"هي تقصد إيه؟ خرجت الكلمات من فاه لينا متسائلة بنبرة مرتجفة تخشى سماع الإجابة. على الجانب المقابل، قطب يوسف جبينه بعدم فهم، فلم يستشف الذي يدور في عقلها حول ذلك السؤال، فأجابها بتلقائية عابثة: "معرفش، هي بتتكلم عن معاملتي لـ... توقف من تلقاء نفسه حينما تجمعت الصورة بوضوح في عقله. مال برأسه قليلاً وحدقها بنظراته الثاقبة ثم رد متسائلاً بنبرة باردة: "أنتِ.. تقصدي إيه بسؤالك دا؟
شعرت لينة بالخجل الشديد، فتراجعت خطوة للخلف ونكست رأسها، فهي لا تجرؤ على مواجهته والاعتراف بما استحثته من كلمات ميمي. أرخى يوسف أعصاب وجهه فباتت ملامحه هادئة، ثم لوى شفتيه ساخراً من سذاجتها. لم يحب أن يطيل في الأمر الذي لا معنى له. حمحم وهو يحك مؤخرة رأسه وأردف باقتضاب: "يلا ندخل القاعة، ملهاش لزوم الواقفة هنا."
رفعت عينيها عليه فتفاجأ يوسف بتلألؤ العبرات فيهما. ابتلع ريقه فلم يستطع مقاومة تلك العبرات، تعجب من تلك الوخزة التي شعر بها في يسار صدره. لم يتحملهم، فأولاها ظهره وحثها على السير قائلاً: "يلا." سارت إلى جواره وتوجها معاً إلى مكان الحفل. كانت لينة تختلس النظر إليه دون أن يلاحظها. لم تعتاد ذلك الهدوء مطلقاً. دخلا كليهما القاعة ثم بحث يوسف عن والدته وتابع سيره نحوها، فلم تعطيه وجهًا. لقد كانت ضجرة من تصرفاته.
سحب يوسف كرسيًا لتلك الواقفة وأشار إليها بالجلوس، ثم أولاهن ظهره وغادر باحثًا عن صديقه، أو ربما الهروب منهن، فعقله يكاد ينفجر من كثرة التفكير.
لم يشعر بتلك الأعين التي تتابع خطواته بدقة. لم ترفعن أعينهن عنه سواء كانت إيمان أو لينة. فإيمان ترمقه بنظرات بها مزيج من الغضب والحب، تثور لعدم اهتمامه بها. فقط تتمنى أن ينظر في عينيها، تجزم أنه سيستشف عشقها المهيمن به. سيرى عبارات الحب الذي تكنه له، سيفهم مشاعرها التي تلومه في كل لحظةٍ عاملها بقسوة، سيسمع قلبها الذي ينبض فقط حين تراه عينيها. فقط لو ينظر إليها مرة واحدة، مرة واحدة فقط حتمًا سيتغير كل شيء!
على الجانب الآخر، كانت تطمح كثيرًا في أن تنهض وتشاركه وقوفه، أو ربما تساعده في البحث عما يريد. كانت تختنق من جلوسها هكذا ومطالعته من بعيد، تشعر بالحاجة الشديدة لاقترابها منه. فقط كل حلمها أن تحيا بجواره، هو دون غيره. لكن هل يراها هو؟ هل يشعر بها؟ لن تكذب أنها شاغله الأساسي، لكن هل يكن لها حبًا غير حبه الأخوي؟! هل يمكن أن تنعكس مشاعره يومًا وتتحول إلى حب كالذي يخلق بين الحبيبان؟!
إنه حلم جميل للغاية، تتمنى أن يصبح حقيقة. تنهدت لينة بضجر فلم تستطع الجلوس مكانها وهي تراه يقف بمفرده. نهضت وتوجهت نحوه دون تردد. شعرت بضيق ملامحه فخمنت أنها السبب. وقفت إلى جواره وانتظرت انتهائه من مكالمته الهاتفية الذي أنهاها بقوله: "تمام أنا مستنيك على الباب." حمحت وسألته بعفوية كوسيلة لإخباره بقدومها: "دا بلال؟ التفت يوسف برأسه وتفاجأ بها ثم سألها بعبوس: "أنتِ قومتي من مكانك ليه؟ أجابته وهي
ترمق المكان من حولها بملل: "الجو رخم والعروسة لسه مجتش وبصراحة حسيت إنك زعلان، فجيت أشوف مالك." ببرودٍ رد يوسف وعيناه على الباب في انتظار حضور صديقه: "لا مش زعلان، هزعل ليه؟ اقتربت منه خطوة وشبكت كفوفها في بعضهما، ثم أردفت بنبرة خجولة: "عشان سؤالي برا و.." قاطعها يوسف بجمود: "أنتِ شايفة إني مش من حقي أضايق لما أحس إنك شيفانا مش عيلتك؟!
