتتمنظر بيها قدامنا... دا أنت أهبل قوي. قهقه "أيمن" ضاحكًا عليها ويسخر من ذكائها ثم قال بتمتمة: -أنا فعلًا عبيط قوي وبفضل تكبرك ده أنا مش ندمان على أي حاجة أنا عملتها ولا هعملها. لم تفهم كلماته لكنها بدأت تشعر بدوران في رأسها فنظرت إليه وهو يحاول أن يمسك ذراعها فدفعته بقوة متمتمة: -أنت قصدك إيه؟
-أنا هخليكِ إنتِ اللي تترجي الشحات ده أنه يفضل معاكِ يا ليان. قالها بحماس وقد بدأ مفعول المخدر يأثر على جسدها فتابع الحديث قائلًا: -أنا مكنتش ناوي أذيكي بس إنتِ كبرياؤك وغرورك هم السبب، متلومنيش أنا لومي نفسك.
فتحت باب السيارة لتترجل منها لكنها سقطت على الأرض بتعب ورآها رجل "جلال" وظل يراقب الموقف فرأى "أيمن" يترجل من السيارة وأخذها للداخل من جديد وأنطلق بها. فأنطلق وراهما وهو يتصل بـ "كريم" ويخبره بما رآه فتحدث "جلال" بحدة صارمة قائلاً: -خليك وراهم، إياك يأذيها أنت فاهم. -أمرك يا جلال بيه. قالها الرجل في مكبر الصوت وزاد "كريم" من سرعة السيارة.
وصل "أيمن" على أحد العمارات وكانوا أصدقاؤه هناك. حملها معه إلى الأعلى ودلف إلى شقة مفروشة وكانت "ليان" ما زالت في وعيها قليلًا لكنها هزيلة تمامًا. تحدثت صديقتها بأشمئزاز: -هتعمل إيه؟ -خليكي في حالك. قالها "أيمن" فتمتمت صديقتها بلا مبالاة: -بصراحة هي تستاهل، حاطة مناخيرها في السما وبتنطط علينا على أي حاجة يعني؟ أجابها "أيمن" بسخرية من كره صديقتها إليها قائلاً: -عشان حلوة مثلا؟
أنا مستغرب كرهك ليها وهي بتمثلي إنكِ صاحبة عمرها الوحيدة. طب أنا بعمل كده عشان دي الطريقة الوحيدة اللي هتجبرها تكون معايا لأني بحبها لكن إنتِ غلوية وسوداء من جوه يا ماما. لم تبالي بحديثه وتجاهلت طريقته في الحديث عنها ثم قالت: -أنا نازلة أتمشى تحت مش ناوية أقعد وأشوف اللي هيحصل قلبي الرقيق مش هيستحمل. خرجت من الشقة وخرج وراءها صديقهم الآخر. دلف "أيمن" إلى الغرفة ورأى تهمس بحديث غير مفهوم في الفراش ونائمة
حتى أقترب منها وقال: -سامحيني يا ليان بس مفيش طريقة غير دي. أقترب منها لتضع يديها المرتجفتين حاجزًا بينهما وتدفعه بطاقتها الباقية لكن لا جدوى من مقاومتها بسبب قوامه لتسحبه من شعره بقوة وقضمت ذراعيه حتى أبتعد من الوجع ثم وقفت بصعوبة وهي تتحدث بزمجرة: -أنت مجنون. خرجت من الغرفة تتأكد بيدها على الحائط فخرج خلفها وهو يقول بحدة خائفًا أن تصرخ ويسمعها الجيران: -اسمعي يا ليان بس.
