كانت مليكة بتقطع الملوخية في الصالة، وشها للمرآية تحاوط الحلة بقدميها. سيد عبد الهادي بينفخ دخان سيجارة كليوباترا وهو بيرمض مليكة بغضب. جعل يتمطى، ويبصق، يتملل، لكن مليكة غير مهتمة. من أول ما ضربها سيد عبد الهادي وكسر عضمها وهي عايشة مع نفسها. "الفلوس خلصت." نطق سيد عبد الهادي أخيراً كأنه بيكلم نفسه. "والمرتب معدش مكفي، بقالي يومين مش بنزل القهوة وصحابي بيسألوا عليه. المعلم سيد فين؟ المعلم سيد فين؟
حل صمت لم يقطعه سوى صوت السكين في الملوخية. "اتردي يا مرة، هو أنا بكلم نفسي؟ أدارت مليكة وجه بلوري لا تشوبه شائبة، حتى الحبوب التي تهاجم النساء هربت منه كأنه ترياق سيقتلها. تبدو مليكة من جلستها أصغر من عمرها، من يراها لا يقول أبدًا أنها في منتصف الثلاثين. نساء برجوازيات غيرها يدفعن نصف عمرهن ويحصلن على قوام يضاهي قوامها. "هرد أقول إيه؟
ياما نصحتك يا سيد، قلت لك البنت كبرت، ألبنت كبرت، لكن أنت أهم حاجة معاك دماغك. أنا بأيدي إيه أعمله؟ لا شغلانة ولا مشغلة." ابتلع سيد ريقه. "لا في إيدك كتير." استدارت مليكة باستغراب. "هعمل إيه يعني؟ "تروحي للباشا تطلبي فلوس. فارس بيه قال لما تحتاجي فلوس ابعتي مراتك." "الباشا؟ مش كفاية الفلوس اللي أدهالك الله يباركله؟ تنهد سيد وعرج على رجله.
"دي ملاليم، أنا خدمت الشركة عمري كله، عيلة الناطوري محقوقالي أوي. قومي غيري هدومك اللي تقرف دي وروحي فيلة الباشا وهاتي الفلوس." "أروح فين يا سيد؟ أنت اتجننت؟ "تروحي لفارس بيه وهو هيديك الفلوس." "يا راجل عايز مراتك تروح بيت راجل غريب؟ "مش عايز كلام كتير يا مرة، يلا قومي متعكريش مزاجي. وإلا والله وبالله هكسر عضمك." نهضت مليكة. "طيب هقوله إيه؟ أنا هموت من الكسوف." "أنت بس روحي وهو هيفهم. فخري هناك وعارف إن فلوسي خلصت."
مشت مليكة في الشارع وركبت الأتوبيس. العنوان في إيدها. فارس الناطوري في التجمع. بعد ساعتين وصلت الفيلا. وقفها الحارس. "رايحة فين يا ست؟ طلعت مليكة الكارت وورته للحارس. "رايحة أقابل الباشا يا أخويا." "لحظة واحدة." تحدث الحارس في الهاتف إلى أن رن فجأة وانشغل عنه. بعد انتظار مليكة دخلت لما زهقت لأن الحارس اختفى. وقفت على باب الفيلا وقعدت تخبط. فتحت لها خادمة تبدو أنيقة. "أنتِ أخيراً وصلتي؟
"سلطان بقى يعك أوي في شغله، يلا ادخلي." "أنتِ هتعاينيني؟ مشت مليكة خلف السكرتيرة. عبرت الرواق. "المطبخ هناك، شوفي شغلك." أمرتها السكرتيرة من غير حتى ما تسمع لها. "اعملي قهوة وطلعيها للباشا في الدور الثاني. قهوة مظبوطة." وقفت مليكة مرتبكة مش عارفة تعمل إيه. لكن السكرتيرة اختفت في الغرف الكتيرة. بصت على المطبخ الفاخر. بتردد عملت القهوة لكنها مش خبيرة فيها. حملت الصينية ولقيت السلم قدامها.
طلعت الدور الثاني فيه أكتر من غرفة. احتارت. "طيب الباشا فين؟ مشيت قدام الغرف وسمعت صوت طالع من جوه غرفة مغلقة. فكرت يبقى هو هنا. طيب هقوله إيه؟ وقفت دقيقة تفكر. "أنا كده كده كنت جاية أقابله، هقله على اللي سيد طلبه مني." خبطت على الباب ووصل الصوت من جوه. "لحظة واحدة." "ادخل!! فتحت مليكة الباب وشها احمر من الخجل. "القهوة يا باشا." "سيبيها عندك واتفضلي امشي."
همس فارس الناطوري، اللي كان مديها ضهره وغرقان في الملفات والورق. مليكة نزلت القهوة على الطاولة ووقفت متكتفة مش عارفة تعمل إيه. فارس من غير ما يبص: "فيه حاجة؟ ترددت مليكة وخرج صوتها ضعيف. "أنا مليكة يا باشا." "مليكة مين؟ "الخدامة الجديدة؟ "مليكة مرات سيد عبد الهادي يا فارس باشا." استدار فارس الناطوري بمقعده واندهاشه يعلو وجهه. تذكر مليكة، ملامحها الأسبيرطية. "معقولة جايبة القهوة بنفسك؟
"معلش يا بيه أصل افتكروني الخدامة الجديدة ومحدش رضى يسمع مني." "ده من حسن حظي يا هانم اتفضلي اقعدي." جلست مليكة متخشبة إيديها وسط رجليها على المقعدة. "هاتي القهوة يا مليكة." وقفت مليكة مرة تانية وقربت القهوة من فارس باشا. بإحراج وخجل ونسيت تقعد. يفكر فارس الناطوري وهو يراقبها بعينيه. هذا ما يحتاجه تحديداً، طاعة مطلقة، خنوع كلبي خالٍ من التمرد. تجرع القهوة وترك الفنجان على جنب. "إيه ده يا مليكة؟
محدش قالك إن قهوتي مظبوطة؟ احتارت مليكة في الرد. إنها ليست خادمة ولا تعرف كيف يتحدث معها بتلك الطريقة. نهض فارس الناطوري ومشى في المكتب ويده بجانبه. "مش بحب أي شخص يغلط في طلباتي. كل الخدم عارفين إن اللي بيغلط بيتعاقب." سمعت مليكة أنفاسه الساخنة تمر جوار أذنها. "وأنتِ مش استثناء." مسك فارس الناطوري ودن مليكة وفركها بقسوة. "همست مليكة: ودني يا بيه وجعتني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!