نكست لينة رأسها وعضت على شفاها السفلى بحرج شديد. حاول يوسف أن يهدئ من عصبيته، أخرج تنهيدة وعاد إليها بنظره وهتف: "روحي أقعدي يا لينة، نتكلم بعدين." رفضت أن تغادر قبل أن تقوم بمصالحته. رسمت ابتسامة رقيقة على محياها وأردفت بنبرة مختلفة كليًا، كانت تستخدمها في بعض الأحيان إن تطلب الأمر، لكنها تستعمل فقط من أجل يوسف دون غيره: "طيب ولينة لو قالتلك إنها مكنتش تقصد بجد هتقول إيه؟
في تلك الأثناء حضر بلال الذي سمع ما قالته لينة. انتظر مكانه حين شعر أن هناك ثمة أمر ربما يكون كبيرًا. زفر يوسف أنفاسه فخرجت عصبيته مع أنفاسه وتبخر حزنه. شكل بسمة على شفتيه وبنبرته الرخيمة قال: "هقولها محصلش حاجة." اتسعت ابتسامة لينة بسعادة فوجه يوسف لها أمرًا بلطافة: "يلا ارجعي مكانك." أومأت له بقبول وعادت إلى مكانها ولم تكترث لنظرات إيمان المشتعلة، بل كانت تغمرها السعادة لنجاحها في محو أي خلاف بينهما.
لم يستطع بلال الوقوف مكانه لوقت أكثر، وجاور صديقه بعينين جاحظتين. وبنبرة مذهولة رد: "إيه اللي حصل دلوقتي دا؟! هو إيه اللي لينة لو قالتلك إنها مكنتش تقصد فترد تقولها محصلش حاجة، بالسهولة دي اترضيت! دا أنا محتاج أقعد معاها بقى عشان تعلمني بتعمل كدا إزاي بدل عمري اللي مقضي نصه أصالحك فيه دا."
انفجر يوسف في الضحك، لم يستطع السيطرة على قهقهته التي استمرت لما يقرب الدقيقة تحت نظرات بلال المذهولة لما شاهده بأم عينيه، فلقد عانى كثيرًا معه إن تسبب في مضايقته بدون قصد، فما هذا الهراء الآن. وضع يوسف يده على ظهر بلال وربت عليه ثم هتف وهو يطالع نقطة ما خلفه: "تعالى نبعد من هنا، أختك وصلت."
لم يلتفت بلال ولم يثيره شيء سوى يوسف الذي تهاون في محو خلافه بتلك السهولة. لم يكف يوسف عن الضحك كلما رأى نظرات بلال عليه. وقفا بعيدًا عن الممر التي ستسير منه العروس وشاهدا لحظة استقبالهم في صمت يشوبه الإعجاب بما يحدث أمام مرأى عينيهم. نهضت لينة عن مقعدها ثم انحنت بقرب أذن السيدة ميمي وقامت بالهتاف إليها: "هخرج أرد على شهد، لأني مش سامعاها من هنا." وافقت السيدة ميمي ثم نبهت عليها قبل أن تذهب: "متتأخريش."
أومأت لها لينة بقبول ثم ابتعدت عن المكان، قاصدة الخروج لكي تجيب على هاتفها بعيدًا عن تلك الضجة. لمحها يوسف الذي كان يتابع الطاولة خاصتهم من آن لآخر فتوجه نحوها دون تردد ليعلم إلى أين هي ذاهبة. وقفت لينة أمام مجموعة من الشباب، في انتظار تنحيهم جانباً لكي تمر، لكن المكان كان مزدحمًا ولم يستطع أحدهم التحرك من مكانه. شعرت لينة بالفزع حين شعرت بهمس أحدهم من خلفها: "بتعملي إيه هنا؟
وضعت راحة يدها على صدرها تطمئن قلبها حين عرفت هويته من نبرة صوته، ثم استدارت إليه موضحة بصوت عالٍ لكي يسمعها: "هرد على شهد، المكان هنا دوشة أوي ومش سامعة." هاتف يوسف الوضع فتخطاها بجسده وأزاح بيديه الشباب الواقفين أمامه. لم يتجرأ أحدهم على التطاول والاعتراض، بل كانوا يتنحون جانبًا حتى بات هناك مكان يمكنها السير فيه. تقدمت بخطوات سريعة حتى أصبحت خارج المكان وأجابت على هاتفها: "الو، أنتِ فين يا شهد؟
جاءها الرد من الطرف الآخر التي أخبرتها أنها ستصل في غضون دقائق معدودة. أغلقت لينة الهاتف ونظرت إلى يوسف الذي تحدث وهو يكتم ضحكاته ما أن وقعت عينيها عليه: "لا بس الـ matching (التطابق) فظيع." شعرت لينا بالخجل يجتاحها من كلماته التي يثير بها وتر حساس للغاية لديها. عضت على شفاها السفلية شاعرة بتلك الحرارة في وجنتيها، حتمًا من فرط الخجل. قهقه يوسف قاصدًا ذلك، ولن يطيل في الأمر فأخبرها بحضور صديقتها بلهجة مازحة:
"ريا وصلت." رفعت لينة رأسها ورمقته متعجبة فأوضح ذلك وهو يشير بعينيه خلفها: "قصدي صاحبتك وصلت." حمحم ثم تابع: "أنا هقف على الباب عشان أعديكي يلا متطوليش في وقفتك هنا." أولاها ظهره وتوجه ناحية الباب ووقف ينتظر عودتها كما أمرها، بينما التفتت الأخرى لتستقبل صديقتها. رحبت بها وبعائلتها التي تركوا لهن المساحة للحديث وولجوا هم للداخل.