كاد أن يقترب من خطواتها البطيئة لتتوقف قدميه من الفزع عندما كُسر باب الشقة ودلف أربع رجال أقوياء وأجسادهم ضخمة. ابتلع لعابه وهو يرى "جلال" يدخل المكان خلفهم وحين رأى "ليان" في حالة الخمول والضعف عقد حاجبيه بغضب شديد واقترب نحوها حتى وصل إليها. رمقته بضعف وقالت بتلعثم: -أنت. تذكرته جيدًا نفس الشخص الذي كان على حافة الموت أمس وأنقذته. تأفف بضيق من سذاجتها وأنحني قليلًا ليحملها على ذراعيه. أقترب "أيمن" بغضب منه وقال:
-أنت مين؟ تلقى لكمة قوية من "كريم" يمنعه من الاقتراب نحوها وكانت لكمته قوية لتكون كافية لإغماء "أيمن" على الأرض. خرج "جلال" من الشقة بها لا يعلم كيف لفتاة عنيدة وشرسة كما أخبره "كريم" أن تسقط في الفخ هكذا. أخذها إلى السيارة وكان المخدر قد سيطر عليها كليًا لتفقد وعيها تمامًا فأخذها معه إلى منزله. *** في الصباح كانت "آسيا" في المطبخ تصنع كوبًا من القهوة في هدوء مندمجة مع أغنية "عبد الحليم" حتى قاطعها صوت "ليل" تقول:
-ماما، كنت عايزة أخرج مع عمران عايز نتغدى سوى بره. لم تجب "آسيا" عليها فتحدثت "ليل" بضيق شديد تقول: -طيب ممكن تقولي لي هتفضلي زعلانة مني لحد امتى ومخاصماني كده؟ حملت "آسيا" فنجان قهوتها وأستدارت لترى "ليل" تقف خلفها مباشرة فقالت بحدة: -مش انتِ كبرتي كفاية عشان تعصي كلامي وتتصرفي من دماغك ومن ورائي؟ جاية تأخدي إذني عشان تخرجي ليه يا ست البنات؟
تنحنحت "ليل" بلطف وعينيها تسير مع خطوات والدتها التي غادرت المكان غاضبة. تنهدت "ليل" بلطف وخرجت خلفها تقول:
-يا ماما بعد إذنك من غير تريقة، أنا عملت الصح من نظري وعلاقتي بعمران مش اللي هيصونها الذهب ولا الفلوس. أنا مش مخطوبة له عشان يأمن مستقبلي. لو على مستقبلي وتأمينه أعتقد أن في بيتي وهنا مع جدي ومعاكي متأمنة كويس ومفيش أكتر من كده تأمين. أنا بدور على الحب والراجل الأصيل اللي هيصون قلبي ويحافظ عليا ويعيش معايا العمر كله. جلست "آسيا" على الأريكة وقالت بحدة:
-يا خوفي من الأصيل، إنتِ بس لسه صغيرة قوي يا ليل. زمان وأنا في سنك كنت كده برضه، كنت بجري وراء الحب واللي يقول كلمتين حلوين وأديكي شايفة وشاهدة أنا وصلت لأيه يا بنت بطني. جلست "ليل" بجوار والدتها ثم قالت بلطف وبسمة عفوية: -أدينا فرصة يا ماما، أديني أنا وعمران فرصة نثبت لك إنه مش زي بابا ولا هيكون زيه. أرتشفت "آسيا" القليل من فنجانها بصمت وعينيها تراقب فتاتها العاشقة ولمعة عيني "ليل" بالحب وسعادتها بهذا الشاب ثم قالت
بضيق من موافقتها بالإكراه: -ماشي يا ليل، ماشي يارب الزمن يخيب ظني فيه وأطلع أنا اللي ظالمة. تبسمت "ليل" بعفوية وسعادة تغمرها كالبلهاء لموافقة والدتها، فعانقتها بحب شديد ثم قالت: -يا حبيبتي يا ماما. تبسمت "آسيا" بإحراج تكبح بغيظ حيرتها وذرة الشك والضيق تدق بداخلها. ذهبت "ليل" للداخل فأتصلت "آسيا" على رقم "الجارحي" لكنه لم يُجيب. ***
فتح "الجارحي" عينيه بتعب على صوت رنين هاتفه وكانت عمته "آسيا" فتجاهل الاتصال وخرج من غرفته ليرى "قُدس" جالسة على الأريكة وتمسك في يدها جهاز التابلت الخاص بها وتبحث عن شيء. تحدث بنبرة هادئة: -أنا هاخد دوش وألبس، البسي عشان آخدك للدكتور يشوف الكدمات دي عشان يكتب لنا علاج قبل بداية الجامعة. أجابته بنبرة خافتة حزينة: -الجامعة رفضت تقبل ورقي لأن الدراسة الأسبوع الجاي. تحدث بهدوء وهو يسكب بعض الماء في الكوب:
-قومي ألبسي ومتشيليش هم حاجة وأنا موجود.
