الفصل 15 | من 39 فصل

رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم تسنيم المرشدي

المشاهدات
20
كلمة
6,631
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

هرولت نحوه بذعر، فأشار بيده إليها مانعاً إياها من الاقتراب. "خليكي عندك، متقربيش عشان الإزاز." وقفت مكانها بينما جلس هو القرفصاء وبدأ يجمع حطام الزجاج. لم تحب الوقوف ومشاهدته دون مد العون له، بحثت بعينها على شيء ما يمكنها مساعدته بها فإذا بالمكنسة اليدوية على مسافة قريبة منها. اتجهت ناحيتها وكانت حريصة بألا تدعس على الزجاج، أحضرتها ثم جمعت بها بقايا الزجاج المتناثر في الزوايا، مما ساعد يوسف على جمعهم. حضرت

السيدة ميمي متسائلة بقلق: "في إيه يا ولاد؟ إيه الصوت دا؟ أخبرها يوسف بنبرة هادئة: "المج بتاع لينة وقع يا أمي." صوبت لينة نظراتها تلقائياً على يوسف والدهشة كانت مشكلة على تقاسيمها بينما هتفت والدته: "فداها ألف مج." التفتت لينة برأسها وأرسلت إليها قبلة في الهواء فبادلتها ميمي قبلة أخرى قبل أن تردف: "خلوا بالكم وأنتم بتلموا الإزاز." باختصار قال يوسف: "متخافيش يا أمي." انسحبت هي للخارج، فلم تنتظر لينة ووجهت أنظارها

على يوسف وسألته بفضول: "المج بتاعي كان بيعمل إيه في إيدك؟ تفاجأ يوسف من سؤالها، وأدرك أن الموقف بات حرجًا للغاية. حمحم وبتلعثم أجابها: "مش كنت بودي الصينية هو فلت من بينهم ووقع." رفعت حاجبها الأيسر فلم تصدق ما أخبرها به، لقد رأته ممسكًا به، فصرحت بما رأته قائلة: "بس أنا شوفتك وأنت ماسك المج و... قاطعها يوسف بانفعاله: "هعمل إيه بالمج بتاعك يعني، ولو زعلانة عليه هجيب لك واحد جديد، خلصنا."

كان قد انتهى من جمعه للزجاج المحطم، استقام بجسده ثم ألقى به في صندوق القمامة وخرج من المطبخ دون أن يلتفت خلفه، هارباً من نظراتها المحملة بالعديد من الأسئلة حول تصرفه المبهم. وكيف سيعطيها إجابات ولا توجد لديه إجابات واضحة لأسئلته هو. دلف لغرفته واعتلى طرف فراشه مستنداً براحتي يده على الفراش ولم يشعر بقبضة يده الغاضبة التي أمسك بها الغطاء، حتى ولج إليه أخيه، فأرخى من قبضة يده وطالعه دون حديث.

لوهلة خشي أن أخيه أيضاً رآه، فلم يخفض نظره عنه في انتظار أي علامة تثبت له ذلك أو العكس. تعجب زياد من نظرات يوسف الثاقبة وسأله مستفسراً عما وراء نظراته: "بتبصلي كدا ليه؟ حرك يوسف رأسه نافياً وجود شيء وأردف بخفوت: "مفيش، عادي.." طالع الفراغ أمامه وانهمر بين أفكاره، يا ترى ما رأي لينة فيما فعله؟ هل يمكن أن تسوء فهمه؟ كيف ستفكر به الآن بعدما تصرف بوقاحة؟ ولما تصرف كهذا من البداية؟ ما هو المخزي من فعلته؟

فقط كان شعورًا منبعثًا من داخله يحثه على شم رائحة كأسها، لما؟ حقاً لا يدري! "إيه اللي شاغلك أوي كدا؟ قالها زياد بفضول، فحالة يوسف بدت مريبة بالنسبة إليه. لم ينتبه عليه يوسف فازدادت غرابة زياد. اقترب منه وجلس بجواره، لكزه في ذراعه ممازحًا إياه: "يابختها.." قطع عليه حبال أفكاره بكلمته، التفت الآخر برأسه ناظرًا إليه بحاجبين معقودين مرددًا بعدم استيعاب: "هي مين؟ غمز إليه زياد بخبث وقال بنبرته اللعوبة: "اللي بتفكر فيها."

احتدمت تعابير يوسف ثم هتف بغضب جامح وهو ينهض مبتعدًا عن الفراش: "مبحبش الكلام ولا الأسلوب دا، واحترم نفسك وأنت بتكلمني." أثار يوسف الجدل حوله بسبب انفعاله المبالغ، فالأمر لم يحتاج لكل ذلك الغضب، كان فقط يمازحه. نهض زياد موضحًا حسن نواياه: "في إيه يا يوسف، أنا بهزر معاك." أنهى يوسف حوارهما السخيف بتحذيره: "ولا بهزر ولا مببهزرش، أنا هنام."

فك أزرار قميصه ثم ألقاه بعنف على الأريكة الهزيلة الموضوعة في زاوية الغرفة، وتوجه إلى فراشه لينام تحت نظرات زياد المذهولة من تصرفاته الغريبة. بعد لحظات بدل هو أيضًا ثيابه ثم أخذ قميص يوسف ووضعه على الحامل الذي يتمثل خلف الباب، توجه إلى الفراش وأولى ظهره ليوسف وفي ثوانٍ كان في ثبات عميق.