تبادلن العناق ثم حضر على ذهن لينة لقب يوسف لصديقتها فانفجرت ضاحكة مما أثار الفضول داخل شهد التي بادرت في سؤالها عن سبب ضحكها المفاجئ: "أنتِ بتضحكي على إيه؟ حركت لينة رأسها يمينًا ويسارًا نافية أن هناك أمرًا، وأردفت حين تحكمت في ضحكاتها: "مفيش، تعالي ندخل يلا." لمحت شهد طيف يوسف الذي يختلس النظر فصاحت مهللة: "روميو واقف هناك أهو." لكزتها لينة بقوة في كتفها وعاتبتها معنفة: "ملكيش دعوة بيه ومتبصيش نحيته تاني."
حركت شهد فمها بحركة ساخرة وهي تردد ما قالته لينا: "ملكيش دعوة بيه ومتبصيش نحيته تاني." لكزتها لينة للمرة الثانية لكن بقوة أشد فآنت شهد بألم وهي تملس على كتفها: "حرام عليكي إيدك جامدة." في تلك الأثناء انتبه يوسف لدخول شقيقه بصحبة بعض الشباب. اعتدل في وقفته ونصب عينيه على الفتاتان جيدًا. على الجانب الآخر هتفت لينة حين رأت زياد مع أصدقائه: "أخوكي جه." التفتت شهد برأسها ثم عادت إليها ورددت:
"طيب يلا ندخل بدل ما يتعصب عليا." قلبت لينة عينيها ساخرة: "أنتِ بتخافي منه بجد، دا أمجد يابنتي!! شبكت شهد يدها في ذراع لينا وحثتها على السير ثم أجابتها بازدراء: "آه صعب أوي في قلبه."
تقوس ثغر لينة بابتسامة عريضة حين راودتها ذكرى تلك الصفعة التي لازال صوتها يدوي في أذنها من شدته. رفع أمجد يديه وتحسس وجنته بغضب حينما رأى لينة، فكان يشعر بالألم في كل مرة يراها بها. إلى الآن لم يشفى من صفعتها، مهما مرت السنين يزداد غضبه منها لكن ما باليد حيلة، أنه على علم بما سيصيبه إن تجرأ واقترب منها، فإن كانت صفعة واحدة لا تُنسى فماذا سيفعل أمام ردة فعل يوسف؟! "مالك يابني، وقفت كدا ليه؟
خرج أمجد من شروده على سؤال زياد. طالعه لبرهة ثم رد بتجهم: "مفيش.." تابعا سيرهما للداخل والغضب داخل أمجد يزداد كلما مرت الأيام ولم يأخذ بثأره من تلك الفتاة التي تركت بصمتها على وجهه. كيف لا يستطيع الانفراد بها وتلقينها درساً لربما يشعر ببعض الراحة حينذاك. على الرغم من تنقله المستمر من مكان لآخر إلا أن عينيه كانت مسلطة عليها طوال الوقت، فقط ينتظر اللحظة المناسبة حتى ينفرد بها ويرد لها الصاع أضعاف.
مر وقتًا كان ممتعًا للبعض والبعض الآخر كان ثقيلاً مملاً. ضجرت لينة من عدم فعلها لشيء وذلك كان المعتاد، فانسحبت من بينهن بعدما أخذت إذنًا لذهابها إلى المرحاض من السيدة ميمي. أشارت لينة إلى صديقتها الجالسة مع عائلتها لكي تلحق بها فأماءت لها الأخرى بقبول ثم نهضت لتلحق بها إلى الخارج. كان يتابع ما يحدث في صمت وشعر أنها فرصته للانتقام منها. نهض ولحق بشقيقته قبل أن تصل إلى الخارج. شد على ذراعها وبنبرة غاضبة أمرها:
"ما تقعدي بقى كل شوية رايحة جاية والشباب بيبصوا عليكي، ارجعي مكانك." حاولت شهد أن توضح له الأمر وما فيه بلطافة حتى لا يمنعها: "أنا بس هشوف لينة عايزة إيه وهر... قاطعها أمجد بحنق وبعصبية مبالغة هتف: "قولتلك ارجعي مكانك، أصل والله أقول لابوكي وأنتِ عارفة ممكن يعمل فيكي إيه."
تأففت شهد بضجر بائن ثم أولته ظهرها وعادت إلى الطاولة، والعبوس دون غيره قد تشكل على وجهها. بينما خرج هو حينما تأكد من جلوس شقيقته. بحث عنها فلمح طيف فستانها يختفي خلف باب المرحاض. وقف يفكر في فكرة ما تطفئ من لهيب غضبه المشتعل، فلم يجد سوى تلك الفكرة التي راودته لحظتها.
ظل يتلفت ويتفحص المكان من حوله جيدًا، وعندما لم يرى أناس بالقرب منه، توجه إلى المرحاض الخاص بالسيدات واختلس النظر سريعًا من حوله مرة ثانية ثم أوصد الباب وغادر سريعًا قبل أن يراه أحد.