أومأت إليه بنعم ثم دلفت إلى غرفتها. جلس على الأريكة مكانها وهو ينظر في هاتفه على عدد المكالمات الواردة من عمته وشعر بفضول لكم المكالمات فتأفف بضيق وترك الهاتف جانبًا. وقع نظره بدون قصد على التابلت المفتوح بجواره وكانت تبحث عن تركيب الصور فأخذه وكان محرك البحث الخاص بها بأكثر من طريقة وصيغة عن تركيب الصور بالذكاء الاصطناعي والتزييف. شعر بأن الظلم الذي لحق بها يؤلمها أكثر من ألمها الجسدي. تأفف بضيق وهو يتوعد بالانتقام من مرتكب الجريمة
في حق زوجته فتمتم بضيق: -إنما للصبر حدود، وآوان لرد الدين.
ذهب للمرحاض يأخذ حمامًا دافئًا ثم ارتدى قميصًا رماديًا وبنطلون أسود وخرج من غرفته وهو يغلق ساعته حول معصمه. رآها تقف أمام المرآة الموجودة في البهو تضع القناع الطبي على وجهها وترتدي قبعة محاولة قدر الإمكان إخفاء وجهها المشوه. ثم أستدار إلى دولاب الأحذية وأخرجت حذاءها. انحنت للأمام لكي ترتدي الحذاء وقاطعها "الجارحي" حين جلس أمام قدمها على ركبتيه يساعدها في ارتدي الحذاء قائلًا بجدية صارمة:
-متوطيش، أنا أعرف إن الحامل مينفعش توطي. ظلت تنظر إليه وهو جالسًا أمامها بحب. رغم حدته في الحديث وجحود قلبه لكن تصرفاته تحمل دفء ولطف يغمر قلبها وعقلها. هذا الرجل يجعلها حائرة لا تعرف أهو قاسي القلب أم لطيف؟ لسانه سليط وتصرفه لين. وقف أمامها بعد أن انتهى وأستدار ليرتدي حذاءه. خرجوا معًا من الشقة حتى وصلوا أمام شقة والده فقال بهدوء: -انزلي استنيني في العربية مع يزيد.
أومأت إليه بنعم وترجلت وحدها. فتح باب الشقة وكانت "خديجة" جالسة على السفرة تتناول الإفطار مع "فؤاد" فتحدث بجدية: -السلام عليكم، ابنك فين؟ تعجبت "خديجة" من سؤاله عن "عماد" وقالت بفضول خائفة: -في أوضته، بتسأل على عماد الدين ليه؟ أجابها وهو يسير نحو الغرفة ببرود: -والله ظلمتيه باسمه وهو لا يعرف عن الدين حاجة.