في الغرفة المجاورة، كانت تتوسط الفراش حاضنة وسادتها بين ذراعيها مستندة بذقنها عليها، تفكر فيما رأته. كان الأمر شاغلاً حيزًا كبيرًا في عقلها، كلما فكرت قليلاً بالمنطق لا تجد تفسيراً واضحاً لتصرفه. انتبهت على اهتزازة هاتفها الموضوع على وضعية الصامت، فأجابت على صديقتها شهد: "لسه منمتيش؟! عقبت شهد بنعاس: "بنام خلاص، بس كنت عايزة أقولك إني هجيلك بكرة قبل الدروس تفهميني حاجة ونمشي مع بعض." أبدت لينة قبولها قائلة:

"تمام هستناكي." تثائبت شهد وأردفت بنبرة غير واضحة: "سـ سلام." "سلام." قالتها ثم عادت لأفكارها ممكسة بخصلة من شعرها وظلت تلفها بحركات دائرية على إصبعها، وفي النهاية لم تصل لحلٍ يرضى فضولها، فقررت النوم أفضل. في مساء اليوم التالي، اجتمعت العائلتان في منزل السيد رمضان، عائلة بلال المكونة من والديه وشقيقتيه وأزواجهن، وعائلة يوسف، والدته ولينة التي أصر على مجيئها بينما تحجج زياد ببعض الأعمال لكي لا يذهب معهم. رحب

بهم السيد رمضان بحفاوة: "البيت نور يا جماعة والله." تولى السيد سمير مهمة الرد عليه بلطف: "منور بأهله يا أستاذ رمضان." بابتسامة قال رمضان: "تسلم يا أستاذ سمير." مال بلال على أذن يوسف الذي كان يجلس بجواره وهتف ساخرًا: "إيه الجو دا يابني، إحنا في مدرسة." صدرت ضحكة مفاجئة من يوسف فأثار النظرات حوله، أخفض بصره بحرج بينما عاد بلال بأنظاره على زاوية خروج فتاته، فهو ينتظر ظهورها بفارغ الصبر. استأذنت هادية منهم بقولها:

"بعد إذنكم لحظة." نظرت إلى لينة وأردفت: "تعالى يا لينة معايا." وجهت أنظارها على ولدها وحثته على المجيء: "وأنت كمان يا أسامة." نهض كليهما بينما كز يوسف أسنانه بعصبية وهو يرى لينة تسير بجوار ابن خاله. حمحم ثم نهض ونظر للجميع وهتف بأسلوب طريف: "ثواني وراجع، محدش يتكلم من غيري."

قهقه الجميع على داعبته بينما أسرع هو إلى الداخل لاحقًا بهما. تعجبت هادية وجوده لكنها لم تعقب بل قابلته بود وبدأت في تحضير الحلوى وتعطيها لهم من أجل ضيافة الحاضرين. كانت لينة متولية مهمة الضيافة بمساعدة يوسف، بينما دلفت هادية لغرفة ابنتها، كانت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا تفرك يديها بتوتر. "يلا يا إيمان عشان تطلعي للناس." أردفتها هادية فنظرت إليها إيمان بارتباك واضح. أخذت شهيقًا عميقًا ثم أخرجته على مهلٍ وقالت: "يلا.."

خرجت والدتها أولاً ثم تبعتها إيمان إلى الخارج وقلبها يكاد يخترق جسدها من شدة تدفق نبضاته، تشعر بالضياع، لا تعلم ماذا تفعل، وهل هي حقًا على استعداد لأخذ تلك الخطوة أم أنها تسرعت ويجب عليها التراجع قبل فوات الأوان. خرجت من شرودها على وقوف الجميع أثناء ظهورها، شكلت ابتسامة زائفة على محياها ثم بدأت بمصافحتهم واحدًا تلو الآخر، حتى وقفت أمام بلال الذي كان يخفق قلبه بشدة كلما اقترب منه حتى باتت أمامه مباشرةً.

مد يده وتحسس يدها الناعمة فازدادت نبضاته أضعافًا، غزت الابتسامة شفتيه وهو يراها واقفة أمامه خجلة بفستانها الأزرق الذي يتماشى مع لون بشرتها القمحية. جلست إيمان على مقربة من الجميع، ولم ترفع رأسها قط، بل ظلت منكسة الرأس لا تقدر على النظر لأحدهم، فالأمر كان أصعب مما توقعت. بدأ السيد سمير حديثه فيما جاءوا من أجله بصوته الأجش: "يشرفني يا أستاذ رمضان أننا نطلب أيد بنت حضرتك لبلال ابني." ابتسم رمضان وكذلك

الجميع بسعادة منتظرين رده: "الشرف ليا يا أستاذ سمير إني أناسب عائلة محترمة زيكم." بامتنان شديد قال سمير: "ربنا يخليك يا رب." حمحم ثم بدأ يعرف عن هوية بلال وما يملكه: "بلال عنده شقة عندي في العمارة، وماسك فرع من معارضي، وأهو في الآخر كله ليه ولأخواته يعني." هتف أبناؤه في آن واحد: "بعد الشر عنك." "ربنا يطولنا في عمرك يا بابا." بادلهم السيد سمير ابتسامة امتنان وحب، ثم عاد ليتابع حديثه:

"وكل طلباتكم إن شاء الله متفقين عليها." وجه أنظاره حيث تجلس إيمان واسترسل بمرح: "كل اللي تقول عليه عروستنا هيتنفذ بس هي تؤمر." تدخلت شهيرة بنبرة صادقة: "آه والله هي تشاور بس وإحنا ما علينا إلا التنفيذ." ابتسمت لها هادية ممتنة لكرمها وشكرتها: "تسلمي يا أم بلال، كلك ذوق." أردفت الأخرى مؤكدة: "دا مش كلام والله، دي كفاية إنها هتكون مرات بلال لو طلبت عيني هديهالها." تدخلت ميمي في الحديث بقولها: "تسلم عيونك يا شهيرة."