انتبهت لينة لصوت غلق الباب، فتوجهت إليه ظنًا أن صديقتها قد حضرت، لكنها لم تجد أحد. بحثت جيدًا والنتيجة ذاتها. وقفت أمام الباب وأدارت مقبضه والمفاجأة أنه لم يُفتح. انقبض قلبها لحظتها بذعر سيطر عليها، لكنها حاولت أن تهدأ فالأمر لن يخرج عن صديقتها، حتمًا تمازحها كعادتها. هتفت لينة عاليًا متوسلة إياها: "شهد بلاش هزار سخيف، افتحي الباب." تأففت لينة بضجر فالأمر قد فاق الحماقة. طرقت الباب بعنف وصاحت بنبرة ضجرة:
"يا شهد مبحبش كدا، بجد هقفش." أسندت رأسها على الباب بقلة حيلة وهي تتمتم: "يا شهد.." لقد تأكدت أن الأمر خارج صديقتها، فهي لن تبالغ هكذا. أغمضت عينيها في محاولة منها على تهدئة روعها. شعرت بالاختناق يعصف بها وكأن الجدران تطبق على صدرها. لم تمر ثوانٍ إلا وقد استمعت إلى ذاك الصوت الذي صدح. ابتعدت عن الباب وحاولت فتحه ففُتح تلك المرة. تنفست الصعداء وهمت بالخروج سريعًا. شاهدته وهو يهرول راكضًا مبتعدًا عن المكان.
ركضت خلفه وهي تناديه بصوت عالٍ: "استنى، أقف كلمني، أنت اللي فتحت لي؟ لم يجيبها بل تابع هرولته إلى الخارج فتبعته هي بإصرار واضح لمعرفة ما إن كان هو أم لأ. ثم أعادت محاولاتها مرارًا لإيقافه متوسلة إياه: "لحظة بس، طيب أنت عرفت منين إني جوا؟ جمعت لينا الأحداث فأدركت حينها أنه من فعل ذلك، فهروبه دليل على فعلته. فلم يكن أمامها سوى تحذيره لكي يقف وتتأكد من حدسها: "لو موقفتش هقول ليوسف.."
توقفت قدميه فور تلقيه تحذيرها. ابتلع ريقه بتوجس، فهو يخشى مواجهة يوسف. في الماضي عندما كان صغيرًا أمر بضربه دون رأفة لعمره الصغير، فماذا سيفعل معه بعدما أصبح رجلاً بقدر الحائط؟! استدار إليها وملامحه تبدو خائفة. اقتربت لينة منه وسألته باستفسار: "أنت عملت كدا ليه؟ لم يجيبها على الفور، بل ظل يطالعها في صمت مريب. أعادت هي سؤالها بنبرة حادة: "ها، سمعاك." كهرب أمجد بعينيه وبصعوبة بالغة هتف: "كنت عايز أخوفك، بس مقدرتش.."
تعجبت لينة من تصريحه، فلماذا يريد إخافتها؟ قطبت جبينها بغرابة من أمره ورددت بعدم فهم لما صرح به: "تخوفني! أنا بيني وبينك إيه عشان تخوفني؟ لم يرفع نظره عليها بل ظل منكس رأسه وهو يجيبها بخزي واضح: "أنا لسه منسيتش القلم، لسه مكانه بيوجعني كل ما بشوفك، وكنت عايز أعمل حاجة تخليني أهدى شوية، بس حتى فشلت إني أنتقم منك.."
لم تصدق لينة ما وقع على مسامعها. انتقام ماذا حبًا في الله الذي يحدثها عنه. حركت رأسها بعدة إيماءات لا تستوعب حقًا سذاجة حديثه. لم تمنع نفسها من السخرية في استرسالها: "إحنا كنا عيال!! "بس تقريبًا أنا كبرت لوحدي وأنت لسه زي ما أنت عشان تفكر كدا! رفع أمجد بصره عليها بذهول فرمقته هي بنظرات احتقارية وهدرت به شزرًا: "مقرف." كادت أن توليه ظهرها إلا أنه توسلها قائلاً: "وغلاوة شهد عندك متقوليش ليوسف حاجة."
انقبض قلبه حين رأى خروج زياد. لم يقف لثانية أخرى وأسرع خطاه إلى الخارج هارباً من صديقه. بينما تعجبت لينة من هروبه المفاجئ وظلت تتابعه بعينيها إلى أن اختفى من أمامها. "أنتِ كنتي بتتكلمي مع أمجد ولا أنا بيتهيألي؟ حشرت لينة فزعها داخلها إثر سؤاله المفاجئ. أوصدت عينيها لثانية تعود إلى صوابها ثم التفتت إليه وأردفت ببرود: "بيتهيقلك." تخطته فأسرع زياد في محاوطة ذراعها فحررت هي ذراعها من بين قبضته وحذرته معنفة:
"إلزم حدودك معايا يا زياد، وإيدك تاني مرة متلمسنيش." أولته ظهرها وعادت إلى الحفل بوجه عابس لاحظه الجميع. لكن لم يعقب أحد فليس بوقت سؤال. نهضت إيمان مبتعدة عن مقعدها واقتربت من عمتها ثم انحنت على أذنها وهتفت بصوت مرتفع لكي تسمعها الأخرى: "عمتو أنا همشي لأني اتأخرت." لحقتها السيدة ميمي قائلة وهي تبحث بعينيها على أولادها: "استني حد يوصلك م... قاطعتها إيمان وهي تشير إلى الهاتف:
"لا لا أنا طلبت عربية وخلاص على وصول مش هينفع ألغيها، خليكم أنتوا هبقى أطمنك عليا لما أوصل." اضطرت ميمي للقبول، ثم نهضت لتوديعها. قبلتها بحرارة ثم غادرت إيمان دون أن تعير لينة أي اهتمام. كذلك الأخرى لم تنتبه على ذهابها من الأساس. لمح بلال طيف إيمان التي تجاهد للمرور بين الجميع لكي تصل إلى الخارج. لم يتردد في اللحاق بها لعله يحظى بحديث معها حتى وإن كان عابرًا.
