جلس بينهم وهو ينظر إلى كلاهما ويريد أن يعرف لماذا اشتكت "سما" لـ "يونس" ولم يتحدث أي منهم، فقط كانوا ينظرون إلى بعضهم. بادرهم "يونس" بالحديث لإنهاء تلك الجلسة: "هنتكلم ولا أقوم الغداء أحسن." بدأت "سما" الحديث، ووضعت اللوم كله على "نوح" متحدثة بانفعال: "ابن أخوك رايح يقول في المستشفى إننا مخطوبين." وجه "يونس" بصره إلى "نوح" منتظرًا تبريره لتلك التهمة.
"الزفت اللي اسمه نادر جاي يقولي كلام مش على بعضه علشان يعصبني، فـ أنا بقا حرقت له دمه وقلت له إننا مخطوبين." صاحت "سما" بانفعال: "طيب أهي المستشفى كلها عرفت، أقولهم إيه دلوقتي." رفع "يونس" كفه مشيرًا لـ "سما" بصمت، فهو لا يحب ارتفاع أصوات النساء في وجود الرجال. "صوتك يا سما." من ثم وجه اهتمامه إلى ابن أخيه، سأل أيهما عن هوية الرجل الذي ذكر اسمه منذ قليل. "مين نادر ده."
صمت كلاهما تاركًا للآخر الرد. ان فعل "يونس" من صمتهم. "قولت مين نادر ده، مش هعيد كلمتي مرتين." بادر "نوح" بالحديث في تردد لصعوبة الكلام. حاول صياغة حديثه دون ذكر إعجاب ذلك الطبيب بحبيبته. "دكتور معانا في المستشفى، وهو يعني." لم يستطع أن يكمل. اللعنة عليها لما لا تدعه لخنق ذلك البغيض. فهم "يونس" على الفور باقي الكلام الذي لم يستطع ابن أخيه إكماله، متحدثًا بانفعال:
"ومكسرتش عضمه ليه، أنت عارف أنت مين، أنت ابن مهران اللي تحت حرمة بيته مليون خط أحمر، لو حد غيرك من أهل البلد والله ما كان خلاه عاش دقيقة." رد "نوح" بانفعال: "اسألها يوم ما ضربته عملت إيه." وجه "يونس" بصره إليها منتظرًا الرد على حديث ابن أخيه. نظرت "سما" رأسها إلى الأرض، همست في خزي: "هو ضربه مرة الصراحة وأنا اتخانقت معاه وقولت له ملوش دخل بيا تاني ولو شافني في المستشفى يعمل ما يعرفنيش."
أغمض "يونس" عينيه محاولًا استدعاء هدوئه. "سما، اللي حصل ده لو اتكرر تاني هعمل حاجة متعجبكيش، احتمال كمان ما أطلعكيش من البيت تاني، وعقابًا ليكِ هتبقي خطيبة نوح لفترة علشان ميطلعش كذاب قدام المستشفى، وبعدها اخترعوا أي حاجة وسيبوا بعض." احمر وجه "سما" غضبًا. هو لا يمتلك أي حق ليتحكم في حياتها وقراراتها بتلك الطريقة، هو ليس والدها. ارتفع صوتها للمرة الأولى أمام عمدة البلد في حدة:
"أنت مين عشان تتحكم في حياتي، تتحكم في حياة مراتك أو منه الهبلة، أنا لا، أنا كبيرة وعارفة مصلحتي." هتف "نوح" بحدة: "سما، ألزمي حدودك وأنتِ بتكلمي عمي." ضغط "يونس" على كف يده كي لا يتهور، مجيبًا بهدوء استجمعه: "اللي متعرفوش بقا يا سما إن والدك كتبلي وصية عليكم انتوا التلاتة قبل ما يموت."