وزعت أنظارها بين أخيها وزوجته وتابعت: "شهيرة دي عشرة عمر، ومشفتش أطيب منها يعني يابختك يا مونة بحما زيها." استنكرت شهيرة تلك الكلمة غير المقبولة بالمرة وعدلتها: "لا لا يا ميمي بلاش كلمة حما دي مش بحبها، أنا هكون زي مامتها وإن مكنش أكتر كمان." صوبت بصرها على هادية وواصلت بابتسامة مرحة: "متأخذنيش يا هادية بس أنا واثقة من نفسي." قهقه جميعهم بينما عقبت هادية ممتنة: "وأنا مكرهتش والله، حتى أبقى مطمنة عليها."

أسرعت شهيرة في بث الطمأنينة في قلب هادية بقولها: "لا أنا عايزاكي تطمني ومتقلقيش خالص." بادر سمير في مواصلة حديثه فحتماً لن تنتهي أحاديثهن تلك الليلة. حمحم ليجذب انتباههم وأردف بنبرته الرجولية: "ها قولت إيه يا أستاذ رمضان؟ تنهد قبل أن يردف: "أنا عن نفسي موافق، بس رأي العروسة أهم." عقب سمير بتأكيد: "دا أكيد، إيه رأيك يا عروسة؟

تفاجأت إيمان بسؤال سمير، خفق قلبها بشدة وطالعته بذهول. لم يكن لديها إجابة وإن كان لديها فلن تصرح بها أمام الجميع. أنقذتها شهيرة حينما اقترحت: "مش يقعدوا مع بعض الأول يا سمير ويتعرفوا على بعض." زفرت إيمان أنفاسها التي حُشرت داخلها براحة، ووافقها سمير الرأي حيث أردف: "أكيد طبعاً لو أستاذ رمضان وافق."

لم يرفض رمضان الأمر فهذا من حقهم. نهض بلال وكذلك إيمان بينما نظر بلال إلى يوسف وغمز إليه ثم تابع سيره بعجرفة تحت نظرات يوسف الضحوكة. جلس كليهما في الصالون ثم تركتهم شهيرة بمفردهما وعادت إلى البقية. الخجل كان سيد الموقف، على الرغم من تلهف بلال لخلق حوارً معها إلا إن كلماته انحشرت داخله وفشل في إخراجها. ظل يتابع توترها البائن، حيث كانت تهز قدميها وكذلك تفرك أصابعها بقوة. حتى فاجئته هي بسؤالها:

"أسمح لي في السؤال، اشمعنا أنا اللي اختارتها؟ سؤالها بمثابة بابً قد فُتح له لبدء الحديث معها. حمحم ليضبط من نبرته رغم ذلك ظهرت متحشرجة: "عشان بحبك." رده كان مفاجئًا لكليهما، فلم يرتب هو للإفصاح عن حبه لها الآن، وكذلك هي لم تكن أقل منه ذهولاً. حب!! وهل يعقل أن يصرح بمشاعره من الجلسة الأولى لهما؟ كان على قدر كافٍ من التفهم بما يدور في عقلها، فأراد إرضاء دهشتها وإعطائها إجابات واضحة:

"يمكن تقولي إيه العبيط اللي قاعد قدامي دا، بس دي الحقيقة، أنا بحبك يا إيمان." اتسعت مقلتاها بذهول شديد فتابع هو قبل أن يفشل في استكمال حديثه الذي بدأه للتو: "يمكن كلامي ميكنش مقنع أوي بالنسبة لك، وأكيد بتقولي هو لحق يحبني امتى، دي تعتبر أول مقابلة لينا اللي فات كان مجرد صدف." أخفضت إيمان رأسها بحياء فهذا حقًا ما تفكر به. زفر بلال أنفاسه وتابع ما لم ينهيه بنبرة متيمة:

"كل دا بالنسبة لك صدفة، لكن أنا اللي كنت السبب في الصدف دي، أنا بقالي ٨ سنين مخبي مشاعري نحيتك، بس كنت متأكد أن في يوم هقدر أعترف بيه وكان جوايا يقين إنك هتبقي حلالي." عض على شفتيه السفلى قبل أن يتابع: "ودلوقتي متعشم في موافقتك.." رفعت إيمان نظريها عليه فقابلها بإبتسامة عذبة. لن تنكر تعجبها منه ومن حديثه وتصريحه بدون زيف، كان صادقًا للغاية وهي استشعرت ذلك بالفعل.

حتماً لن تكذب تلك العينين اللامعة التي تنتظر إجاباتها بفارغ الصبر. شعرت بالضياع أكثر ولم تعد تعلم ماذا تفعل. من البداية كانت متأكدة من رفضها، لكنها الآن مشتتة، تخشى تحطيم قلبه وأن تكون السبب في انطفاء وميض الأمل في عينيه. قطع حبال أفكارها سؤاله بتوجس: "ها إيه رأيك؟ ابتلعت ريقها مرارًا قبل أن تعطيه إجابة: "أنا محتاجة وقت أفكر لو دا مش هيضايقك." نفى بلال وجود أي مضايقة في الأمر: "لا طبعاً، خدي وقت زي ما تحبي."