تعجب من وقوفها دون فعل شيء سوى مطالعة الهاتف من آن لآخر. تردد كثيرًا في التدخل لكن قلبه قد تغلب على معتقدات عقله وذهب إليها. حمحم قبل أن يردف سؤاله بنبرة رخيمة: "مستنية حد؟ تعجبت إيمان من تلك النبرة الغريبة. التفتت برأسها وقد شعرت بالغرابة المختلطة بالخجل، وأجابته بصوت متحشرج: "مستنية أوبر." عقد بلال حاجبيه مبديًا استيائه من ردها. ثم أردف بعتاب: "أوبر وأنا موجود، ميصحش."
ازدادت غرابة إيمان منه، فما هذه الثقة التي يحادثها بها، فلم تراه سوى مرات معدودة. اعترضت طلبه الذي سيليه عرضه لتوصيلها بلطف: "متشكرة جدًا، بس أنا خلاص طلبت العربية، مش حابة أتعبك." بعفوية مبالغة قال: "يا خبر تعب إيه بس، ثواني هجيب العربية وأجي."
كادت إيمان أن ترفض عرضه الصريح فالسيارة التي قامت بطلبها على وشك الوصول، لكنه لم يعطيها فرصة لقد اختفى من أمامها على الفور. وضعت أصابعها على وجهها وهي تحاول فهم ما يحدث لكنها فشلت. وأخيرًا وصلت السيارة فأسرعت إيمان نحوها لكي تهم بالمغادرة قبل مجيئه. فتحت بابها لكنها تفاجئت بترجل بلال من سيارته التي أوقفها في الاتجاه المعاكس لهما. واقترب من السائق ثم انحنى بجسده مستندًا على نافذته لكي يحادثه:
"بقولك يا باشا بكام الرحلة اللي بدأتها للأنسة؟ طالعه السائق بغرابة وردد بدون استيعاب: "نعم؟! وضح له بلال ما يوجد خلف سؤاله بقوله: "الآنسة خلاص هتروح معايا، وأنت أكيد بدأت رحلتك على الأبليكشن فقولي كنت هتاخد كام وأنا أحاسبك عشان متخسرش." أخبره السائق بالمبلغ المطلوب فأعطاه له بلال ثم انطلقت السيارة بعيدًا عنهما تحت نظرات إيمان المذهولة. لم ترى في جرأته من قبل. ابتسم لها بلال بعذوبة ثم أشار على سيارته وأردف بلطف:
"اتفضلي." لم تبرح إيمان مكانها فالدهشة كانت سيدة الموقف. تحاول فهم تلك الشخصية القاطنة أمامها لكنها لم تصل لشيء. تفهم بلال الوضع وحاول وضع حلاً يقنعها: "كذا كذا كنتي هتروحي مع واحد غريب، اعتبريني أوبر." تحركت إيمان نحوه واستقلت المقعد الخلفي. لم يعقب بلال على ذلك يكفيه أنها سترافقه في سيارته ويكونان بمفردهما.
كان يختلس النظر إليها من المرآة من حين لآخر. لا يعرف وصف تلك السعادة التي تغلغلت بداخله. أراد خلق حديث معها فبدأ بإعتذار على سخافة تصرفه: "أنا آسف على اللي عملته، بس مش بقدر أشوف حد أعرفه ومساعدوش، وخصوصًا إنك تبع يوسف، وطالما هو بيعتبرك أخته، يبقى أنتِ في اعتبار أختي برده."
صعقت إيمان من كلماته. حتمًا يوسف من أرسله إليها ليخبرها بتلك الكلمات الغبية. بينما لعن بلال لسانه الذي صرح بأنها في اعتبار الشقيقة. شعر بالاختناق يجتاحه من خلف حماقته. التزم الصمت إلى أن وصل إلى منطقتها. شكرته إيمان مرارًا ثم ناولته ورقات نقدية وأردفت ممتنة: "شكراً ليك بس أنت ملكش ذنب تدفع لي تمن أوبر." اعترض بلال ورفض أخذ أي نقود منها وعاتبها قائلاً: "لا والله مش هاخد حاجة، خلاص كدا خالصين."
لم تنجح إيمان أمام إصراره على عدم أخذ النقود. شكرته مرة أخرى ثم ترجلت من السيارة وصعدت إلى منزلها. بينما كان يحرك هو رأسه متابعًا إياها حتى اختفت تمامًا. ضرب الطارة بعصبية شديدة وصاح محدثًا نفسه بازدراء: "أختك! يا أخي منك لله." تأفف بضجر ثم حرك السيارة بسرعة فائقة لكي يعود سريعًا إلى الحفل أن يفوت شيئًا.
بعد مدة كافية انتهى الحفل بسلام. انسحب يوسف بمن معه أولاً قبل ازدحام الجميع على بوابة الخروج. فتح لهن السيارة ثم انتبه على نداء أخيه من خلفه. استدار إليه فأشار إليه زياد بالاقتراب. توجه يوسف إليه وسأله بفضول: "عايز إيه؟ اقترب منه زياد وانحنى على أذنه فقامته كانت أطول من يوسف وهمس إليه ببعض الكلمات فاحتدت تعابير يوسف إثرها. ابتعد عنه زياد حين انتهى من إخباره بما لديه فتفاجأ بأمر يوسف: "طب يلا اركب."
