كانت رزان واقفة على البلاطة كتمثال، عضلاتها مشدودة، لا تجرؤ حتى على بلع ريقها. فارس الناطوري كان يتحرك حولها ببطء، خطواته محسوبة، كأنه يقيس المسافة بينها وبين خوفها. وقف خلفها تمامًا، دون أن يلمسها. قال بهدوء مريب: —القصر ده يا رزان… مش محتاج ناس ذكية قوي، محتاج ناس مطيعة. هزّت رأسها بسرعة. —حاضر يا باشا. ابتسم، تلك الابتسامة التي لا تطمئن أحدًا. —لكِ كام سنة شغالة يا رزان داخل القصر؟ —عشر سنين يا باشا.
—عشر سنين ومعرفتيش إن الباشا مش بيسمح لأي شخص يضحك أو يسخر منه؟ وقبل أن ترد رزان، صفعها الباشا صفعة جعلت جسمها يهتز. —اعتبري ده تحذير يا رزان. همست رزان: —حاضر يا باشا، حاضر مش هتتكرر تاني. جلس فارس الناطورى على المقعد الوثير ونفخ دخان سيجاره. —بكرة الصبح تروحي بيت مليكة، هتقوليلها إن اسمها اتكتب في كشف الخدم، وإن مفيش فلوس غير لما تقدمي القهوة كل يوم. —هتعترض وتثور وترفض؟
مش هتعملي حاجة، هتسيبي الظرف اللي فيه أجرة القهوة على الترابيزة وتقولي كلمة واحدة: "بكرة الصبح تكوني عند الباشا". —حاضر، أوامرك يا باشا، تقدري تمشي. شدت رزان قدميها المتعبة من الوقوف في انكسار. ثم أغلقت الباب خلفها ونزلت درجات السلم وهو تهمس: —يعني مليكة دي فيها إيه مختلف عن أي بنت دخلت القصر؟
لكنها تعرف أن الباشا لديه نظرة أعمق لن تفهمها حتى لو حاولت، وأن مزاجية الباشا غير متعلقة بمعايير الجمال الفارغة بل على قدر الطاعة المقدم. بعد اختفائها من الغرفة، رفع فارس الناطورى اللوحة على الحامل. —اللوحة دي ما اتكملتش، هتبقى هايلة، ممكن أشارك بيها في معرض باريس أو جنوة. ضغط على جهاز الاستريو، فارت موسيقى تارتيني، الصول الصغير والناي. خرج فارس الناطورى إلى الشرفة تلتهمه مشاعر مختلطة. تسريع النسق لا يرضيه.
في الخارج كانت أغصان الأشجار تؤدي رقصتها تحت سماء ضبابية ونسمات هواء لعوبة. —الحديقة دي عايزة تتغير، أنا مش بحب العشب الأخضر يملى المكان كده، فين زهور حبة الملكة والغار وجوز الحرية وباترينكا؟ رزان دي مهملة جدًا، لكن مش بقدر أستغنى عنها، إنها تحفظ مزاجيتي جيدًا وتفهمها. لمح تالين تعبر بوابة القصر. همس بضيق: —هو ده وقتك دلوقتي؟ كانت تسير مترنحة، حتى أن فارس الناطورى همس:
—لو باباها الوزير شافها بالشكل ده ممكن يجراله حاجة. سمع صوت طرق الباب. همس: —ادخلي يا رزان. دخلت روان بسرعة. —تالين هنا. بلا مبالاة قال: —شفتها. —أوامرك طيب يا باشا؟ —اصرفيها يا رزان، مفيش دماغي. بخجل وحذر قالت روان: —انت عارف تالين يا باشا، دماغها ناشفة ومهما أقول مش هتسمع. رفع فارس الناطورى يده. —هو أنا اتكتب عليّ أكون استبن؟ كل واحدة تتخان أو حبيبها يسيبها تيجي تجري ناحيتي؟ —مفيش وقت يا باشا، أعمل إيه؟
—اصرفيها يا رزان، ولو رفضت، لبسيها لبس الخدم وخليها توقع. فتحت رزان فمها، تعرف أن الباشا متهور، لكن ليس لهذا الحد. —تتأكد يا باشا؟ فتح فارس عيونه بغضب. وفهمت رزان الرسالة. —مش عايز دوشة، وافقت، خليها تيجي. رفضت، اصرفيها بالقوة. لازم تتعلم إن كل حاجة وليها تمن في قصر فارس الناطورى. بعد دقائق، سمع فارس الناطورى صراخ قادم من الطابق الأرضي. سحق عقب سيجارته ونزل درجات السلم. —فيه إيه؟ رفعت تالين وجهها.
