توقف فارس بعدما استدار، كأنه يمنح الشقة والفيلا والحديقة والأشجار والكلب الذي كان يلعب على العشب فرصة لاستيعاب ما هو قادم على فعله. نزع فارس سترته التي بلون الكرز ووضعها على ظهر المقعد بهدوء أكثر من اللازم، كأنه شخص متقاعد يخلع رتبته الرسمية لآخر مرة. ثم فك زر القميص العلوي، فقط واحد لا أكثر. صوفيا راقبته، شعرت أن السيطرة التي تملكها تشتغل داخلها.
تالين كانت واقفة مترددة بجوار الحائط، وكل شيء داخلها ينظر تجاه فارس، مشتتة بين رغبة ورغبة. أخرجت سيجارة حشيش وأشعلتها وكتمت الدخان داخلها. الأدرينالين يضخ داخلها جرعات من النشوة والحماسة المتفجرة. ضوء المصباح المنعكس على وجهها يشطره نصفين، كأنه يشاهد الصراع المحتدم داخلها. نصف يريد رؤية فارس مكسور، ونصف آخر مش فاهم ليه المشهد ماشي بالعكس.
استدار فارس بالكامل وأصبح في مواجهتهم، بجسد سباح رياضي. ثم همس برأس نصف منحنية، كأنه يمنحهم الفرصة الأخيرة. قبل ما أنحني لازم نتفق، أنا مش هعمل حاجة إلا وأنا اللى مختار أعملها، حتى لو كانت طاعة. ابتسمت صوفيا ابتسامة صغيرة واثقة. هو انت فاكرة عندك اختيار؟ ثم لو هتعملها بمزاجك إزاي تبقى طاعة؟ ابتسم. أحب الشخص الذي يحكم على نفسه. ثم رفع فارس عينيه بمكر وبص في عيون صوفيا مباشرة.
الاختيار دايمًا موجود يا صوفيا. حتى المحكوم عليه بالموت من حقه يختار إزاي يستقبل الرصاصة. أنا حاولت والله حاولت أساعدك وأساعد تالين، قاومت الرغبة المتضخمة جوايا ورميت الفرصة على الترابيزة قدامكم أكتر من مرة. لكن البني آدم طماع، دائمًا بيبص للي في إيد غيره. ولما يبص للي في إيد غيره، أعتقد غيره ليه الحق يختار الطريقة اللي يداوي بيها.
شعرت تالين المنتشية أن الكلمة اخترقتها غصب. تذكرت نفسها، تذكرت أول مرة ركعت، وأول مرة قالت أنا موافقة بكل اللي هتعمله فيا. تذكرت عندما كانت تطلب أن لا يستجيب لتوسلاتها، أن يضغط أكثر. لم تكن تعرف أن هذا الوغد لا يحتاج إلى نصائح، فهو من ابتكر اللعبة. لحظتها فقط أدركت أنها مجرد تلميذة تقف أمام أستاذها تنتظر المزيد. صرخت صوفيا بنفاد صبر. كفاية فلسفة! انزل على الأرض، قدامك لحظة واحدة و
تنهد فارس. سحب مقعد خطوة لقدام وقعد، براحة الذي يدخل منزله الخاص. وهمس بنبرة صارمة. مش كل الناس ينفع تقعد على الكرسي دا يا صوفيا، الموضوع مش موضوع شخص قاعد وشخص منحني تحته. إطلاقًا. الموضوع فن وإرادة، وزي ما قولتلك قبل كده، انتي بارعة جدًا في الطاعة. ليه متبقيش زي تالين؟ عارفة قيمة نفسها كويس، والأجمل إنها عارفة قيمة فارس الناطور. هز فارس قدمه وأشعل سيجارة ونادى على تالين الملتصقة في الجدار بإشارة من يده.
تالين تعالي؟ واصل فارس هز قدمه بطريقة أرستقراطية محسوبة بدقة، وملامح وجهه باردة لا تشي بخوف أو قلق أو حتى ارتباك. صوفيا، تسمرت دقيقة. المفاجأة خضتها. شعرت أنها تفقد السيطرة. أحست أن هذا الوغد لا يمثل الحركات أو الكلمات، لا يذوقها بل تنبع من داخله. مرتبكة بين التليفون المفتوح على الفيديو، وتالين التي تنظر إلى فارس، مقاومة رغبة قوية في الركض تجاهه والجلوس تحت قدميه.
أنا هفضحك يا فارس. ارتفع صوت صوفيا وتردد صداه داخل الغرفة. هخلي العالم كله يتفرج على وساختك. يا قذر يا... حيوان. انت مش راجل اصلا. انت... قبض فارس على قميص صوفيا من عند الرقبة بعنف وجرها ناحيته بقوة في اللحظة التي تحركت فيها قدم تالين.
عيني صوفيا اتسعت، مش من الألم، من الدهشة. لأن القبضة دي بالذات ما كانش مفروض تحصل. مش في السيناريو اللي كتبته، ولا في الفيديو اللي اشترته، ولا في الأسبوع اللي انتظرته. نظرت تجاه تالين التي تقف إلى جوارها تطلب مساعدتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!