الفصل 13 | من 18 فصل

رواية حسن القلوب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رحاب القاضي

المشاهدات
19
كلمة
12,387
وقت القراءة
62 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

لماذا ترفضين هذه الأشياء الجميلة؟ لأنني أكره الأشياء التي تأتي في وقت غير صحيح ومناسب لما يمر به قلبي. حتى الحب؟ حتى الحب يا صديقي، إن لم يأتِ كما يريده قلبي فلا أريده أن يأتي. "هادي" بدموع ونبرة غاضبة: مخنتيهاش إزاي؟ أنا فاكر كل حاجة، فاكر حبك أنتِ وفاروق لبعضكم وكلامكم لبعض في السر، وهي كانت عايشة ومرمية في المستشفى. فاكر كويس إنكم مصدقتوا إنها تموت واتجوزتوا على طول. "رانيا" بنفاد صبر:

محصلش، أنت فاهم غلط والله فاهم غلط. "هادي" بحدة: أنا مش عايز أسمع منك حاجة، لأن مفيش أي كلام هيشفع لكم عندي. "رانيا" بغضب: لأ هتسمعني لأن خلاص فاض بيا، أنا بقالي سنين عايشة بذنب أنا معملتوش. كل ما أبصلك وأسمع كلامك القاسي ده بتعب، بس أنت لازم تسمعني وأنا هتكلم وأنت هتفهم اللي مش فاهمه. نظر لها بجمود فتابعت هي بحزن:

أنا ومامتك وباباك كنا زملاء في الجامعة. أنا وباباك كنا بنحب بعض بس كان ديما فيه خلافات بينا وكنا بندخل مروة مامتك بينا عشان تصالحنا، وأنها أقرب واحدة لينا. بس في مرة اتخانقنا أنا وفاروق خناقة جامدة وبعدنا. وهو قرب من مامتك واتجوزها. ومع السنين علاقتنا رجعت أنا ومروة واتصحبنا تاني إحنا التلاتة لحد ما هي تعبت ودخلت غيبوبة في المستشفى. وقتها فاروق كان متدمر، وأنت كنت شايف حاله. واليوم اللي قالي فيه إنه عايزني جنبه

وبيحبني كانت لحظة ضعف. بس والله ما خونّا مروة في حاجة. ولو كنت وقفت وسمعت الباقي كنت شفته لما اتأسف ليّ على كلامه. واليوم اللي ماتت فيه، قبل ما تموت بدقايق مامتك فاقت من الغيبوبة. وقتها بس كانت تعبانة جداً وهي طلبت تشوفني لوحدي وخرجت أنت وباباك بره. هي طلبت مني أربيك وأخلي بالي منك، وكان الدكتور شهاب معانا وهو شاهد على كلامها. أنت عارفه، روح اسأله. وده سبب موافقتي بجوازي من باباك.

مسح "هادي" دموعه التي هبطت على وجهه قائلاً بغضب شديد: أنتِ كذابة! ماما كانت بتحب بابا جداً وبتغير عليه، هتطلب إزاي منك تتجوزيه؟ "رانيا" برجاء: والله مش بكدب وتقدر تروح للدكتور شهاب وتتأكد. نظر لها بجمود فتابعت هي ببكاء:

بقالي سنين نفسي تسمعني وتصدق. أنا ربنا مرزقنيش بأولاد بس اتمنيت من ربنا إنك تسامحني. ومش شرط تعتبرني زي مامتك، لأني عارفة إنها بالنسبة لك شيء نادر وميتحيل يكون حد مكانها. بس أنا شايفة إنك ابني ونفسي بس تسامحني. طيب بلاش أنا، فاروق يا هادي والله ما بيحب في الدنيا قدك ومبيهتم بحد قدك. بلاش تخسر حبه لك وتضيع أجمل أيام بينكم. تنهد بضيق، فحديثها لمس قلبه بقوة ولكن عناده جعله لن يجيبها ونهض مغادراً المكان بأكمله.

"بأحد الكافيهات الأخرى كانت لونار تجلس أمام نيرة، وكلتاهما صامتتان." قطعت الصمت "نيرة" قائلة: بصي أنا مش هعرف أتكلم وأنتِ قالبة خلقتك عليا. "لونار" بجمود: ممكن أفهم أنتِ عايزة مني إيه؟ "نيرة" بابتسامة هادئة: تشربي إيه طيب الأول؟ أطلب لك عصير تمر باللبن؟ "لونار" بضيق: إحنا هنتريق من أولها؟ ضحكت "نيرة" بقوة قائلة: بهزر يا بنتي، فكّي كده. هطلب لك عصير برتقال وأنا هطلب ليّ زيك تمام.

أومأت لها لونار بنعم، فحين أخذت تنظر حولها بقلق، فهي غير معتادة على الجلوس بتلك الأماكن. "نيرة" بمرح: أقسم بالله أنتِ قاعدة مع بنت، قلقانة لي كدة؟ أجابتها "لونار" بتوتر: مش متعودة أقعد في أماكن زي دي. "نيرة" بمرح أيضاً ردت عليها: هو الواد هادي بخيل ومش بيخرجك ولا إيه؟ "لونار" بضيق: أنتِ بجد فاهمة غلط، أنا وهادي زملاء مش أكتر. "نيرة" بجدية:

لأ مش زملاء. ولو أنتوا بتقولوا كده، فده غلط. عشان أنا عارفة هادي كويس وهادي بيحبك يا لونار. وأنتِ بتحبيه باين قوي من غيرتك عليه، على فكرة. صمتت "لونار" وهي تنظر للجهة الأخرى بضيق، فتابعت "نيرة" قائلة بهدوء: أنا طلبت أقابلك عشان أوضح لك اللي حصل. صاحبة غادة قالت لي على الفيديوهات اللي صورتيها لنا وبعتيها لك. "لونار" بحدة: لو سمحتي، أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده. "نيرة" بحدة ردت عليها:

اهدّي يا بت أنتِ تعبتيني، واسمعي لأني عايزة أبرر نفسي من الحوار ده. أنا مش بحب حد ياخد فكرة وحشة عني. تابعت بهدوء: وسوري إني زعقت، بس أنتِ عنيدة وغلسة قوي والله. ضحكت "لونار" رغماً عنها، فابتسمت "نيرة" قائلة بهدوء: أنا عرفت هادي بيحبك لي عشان الغمزات دول. ده أنا كبنت حبيتهم والله. "لونار" بهدوء: ممكن تقولي اللي عندك عشان أمشي. "نيرة" بجدية:

حاضر. الحكاية إن هادي كان جاي اليوم ده مدايق وبقالُه فترة كبيرة مكنش بيجي البار من لما عرفك تقريباً. بس شكله كان مدايق جداً فحبيت أخرجه من المود وأنا اللي سحبته وخلّيته يرقص معايا على إننا زملاء بجد، ها؟ مش كلام وخلاص. أنهت حديثها بغمزة مرحة، ولكن ردت عليها "لونار" بضيق قائلة: وهو كل ما يبدايق من حاجة يروح يغلط كده؟ ومش قصدي عليكي، أنا على المكان نفسه. تنحنت "نيرة" بإحراج وردت عليها بجمود:

هادي حياته معقدة أووي. هو آه ابن ناس ووحيد باباه، بس موت مامته مدمرّاه. هو حكالي مرة عن مشاكله. صدقيني لو عرفتيها هتعذريه. وأتمنى سوء التفاهم يكون اتوضح. تابعت بتذمر: وحاجة كمان، الواد اللي اتخانق معاه ده كانت خطة من غادة عشان تخليكي تصدقي على هادي إنه معايا. بس الحقيقة إن الولد ده رخّم عليا وهادي جه بعده عني وخدني وصلّني البيت ومشي. ده كل اللي حصل. "لونار" بضيق: ربنا يهديه وهو بعيد عني، ده اللي أقدر أقوله. "نيرة"

بحزن: أنا قولت لك اللي عندي، بس هادي بيحبك. ولو خسرتي حبه هتندمي ومحدش هيخسر غيرك. أخذت "لونار" حقيبتها قائلة بضيق: أنا لازم أمشي بعد إذنك. رمقتها نيرة وهي تغادر بغيظ، فبرغم كل جمالها وأخلاقها إلا أنها تتعامل بغرور معها ليس من أجل الأموال والملابس، ولكن تنظر لها وكأنها شيء قليل وغير أخلاقي وأنها هي أفضل منها. بل شعرت من حديثها بأنها تظن نفسها الأفضل بالعالم. ثم أخرجت هاتفها وأرسلت لـ هادي قائلة بحدة:

إنت ياحيوان، مختفي فين؟ في مصيبة حصلت. غادة صورتنا يوم الحفلة وبعتتها لـ لونار. ميار صاحبة غادة قالت لي، وأكيد هي منكّدة عليك. فـ أنا كلمتها وشرحت لها الموضوع بس مقتنعتش. فاتصرف. مساءً بمنزل والدة هادي. توقف هادي بسيارته أمام منزل والدته وكانت معه ليلي ومريم. "هادي" بجدية: يلا يا بنات. "ليلي" بضيق:

ارجع ياهادي، أنا هبات عند مريم وبكرة نروح أي مصحة. بس حرام شقة مامتك تخليها مكان أتعالج فيه من القرف ده، وكمان حسن هيوقف المعرض بتاعه، والله حرام. ابتسم "هادي" بخبث وهو ينظر لـ "مريم" بغمزة مرحة، ثم وجه حديثه لـ "ليلي" قائلاً: طيب اللي تشوفيه، بس تعالي نقضي السهرة هنا. حسن وحودة فوق، يلا. أومأت له بنعم وهبطت من السيارة، فنظرت مريم بضيق لهادي قائلة: أنت اتهبلت؟

مش هينفع نخليها تروح مصحة. وبعدين مهو حسن ومحمود ظبطوا كل حاجة فوق. "هادي" بصوت هامس: عارف ياهبلة، بس حسن عاملها مفاجأة فوق. "مريم" بحماس: بجد؟ هي إيه؟ صاحت فيهم "ليلي" بنفاذ صبر قائلة: متخلصوا، أنتوا بتحكوا في إيه جوه؟ "هادي" بنبرة مرحة: البنت اتهبلت، عايزة ترتبط بيا. الحقيني منها. ضحكت "مريم" وهي تهبط من السيارة قائلة: هزمتك ياليلي، في واحدة ترتبط بأختها؟ أنا بقى بعتبر هادي أختي.

ضحكت ليلي بقوة وشاركتها أيضاً مريم وهي تخرج لسانها لـ هادي بشماتة. مال هادي أرضاً ملتقطاً إحدى الأحجار الصغيرة. قائلاً بغضب مصطنع: لأ كده كتير، لونار مرة تقولي هعتبرك زي صحبتي، وأنتِ أختي. والله مهسيبكم. ركضت البنات خلفه وهو خلفهم وهو يهددهم بالضرب وصوت ضحكاتهم يملأ المكان.

وصلا أمام منزل هادي وكان الباب شبه مفتوح وأول من دلفت للداخل هي ليلي، وما إن دلفت للداخل حتى توقفت عن الضحك وجاء هادي ومريم ووقفا بجوارها وهم ينظرون لتلك الشقة التي أصبحت جميلة للغاية بتلك اللوحات التي رسمها حسن وكانت مبهجة جداً وهناك بلالين بألوان هادئة وبعض الصور لهم جميعاً كانت معلقة على الحائط بشكل دائري وبداخلهم صورة والدة ليلي وقد رسمها أيضاً حسن. وكان المنزل بأكمله منظم بشكل مريح للأنظار.

وقف حسن أمامها وبجواره محمود وخلفهم كان يجلس باهر على الأريكة ينظر لهم بابتسامة هادئة. قطع صمتهم "محمود" قائلاً بمرح: اصبري عشان متفهميش غلط، اللي عمل كل ده حسن لوحده وأنا ودكتور باهر يدوب ساعدناه. نظرت له "ليلي" بدموع قائلة: أنت عملت كل ده عشاني يا حسن؟ ابتسم بهدوء وأجابها: ما عنديش أغلى منك أعمل كده. نظرت لصورة والدتها قائلة: إزاي بس جه في بالك ترسم صورة ماما وتحطها هنا في الوقت ده؟ امسك يدها قائلاً بهدوء:

عملتها وحطيتها هنا عشان وقت علاجك هتجيلك لحظات هتيأسي كده ولازم تبقي فيها قوية جداً. أنا عايزك في الوقت ده تبصي عليها وتتقوي بها. اتفقنا يا ليلي؟ أومأت له بنعم وقد هبطت دموعها، ثم نظرت لأصدقائها جميعاً قائلة بحزن: أنا لو هتعالج فهو عشانكم أنتوا وبس على فكرة، عشان بجد مهما حصل ماليش غيركم. "هادي" بمرح: بعيد عن الدراما دي، ممكن أفهم بقى مين سمحلكم تعملوا كده في شقة أمي من غير إذني؟ "محمود" بتجاهل لحديث "هادي" قائلاً:

ولا كاننا سمعنا حاجة يا شباب، المهم في جدول هنا ده أنا اللي عامله لينا هنقسم نفسنا. أشار له ولـ"هادي" و"حسن" قائلاً: إحنا التلاتة كل يوم واحد هيبات هنا ومريم مقيمة طبعاً لحد ما يجوا أهلك. تابع "حسن": وباهر جاب لنا ممرضة هتقعد معاكي على طول وفي واحدة تانية هتبدل معاها. نظرت "ليلي" لـ "باهر" قائلة: مرسي يا دكتور باهر، بس والله ملوش لازمة كل ده يعني. نهض "باهر" ووقف بجوار "حسن" قائلاً:

لأ ليه لازمة جداً بعد ما ربنا يتمم شفاءك إن شاء الله هتعرفي قيمة كل حاجة بتتعمل دلوقتي وهتفهمي إيه لازمتها. "هادي" بسخرية وهو يوجه حديثه لـ "حسن": شايف الكلام المنطقي. تابع وهو يقلد نبرة "حسن" منذ قليلاً: مش أنا عندي أغلى منك عشان أعمل كده. ردت عليه "ليلي" بحدة: لأ لم نفسك وميغركش جو إنّي تعبانة. كله إلا سونه حبيبي، أكتر حد مهتم بيا. ضحك جميعهم بمرح، فحين نظر حسن لـ محمود بطرف عينه وبادله الآخر النظرات. وأردف قائلاً:

طيب يلا يا شباب، إحنا نجيب شوية حاجات ناقصة. "هادي" بعدم فهم: حاجات إيه؟ مفيش كل حاجة جاهزة أهي. "محمود" بجدية: فيه نظام غذائي كتبه دكتور خالد هتمشي عليه ليلي وهنا مفيش لقمة من لما جيت البيت، فهننزل نجيب. "هادي" بهدوء: أوكي، روحوا أنتوا. أنا قاعد مع البنات. أجابه هذه المرة "باهر" قائلاً: تمام، بس أنا حابب أكلم ليلي لوحدنا شوية. "ليلي" بحدة: آه فاهمة أنا الجو ده، بس أنا مش مريضة يا دكتور.

ضحك "باهر" بهدوء ورد عليها قائلاً: وأنا مقلتش كده. أنا هكلمك كـ صديق، نحكي شوية مع بعض. مش هكلمك كـ دكتور مجانين خالص. أنهى حديثه وهو ينظر لـ مريم بطرف عينه، فاشاحت هي بوجهها للجهة الأخرى بإحراج. "محمود" وهو يسحب "هادي" معهم للخارج قائلاً: يلا يا زفت عشان تشيل معانا الحاجة. ذهب الثلاثة للخارج وترك محمود الباب شبه مفتوح، واستأذنت مريم كي تفعل لهم شيئاً يتناولونه وجلس باهر مع ليلي بردهة المنزل. "باهر" بهدوء:

ها بقى يا ليلي، عاملة إيه؟ نظرت له بملل قائلة: بقولك إيه، فكك مني أنا مش محتاجة دكتور نفساني. رد عليها بهدوء قائلاً: كل ده عشان قلت لك عاملة إيه؟ أومال لو قلت لك احكي لي عن نفسك هتعملي لي محضر عدم إزعاج؟ تنهدت "ليلي" بضيق وصمتت، فاردف هو مجدداً بهدوء قائلاً: أولاً محدش منهم طلب مني أكلمك لأنك زي ما قلتِ أنتِ مش محتاجة دكتور نفساني، ولا حسن على فكرة محتاج دكتور نفساني. أنتوا عارفين محتاجين إيه؟

نظرت له باهتمام فتابع هو قائلاً: محتاجين تتكلموا مع حد ميعرفكمش، محتاجين كلمة تطمنكم وتريحكم مش أكتر. "ليلي" بدموع متحجرة: أصلاً الكلام مش بيريحني. بعد ما أحكيلك هيحصل إيه يعني؟ في حاجة هتتحل؟ مفيش حاجة هتتحل، الوضع اللي فيه أنا ثابت ومش بيتغير. "باهر" بجدية:

مش شرط تتحل. القلب نفسه يا ليلي لما بيتوجع أكتر من مرة بيبقى عامل زي الإزازة اللي حطاها تحت الحنفية وفاتحة الماية ومش واخده بالك إنها اتملت والمية عمالة تدفق بره منها ومش هيبقي شكلها حلو غير لما حد ياخد باله منها ويقفل الماية دي ويشيل جزء من الماية الكتير اللي ملياها عشان يقدر يقفلها. تابع مبتسماً:

هي قلوبنا زي إزازة الماية دي مليانة وجع ومشاكل وتراكمات. لما بنحكي اللي فيها بنحس بجزء بسيط من الواحد في المية بارتياح، رغم إن مفيش حاجة هتتحل بس ده طبع القلوب. ابتسمت "ليلي" بهدوء قائلة: كلامك حلو أوي، بس مش عارفة هو صح ولا لأ. "باهر" بمرح: جربي تتكلمي وشوفي. مش شرط تحكي كل حاجة، احكي إحساسك ومحدش هيعرف عنه حاجة يا ليلي، اطمني. شردت قليلاً وامتلأت عيناها بالدموع قائلة:

طارق، هو وحشني أوي. مكنتش فاكرة إني حبيته وقلبي اتعلق بيه كده. بس البعد هو الحل لينا. كفاية إنه لما هيفتكرني هيفتكر البنت الكويسة النضيفة اللي حبها، مش أنا. بس أنا اتعاملت معاه بحقيقتي، متصنعتش. آه كذبت بس كنت معاه ليلي اللي نفسي أكون هي، ليلي المسجونة جوايا والقسوة والكره منعوها تطلع. وكان نفسي برضو بابا يكون جنبي دلوقتي بس هو عمره ماصفني، ديما بيختار السهل حتى لو السهل ده هيوجعني مش هيفرق معاه. من لما ماما ماتت وهو

بعيد عني. كتير أوي احتجت له ولحضنه، حتى لزعيقه فيا اللي بيبقى فيه خوف ده. أنا مجربتش حاجة من ده كله. اتحرمت من أمي وأبويا وديما لوحدي. أنا عملت لنفسي أم. مريم هي أمي. أنا وصغيرة لما كنت أروح المدرسة وشعري منكوش والعيال تضحك عليا وتقول معندهاش ماما تسرح لها شعرها. مريم لما سمعتهم تاني يوم جابت معاها مشط الشعر وأخدتني على جنب وفضلت تسرح لي شعري وكانت بتجيب لي توك الشعر بتاعتها وكانت بتجيب لي من هدومها الحلوة البسها في

العيد. هي عوضتني كتير عن غياب ماما. عملت بابا بتلات شباب زي العسل، أجدع وأطيب من بعض. بشوف خوفهم وقلقهم عليا اللي مشفتهوش في أبويا. بشوف حنيتهم وأمان اتحرمت منه وملقتهوش غير معاهم. إحنا الخمسة عاملين زي كف الإيد، لو صباح فيهم اتقطع الأربعة الباقيين بيبقوا عاجزين عن حاجات كتير. أنا لو مكنوش هما في حياتي، أنا كنت انتحرت وموت نفسي من زمان. مكنتش هتحمل الحياة يوم واحد من غيرهم.