"لا أنا هرجع مع صحابي." هتف بهم زياد معارضًا لأمر أخيه فطالعه يوسف بنظرات لا تحتمل النقاش وهدر من بين أسنانه بعصبية: "مش هعيد كلامي تاني." أولاه يوسف ظهره وتوجه إلى السيارة بينما تمتم زياد بحنق: "يعني هي تغلط وأنا أشيل الليلة." توجه إلى السيارة وبدل مكانه مع والدته التي جاورت لينة في الخلف. لاحظ الجميع انعكاس حالة يوسف الواضحة، لكنهم فضلوا الصمت لحين عودتهم.
دفع يوسف الباب فكان آخر من دلف الشقة. تنهد ثم صدح سؤاله الذي اهتزت له أعمدة المنزل: "كنتي واقفة مع أمجد ليه يا لينة؟ صعقت لينة من سؤاله الذي فاجأها. استدارت لتنظر إليه وقبل أن تجيبه تابع هو بحدة: "ومتكذبيش عليا." وقفت ميمي تتابع ما يحدث بتعجب. بينما كان يرمقها زياد بتشفي. فإن حاولت الكذب عليه فلن تستطيع أمام يوسف. شهيقًا وزفيرًا فعلت لينة ثم أجابت على سؤاله وهي تطالع زياد بنظرات مشتعلة:
"أنا كنت في التويلت واتقفل عليا الباب.." حركت رأسها باتجاه يوسف الذي ينتظر متابعة الحديث، فواصلت هي قائلة: "وهو اللي فتح لي.." حالة من التعجب المصاحب للغرابة قد تملكت من الجميع. فالحديث ناقص ولا يتماثل مع بعضه، هناك ثمة شيء مريب يجهلوه. تدخل يوسف مرة أخرى بعشرات من الأسئلة: "وهو عرف منين إنك في الحمام؟! وعرف منين إن الباب مقفول ويعني إيه أصلاً الباب يتقفل عليكي؟!
ابتلعت لينة ريقها فإجابتها حتمًا ستتسبب في كارثة. لكنها أهون من نظرات الاتهام في عيني يوسف. زفرت أنفاسها ثم أخبرته بالحقيقة: "هو اللي قفل الباب عليا، تقريبًا كان متابعني واستغل فرصة إني لوحدي وعمل كدا، بس مقدرش وجه فتح لي الباب، كنت عايزة أعرف هو إيه اللي حصل وخمنت أنه هو اللي عمل كدا.. فهددته إني أقولك عشان يتكلم.." كان الجميع يصغي لكلماتها بعدم تصديق ودهشة واضحة. اقترب منها يوسف بعض الخطوات وقال متسائلاً
بهدوء مخيف: "وعمل كدا ليه؟ نكست لينة رأسها فمواجهته عن قرب باتت أصعب. لكن لا مفر ولا بد من الاعتراف بالأمر كاملاً فتابعت باستياء: "كان عايز ينتقم مني عشان ضربته بالقلم زمان!! تفاجئ يوسف بذلك. شد على يده بقوة فبرزت عروقه التي كادت أن تنفجر. أولاها ظهره وهو يتوعد داخله لذلك الفتى الذي جنى على نفسه. فتح الباب فلحقت به لينة وقامت بغلق الباب ثم وقفت أمامه فكانت حاجزًا منيعًا بينه وبين الباب وهتفت متوسلة:
"عشان خاطري متعملش حاجة، هو عقل وعرف غلطه مش مستاهلة نكبر الموضوع." حاول يوسف منعها بنبرته القاسية وهو يمسك بمقبض الباب بيده: "ابعدي من قدامي يا لينة." رفضت أن تبتعد ثم وضعت كلي يديها على صدره مانعة إياه من الخروج: "عارفة إني خاطري عندك كبير، مش عايزة مشاكل، تخيل إننا ربينا له عقدة بسبب قلم وإحنا كنا لسه مجرد عيال صغيرة، ما بالك لو حصلت مشكلة وهو كبير صدقني هنربي له عقدة تانية والمشاكل مش هتخلص.." رققت لينة
من نبرتها وواصلت توسلها: "عشان خاطري يا يوسف." طالعته في انتظار رجوعه عما ينوي فعله. بادلها يوسف النظرات ثم أخفض بصره على يديها الموضوعة على صدره. شعرت لينة بالحرج وسحبت يديها بهدوء وهربت بنظرها بعيدًا عنه لكنها لم تستطع الابتعاد قبل أن تتأكد من رجوعه وأنه لم يمسسه بسوء. تدخلت ميمي قائلة: "خلاص يا يوسف طالما عرف غلطته، متكبرش الموضوع يابني وتخلق بينا عداوة، إحنا في الآخر أهل وجيران."
لم يرفع يوسف عينيه من على لينة الخجولة. لم يشعر بتلك الابتسامة التي كادت أن تتشكل على ثغره إلا أنه لحق بها وحد من ملامحه فعادت كما كانت. انسحب من بينهم ولج غرفته. اعتلى طرف الفراش وطالع الفراغ أمامه لبرهة. ثم رفع يمناه ووضعها على صدره موضع يدي لينة. ثم أوصد عينيه وهو لا يدري ما الذي يحدث له.