دبت "سما" قدمها بضيق وانهمرت دموعها بضيق من تحكمه بهم حتى في وجود أبيهم. من ثم اتجهت إلى المطبخ حيث توجد أختها الكبرى التي شهقت بفزع عندما رأيتها هكذا. أسرعت إليها تحتضنها. "في إيه مالك." رفعت وجهها المحمر آثار البكاء: "جوزك عايز يمنعني إني أخرج برا البيت." نظرت "شهد" باستغراب ثم تحدثت إليها: "أهدي كدا طيب واحكيلي حصل إيه." قصت "سما" عليها كل ما حدث، بينما سمعتها "شهد" بإنصات وتركيز شديد لتبدي رأيها بهدوء:
"غلطانة يا سما، وإزاي أصلا متحكيليش على موضوع زي ده." حاولت "سما" التحدث فقطعتها: "اسمعيني يا حبيبتي، الناس اللي زي نادر ده هيضايقك لو لقى إن مفيش وراكِ حد هيتمادى كل مرة، ما هو أنتِ سكتي مرة ومش هتعملي حاجة، فلازم كان حد يقف له ويحس إن وراكِ راجل." رد "سما" ولم ينهي بكائها: "بابا اتخانق معايا يوم ما نوح اتخانق مع نادر." "فاكرة؟
وكمان كان عايز يخليكي تسيبي الشغل. يونس بقا يا ستي غير، بقا هيجيبلك حقك وهتروحي الشغل قدام أتخن تخين، يونس بيحبنا يا سما، هو بيخاف عليكي، ممكن يكون طبعه قاسي شوية بس والله بيخاف علينا، وهو عمل كدا من خوفه عليكي، دا حتى بابا لما كان يروح مكان كان بيقولنا لو في حاجة حصلت في غيابي قولوا ليونس، يونس مكاني لحد ما أرجع." طأطأت رأسها إلى الأسفل: "أنا عارفة والله بس اتعصبت وعليت صوتي عليه، أنا آسفة." ابتسمت "شهد" بحب:
"آسفة دي تقوليها ليونس، يلا دلوقتي نحط الأكل." مسحت "سما" دموعها بكف يدها، وتجهت لتساعد أختها. *** انحنت "شهد" بجزعها إلى الأسفل قليلًا، تضع الطبق الذي كانت تحمله على المنضدة الصغيرة التي تم وضع عليها أطباق أخرى تحوي طعامًا مختلفًا أمام زوجها وابن أخيه. أبصره "يونس" سائلًا: "فين منه." أجابته وهي مازالت منشغلة بوضع الطعام: "بتذاكر." "خليها تاكل الأول وبعدين تكمل مذاكرة."
أجابته بنعم وهي تعود إلى غرفة السيدة "وداد" كي يتناولوا الطعام معها هي والفتيات. بدأ "يونس" بتناول طعامه محدثًا ابن أخيه: "اتغدوا وروحوا شوفوا الست قراريط اللي جنب الحاج محمد وتعالوا بدري، وأنا عندي مشوار لحد الجمعية هخلصه وأجي." تحدث "سيف" قائلًا: "ليه في حاجة يا عمي." "هنخرج." ظهرت علامات التعجب على وجه "نوح" مستفسرًا: "هنتخرج فين." "هاخد بنات عمك عبده وأخرجهم، ومالكم مستغربين كدا ليه." حمحم "سيف" مجيبًا:
"لا مفيش يا عمي بس أنت مش بتخرج وتتفسح وكمان بليل، فـ اتصدمنا بس." "مش هسيبهم يخرجوا لوحدهم يعني، وبعدين خليهم يتبسطوا شوية." *** وضع كأسه الذي انتهى من احتسائه على الطاولة بعنف. تقدم منه صديقه يصب له المزيد من الخمر متحدثًا بسخرية: "مهما براحة على نفسك يا وحش، مكنتش حتت بت يعني تعرف غيرها مليون." أرجع رأسه إلى الخلف مستندًا على كرسيه: "لا دي مش أي بنت، نوح بيحبها، عارف يعني إيه؟
يعني أحبها وآخدها منه أنا يا أكسر قلب نوح عليها." جلس صديقه أمامه متحدثًا: "أنا مش فاهم بتكرهه ليه كدا، يعني مع إن كل الناس بتقول إنه في حاله قوي."
"دخل طب عام وأنا دخلت خاص، الدكتوراه بتاعته هو اتقبلت وأنا اترفضت، طول عمره واخد الدنيا سباق معايا، المهم يبقى أحسن مني وخلاص. أنا كنت بحب سما بجد قبل ما أعرف إن باباها شغال عنده، مكانش فارق معايا وكنت هروح أخطبها، بس حسيت بنظرات الحب لنوح، هي بتحبه بس بتكره كون أبوها خدام عندهم، مش عايزة جوزها يبقى البيه وهي الخدامة، مش عايزة حد في يوم يقولها بقا بنت البواب، فـ لفت على سيدها وتجوزوا. البنت دي عندها كرامة والله."