كاد أن يتحدث فقاطعته قائلة بجمود: أنا مش عايزة أقول حاجة وانسى كل اللي أنا قولته. أنت قلت لي أجرب أتكلم يمكن أرتاح ولو نسبة صغيرة من الواحد في المية وأنا ارتحت وشكراً أوي. ألقت كلماتها عليه وتركته ودلفت إلى إحدى الغرف بهدوء، أما هو فنظر فاثرها بحزن شديد على حالتها، فهي تبدو جامدة وقوية ومغرورة بعض الشيء من الخارج ولكن بداخلها يوجد حزن وألم يكفي العالم.

نهض من مجلسه وكاد أن يذهب للخارج ولكنه توقف عندما وجد مريم تدلف خارج المطبخ سريعاً ودموعها تملأ وجهها. "باهر" بقلق: أنتِ كويسة؟ أجابته بصوت باكي: لأ، أنا سمعت ليلي وهي بتتكلم. هي سابت طارق. حكت لي إنهم مش هيرجعوا تاني لبعض. أنا فرحت وقولت هتدي فرصة لـ حسن، مكنتش فاكرة إنها حبته للدرجة دي. طيب وحسن؟ مش عارفة أعمل إيه. "باهر" بهدوء:

متعمليش حاجة. أنتِ أهدي وخلي بالك منها وسيبي الباقي على ربنا. واطمني، رب الخير لا يأتي إلا بالخير. "مريم" بابتسامة هادئة: هو أنت دكتور ولا شيخ؟ ضحك رغماً عنه وأجابها: مفيش فايدة، مصممة تخليني آخد عنك نفس الفكرة. "مريم" بفضول: هي إيه الفكرة؟ "باهر" بغمزة خبيثة: إنك مجنونة. احمر وجهها بغضب وردت عليه بغيظ: تصدق أنا غلطانة إني كنت ناوية أعتذر لك على كلامي لما كنت عندك في العيادة. ضحك بقوة وأجابها:

ههههههه، لأ عادي. أنا متعود على النوعية اللي زيك دي. ده أنا أصلاً دكتور مجانين وبتعامل مع اللي زيك كده كل يوم. أخذت نفس عميق وأخرجته بقوة قائلة: أنت هتمشي ولا أطردك؟ كتم ضحكاته قائلاً بصوت شبه هامس: وحتى لو عملتي كده مش هزعل. هو في حد ياخد على مجانين برضه. صاحت فيه بغضب قائلة: اطلع بره. ضحك بقوة وهو يذهب للخارج، ثم لوح لها بيده قائلاً: سلام ي م… صمت ثم ابتسم ابتسامة هادئة قائلاً: سلام يا مريم.

أغلقت الباب بوجهه وهي تتنفس بسرعة من فرط غضبها من حديثه المستفز، ولكن ما إن تذكرت مشاغبته حتى ضحكت بقوة ووضعت يدها على فمها سريعاً خشية أن يكون مازال بالخارج ويستمع لها، وسريعاً ما تصنعت اللامبالاة ودلفت إلى غرفة ليلي كي لا تتركها بمفردها. على الجانب الآخر. انتهى الشباب من شراء مستلزمات المنزل وكانوا عائدون للمنزل ومحمود وحسن يحملون الأشياء وهادي يسير منفرداً واضعاً يديه في جيبي بنطاله. "محمود" بغيظ:

والله ما عندك ده، طيب شيل عنا شوية. "هادي" ببرود: لأ عشان قولت لكم نيجي بالعربية اتريقتوا عليا وعملت لي فيها مبابي وهالاند وقال إيه الحركة بركة. وبعدين أنا اللي دافع فلوس الحاجات دي ومينفعش أدفع وأشيل. "حسن" بإيماء: أنا اقتنعت. "هادي" بمرح: حبيبي والله يا أبو علي، هات أشيل عنك شوية. "محمود" بإرهاق: خد والنبي عني يا حسن. "حسن" برفض شديد: خد إيه بس، ده أنا مصدقت لقيت حد يشيل عني. تابع "حسن" بحماس:

قولي إزاي يا هادي عرفت إن الحركة بتاعت إني أرسم مامت ليلي حلوة هتاثر فيها. "هادي" بهدوء: والله على حسب خبرتي فهي حركة حلوة وهتجيب معاها جامد، بس بعد ما تخف إنما دلوقتي فهي في عالم تاني. "حسن" ببعض الأمل: المهم إنها هتجيب. "محمود" بضيق: لأاااا لم نفسك، أنا بغير. "هادي" بحماس وهو ينظر لمحل ألعاب أطفال: بقولكم إيه، تعالوا معايا هجيب عروستين، واحدة لـ مريم وواحدة لـ ليلي. "حسن" بسخرية: كبروا يا حبيبي، هما على الحاجات دي.

"هادي" بحماس: كبروا كبروا، أنا هجيب لهم. بقالنا كتير مجبناش لهم حاجات زي دي. "محمود" بحماس أيضاً: أتفق مع هادي، هيفرحوا أوي بيهم. وهات واحدة تالتة لـ ملك. نظر له "حسن" بجمود، فصحح "محمود" قوله متابعاً: هتفرح لما حسن يديهالها. "حسن" ببعض الاقتناع: تمام، تعالوا نجيبهم. بالفعل بعد قليل كانوا عائدين للمنزل سيراً وحسن ومحمود يحملون الحقائب وهادي يحمل تلك الدميات الصغيرات وهو ينظر لهم بابتسامة واسعة.

أمسك "حسن" تلك الحقائب بيد واحدة وحاوط "هادي" بيده الأخرى قائلاً بغمزة مشاكسة: ولا ياهادي. "هادي" بقلق من نظرات الآخر: في إيه يالا مالك؟ "حسن" بنبرة مشاكسة أيضاً: تيجي نتجوز في السر، تيجي ناخد بيت بعيد، ونخلف بيبي صغنون. عانقه هادي بقوة قائلاً بنبرة غنائية: بيييييبيييييي. "محمود" بضحك: لم منك ليه، الناس تقول عليكم إيه؟ "حسن" بنفس نبرته قائلاً لـ "هادي": بقولك إيه يا بت، متيجي بقي. "هادي" بضحكة رقيقة أجابه:

هيهيهيهييي، اتلم بقى يا راجل الواد واقف. "محمود" بضحك شديد: والله ولا أعرفكم أصلاً. قطع مرحهم سيدة ما من إحدى النوافذ صاحت فيهم غاضبة: روحوا يا صايعين من هنا، العيال مش عارفين يذكروا. "هادي" بردح: مين دول اللي صايعين يا ولية يا قرشانة؟ "حسن" بنفس نبرته: لألا يا عيلة متقوليش. "هادي" و"محمود" معاً: لأاااا. السيدة بغيظ: طيب أنا هجيب لكم اللي يربيكم كويس. ولاااا يا بطاطا. "محمود" بانفعال:

لأ عندك بطاطا مين ده اللي هيخوفنا؟ "حسن" وهو يمسكه من ذراعه قائلاً: بس يا محمود، إحنا هنقف نتخانق مع بطاطا؟ عيب والله. "محمود" بنبرة درامية: سيبني يا أبو علي، نحن لسنا أصحاب المشاكل، ولكن إذا لزم الأمر نحن أهلها. "هادي" بتصفيق حار: ييييييه الله عليك يا جدع وأنت بتردح بالفصحى.