في الخارج، استغل زياد فرصة أن الجميع قد دلفوا غرفهم وخرج هو ليبحث عن عديم الشرف ذاك ليلقنه درسًا يجبره أن يعيد التفكير مرارًا قبل أن يقترب من عائلته مرة أخرى. صباحًا، ارتدى يوسف ثياب عمله والتي كانت بنطال جينز وقميصًا أسود. خرج من غرفته فتقابل مع والدته. ألقى التحية عليها ثم استرسل: "متزعليش مني يا أمي عشان امبارح." تنهدت ميمي وهي تطالعه بقلة حيلة وأردفت بدون مماطلة:
"تفتكر يعني أقدر أزعل منك، بس البنت بتصعب عليا من تصرفاتك معاها يا يوسف، عاملها كأنها أختك حتى لو مفيش أمل تشوفها زوجة." حرك يوسف رأسه بقبول وتمتم: "ربنا يسهل يا أمي، زياد فين مش موجود في الأوضة." أشارت ميمي بعينيها على الخارج وأجابته: "برا، بيفطر بيقول عنده امتحان." صمتت ثم تذكرت شيئًا فأوقفته قبل أن يبتعد بقولها: "استنى يا يوسف، عايزاك."
نظر إليها فتوجهت إلى غرفتها وعادت إليه في غضون ثوانٍ. مدت يدها إليه فظهرت بعض النقود التي كانت تمسك بهم وأردفت موضحة: "دول فلوس المفارش اللي عملتها لأم بلال، خليهم معاك المصاريف زادت عليك أوي." مد يوسف يده وأطبق على يدها قائلاً بامتنان: "خليهم معاكي ياست الكل، الحمد لله أنا مش محتاج." أصرت ميمي على أخذه النقود بقولها:
"أنا مش بعمل بيهم حاجة، أنت مش مخليني محتاجة لحاجة، فخليهم معاك يا حبيبي، مصاريف زياد على مصاريف لينة والبيت وأنا كتير أوي." شكل يوسف بسمة على محياه وقال بنبرة راضية: "والله يا أمي لو تعرفي ربنا مسهلها معايا إزاي، الحمد لله، أنا فعلاً مش محتاجهم اعملي بيهم أي حاجة دا تعبك أنتِ، ولو مصرة يعني ممكن تشتري بيهم هدوم بيتي لـ لينة." عقدت ميمي حاجبيها بتعجب وسألته مستفسرة: "هي قالتلك إنها محتاجة حاجة؟ أسرع يوسف في نفي
سؤالها وأعاد توضيح حديثه: "لا لا، مقالتش حاجة، بس مش هنستنى لما تقول يعني يا أمي، شوفي وقت كدا تكون هي فاضية فيه ومفيش وراها دروس وانزلوا اشتروا كل اللي تحتاجه." ربتت ميمي على كتفه ورددت بابتسامة راضية عنه: "ماشي يا حبيبي، بإذن الله." أولاها يوسف ظهره لكن سرعان ما عاد إليها وبحرج بائن هتف: "ياريت يا أمي تجيبوا الهدوم واسعة.." تعجبت ميمي مما قاله وسألته بفضول: "ماشي بس هو فيه حاجة؟ حمحم يوسف وبتردد واضح أخبرها:
"عشان تكون مرتاحة فيهم، بس يعني.." على الرغم من أن كلماته لم تقنعها إلا أنها لم تطيل وذهبت لإحضار الفطور له، بينما خرج يوسف وهو يزفر أنفاسه براحة لأنها لم تعقب على هرائه. سحب كرسي وجلس بجوار شقيقه وهو يهتف عالياً غير مصدق: "عجايب الدنيا بقت ٨ بصحيانك بدري." ضرب زياد جبينه براحة يده وهو ينفخ بنفاذ صبر: "عجايب الدنيا هتبقى ٩ لو عديت صافي السنة دي." هتف يوسف مشجعًا إياه ببعض الكلمات:
"لا اتجدعن كدا مش هقبل بدرجات أي كلام." رفع زياد يديه للأعلى داعيًا ربه: "ربك يسهل." حضرت ميمي ومعها صحنان من الشطائر ووضعت إحداهما أمام يوسف ثم توجهت إلى غرفتها فتساءل يوسف بفضول: "أنتِ رايحة فين؟ باختصار أجابته: "هدي الفطار لـ لينة." قطب يوسف جبينه وأعاد سؤالها بقلق قد راوده: "هي تعبانة ولا إيه؟ أومأت السيدة ميمي برأسها مؤكدة سؤاله وقالت: "شوية.." نهض يوسف عن مقعده ثم أعاد الشطيرة التي كانت بيده في الطبق
واقترب من والدته وهو يقول: "مالها في إيه؟ ، خليها تلبس ونروح للدكتور." أسرعت ميمي في تهدئة روعه وطمأنته بكلماتها: "أهدى يا يوسف الموضوع مش مستاهل." وكأنها لم تقل شيء، لم يكترث وهتف متلهفًا: "قولي لها تلبس بس." لم تنجح ميمي في السيطرة على قلقه فاقتربت من أذنه وأخبرته عن سبب مرضها لكي يهدأ. شعر يوسف لوهلة بالحرج الشديد ولعن إصراره لمعرفة ما بها.
لم يعقب على حديث والدته وسرعان ما أولاها ظهره هارباً من نظراتها ثم عاد لمقعده يتناول فطوره لكي يفر هارباً من ذلك المنزل. استغل زياد فرصة أنه لا يوجد سواهم، فانحنى بالقرب من أخيه وهمس إليه بنبرة رجولية: "بقولك أنا اتعاملت مع أمجد خلاص، متتكلمش معاه أنت بقى." تعجب يوسف من ثقة زياد في حديثه وسأله بنبرة حادة: "اتصرفت معاه إزاي؟ عاد زياد بظهره للخلف وبعجرفة حاول إنهاء الحوار: "خلاص يا يوسف اتصرفت، متشلش همه بعد كدا."