ضحك صديقه ساخرًا: "دا أنت شايل أوي." وقف "نادر" يترنح في وقفته مشيرًا لصديقه قبل أن يغادر: "ولا صعبة ولا حاجة وأنا هعرف أجيبها." *** يقف في منتصف الصالة الخاصة بشقته يرتدي سترة بيضاء وبنطال قماشي أسود لطالما اعتاد ارتداء هذه النوع من الملابس في شقته. يمسك بهاتفه يرسل بعض الأوامر للرجال. رفع وجه عندما سمع دقات الباب وتبعه دخول "سما" منكّسة الرأس. عاد من جديد ينظر إلى هاتفه دون أن يعير لها انتباه، متحدثًا
ببعض الكلمات المقتضبة: "أختك جوه بتستحمى." "أنا مش جايه عشان أختي." رفع بصره ينظر لها، قبل أن تتحدث هي في خزي ودموع: "أنا أسفة يا يونس." أخرج "يونس" تنهيدة ثقيلة قبل أن يقترب منها: "طيب أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي، سما افهمي أنا بخاف عليكي أكتر من نوح وسيف، يمكن هما رجال وهيعرفوا يتصرفوا، لكن أنتِ بنت وأنا يشهد ربنا بعمل كدا من خوفي عليكم والناس هنا مش هترحم، أيوه ممكن أكون قاسي شوية بس دا من خوفي عليكم."
ربما هذا الحديث جعلها الذنب يزداد لديها وتتزايد عبراتها: "خلاص طيب أنتِ بتعيطي ليه، امسحي دموعك وروحي غيري هدومك علشان خارجين." مسح عبراتها المتساقطة بكف يدها وهي تنظر له بتعجب: "خارجين فين." "هجيب لدكتورة منه هدية وبالمرة نخرج نتبسط كلنا." هتفت "سما" بفرحة: "حاضر." وقادت أن تغادر لولا حديث "يونس" الذي جلبه اهتمامها: "سما أنا مش هجبرك على التمثيلية دي، أنتِ لو عايز تقولي لزمايلك إنك مش مخطوبة عادي." استدارت له مجيبة:
"أنت شايف إنه الصح." "الصراحة شايف إن مينفعش تكسفيه، هو راجل برضو وإنه يطلع كدا ويشمت فيه حد مش حلوة، بس أنتِ عندي أهم وهو اللي لسانه متبري منه، فـ إيه اللي يريحك." همهمت سما تفكر: "هو رغم إنه هيوقف صوتي بس شهر واحد بس." هز "يونس" رأسه مبتسمًا، ومن ثم خرجت هي. *** دخل إلى الغرفة متجهًا إلى الخزانة ليخرج لها ملابس خروجها. خرجت وهي تجفف خصلات شعرها الأسود الطويل. نظرت له يخرج عباءتها السمراء من الخزانة، سألته مستفهمة:
"بتخرج هدومي ليه، هو في حاجة." ترك ملابسها من ثم اتجه إليها ممسكًا بخصلات شعرها بين يده ومد اليد الأخرى لجلب فرشة الشعر الخاصة بها وبدأ بتصفيف شعرها: "هنخرج." كبير البلدة رب عملها يمسك بخصلات شعرها يمشطها لها. تباً لتلك الدغدغة التي سارت بجسدها عندما لامست أصابعه الخشنة عنقها. لم تتخيل في يوم أن تقف تلك الوقفة بين أحضان زوجها العمده. اقترب من أذنها هامسًا بعد أن أغلقت عينيها لذلك الإحساس الجميل: "فتحي عينيكي خلصت."