بعد قليل وجدوا شاباً أقل ما يقال عنه ضخم وصاحب جسد ممتلئ بالعضلات وملامحه غاضبة للغاية. رفع محمود رأسه ينظر له بذهول وخوف شديد ثم نظر خلفه لرفاقه ولكنه لم يجد هم فقد تركوه وهربوا. "بطاطا" بحدة: كنت بتقول إيه بقى يا حليتها؟ "محمود" بخوف شديد: يتقطع لساني لو كنت أقصدك. والله أنا عيل أصلاً ومش قد كلامي. أمسكه بطاطا من ملابسه بقوة وقبل أن يتحدث ارتطم بوجهه حجر ضخم، فترك محمود ممسكاً وجهه بالألم. "محمود" بقلق:

أنت كويس يا بطاطا؟ "هادي" بحدة من خلفها: اجري يا ابن العبيطة. أمسك محمود بالحقائب وفر هارباً من أمام بطاطا وما إن تلاقى بأصدقائه وهم يركضون حتى أخذوا يضحكون هستيريا على ما حدث. بعد مرور أسبوع وأكثر. كانت ليلي في ذلك الأسبوع بدأت علاجها وبدأت تعاني من ذلك العلاج، وعلى الجانب الآخر ظلت ندى جالسة بغرفتها حزينة وندمة على ما حدث منها بحق والديها، وتنتظر ما سيفعله مالك ووالدها معاً.

دلفت ليلي خارج غرفتها بشقة والدة هادي، فوجدت بوجهها تلك الممرضة التي جاءت لتهتم بها. وأردفت قائلة: على فين يا ليلي؟ "ليلي" بضيق شديد: اتخنقت من قعدتي في الأوضة. هو محمود فين ومريم؟ أجابتها الممرضة قائلة: مريم راحت الكورس بتاعها بعد ما أنتِ نمتي، ومحمود جوه في المطبخ بيجهز لك الغدا. احتضنت "ليلي" نفسها بعد أن شعرت بألم في كامل جسدها، وأردفت بنبرة مهزوزة: طيب أنا هقعد مع محمود جوه يا أميرة. "أميرة" بهدوء:

ماشي، ولو احتاجتي حاجة أنا قاعدة هنا اهو تحت أمرك. جاهدت ليلي وأخرجت ابتسامة رقيقة لها، ثم ذهبت للمطبخ فوجدت محمود واقفاً يقوم بإعداد بعض الأطعمة، فذهبت وجلست على الطاولة خلفه وهي تتابعه بصمت. استدار هو وابتسم باتساع قائلاً: صباح الفل. "ليلي" بتعب: أنا تعبانة أوي يا محمود. جلس سريعاً بجوارها قائلاً بقلق شديد: في إيه طيب، قولي حاسة بأي وأنا هكلم دكتور خالد يجي و… قاطعته قائلة بدموع:

هو قالي إن ده هيحصل. هادي وكمان ممكن بعد كام يوم مقدرش أتحمل الألم ده، بس أميرة هتديني مهدئات وهبقى كويسة. "محمود" بحزن شديد: طيب أعمل لك إيه طيب؟ مش عايزك تعبانة؟ مسحت "ليلي" دموعها واحتضنت نفسها بقوة قائلة: احكي معايا في أي حاجة عشان أنسى التعب، يلا. حاول كبت دموعه على هيئتها المتألمة، وأومأ لها بنعم ثم أخبرها بـ: ملك كلمتني وقالت عايزة تقابلني ضروري. "ليلي" بنبرة مهزوزة: طيب مروحتش ليه تقابلها؟

أجابها بتنهيدة طويلة: بكرة إن شاء الله. "ليلي" بفضول: هو حصل إيه في موضوع جوازها أصلاً؟ "محمود" بابتسامة واسعة: حسن قالي إنها رافضة، بس مجاتش فرصة أستفسر أكتر. ويمكن باباها غصب عليها. شحب وجهها بقوة، فامسك "محمود" يدها سريعاً قائلاً بقلق: في إيه يا ليلي، أنا هكلم خالد. احتضنته بقوة وهي تقبض بكفيها على قميصه قائلة ببكاء شديد: مش قادرة يا محمود، هموت والله.

ضمها هو له بقوة وهبطت دموعه بخوف، ثم صاح عالياً بتلك الممرضة التي جاءت له سريعاً بقلق: اتصرفي يا أميرة، شوفي أي حاجة تخليها تخف. "أميرة" بجدية: أنا هجهز لها الحقنة اللي كتبها دكتور خالد، بس ساعدها تدخل جوه. أومأ لها "محمود" ثم أبعد ليلي التي كانت تنتفض بقوة من الألم قائلاً: تعالي يا حبيبتي ادخلي جوه وهتاخدي الحقنة وتخفي. "ليلي" بصوت متقطع: مم. مم. مش.. قادرة.. مش قادرة أتحرك.

حملها بهدوء بين ذراعيه وذهب لغرفتها وضعها على الفراش بهدوء وجاءت تلك الممرضة وأعطت لها الحقنة في ذراعها، فحين كان محمود جالساً بجوارها ممسكاً بيدها وقبلها بهدوء وظل على هذا الحال حتى هدأت وذهبت في نوم عميق. نهض من جوارها وأغلق ضوء الغرفة وقبل أن يغلق الباب نظر لها ودموعه تهبط على وجنتيه بحزن شديد، ثم أغلق الباب وذهب للخارج وأمسك هاتفه وقام بمهاتفة حسن.