تقوس ثغرها ببسمة لم تتعدى شفتيها على عكس الابتسامة التي غزت وجه بلال. لم يتوقف عن الثرثرة وظل يحدثها عن نفسه وعن أعماله وهواياته وكل ما يخصه بنفسٍ راضية. في الخارج، استغلت لينة فرصة انشغال الجميع وانسحبت من بينهم وولجت لشرفة التي تتوسط الردهة. استندت بمرفقيها على سورها وطالعت السماء والعديد من الأفكار والمشاعر قد راودتها. انتبه يوسف لذهابها ونهض خلفها ليعلم ما أمر انسحابها من بينهم. "واقفة لوحدك ليه؟

سألها وهو يستند أيضًا على سور الشرفة. التفت هي برأسها وأجابته بفتور: "الجو جوا حلو أوي، وقلب عليا ذكرياتي." التفتت بكامل جسدها وواصلت بأعين لامعة تهدد بتساقط عبراتها: "واحشني أوي جو بيتنا." ابتسمت بألم وهي تواصل بنبرة مهزوزة:

"واحشني بابا وماما واخواتي، واحشتني لمتنا. تعرف بابا ميت وأنا كنت صغيرة أوي، مكنتش فاهمة يعني إيه موت، مكنتش لسه قادرة أستوعب يعني إيه يروح وميرجعش تاني. الموضوع مكنش مسبب لي أزمة لأن كان فيه بديل، ماما ويمكن هي كانت الجانب الأكبر اللي محتويانا، بابا كان طول الوقت برا مش بنشوفه كتير فغيابه مأثرش معانا أوي، أنا مفهمتش يعني إيه موت إلا لما أحمد راح وماما كمان راحت و...

لم تستطع الصمود لأكثر وجهشت باكية، وضعت أصابعها أمام عينيها تخفي عبراتها التي تنسدل بغزارة. شعر يوسف بوخزة قوية في قلبه، متألمًا بسبب دموعها التي تحاول إيقافها. بينما مسحت هي عبراتها بأناملها وأردفت بصوت متحشرج: "حتى علي مشى.." استدارت لينة بجسدها لوضعية وقوفها الأولى حيث استندت على سور الشرفة ثانيةً، ورددت بندم وهي تطالع البنايات من حولها: "أنا آسفة إني نكدت عليك في يوم زي دا."

تفاجأت لينة بيدها التي اختفت داخل يده. التفت برأسها إليه فقابلها بإبتسامة عذبة وهتف بنبرته الرخيمة: "بس أنا موجود، مش كفاية؟ نظرت في عينيه موحية إليه بإشارات معاتبة، فهل حقًا يسألها؟ ألا يدري كم تحبه؟ أيجهل أنه الأهم من بين الجميع!! كادت أن تجيبه إلا أن صوت ذاك الدخيل قد منعها بسؤاله: "بتعملوا إيه عندكم؟ سحب يوسف يده بهدوء لكي لا يسبب الحرج لكليهما. التفت إلى ابن خاله وشكل ابتسامة سمجة على شفتيه وباقتضاب سأله:

"عايز إيه يا خفيف؟ أبدى أسامة سخافته في رده: "برخم عليكم." أيده يوسف رأيه عن نفسه: "طول عمرك رخم إيه الجديد." تشدق أسامة بفمه غير متقبل سُبابه وردد: "لأ أنا مقبلش إهانتي قدام القمر." أردف آخر جملته وهو يطالع لينة بعينيه. برزت عروق عنق يوسف بغضب ثم اقترب من ابن خاله ولكزه في صدره بعنف محذرًا إياه: "طيب خد عينك وأطلع برا بدل ما أقلعهملك من مكانهم."

أرغمه يوسف على الالتفات والسير، دافعاً إياه إلى الخارج. عاد لمشاكسته التي لم تكف عن الضحك فأثارت غضبه وهلل باقتضاب: "معاكستك عجبتك أوي؟! عقدت لينة حاجبيها واستنكرت ظنونه ثم عللت سبب ضحكها: "أنا بضحك عليك على فكرة." قلب يوسف عينيه ثم طالع الفراغ أمامه محاولاً استعادة رونقه من جديد، بينما أخرجت الأخرى تنهيدة حارة وهي تخبره بمشاعرها: "وعلى فكرة أنت الأهم من بين كل اللي حواليا." أدار رأسه نحوها بغرابة

فأوضحت هي سبب تصريحها: "مش كنت بتسألني أنا مش كفاية؟ فهم ما ترمي إليه ولم يمنع تسلل ابتسامته التي تشكلت عفوياً على محياه، فأجبر لينة على الابتسام. أخرجت زفيراً عميق واقترحت شيئاً: "ما تحكيلي عن أحمد؟ رمقها يوسف والرفض يتجلى في عينيه. استشفت رفضه فقالت: "أكيد فيه بينكم مواقف حلوة، أو كوميدية يعني."