وضعت يدها تتحسس رأسها. ابتسمت بخجل قبل أن تلتف له: "مكنتش أعرف إنك بتعرف تسرح." حرك يده في بعضيهما يزيل تلك الشعيرات العالقة بيده: "أمال مين اللي كان بيسرح لمنه قبل ما تلبس الحجاب." عضت باطن شفتها السفلية خجلًا: "البسي يلا عشان منتاخرش عليهم." *** خرجت "منه" من غرفته تلتف أمام "يونس" متحدثة بسعادة: "أي رأيك." عقد "يونس" حاجبيه بضيق: "طيب أنا مش قولت كفاية بناطيل وإحنا كبرنا." تحدثت منه برجاء:
"أنا هجيب فساتين النهارده ومش هلبس بناطيل تاني." تغيرت ملامح "سيف" الواقف يشاهد الحوار إلى الضيق: "أشمعنى دا لما قالك سمعتي منه." رد يونس: "ليه وأنت تقولها ليه أصلا." تدخل "نوح" قبل أن يبدأ صراع بينهم: "خلاص هنتاخر و." توقف "نوح" عن الحديث متهيمًا بشيء ما. نظر "يونس" و"سيف" حيث ينظر ليجدوا "سما" تخرج بفستانها الرقيق. حذره "يونس" بحدة: "نوح." حمحم "نوح" مبتعدًا ببصره بعيدًا عنها. تقدمت منهم "سما" في خجل:
"هي شهد منزلش." رفع الجميع أبصاره ليرها تنزل الدرج بعباءتها السمراء لا تضع أي مساحيق تجميل. وقف يتمم على هيئتها العباء ليست ضيق، خصلات شعرها ليست بارزة ولا تضع مساحيق تجميل. رغم ذلك لعن تحديق أبناء أخيه بها لدخولها الملفت. تبسمت بخجل: "يلا." اقترب "يونس" ممسكًا بيدها: "هنروح نطمن على أمي الأول."
هزت رأسها بصمت ثم سارت معه. لا تعلم لما اتخذها معه، ربما حجة لتبتعد عن أبناء أخيه. وعندما غابا "يونس" و"شهد"، دخل الغرفة ليستغل كلاً من "نوح" "سيف" الفرصة ليقول كليهما ما بجوفه لمعشوقته. اقترب "نوح" من "سما" همسًا لها: "شكلك حلو النهاردة على فكرة." أدارت وشها المحمر إلى الجهة الأخرى دون أن تجيب. ليبتسم "نوح" مداعبًا إياها: "بتتكسفي." أجابته بحنق شديد بعد أن كادت تعطيه فرصة: "نوح والله هقول لعمك." غمز لها بطرف عينه:
"خطيبتي." ضربت الأرض بقدمها في عادة اعتادت عليها من الطفولة. بينما اقترب "سيف" من "منه" بضيق حقيقي هامسًا لها: "أنتِ مش صغيرة على فكرة عشان تكلمي عمي يونس كدا ولا تقربي منه كدا." أجابت "منه" في تعجب: "دا جوز أختي وهو اللي مربيني." "وأي يعني جوز أختك غريب عنك برضو." توقف للحظة متذكرًا احتضنه "لـيونس": "ومخليش حد يفضل يمسك فيكي أو يحضنك، محدش ليه الحق دا غير جوزك."
اتسعت عينا "منه" على وسعهما ولكنها لم تستطع الرد بسبب خروج "يونس" ممسكًا بيد أختها الكبرى. *** أمسك بيدها مبتعدًا عن الجميع ومعه أختها الصغرى أيضًا: "هنروح فين ونسيب سما ونوح وسيف." يعرف أنها مازالت تخجل من نطق اسمه إلى الآن ويعلم أنها لم تعتد عليه أيضًا: "مش هيتوهوا متخفيش، هنتشترى فستان لمنه زي ما وعدتها." توقف أمام معرض به الكثير من ملابس الخروج والمنزلية: "شوفي أي اللي أنتِ محتاجاه." أجابت بخجل: "مش محتاجة حاجة."
"أنا مش ضيف وبعزم عليكي فيلا علشان نرجع ليهم." هزت رأسها وبدأت في السير تمسك بتلك القطعة وتلك، أما هو فيقف يراقبها بعينيه يرى ما القطعة التي طالت النظر إليها وكلما رأت ثمنها سارت مبتعدة. سيشتري كل هذا لها. *** توقف "نوح" أمام معرض للخواتم والزينة، من ثم نده لـ "سما" التي تسير أمامه تنظر إلى الأشياء من حولها: "أيحك ذقنه النامية مجيبًا: "اختاري دبله." تعجبت "سما": "ليه." "هو إحنا مش المفروض مخطوبين."