على الجانب الآخر كان حسن ذاهباً خارج الجامعة ولكنه وجد هادي يتوقف بسيارته أمام كليته، فذهب له. قائلاً بسخرية: مقولتش يعني إنك جاي، ولا أنت جاي عشان حد تاني؟ "هادي" بجمود: لأ تاني ولا تالت. ده فيه دكتور غلس عامل امتحان عليه نص درجة أعمال السنة. أنت بقى جيت لي؟ مش المفروض في الكورس مع مريم؟ "حسن" بهدوء وهو يشير للأوراق بيده: كنت بخلص ورق تأجيل الامتحان لـ ليلي عشان ظروفها. "هادي" باهتمام: طيب وعملت إيه؟

أوعى تكون جبت سيرة الإدمان. "حسن" بقلق: لأ قولنا إن عندها مرض تاني وده بمساعدة حد كده. "هادي" بفضول: لأ إزاي فهمني؟ أجابه "حسن" قائلاً: بص هفهمك. إحنا مكنش ينفع نجيب سيرة الإدمان دي خالص، فـ محمود ومريم قالوا لي نفبرك أي شهادة مرضية وباهر ساعدني فيها وطلعناها من المستشفى بتاعة أبو باهر تمام. هو تزوير ومحتاجين كنا سيكا قانونية ونظبط الحوار وطبعاً ملقناش حد ليه كلمة في الجامعة كلها وفاهم قانون أكتر من أونكل فاروق.

"هادي" بسخرية وعدم تصديق: وأونكل مين يا روح أمك؟ "حسن" بقلق: هادي اتلم واحترم نفسك، إحنا كلمناه وعملنا كده عشان خاطر ليلي. "هادي" بغيظ: كنا لقينا أي زفت تاني وكنا هنحلها. مبقاش أنا سايب له البيت ومتشحتط في الأوتيلات وعند مريم وإنتوا بتكلموه عادي. "حسن" بجدية: مفيش وقت يا هادي الامتحانات خلاص. وبعدين باباك كان شيك وخدوم جداً وساعدنا وماتأخرش. "هادي" بعدم تصديق: أنت متأكد إنك بتتكلم عن أبويا؟

أبويا اللي مش بيقول عليكم غير صايعين وإنت بالذات لا بيطيقك ولا بيطيق أبوك وبيقول عليك صايع ابن صايع. "حسن" بغيظ: الله يخربيت أبوك، كرهتني في الراجل في دقيقة. ضحك هادي بقلة حيلة وقطع حديثهم رنين هاتف حسن وكان هذا محمود. "حسن" بجدية: ده محمود. "هادي" بقلق: رد لتكون في حاجة مع ليلي. أجاب "حسن" قائلاً: أيوه يا محمود، ليلي كويسة؟ "محمود" بنبرة حزينة: تعال يا حسن، مش هقدر أشوفها كده. تعال. "حسن" بقلق وخوف شديد:

في إيه ليلي مالها؟ أجابه "محمود": تعبت وجسمها كان بينفض جامد ومش قادرة تتحرك وأميرة أدتها مسكن ونامت بس كانت تعبانة أوي. مش هقدر أشوفها كده، تعال يا حسن. "حسن" بحزن شديد: مهو خالد قال إن ده هيحصل. اجمد يا محمود مش لازم نكون ضعاف قدامها، واهدي وأنا جايلك حالا ومريم زمانها في الطريق. أغلق "حسن" مع "محمود"، فاردف "هادي" قائلاً بضيق: أنا جاي معاك. "حسن" بجمود:

أنا هروح ومحمود هناك ومريم هتبقى هناك. ادخل أنت امتحانك وابقى تعالي ورايا. "هادي" بضيق: أووف، أنا لسه الامتحان بعد ساعة وقلقان عليها. "حسن" وهو يغادر من أمامه: خليك بقى يا هادي وأنا أما أوصل هكلمك أطمنك عليها.

ذهب حسن، وصعد هادي جالساً على سيارته في الأمام وتلقائياً أخذ يدور بعينيه باحثاً عنها، يعترف إنه اشتاق لها ويريد رؤيتها بأي شكل ولكن كرامته لا تسمح له بذلك، فهي عاملته بطريقة قاسية نعم رد لها ذلك ولكن فعل هذا نتيجة أفعالها. قطع شروده صوت نيرة من خلفه. قائلة بمرح: أي ده هادي بنفسه هنا في الجامعة!! رد عليها قائلاً: ي منجي من المهالك ي الله، خير. أنتِ كمان على الصبح؟ لكمته على كتفه قائلة بلوم:

كلمتك مليون مرة مش معبرني. كنت حابة أعتذر لك عن اللي حصل يوم العيد. "هادي" بجدية: وانتِ مالك أصلاً؟ ده عيل سخيف واخد جزاءه. "نيرة" بضيق: على العموم أنا قابلت لونار وقولت لها كل حاجة. هبط "هادي" من على السيارة قائلاً بانفعال: أنتِ بتستهبلي؟ قولتي لها إيه؟ ومال لونار بالحوار ده أصلاً؟؟ "نيرة" بعدم تصديق: استنى، هو أنت متعرفش؟ رد عليها مستفسراً: أعرف إيه بالظبط؟ "نيرة" بضيق:

متعرفش إن غادة صورتني وأنا برقص معاك وأنت بتتخانق عشاني وبعتتهم لـ لونار وبعتت كلام سخيف كمان. ضرب "هادي" على رأسه قائلاً بندم وغضب شديد: يخربيت أم غبائي عشان كده كانت متعصبة وأنا عكيت الدنيا أكتر. "نيرة" بجدية: أنا لما ميار صاحبتها حكت لي كلمتك أقول لك لقيتك مش بترد عليا خالص. قولت مفيش حل غير أكلم لونار وأفهمها إننا زملاء مش أكتر. "هادي" بغضب شديد: غادة هنا في الجامعة؟ "نيرة" بجدية:

لأ مش جايه تقريباً غير في الامتحانات. تابعت وهي تغادر من أمامه: المهم حاول تكلم لونار ومتخسرهاش. البنت شكلها بتحبك بجد. ابتسم باتساع قائلاً: أنا عارف إنها بتحبني. روحي أنتِ شوفي طريقك وأنا هحل أم الحوار ده. ضحكت "نيرة" بهدوء قائلة وهي تلوح له بيدها في الهواء: أوك بااااي.

غادرت نيرة من أمامه فحين أخرج هو هاتفه وقام بالاتصال بـ لونار عدة مرات ولكنه وجدها لا تجيب على مكالماته بل وقامت بحظره من عدة مواقع. تنهد بضيق ثم ذهب باتجاه قاعة محاضراتها. دلف للداخل وكان دكتور المادة لم يدلف بعد، بحث عنها بعينيه في أرجاء المكان ولكنه لم يجدها. ولكن وجد إحدى صديقاتها التي تكون مع لونار في بعض الأوقات. ذهب لها سريعاً. وأردف بهدوء: السلام عليكم. أجابته تلك الفتاة قائلة بهدوء: وعليكم السلام، خير حضرتك؟

"هادي" بجدية: هي لونار جت ولا لسه؟ ردت عليه: محصلتش وتقريباً كده مش هتيجي غير على الامتحانات. "هادي" بقلق: لي في حاجة ولا إيه؟ أجابته الفتاة بهدوء: معرفش والله. تابعت وهي تسير من أمامه: بعد إذنك. تركته هي وذهبت من أمامه ووقف هو حائراً ماذا يفعل كي يراها ويتحدث معها وهي لم تأتِ. نظر إلى ساعة يده وجد أن امتحانه على وشك البدء، فذهب إلى هناك وعزم أمره على فعل شيءٍ ما.