اتسعت ابتسامته عندما تذكر طرائفه مع أحمد وبدأ يقص عليها من بين ضحكاته، بينما كانت تصغي له باهتمام شديد كما شاركته الضحك أيضًا. في غرفة الصالون، وبعد صمتٍ طال لعدة دقائق تنهد بلال ثم سألها بفضول: "ها، لسه مش هتعرفيني رأيك؟ لم تمنع إيمان ابتسامتها التي غزت شفتيها مجبرة إياه على الابتسام كذلك ثم أردفت ساخرة: "أنا لحقت أفكر؟

لم تكن ضحكتها هينة عليه، لقد كانت تعني الكثير والكثير. شعر بأمل يخلق داخله وأن ردها سيكون في صالحه. "نهضت إيمان وبلطف هتفت: "نخرج؟ أماء لها بقبول ثم نهض عن الأريكة وتبعها إلى الخارج. انتبه الجميع لدلوفهما واستقبلاهما بابتسامة كانت مريبة قليلاً. وقعت ضحكات يوسف ولينة على أذن إيمان، فوجهت نظراتها تلقائياً عليهما، على ما يبدو أن حوارهما حميمي للغاية. لم تصدق عينيها، هل هذا يوسف نفسه؟

تلك ضحكات من تمنت منه ابتسامة حتى وإن كانت زائفة؟! لكن ما شغل عقلها، أين تكمن المشكلة؟ بها أم به أم بتلك الفتاة التي ينشغل بها؟ حتماً بثلاثتهم. أخرجت تنهيدة مهمومة ثم اقتربت من والدها وانحنت بقرب أذنه وهمست ببعض الكلمات ثم عادت إلى كرسيها في هدوء. حمحم رمضان قبل أن يخبرهم برأي إيمان التي أبلغته به: "طيب يا جماعة، العروسة موافقة."

السعادة دون غيرها أسرت قلوب الحاضرين. تعالت الزغاريد من قِبل شقيقات بلال فرحين بذاك الخبر السعيد. وفي زاوية يقف بلال جاحظ العينين لا يصدق أنها بالفعل قبلت. لا يستوعب عقله، لقد سألها منذ دقائق عن رأيها به وطلبت منه بعض الوقت، لكنها كانت مفاجأة سارة دق قلبه طربًا بسببها. أخرج من جيب معطفه علبة حمراء اللون أثناء خروج يوسف ولينة من الشرفة.

اقترب من ساكنة فؤاده ومد لها يده فنظرت إلى والدها الذي أومأ برأسه فأعطت يدها لبلال فأسرع في وضع الخاتم الذي اشتراه خصيصًا من أجلها في إصبعها. طالع عينيها الخجلة وأردف بصوته الرخيم: "مبروك علينا." عقبت على مباركته بخفوت: "الله يبارك فيك." تعالت الزغاريد مرة أخرى، حتى قطعها بلال بقوله: "دي مش الشبكة دا مجرد هدية بمناسبة قراية الفاتحة." وجه بصره على الجميع متسائلاً بمرح: "صحيح إحنا مش هنقرأها ولا إيه؟

هللت شهيرة بسعادة لا توصف: "طبعاً دا مش من قيمتها، دي قيمتها غالية أوي مش مجرد خاتم." نظر السيد سمير إلى والد إيمان وبود سأله: "تقرأ الفاتحة يا أستاذ رمضان؟ أماء له رمضان بقبول مرددًا: "على خير الله، أقروا الفاتحة."

رُفعت أيادي الحاضرين تلقائياً وظل يرددون سورة الفاتحة بخفوت. كانت نظرات الجميع تدل على مدى سعادتهم بتلك المناسبة المفاجئة، على عكس يوسف الذي كان يطالع صديقه بعبوس، غير راضٍ بما يفعله، وعزم بأن يحادثه في وقت لاحق. "ولا الضالين، آمين." أنهى بها بلال قراءته لسورة الفاتحة ثم نظر إلى السيد رمضان مباشرةً وهتف بحماس:

"لو تسمح لي يا عمي، أنا مش حابب أطول فترة الخطوبة، أنا الحمدلله لله شقتي جاهزة، واقفة على شوية حاجات إيمان إن شاء الله تنزل معايا تختارهم بنفسها، وأنا مش محتاج منكم أي حاجة ي... قاطعته هادية التي تحدث بعجرفة: "ولا إحنا ناقصنا حاجة، إيمان شوارها خالص من زمان." ابتسم لها بلال بهدوء وواصل حديثه: "يبقى تمام أوي، في خلال شهر الشقة هتكون خالصة من مجاميعه ونحدد الفرح على طول." لم يعجب رمضان سير الأمور بتلك العجلة

وقال رأيه في تلك المسألة: "وليه الإستعجال يابني؟ استنوا شوية خلص حاجاتك براحتك وبعدين نفكر في الفرح." أبدى بلال رفضه التام حيث أردف: "يا عمي أنا خلاص هتم ٣١ سنة الشهر الجاي، يعني مش صغير وطالما إحنا مخلصين كل حاجة، يبقى ليه نستنى؟ "أنا حابب نتعرف على بعض أكتر وإحنا في بيتنا." تدخل سمير برأيه حينما شعر برفض رمضان: "متضغطش عليهم يا بلال، طالما كدا كدا في الآخر هتتجوزوا مش فارقة شهر بقا من ٣ أو ٤."

شعر رمضان بالحيرة من ذاك الموقف الذي وقع بين طياته. زفر أنفاسه ليعطي لعقله فرصة التفكير قبل أن يعقب: "والله يا جماعة أنا معنديش مانع، بس الرأي يرجع للعروسة هي اللي تقرر في الموضوع دا." توجهت الأنظار حول إيمان التي كست الحمرة وجهها من فرط الخجل. لم ترفع نظريها عن الأرض قط، ابتلعت ريقها وبخجل بائن أردفت: "اللي تشوفه حضرتك يا بابا." هتفت شهيرة بحماس: "قول موافق يا أستاذ رمضان خلينا نفرح."