كادت أن تتحدث لكنه قطعها مكملًا: "علشان زمايلنا في المستشفى ولما تيجي البلد أبقى أقلعه." هزت رأسها ومن ثم وجهت بصرها لتلك الدبل أمامهم تختار أحدهم. تعجب "نوح" من هدوئها: "حلوة هاخد دي." أمسك ما اختارته واختار واحدة له هو ومن ثم أمسك بيدها يلبسها إياها. ابتسمت "سما" تمزحه: "متفكرش إني هلبسهالك، البس لنفسك." ابتسم هو الآخر واضعًا القطعة المعدنية في إصبعه: "تيجي أعزمك على عصير بالمناسبة دي." ابتسمت سما بخجل:
"ماشي بس منه." "تلاقيها مع سيف أو عمي." *** جلست على الفراش بضيق بادٍ على وجهها تلقي بحذائها بإهمال ومن ثم مدت يدها تزيل عن رأسها حجابها. أما هو فيقف بجانب تلك الطاولة المجاورة للباب يخرج مفاتيح سيارته وهاتفه وعلبة التبغ الخاصة به. ألقى نظرة سريعة عليها قبل أن يبدأ بنزع جلبابه الصعيدي متحدثًا: "مالك." هتفت بضيق:
"صرفت كتير قوي النهارده وفي حاجات أنا قلت مش عايزة وجيبتهالي برضو، دا أنت جيبلي أنا لوحدي هدوم بخمس آلاف ومنه تلات فساتين، وغير الفستان بتاع سما كان باين عليه غالي قوي ومرضتش تقول على سعره، غير إننا اتعشينا هناك وجبت لمنه حاجات، إحنا خربنالك البيت النهارده." تبسم ممزحًا إياها في كلمات بسيطة ومختصرة رغم أن هذه ليست عادته: "بتحسديني يعني." "أنا مش بهزر والله." اتجه إلى الفراش لينام بجوارها:
"لما أجي أشتكيلك وأقولك خلصت فلوسي أبقى ألوّي وشك كدا، يلا نامي أنا مصدع." زفرت بضيق ووقفت تنزع عنها عباءتها السمراء لتبقى بملابسها المنزلية، هي ليست مخصصة للنوم لكنها تكفي الغرض لمعرفة ما نوع علاقتها بذلك الرجل الذي يكبرها بأربعة عشر عامًا وهو أيضًا نفسه العمده ورب عملها. أما هو فلم تتزحزح عيناه عنها حتى نامت بجواره مولية ظهرها له. اعتدل بجلسته يخرج أحد سجائره من العلبة سألها قبل أن يشعلها:
"ريحة الدخان بتضايقك أطلع أدخن في البلكونة." هزت رأسها برفض دون الالتفات إليها. هي تعشق رائحة عطره المخططة برائحة دخانه وعرقه لينتج عنها رائحة رجولية أحبتها من الوهلة الأولى. أثناء زراعة الأيسر خلف رأسه وزراعه الآخر يمسك به تبغته، حركت أصبعها فوق المفرش حركة دائرية مترددة تلتف لتسأله ما يجول بخطرها. هي حتى تخجل من نطق اسمه لجلب انتباه. شجعت نفسها والتفت لترقد على جنبها الآخر وندته بجرأة تحلت بها: "يونس."
نظر لها وعلامات التفسير على وجهها. أكملت هي مشجعة نفسها: "هو صحيح بابا قبل ما يموت كان عملك توكيل ووصاية علينا." "أيوة، الوصاية دي تسير على منه، والسنة الجاية مش هتسير على سما لأنها هتبقى كبرت ومش محتاجة وصاية، وعلى فكرة كمان سايب سبع قراريط وكتبهم باسمك أنتِ بس أنا اللي بديرهم حاليًا، تعرفت بقا أنا بصرف عليكم منين."
"أنا عارفة إنك مش بتاخد منهم حاجة وبتصرف علينا من فلوسك وفلوس الأرض بتشيلها لينا أو بتستثمرها في حاجة تانية عشان تكبرلنا الأرض." وضع ما تبقى من تبغته في المطفاة ثم عاد ونحنى حتى صبّ وجه فوق وجهها وعينيه تنظر إلى عينيها: "وحتى لو بعمل كدا عندك اعتراض ولا إيه."
أنزلت عينيها في ارتباك وخجل منه ومن قربه. أما عنه فقد أعجبته الحمرة التي طغت على وجهها. مد كف يده الخشن من كثر العمل بالأراضي يزيل تلك الخصل. كان ينبض قلبها بشدة منه ومن قربه الذي دغدغ مشاعرها. تباً لشفتيه الغليظة تلمس شفتيها الرقيقة. هو يقبلها الآن شفتيها حقًا بين شفتيه يقبلهما بتروٍ وقسوة في بعض الوقت. ما تسمعه أذنه من تأوه حقيقي. اللعنة هذه أجمل من ما تخيل بمراحه. "آه يونس." أتظن أن توأها هذه سيجعله يبتعد؟
مخطئ فقد زاده جنونه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!