—تعالى شوف الخدامة بتاعتك بتقول إيه؟ دي اتجننت خالص يا فوفو. —مش اسمها خدامة، دي سكرتيرتي واسمها رزان، خريجة كلية الألسن وبتتكلم تلات لغات، إيطالي وفرنسي وألماني، دا غير الإنجليزي. رفعت تالين صوتها. —مش مهم، هتفضل خدامة، أنا عايزآك ترفدها دلوقتي حالاً. —مش هيحصل. همس فارس ببرود: —رزان غالية عندي أوي. —طيب وأنا مش غالية يا فوفه؟ بتقارني بخدامة حقيرة؟ عايزاني ألبس لبس خدم وأعمل قهوة؟ أطلع لك المكتب؟
أنا تالين بنت مدحت السنجاري، أعمل قهوة؟ ضم فارس قبضته على درابزين السلم. —هتعملي قهوة، وهتلبسي لبس خدم، ولو مش عاجبك، امشي. ارتفعت نغمات كولان لوبران من مكتبه وصعدت الموسيقى إلى جسده. —انت اتجننت يا فارس؟ فاكر نفسك بتكلم واحدة من حريمك؟ نزل فارس الناطورى السلم واضعًا يده في جيبه، اقترب من تالين المتحدية، عاينها بصمت ثم ابتسم.
—مجرد فتاة تافهة تظن نفسها مركز الكون، تخوض كل ليلة مغامرة جديدة وعندما تشعر بالملل تركض إليّ. اعتادت أن ترى الخوف والانكسار في عيون الرجال المرتعشين. تذكر مرة عندما دخل شقتها الخاصة ووجدها جالسة على الأريكة وساقها ممدودة فوق ظهر شاب رخيص. لطالما عاملها بأدب واحترام حتى تجرأت، وعندما تتجرأ يجب أن تعاقب. إن مزاجيته تصرخ بداخله: اكسرها، اشقها، اخضعها. سمعت تالين أنفاسه الساخنة تمر جوار أذنها.
—البسي لبس الخدم واعمليلي قهوة. —مستحيل. صرخت تالين بتحدٍ وغضب. —وأنت بقى عايزة تضيعي انشراحي؟ ودندن مع كولان كلمات الأغنية، ثم مد يده، نفس اليد التي قرص بها مليكتها. استقبلته أذن ناعمة لا تعرف الشقاء، باهتة تكاد ترى من خلالها. ثم فركها. صرخت تالين: —بتعمل إيه يا مجنون، سيب ودني، دا أنا هخلي حياتك جحيم. ورحمة أمي لخلى بابا يسحقك زي ما عملك. —أنا محدش عملني، همس فارس الناطورى وهو يجرها من أذنها خلفه.
أنا عملت نفسي ودفعت كتير أوي. إلى غرفة الخدم جرها من شعرها وأذنها، كانت تالين تصرخ من الوجع. —البسي بسرعة. —مش هلبس يا فارس، مفيش مخلوق يقدر يجبرني أعمل حاجة مش عايزها. رزان! صرخ فارس الناطورى: —هاتي الكرباج. لف ذراع تالين خلف ضهرها. رزان الناقمة أحضرت السوط بسرعة كأنها كانت مستعدة، ناولت السوط لفارس الناطورى. تالين غير مصدقة. —هتعمل إيه؟ ابتسم فارس الناطورى واهتز جسده على نغم الموسيقى. —أنتِ اللي هتقرري.
ورمى ملابس الخادمة على الأرض. —اختاري. رفعت تالين حاجبها. —أنت بتهزر صح؟ دا مقلب؟ صفعها السوط برفق على ظهرها، لكن بنت الوزير ارتجفت. ووجدت وجه فارس الصارم يلاحقها. همست: —هاتى يا رزان الهدوم، هلبسه. رفع فارس يده. —مكانك يا رزان، انزلي هاتي الهدوم بنفسك يا تالين. ولوح بالسوط بيده. لوهلة كادت تالين أن تصرخ وتطلب المساعدة، لكن شيء في عيون فارس أجبرها على التأمل. صوت داخلي أعجبته اللعبة الجديدة، لعبة غير معتادة عليها.
—طيب، سيب إيدي، هتكسرها. عندما أصبحت حرة، انحنت على الملابس. —خليك فاكر يا فارس، هتدفع التمن كبير أوي. وضع فارس السيجارة التي أشعلتها رزان من أجله وابتسم. —مش لما يخلص عقابك الأول. غيري هدومك وهاتي القهوة على المكتب. رزان! خليكي واقفة قدام الغرفة، أي تلكع، قوليلي: "خلي الهانم تاخد راحتها وهي بتغير هدومها". حشرت تالين نفسها في زي الخادمة ودمها يغلي. —بقى أنا تعمل معايا كده يا فارس؟ أنت وحتت الخدامة الحقيرة؟
رغم ذلك، عاينت نفسها في المرآة وأعادت ضبط تسريحتها قبل أن تخرج. كانت رزان اختفت وفارس الناطورى في الرواق يدخن سيجارة في يده، السوط يلوح به.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!