وزع رمضان أنظاره بين الجميع فلم يرى سوى السعادة التي ستدق قلوبهم بموافقته فما كان أمامه سوى القبول حيث قال: "على خير الله." عمت الزغاريد والمباركات المكان، كانت السعادة من تسيطر اليوم على قلوبهم، بينما كان يتابع يوسف ما يحدث ولا يبدي ردة فعل، يشاهد بفتورٍ ولا يعجبه تلك العجلة قط.

بعد مدة طويلة، استأذنت عائلة بلال وكذلك يوسف اصطحب عائلته ليغادروا. وقف بلال في زاوية قبل أن يصل إلى باب الشقة. استغل فرصة انشغال الجميع لتوديع بعضهما البعض وطالب إيمان بحرج: "إيمان، ممكن رقم موبايلك." طالعته لبرهة فاختلق بلال سببًا لطلبه لذاك: "يعني.. عشان إحنا من بكرة هنبدأ ننزل ونشتري الحاجات وهبقى عايز أتواصل معاكي وكدا." حمحمت ثم استأذنته بقولها: "طب ثواني معلش."

اقتربت من والدها ثم همست له تحت نظرات بلال المذهولة. شعر بالحرج الشديد ولعن نفسه بأنه طالبها برقم هاتفه. تمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه بدلاً من أن يواجه رمضان. بعد لحظات جائته بعد أن سمح لها والدها ثم أردفت بنبرة جامدة: "هات موبايلك." أعطاها إياه دون تفكير، فسجلت هي رقمها عنده باسمها ثم أعادت الهاتف له. تقوس ثغره بابتسامة سعيدة كأنه فاز في حربٍ وليس فقط امتلاكه لرقم هاتفها. طالع والدها قليلاً قبل أن يردف بنبرته المتيمة:

"تصبحين على خير." أخفضت رأسها بحياء وأجابته بنبرة تكاد تُسمع: "وأنت من أهله." "مش يلا بقى يا بلال ولا هتبات عندك؟ هتف بها يوسف بنفاذ صبر، بينما بادله الآخر نظرات غيظ وصاح بحنق: "جاي خلاص أهو يا خفيف." أشار إلى إيمان مودعاً إياها: "مع السلامة." اكتفت الأخرى ببسمة لم تتعدى شفتيها، ثم غادر بلال برفقة الجميع. استقل كلاً منهم سيارته وغادروا عائدين إلى منطقتهم. بعد وصولهم، تعمد يوسف عدم الصعود لمنزله ونادى

بصوته الأجش على صديقه: "بلال عايزك قبل ما تطلع." أومأ إليه بقبول وصاح من على بُعد مسافة منه: "هركن العربية وأجيلك." بعد لحظاتٍ انضم بلال إليه فتفاجئ بانفجار يوسف به: "مش عاجبني أبداً سربعتك اللي مشيت بيها الموضوع، جواز إيه اللي يتم في شهر؟ "جبت الثقة دي منين عشان تقرر تتجوز في شهر واحد اللي هو أصلاً هيضيع كله في تجهيز البيت؟! "أنت بجد مخوفتش للحظة إن حياتك تفشل؟

"يعني على الأقل كنت تصبر ٥ أو ٦ شهور كدا تكون فهمت دماغها وهي فهمت دماغك، شاركتوا بعض في الفرح والزعل، اتخانقتوا وعرفتوا أن كنتوا هتعرفوا تتعاملوا أو حتى لأ." "أحاجات كتيرة أوي المفروض تعرفها عنها والعكس صحيح، وأنت تيجي تقرر إن الجواز في شهر؟!! تأفف بلال بضجر بائن، فكلمات يوسف لم تؤثر به ولو بذرة. تنهد ليخرج كلماته هادئة وليست غاضبة وحاول أن يريه وجهة نظره: "أنا استنيت كتير أوي أوي يا يوسف، مش كفاية بقى؟

"معتش قادر أضحك على نفسي أكتر من كدا، أنا بحبها وعايزها تكون حلالي ودا المهم، التفاهم والتعارف دا يجي بعد الجواز حتى يكون أسهل ومناخدش وقت." أوصد يوسف عينيه لاعنًا تفكيره الساذج. أعاد فتح عينيه وبنبرة مشحونة بالعصبية صاح: "دا تفكير عقيم، مفيش في الدنيا حاجة اسمها كدا، إحنا نتجوز لما نلاقي نفسنا متفاهمين ومستعدين لكدا." زفر أنفاسه وواصل مسترسلاً بضيق:

"أنا وأنت عارفين اللي فيها يا بلال، على الأقل عودها عليك وعلى وجودك الأول وبعدين فكر في الجواز يا أخي." قابله بلال بملامح جامدة، فهو يفهم مخزى حديثه، ولم يتقبله قط. تنهد يوسف وحاول كبح جماح غضبه، فهو مجبر أن يهدأ ويصلح ما اقترفه. شعر بالندم حيال كلماته التي لم يرأف بصديقه عند قولها وهتف مبررًا: "أنا عارف إن كلامي يضايق، بس أنا مش عايزك تزعل في الآخر لما يتقفل عليكم باب ومتلاقيش اللي كنت مستنيه يا بلال." ربت على

ذراعه وأكمل بنبرة سوية: "يا ضنا أنت أخويا، وسعادتك تهمني." استقام بلال في وقفته بعدما كان يستند على سيارة يوسف، وباختصار قال: "ربنا يسهل يا يوسف." أولاه ظهره وعاد إلى منزله وكلمات يوسف تتردد في عقله. لقد تبخرت سعادته بتذكيره لحبها له. كيف تجنب تلك المسألة بسهولة، أم أنه تعمد نسيانها فقط ليصل إلى مراده في النهاية.