لم يعقب يوسف، بل نهض حين انتهى من فطوره وأمره: "طيب يلا عشان متتأخرش على امتحانك." أماء له زياد بقبول ثم نهض وتابع يوسف إلى الخارج إلى أن افترقا كليهما في طرقات مختلفة. وصل يوسف إلى مكان عمله، وأمر أحد العاملين وهو يصعد درجات السلم: "ناديلي أستاذ عبد الرحمن يابني." توقف يوسف حين أخبره العامل أنه مريض منذ يومين ولم يأتي. لم يتابع يوسف صعوده بل عاد بأدراجه للأسفل ثم وجه حديثه للعامل وهو يتوجه إلى الباب:
"هروح مشوار نص ساعة وراجع." استقل خلف مقود السيارة وانطلق بها قاصدًا منزل عبد الرحمن لكي يطمئن على صحته. كان الطريق سريعًا بسبب قرب المسافة بين منزله ومكان عمل يوسف. صف السيارة في زقاق على يمين البناية ثم ترجل منها وصعد إلى الشقة المقصودة. حمحم وتردد لبرهة، فهو لم يعطي خبرًا بمجيئه وهذا عيب في حقه، لكنه فقط أراد الاطمئنان عليه.
طرق الباب بخفة ووقف جانباً ليعطي مساحة لمن سيفتح الباب بمعرفته دون أن يسبب حرجًا له. مرت دقيقة ثم فتحت الباب فتاة في ريعان شبابها. كانت ممسكة بحجابها الذي وضعته سريعًا أعلى رأسها ثم شدت عليه بقوة حين رأت يوسف. أخفضت بصرها بحياء ورحبت به بنبرة رقيقة: "أهلا يا أستاذ يوسف، اتفضل." حمحم يوسف وسألها وهو منكس الرأس: "أستاذ عبد الرحمن موجود، كنت حابب أطمن عليه." أجابته بلطف: "أيوة موجود، اتفضل."
لم يرفع يوسف نظره عن الأرض، بل تحرك وهو على نفس وضعه، ولج المنزل فأخبرته هي بعدما أخذت الإذن من والدها: "اتفضل هو مستنيك." أدلف يوسف بخطاه للغرفة، ثم رفع رأسه وشكل ابتسامة على ثغره فور رؤيته لعبد الرحمن وأردف بذوق: "ألف لا بأس عليك يا راجل يا طيب، لسه عارف حالاً، متأخذنيش إني مسألتش عليك." أردف عبد الرحمن كلماته لكي يمحو الحرج في نبرة يوسف:
"الله يخليك يا يوسف، ولا يهمك من غير ما تقول أنا عارف إنك أول ما هتعرف هتيجي قريب." نفس ابتسامة يوسف الهادئة هتف متسائلاً باهتمام: "طمني عليك، روحت لدكتور ولا لأ؟ تشكلت بسمة متهكمة على شفتي عبدالرحمن ثم رد بحزن جلي في نبرته: "روحت، الظاهر إن العمر خلاص بينتهي يا يوسف." لم يتقبل يوسف شؤمه ودعا له بحب: "متقولش كدا، ربنا يباركلنا في عمرك." فرت دمعة من عيني عبد الرحمن وهو يقص عليه بنبرة مرتجفة:
"العمر خلاص، معتش فيه حاجة وأقابل وجه كريم، المرض خلاص أتملك مني ويمكن الروح تروح للي خالقها وأنا بكلمكم." مزيج من الدموع المختلطة بالابتسامة الراضية وهو يتابع حديثه: "عرفت إن معتش فيه أمل خلاص، المرض في المرحلة الأخيرة."
رفع عبد الرحمن بصره على يوسف الذي لم يبدي ردة فعل، فاستشف ذهوله المرسوم على تعابيره. بالكاد يصدق يوسف ما سمعه منه. شعر بوخزة في قلبه آلمته بشدة، لم يكن لديه ما يقوله ليواسيه، فأي مواساة ستهون ذلك المرض؟! أي كلمات ستطيب مرضه وتداويه؟! أخذ عبد الرحمن شهيقًا عميقًا وأخرجه بتهدل وأردف وعيناه مصوبتان على يوسف:
"أنا مش فارق معايا، الحمد لله أنا معملتش حاجة لحد النهاردة إلا في سبيل ربنا ورضاه، بس خايف على البنتين اللي هسيبهم ورايا، يا ترى هيعملوا إيه من غيري وهما يتامى من غير لا أب ولا أم؟! الموضوع دا تاعبني أوي يا يوسف، أصلهم في الآخر ولايا. لو كانوا شباب كنت هقول هيقدروا يصلبوا جدورهم ويعتمدوا على نفسهم، نفسي أطمن عليهم قبل ما ربنا يسترد أمانته."
انحنى عبد الرحمن للأمام قليلاً وربت على يد يوسف فكان الأمل الوحيد أمامه. التوسل دون غيره يتوهج في عينيه وبنبرة تخشى ردة الفعل أردف: "تفتكروا عبد الرحمن هيقول إيه ليوسف؟ "مستنية رأيكم وتحليلكم وريفيوهاتكم ♥️"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!