فتح باب الغرفة وكان "عماد" نائمًا. وقفت "خديجة" من مكانها بقلق وذهبت خلفه. رأى أخاه في السرير ليقترب وهو يأخذ زجاجة المياه في طريقه وإفراغها على رأس "عماد" ببرود على عكس الآخر الذي فزع من نومه وهو يقول: -إيه... في إيه؟ نظر إلى "الجارحي" بغضب من طريقة يقظته ليرمي "الجارحي" صورة "عادل" في وجهه وقال بحدة وكبرياء: -مش أنا وصلت للنجس اللي ضرب عليا نار؟ نظر "عماد" على الصورة ورأى وجه صديقه فشعر بتوتر سافر ليضحك "الجارحي"
بسخرية ثم قال: -آخر حاجة كنت ممكن أتخيلها إنك توصل للدرجة دي من الانحطاط، تحضر على قتل أخوك. لا أخوك إيه أنت فصيلتك فصيلة زبالة متعرفش الأخوة. اتسعت عيني "خديجة" على مصراعيها بصدمة ألجمتها وقالت بضيق متلعلثمة: -أنت عملت كده؟ صمت "عماد" بغيظ ولا يملك جوابًا على أخاه. كان كالبركان الصامت بسبب غباء "عادل" الذي ظهر وجهه بغباء منه. أجابها "الجارحي" والدته بهدوء:
-يا سلام، ما هو عملها سبق قصاد الكل. بس افتكري إن صمتي مش ضعف ولا خوف منه. أنا اللي سكتني لحد دلوقتي عشان اللي هعمله هيقهر قلبك إنتِ. متلومنيش على أي حاجة هعملها من دلوقتي. غادر الغرفة لتناديه "خديجة" بخوف من تهور ابنها قائلة: -جارحي، يا جارحي... لم يُجيب عليها فأستدار إلى "عماد" وأشمئزت من تصرفاته ثم قالت بغضب: -إنت فعلًا عملت كده؟ عاد للنوم ولا يبالي بشيء لتصرخ بانفعال في وجهه: -رد عليا؟ إنت عملت كده؟
إنت اللي بعت ناس يضربوا نار على أخوك؟ تأفف بضيق من والدتها وقال بخنق: -أخوك أخوك... إنتِ زنانة. غادر الغرفة ووالدته تركض خلفه فرأى والده أمامه يحدق به بوجه عابس غاضب. ظن تنحنح بضيق وقال: -متردتش على أمك، إنت اللي عملت كده في أخوك؟ -لا، ومش هنقعد نعيد ونزيد في نفس الحوار. اطلع من نفوخي أنت ومراتك. قالها بضيق ليُصدم بصفعة من والده على وجهه ثم دفعه نحو باب الشقة وهو يقول:
-ده آخر تربيتي وتعبي فيك. غور برا بيتي يا واطي يا زبالة، امشي غور روح الخرابة اللي بتقعد فيها مع المجرمين وقاتلين القتلة اللي تعرفهم. ظل يدفعه بقوة حتى أخرجه من الشقة وأغلق الباب في وجهه وسط بكاء وحزن "خديجة" ليصرخ في وجهها بضيق: -إياك أسمع حسك، أنا من النهاردة ابني مات وإياك يدخل البيت ولا رجله تعتب باب الشقة إنتِ فاهمة. دلف إلى غرفته بضيق غاضب. *** في الإسكندرية
خرج "فتحي" من غرفته في التاسعة صباحًا مرتديًا قميصًا أبيض به خطوط سوداء وبنطلون أسود. تحدثت "ياسمين" بقلق شديد قائلة: -خدني معاك يا فتحي. تحدث زوجها بضيق وتعجل وابنته لم تعود حتى الآن قائلًا: -آخدك معايا فين هو أنا رايح أتفسح؟ أنا مش عارف حتى أنا هروح أدور على بنتك فين في القاهرة. لتكوني فاكرة القاهرة دي وشارع وحارة. سارت خلفه بضيق تحاول أن تقنعه بالذهاب معه والقلق محتلها بسبب غياب ابنتها فهتفت بضيق:
-لا مش شارع وحارة بس هكون معاك وأطمن على بنتي. أنا كلمتها امبارح وهي قالت هتتعشى وتركب. التف إليها بانفعال شديد وتحدث بنبرة قوية خشنة: -مش يمكن كلامك معاها وحدتك هم اللي خلوها متجيش؟ ادخلي يا ياسمين وأنا لما أوصلها هكلمك وأخليها تكلمك تطمنك. غادر الشقة بضيق تاركًا خلفه زوجته في حالة قلقها بسبب اختفاء ابنتها ولم تستطيع الوصول لها. ***
استيقظت "ليان" بتعب صباحًا لتمط جسدها بتكاسل شديد فشعرت وهي تمدد جسدها بحجم الفراش الكبير وملمسه الناعم. فتحت عينيها وكانت تتوسط فراش كبير الحجم لم ترى سرير في حجمه من قبل. للحظة فزعت من مكانها وانتفضت من السرير وعينيها تتجول حولها وكانت الغرفة بحجم شقتها. بيضاء اللون والأثاث أبيض وأمام السرير أريكة وشاشة تلفاز فأستدارت بذعر من فخامة المكان لتفزع حين رأت خلف السرير حائط زجاجي شفاف يظهر المرحاض والجاكوزي لتركض بذعر
خارج الغرفة ولا تعرف كيف جاءت إلى هنا. للحظة شعرت بأنها في منام جميل انتشلها من حي الإسكندرية إلى الثراء الفاحش. وجدت نفسها أمام درابزين دائري ويحيطه الكثير من الأبواب للغرفة فأقترب منه تنظر بالأسفل ورأت نافورة من المياه التي تتغير ألوانها. سارت مع الدرابزين حتى وصلت للدرج وترجلت وبدأت تسمع أصوات من الأسفل كلما اقتربت حتى
سمعت بوضوح صوت رجل يقول: -مفيش الكلام ده، اللي غلط لازم يتحاسب. أقتربت "ليان" من الصوت ووقفت خلف العمود الرخامي الذي يتوسط البهو ونظرت خلسًا. رأت "جلال" يجلس على السفرة وقد أنهى فطاره وبجواره خادمة تقدم القهوة له ساخنة بينما هو يوجه حديثه إلى "كريم" وهناك رجل جاثيًا على ركبتيه أمام "جلال" يطلب العفو منه بخوف. سمع جملة "جلال" ثم قال بفزع:
-ارجوك يا جلال بيه، أديني فرصة وأنا هعمل كل اللي تطلبه مني أنا لحم كتافي من خيرك. التف "جلال" إليه ثم وقف عن مقعده ووضع يديه في جيوب بنطلونه الأسود بغرور ثم وضع قدمه على ركبة الرجل يضغط عليها بإذلال ثم قال بحزم ونبرة مرعبة: -كان لازم تحسبها صح. يوم ما انضممت للمنظمة بتاعتي كانت قواعدي واضحة وصريحة للجميع اللي يخون يموت. دي القاعدة الأولى والوحيدة في منظمة الصياد وأنت خالفتها تحمل بقى.
انحنى الرجل بفزع يقبل حذاءه ليدفعه "جلال" بعيدًا بازدراء ثم قال بغضب: -كريم.