تشتت عقله ولم يعد يعلم أين الصواب، فقرر النوم ليريح ذهنه قليلاً من تعب التفكير لعله حينئذٍ يعرف ماذا يريد. تأفف بضجر بائن، شعر بالصداع من ذاك الهاتف الذي لم يتوقف عن الرنين. تلفت أعصابه ولم يعد يستطيع التحمل فصاح بملل: "ما ترد يابني على البتاع دا، أنا صدعت، دا موقفش رن من وقت ما خرجنا." قلب زياد عينيه بتزمجر ثم أردف بلا مبالاة: "سيبها ترن." التفت إليه أمجد متشدقًا بفمه وهو يصيح بعدم تصديق: "خليها ترن!

أنا قولت برده الصداع دا مش هيخرج عن واحدة من اللي بتمشي معاهم، ودي مين المرة دي؟ أجابه بثقة الفتى المشاكس: "ريم، البت الأخيرة دي." فغر أمجد فاهه بذهول وهو يردد بعدم تصديق: "مش دي اللي حُفيت عشان تاخد رقمها؟! استاء زياد من وصفه ثم هدر به شزرًا: "مين دي اللي حُفيت وراها؟ رمقه أمجد بطرف عينيه بتهكم فتراجع زياد عن قوله:

"ماشي كنت عايز أوصلها وأديني وصلت، بس خلاص زهوة البدايات بهتت كدا، مبحبش البنات السهلة اللي بكلمة واحدة تلاقيها وقعت، بحب البت اللي طلع عيني على لما أقدر أوصلها ويا سلام بقا لو موافقتش بتدخل دماغي بطريقة ياض يا أمجد وببقى هموت عليها وبقلب بطة بلدي قدامها بس أول ما تنخ وتتساهل معايا بتقع من نظري." طالعه أمجد بتقزز، هاتفًا بتهكم: "أنت محتاج تتعالج يا زياد." قلب زياد عينيه وهتف ساخرًا: "يا عم فكك مني، يلا سلام."

ترجل من السيارة ثم صعد إلى منزله بينما ذهب أمجد ليصف سيارة والده في موضعها ليعود إلى منزله. "ها يا بنتي، ما تقوليلي رأيك إيه في اللي حصل النهاردة؟ توسطت فراشها وأخذت وسادتها بين ذراعيها، واضعة إصبعها في فمها لتأكل أظافرها، وعقلها منهمر في الأحداث الأخيرة. نفخت والدتها بضيق وصاحت بنفاذ صبر: "ما تنطقي يا إيمان، غلبتيني معاكي." خرجت إيمان عن صمتها مجيبة والدتها بنبرة هادئة مريبة:

"معرفش يا ماما، مش قادرة أقول إني موافقة على اللي حصل وبرده مش قادرة أحدد إن كنت رافضة ولا لأ." رفعت هادية شفتيها العليا وعلامات الاستفهام ازدادت داخل عقلها. هزت رأسها حينما لم تفهم منها شيئًا ورددت بتأفف: "أنا مش فاهمة حاجة من كلامك دا." حاولت إيمان تبسيط كلماتها فقالت: "بلال شكله طيب أوي يا ماما دا حتى قالي إنه بيحبني من ٨ سنين." اتسعت مقلتا هادية بدهشة، فسماع ذلك لم يكن هيناً قط. تشكلت بسمة عريضة

على ثغرها هاتفة بسعادة: "كان فين دا من زمان؟ تنهدت إيمان بفتور وتابعت حديثها: "وأهله كمان شكلهم طيبين أوي، بس أنا مش مستعدة أبداً للجواز الوقتي، دا بيقول شهر!!

"يعني يدوب أغمض وأفتح ألاقي نفسي في بيت جديد عليا مع راجل معرفش عنه أي حاجة، دا في حد ذاته يخوف، يخوف إيه دا الموضوع يرعب، أنا كدا بظلم نفسي وبظلمه معايا، أنا مش هعرف أتعامل معاه بسهولة، مش هعرف أكون له زوجة يا ماما مش هقدر أديله حقوقه وأنا حاسة أنه غريب عني، والله أعلم هتعافى من التاني دا امتى وهركز مع دا امتى، أنا بجد تايهة ومتلخبطة وسرعة الأحداث دي موتراني."

اقتربت منها والدتها وقامت باحتضانها، فشعرت برجفة جسدها ثم صغت إلى أناتها التي تلاها بكاء غزير. شدت شهيرة من ضمها إليها وحاولت التخفيف عنها بقولها:

"أنا عارفة إن قلبك مكسور، وكان نفسك في واحد بس ربنا مأردش، نقوم نحمد ربنا إن فيه حد غيره بيحبنا، أهو دا اللي هيطبطب ويدادي ويداوي جروحنا، وإن جيتي للحق الواد ميعيبوش حاجة أبدا، أبوكي سأل عنهم وطلعوا ناس محترمة ومعروفة، وهو الوحيد يعني لا سلفة تقرفك ولا تضايقك، وأمه شكلها نفسها تجوزه النهاردة قبل بكرة وهتشيلك في عينها، وغير إن مستواه المادي كويس جدًا يعني مش هيخليكي محتاجة لأي حاجة، وبعيد عن كل دا أنا شوفت لهفته عليكي ونظراته اللي متشالتش من عليكي طول القاعدة كأنه مش شايف غيرك، وشكله بيحبك بجد على فكرة، مش بيقولوا العاشق تفضحه نظرة عنيه؟

رفعت إيمان رأسها ناظرة لوالدتها التي ابتسمت لها وتابعت بنبرتها الحنونة وهي تملس على خصلاتها: "اسمعي كلامي وسيبي الموضوع يمشي زي ما هو، لو مشى من غير تعقيد يبقى دا نصيبك وعوضك، لو حصل أي حاجة فشكلت الموضوع يبقى منقولش غير الحمدلله لأن يابنتي ربنا مش بيكتب لنا غير الخير، بس إحنا مش بنشوف دا غير بعدين."