كانت "ليان" تراقب الوضع أمام عينيها ونبرته وإذلاله للرجل جعل قلبها وجسدها يقشعر من الخوف والفزع لتخرج منها صرخة قوية حين أخرج "كريم" خنجرًا من خلف ظهره ونحر وجه الرجل ببرود تام. كانت صرختها كفيلة بأن تجعل الجميع ينتبه لوجوده. التف "جلال" نحو الصوت وأقتربت الخادمة بهدوء رغم ارتجاف يديها منه وقدمت القهوة له فأخذها وعينيه على "ليان" التي ما زالت تختبي منه بسبب خوفها وأرتشف القليل وتقدم خطوة فأخرى حتى ابتعد عن السفرة لتغلق الخادمة بابها الجرار حتى تنظف الغرفة. تحدث بنبرة جادة هادئة جدًا:
-هتفضلي مستخبية كتير يا دكتورة؟ ابتلعت لعابها بهدوء تجمع شجاعتها وتخفي خلفها الخوف وتحاول أن تسيطر على رعشة جسدها ثم ظهرت أمامه ورمقته بغرور فأرتشف رشفة من قهوته مجددًا وعينيه تحملق بهذه الصغيرة التي تشبه عقلة الإصبع أمامه وتسير نحوه حتى وصلت أمامه وقالت بجدية: -أحم، أنا جيت هنا إزاي؟ أنت خطفتني صح؟ تبسم بخباثة على فكرتها التي وصلت إليها بعقلها الصغير ثم قال ببرود شديد: -فيكِ إيه مهم بالنسبة ليا عشان أخطفك يا دكتورة؟
تنحنحت بإحراج من بروده وإهانته لها. سار نحو الأريكة ثم جلس عليها وقال: -اللي مستغربه بجد إزاي دكتورة زيك تقع الوقعة المنيلة اللي وقعتيها. عقدت ذراعيها أمام صدرها بكبرياء وقالت بأشمئزاز: -صحيح، وقعة منيلة. يوم ما أقع أقع مع قاتل ومجرم. ضحك بسخرية على حديثها وقال بمكر: -القاتل والمجرم ده لولا وجوده كان زمانك دلوقتي مفضوح ويا عالم خسرتي إيه؟ لم تفهم حديثه ليقف من مكانه بعد أن ترك فنجان القهوة على الطاولة وسار نحوها
حتى وصل إليها ثم قال بحدة: -مسألتيش نفسك أنا جبتك منين يا دكتورة؟ لا دكتورة إيه بقى؟ ده إنتِ طلعتي بتجيبي من شقق. لم تتمالك أعصابها من كلمته الأخرى فرفعت يدها لتصفعه وهي تصرخ به قائلة: -اخرس يا حيوان.
مسك يدها قبل أن تلمس وجهه بدهشة من جراءتها خصوصًا بعد أن رأته منذ قليل يقتل رجلًا بدم بارد. تقابلت عيونهما في نظرة طويلة منها تحمل الغضب بسبب إهانته وحديثه السيء عنها ومنه تحمل بركان ناري ولأول مرة تجرأ فتاة على رفع يدها عليه فحتى الرجال يخشون وجوده واسمه. ضغط على معصمها بقوة وقال بنبرة مرعبة: -إياكِ، لأنك لحد دلوقتي متعرفيش إنتِ واقفة قصاد مين. -مجرم وقاتل.
قالتها بعناد وتحدٍ، تكز على أسنانها بحدة حتى سمع صرير أسنانها فدفعها بقوة للخلف حتى ارتطمت ظهرها بالعمود الرخامي بقوة لتشعر برجفة قوية في عضلات صدرها الداخلية. نظرت إليه بغضب مستمعة لحديثه: -المجرم والقاتل ده ميخطفش بنت. روحي اسألي صحابك كانوا واخدينك الشقة ليه ولا اطلعي على أي مستشفى وحللي لجسمك بما إنكِ دكتورة وشوفي المخدرات دخلت جسمك إزاي؟ صرخت بانفعال شديد في وجهه قائلة: -أنت كذاب.