انتبهت كلها على رنين هاتف إيمان. تناولته من أعلى الكومود وعقدت حاجبيها متعجبة من ذاك الرقم مجهول الهوية. مالت والدتها مختلسة النظر إلى شاشة الهاتف وسألتها بفضول: "رقم مين دا؟ بعد ثوانٍ جائتها إجابتها: "طالع على تروكولر بلال! ابتسمت هادية ثم رددت بحماس: "ردي عليه، ادي له فرصة." لم تبدي إيمان ردة فعل بل ظلت ترمقها في صمت، فحثتها والدتها على فعلها: "ردي ومش هتندمي." غمزت إليها ثم انسحبت سريعًا من جانبها. كادت أن تخرج

إلا أن تراجعت وأكدت عليها: "ردي عليه." أجبرت إيمان على الابتسام وهي تردد: "خلاص يا ماما." بادلتها شهيرة ابتسامة عفوية ثم خرجت وتركتها بمفردها. نظرت إيمان إلى شاشة الهاتف بتردد كبير ثم أجابت قبل أن تنتهي مدة الاتصال: "ألو.." خفق قلبه فور سماعه لصوتها. حمحم قبل أن يردف متسائلاً بمزيج من الحماس والانطفاء: "نميتي؟ باختصار همست: "لأ."

تنهد بلال فعقله منشغل بكلمات يوسف، لم يستطع إخراجها من عقله، يشعر بالتخبط بينها، لا يعلم إن كان ما فعله الصواب أو العكس. استشعرت إيمان صمته وسألته مستفسرة: "حاسة إنك عايز تقول حاجة ومترددة." هز رأسه وكأنها أمامه ثم هتف بما يدور في عقله: "أنا بس استغربت موافقتك المفاجئة، عشان كنتي لسه قيلالي محتاجة وقت تفكري." تلعثمت إيمان في الحديث، حتمًا لن تخبره أنها قبلت لأنها رأت عدم مبالاة يوسف لشأنها. أخذت مدة تفكر فيما

ستخبره به ثم هتفت بتلعثم: "جت كدا، حسيت إني عايزة أعمل كدا بس." شهيقًا وزفيرًا فعل بلال قبل أن يتابع: "أنا لما لقيتك وافقتي فجأة رغم إنك احتاجتي وقت تفكري، اقترحت إننا منطولش الخطوبة، يعني حاجة من جوايا برده خليتني أقول كدا، مش عارف إذا كان دا صح ولا غلط بالنسبة لينا، أنا مش عايزك تفهميني غلط أنا لو عليا لو أقدر أخلص الشقة على آخر الأسبوع هعمل كدا، بس يعني عشان مكنش أجبرتك على وضع أنتِ مش حباه أو مش مستعدة ليه!

أوصدت إيمان عينيها ثم استلقت على الفراش وطالعت سقف الغرفة لبرهة قبل أن تفصح عن شعورها: "مش هقدر هقولك إني مستعدة وخصوصًا إننا لسه منعرفش بعض، بس مش عارفة حاسة إني متلخبطة ومش عارفة أنا عايزة إيه." اقترح بلال شيئًا لربما تقتنع به: "تيجي نسيبها لربنا وللظروف؟ تسائلت بفضول: "إزاي؟ أوضح قصده من وراء حديثه:

"يعني نسيبها تمشي زي ما اتفقنا، وننزل نشتري كل اللي يخص البيت ونجهز فيه، ولو ربنا أراد يوفقنا، الأمور هتمشي سهلة ولو محتاجين وقت أكيد هتظهر لنا أي عقبة تعطلنا." تفاجأت إيمان بتفكيره فكان مشابهًا تمامًا لتفكير والدتها. تقلبت على جانبها الأيسر وقالت مؤيدة الرأي: "ماما قالتلي نفس الكلام دا برده، عمومًا ربنا يسهل." حل الصمت لوقت فلم يجد بلال مجالاً لإطالة الاتصال فأنهاه بقوله: "تمام، أسيبك بقى عشان تنامي، تصبحي على خير."

بخفوت أردفت: "وأنت من أهله." أنهى المكالمة وظل يطالع شاشة هاتفه شاعراً بتلك الراحة التي انتابته من وراء حديثهما سوياً. ظهرت ابتسامة عفوية على شفتيه، ضم الهاتف إلى صدره وأغلق عينيه راسماً ملامح وجهها في تلك الظلمة خاصته. شعر برجفة قوية في أوصاله إثر تخيله لها بين ذراعيه، وشعر أنه كان على صواب لطلبه إتمام زيجتهما في ثلاثون يومًا فقط.

عاد بظهره إلى الخلف مستلقيًا بنصف جسده على الفراش والنصف الآخر كان على الأرض، ابتسم بسعادة قد دقت قبول قلبه، وظل يرسم لهما مواقف عدة وهما في منزلهما بمفردهما.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...