توقفت عن الحديث وهي تضع يدها على صدرها بألم شديد بينما التف "جلال" يعطيها ظهره بغرور غاضب من سذاجتها وهي تعانده وتتحداه. شعر برجفة بداخله أمامها ولأول مرة يعرف كيف تكون الرجفة بفضل هذه الصغيرة. ربما لجراءتها ولكونها الأولى التي تتحداه؟
سمع صوت ارتطام قوي فألتف ليصدم عندما رآها على الأرض فاقدة للوعي. هرع نحوه بدهشة ليرى وجهها شاحبًا ويديها منتفخة ومتورمة ليُصدم من هيئتها. رفع رأسها عن الأرض وحاول أن يضرب وجهها بلطف قائلًا: -ليان... ليـــان... كريم. دلف "كريم" بسرعة ليُصدم من هيئة الفتاة فصرخ "جلال" به بفزع: -هات العربية بسرعة. أخذوها إلى المستشفى وبعد ثلاث ساعات تقريبًا من الفحوصات خرج الطبيب إليه. وقف "جلال" من مكانه ببرود شديد قائلًا:
-عاملة إيه دلوقتي؟ -للأسف تحليل الدم بتاعها أثبت إن عندها لوكيميا. -لوكيميا!! قالها بصدمة ألجمته ليتابع الطبيب بهدوء: -آه سرطان في الدم وهتحتاج لعلاج كيميائي. نظر "كريم" إلى رئيسه وقال بجدية: -تحب أديها رقم باباها ييجي؟ هز "جلال" رأسه بنعم ثم قال بحزم: -روح شوف هتعمل إيه وخلي المستشفى تكلم باباها عشان ييجي. *** خرجت "قُدس" من العيادة وكان "الجارحي" ينتظرها حتى أنهت الفحص مع الطبيبة. أخذ من يدها
ورقة العلاج وقال بهدوء: -تعالي أروحك عشان عندي شغل. تحدثت بهدوء قائلة: -روح شغلك ويزيد هايروحني. أومأ إليها بنعم وجعلها تعود للمنزل مع "يزيد" وذهب إلى العمل. وصلت "قُدس" على البيت وسمعت صوت شجار قوي من شقة "مديحة" وكانت "وصيفة" تقف على باب شقتها فسألت "قُدس" بقلق: -فيه إيه؟ -عمك فؤاد طرد عماد من الشقة ونزل عند ديحة ولما جدك كان خارج نادهت عليه ومن ساعتها صوتهم علي ومش عارفة ليه؟ وقفت "مديحة" أمام "حمدي"
بغضب وقالت بانفعال شديد: -أنا حرة في مال أبويا يا حمدي، وأديه للي على مزاجي، وأنا بقى قررت أدي المحل ومصنع القماش لعماد، أنا حرة في مالي. ضرب "حمدي" الأرض بعكازه من الغضب ثم قال بحدة صارمة: -عماد مين اللي تديله المصنع والمحل؟
المحل ده أبوكِ أدهولك لما خسر والزباين بقوا يتعاملوا معايا فرمهولك عشان إنتِ تجري عليا وأشغلهولك وأكبره وكبرته وجهزت المصنع بمكن جديد من بلاد برا وجبت عمال شباب يطفحوا الدم فيه عشان أعرف أوقفه على رجله من تاني. جاية دلوقتي بعد ثلاثين سنة تقولي مال أبويا وأدي للي عايزاه. وبعدين عماد مين السُكّري بتاع النسوان والشمام ده اللي أديله مالي وتعبي. أي عايزاه يروح يشم بيهم. -يا جدي أنا.
قالها "عماد" بغضب من حديث جده، ليقاطعه "حمدي" حين رفع عكازه في وجهه بغضب ونظر إليه نظرة مرعبة يقول: -إنت تخرس خالص، إنت زرع شيطاني في البيت ده. تحدثت "مديحة" بضيق شديد قائلة: -برضو هاخد مالي من حبابي عينيك وهكتبه باسم عماد غصب عن عين التخين. ولو مخدتش مالي منك بمزاجك هاخده بالمحكمة. أقترب خطوة منها بانفعال من عنادها وهى ترفع صوتها أمامه بجراءة ثم قال بمكر:
-اللي تعرفي تعمليه أعمليه، ومش هتطولي حاجة من مالي يا مديحة لا إنتِ ولا النجس ده وطول ما أنا عايش على وش الدنيا مش هتشمي مني جنيه. مالكيش عندي غير الحسنة اللي هيرميهالك كل شهر. -هحجر عليك يا حمدي وهقول إنك اتجننت وعقلك خف. قالتها بعناد أكبر لتُصدم من رد فعله عندما صفعها على وجهها بقوة وخرج من الشقة. نظرت "وصيفة" له بخوف فتنهدت بضيق وترجل الدرجات حتى خرج من العمارة وبعد ثواني معدودة سمع الجميع صوت "رجب" وزوجته "سنية"
يصرخان باسمه بفزع: -يا حـــــج... يا ست وصيفة يا فؤاد بيه... الحقوا الحـــــج. وللحكاية بقية، يُتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!