بمنزل البحيري جمع فضل عائلته بأكملها وكان من ضمنهم مالك الذي جاء من سفره منذ قليل. "حازم" بملل وهو ينظر لهاتفه: خير يا عمي، أنا اتأخرت على الشغل. "طارق" بتأييد: وأنا كمان اتأخرت. "فضل" بجمود: أنا جمعتكم لأن اللي وصلني وعرفته لو كان حصل بجد، فهتبقى مصيبة على دماغنا كلنا. "شادية" بقلق شديد: في إيه يا فضل قلقتني وتوّترت الأولاد؟ تجاهل فضل حديثها، ووجه حديثه لـ مالك الذي كان ينظر أرضاً بخوف. وأردف قائلاً:

قولي يا مالك، تعرف إيه عن أستاذ أسامة وعائلته؟ بدأ مالك يهز قدمه بتوتر وتشنجت ملامحه بقوة، فأنتفض بقوة عندما صاح فيه والده غاضباً: إيه يا أطرش رد عليا. "طارق" بقلق: في إيه بس يا بابا فهمنا؟ "فضل" بحدة: أنا مش فاهم إيه حاجة. عايز البيه ده يفهمني دلوقتي. "مالك" بجمود: البنت دي مش كويسة وأنا… قاطعه فضل عندما نهض ووقف أمامه ونهض أيضاً مالك والجميع. "فضل" بحدة: يعني اللي سمعته بجد؟ العقد العرفي اللي معايا بجد؟ "شادية"

بصدمة وعدم تصديق: إيه عقد عرفي إيه ده يا فضل؟ أجابها "فضل" قائلاً بغضب: عقد عرفي بين ابنك وبنت مدير قسم الحسابات عندنا في الشركة. ابنك يا هانم غلط مع البنت وهي حامل دلوقتي ولما لقى الموضوع قلب جد خلع من الحوار زي العيل. "مالك": هي اللي بنت مش كويسة وعايزة تدبسني فيها بأي شكل. "فضل" بحدة وصوت جهور: عندك يولد؟

إلا سمعت بنات الناس اللي هتتكلم فيها. احترم ي واطي إن عندك أخوات بنات. وبعدين أنا سألت عن البنت وعن أهلها واتأكدت مليون في المية إنهم ناس كويسين وفي حالهم والبنت دي مؤدبة ومحترمة. "شادية" بعدم تصديق: يعني إيه؟ مهي غلطت زي مالك برضه. "فضل" بحدة: أنا ميهمنيش غير ابني يا شادية. ابني اللي بيضحك على بنات الناس ويعشمهم بالجواز ولما يوصل للي عايزه بيخلع. تابع وهو ينظر لـ "مالك" بخزي:

أثبت لي إني معرفتش أربي أنت وسارة. أثبت لي إني قصرت في تربيتكم أوي. نظرت "سارة" أرضاً بحزن شديد، فحين رد "مالك" على والده بجمود قائلاً: اللي حصل يا بابا. غلطت ومستعد أعوضهم عن الغلط ده بأي مبلغ يطلبوه. "حازم" بحدة: أنت لي حيوان كده يالا؟ إيه تعوضهم بمبلغ دي؟ هي بنات الناس بيع وشروة معاك. "فضل" بحدة: أعمل فيك إيه؟ أضربك وأكسر عضمك ويقولوا بيضرب راجل طوله؟ ولا أقتلك وأشرب من دمك على القرف اللي بتقوله وبتعمله ده. "طارق"

بجدية: اهدي ي بابا، ومالك هينفذ كل كلامك. "فضل" بحدة: غصب عنه. غصب عنه هيروح ويتجوز البنت دي. "مالك" برفض: مستحيل أتجوزها. هتجوز واحدة غلطت معاها. "حازم" بحدة: هتتجوزها عشان تصلح غلطك وعشان ابنك اللي جاي في الطريق ده. "مالك" بجمود: هتجوزها وأطلقها في نفس اليوم واللي في بطنها ينزل. ده اللي عندي. "شادية" بغضب: إيه البجاحة وقلة الأدب دي ولد؟ "فضل" بنبرة صارمة:

ورحمة أبويا وأمي يا مالك لو منفذتش كلامي لهدفنك مكانك. هتتجوز البنت ومفيش طلاق لحد ما ابنك يتولد ووقتها تقرر أنت وهي عايزين إيه. ومش هتعيش في بيت لوحدك، هتعيش قدامي هنا وأنا هظبطك يا حيوان وهلمك كويس. صرخ فيه بحده: غوووور من قدامي. ذهب مالك من أمامه ودلف لغرفته، حاول الاتصال بها ولكنه وجد هاتفها مغلق كما هو، أخذ يتوعد لها بأنه سيجعلها تندم على ما فعلته وما حدث الآن. جاء له أخويه وأغلق حازم الباب خلفهم وجلسوا أمامه.

"مالك" بضيق: اللي جاي فيكم يعمل عليا كبير يوفر كلامه لنفسه ويتفضل بره. "طارق" بحدة: لأ هنعمل كبار وهنديك على دماغك عشان أنت اتدلعت زيادة عن اللزوم ومبقتش عارف الغلط من الصح. "مالك" بغضب: وهو الصح إني أتجوّز واحدة زي دي، واحدة قبلت تكون معايا في الحرام. "حازم" بسخرية رد عليه: سلام على الملاك البريء الشيخ مالك. هو مش أنت كنت معاها في الحرام برضه وكمان أنت اللي سحبتها للطريق ده. تابع بجدية:

أبوك جه من كام يوم وطلب مني أتحرى عن بنت اسمها ندى أسامة. هي دي البنت صح؟ أومأ له "مالك" فابتسم "حازم" قائلاً: طيب اطمن. أنت فاهم غلط. البنت دي كويسة وأكيد أنت عارف إنها بتدرس في كلية الطب. أنا اتحريت عنها بنفسي وكل اللي يعرفها حتى جيرانهم بيقولوا عنها كل خير. "مالك" بسخرية: الناس ديما بتعرف وتحكم على الظاهر. "طارق" بغيظ: أنت عايز إيه يالا؟ عايز تعيش وتاخد اللي عايزه ببلاش. جلس "مالك" على فراشه قائلاً بحدة:

أنا مبيتلويش دراعي لا منها ولا من غيرها. وأقسم بالله لأنـدمها هي واللي جابوها على التدبيسة دي. نهض "حازم" قائلاً: أنت اللي دبست نفسك محدش أجبرك على حاجة من الأول. تابع قائلاً وهو يذهب للخارج: لأ يا طارق عشان شغلنا. وقول له يجهز بكرة كتب كتابه والدخلة. أبوه كلم أبو العروسة واتفق معاه. تنهد "مالك" بضيق قائلاً وهو يلقي بجسده على الفراش: أووووووف بقي أووووف. "طارق" بشماتة:

والله رغم إن الجوازة تعر وتكسف وبنلم فضيحة بس أنا فرحان فيك ومفيش حاجة هتلمك غير الجوازة دي. القي كلماته على أخيه وتركه وذهب للخارج هو وحازم ذاهبون إلى عملهم. بمنزل لميس كانت جالسة مع تلك المرأة التي أصبحت تقيم معها مؤخراً، وكانوا يتحدثون بمرح وصوت ضحكاتهم عالٍ بقوة. "لميس" بهدوء:

تعرفي يادادة عفاف، أكتر حاجة ريحتني في وجودك معايا إني بطلت أتعامل مع حازم أو أشوفه، لأني بكون واخده قرارات وماكده على نفسي أبقى جامدة قدامه بس لما بشوفه أو أسمع صوته بقلب كتكوت مبلول. ردت عليها "عفاف" قائلة: بس حازم باشا بيعزك أوي وأنتِ غالية عنده جداً. ده كل يوم وأنا بطمنه عليكي بيفضل يوصيني عليكي كأنك بنته. "لميس" بابتسامة ساخرة: بالظبط كده، كأني بنته أو أخته وبس. "عفاف" بجدية: والله وأعلم باللي في القلوب. "لميس"

بضيق: أنا عارفة اللي في قلبه. هو آه سابها بس هو كان بيحبها من زمان أكيد منسيهاش. وكل كلامه معايا هزار وتريقة على مشاعري من زمان. من لما سارة أخدت الجواب وادتهوله وهو فضل يضحك ويتريق عليا قدامها وبعدين زعقلي قدام أهلنا أنا وهو، وأنا عرفت وقتها إنه مش ليا ولا هيكون ليا. "عفاف" بجمود: وأنتِ إيش عرفك أنتِ بالقلوب واللي فيها؟

ده الإنسان نفسه مبيعرفش إيه اللي جوه قلبه غير في لحظات معينة. في وقت معين بتلاقي قلبك بيدق بسرعة وبتقولي أنا بحب مثلاً، مع إن الحب ده القلب كان محتفظ بيه من زمان وكل ما يدي بيكبر ويكبر لحد ما أنتِ تحسي بيه. القلوب مليانة يا بنتي مفيهاش إحساس واحد، فيها مليون إحساس ومليون فرحة ومليون وجع وأكتر كمان، بس اللي بيكون أصدق وأوفى هو اللي القلب بيحتفظ بيه وبيزيد في حبه لحد ما يخلي العقل وكل الجسم يديكي إشارات بالحاجة دي. مش بيقولوا قلب المؤمن دليله برضه. وإحساس القلب عمره ما بيكدب. ولو أنتِ حباه بجد هيجي اليوم اللي ربنا هيجمع فيه قلوبكم.

أدمعت عيني "لميس" وردت عليها قائلة: أنا تعبت وزهقت بجد، بس مش هستناه تاني. هفتح قلبي وأعيش لغيره وهحاول أشوف غيره. ولو هو حس بيا يجي محسش. بس هعلق نفسي بأوهام. "عفاف" بمرح: طبعاً ده كلام وخلاص. وأول ما تشوفيه الكلام ده هيتبخر. "لميس" بضحكة هادئة: هو أنا للدرجة دي مفضوحة؟ ضحكت "عفاف" ونهضت من جوارها قائلة: أروح أعمل لك كوباية شاي وأجيب لك حتتين كيكة من اللي عملتها الصبح. "لميس" بحماس: أيوه بقى هو ده الكلام.

صدح صوت طرق على باب المنزل فكادت أن تذهب عفاف لتفتح فأوقفتها لميس وطلبت منها أن تذهب للمطبخ لتحضر لها الشاي والكيك وذهبت هي لتفتح الباب، وما إن فتحته حتى وجدت أمامها ذلك الشاب الطويل بعض الشيء ببشرته البيضاء وملامحه الوسيمة وجسده شبه نحيل وعيناه الزرقاء وخصلاته البنية وأيضاً لحيته الخفيفة البنية. "لميس" بابتسامة واسعة: يوسف، أنت جيت إمتى؟ احتضنها "يوسف" بقوة قائلاً: وحشتيني أوي. ابتعدت عنه سريعاً بإحراج قائلة:

ا اتفضل طيب واقف لي كده على الباب. دلف ذلك الشاب للداخل قائلاً: ده بيت ابن عمك اللي قولتي لي عليه واحنا في أمريكا صح؟ "لميس" وهي ترشده بأن يذهب للصالة قائلة: امم، هو مبلطج عليه وواخد بيته وكل حاجة. المهم أنت جيت إمتى؟ جلس "يوسف" على الأريكة وأجابها قائلاً بهدوء: جيت امبارح، بس محبتش أقول لك وعملتهالك مفاجأة زي ما أنتِ عملتي لي مفاجأة ووافقتي على إننا نرتبط. توترت كثيراً قائلة بضيق: بص خلينا نتكلم بعدين في الموضوع ده.

"يوسف" بجمود: براحتك يا لميس، أنا معاك وهستناكي لآخر العمر. صاحت هي بـ"عفاف" قائلة: هتعبك يا دادة عفاف، اعملي اتنين شاي وخلي الكيكة الدبل. تابعت وهي تنظر لـ"يوسف" قائلة بمرح: ولا أجهز لك العشا؟ أنت تؤمر. "يوسف" بضحكة هادئة: لأ اتعشيت مع ماما وبابا قبل ما أجيك. ظل يتحدثان بمرح، وبداخل المطبخ كانت عفاف تقوم بالاتصال بحازم الذي أجابها. قائلاً بهدوء: أيوه يا مدام عفاف. "عفاف" بقلق: معلش يا ابني هازعجك بس… "حازم"

بقلق شديد: في إيه؟ لميس كويسة حصل لها حاجة؟ أجابته بهدوء: هي كويسة متقلقش عليها، بس في حد جه من شوية. "حازم" بحدة: حد مين ده؟ "عفاف" بضيق: اهدّي وأنا هقول لك. بمنزل والدة هادي. استيقظت ليلي من نومها فوجدت مريم جالسة على الفراش بجوارها وهي تلهو بهاتفها. "ليلي" بضيق: أنتِ إيه اللي مقعدك جنبي يا بت أنتِ؟ "مريم" بإحراج: في إيه يا ليلي، تعبت من القعدة على الكرسي قولت أجي أريح جنبك. "ليلي" بحدة: وتريحي جنبي لي؟

من قلة الأوض اللي في الشقة يعني؟ أجابتها "مريم" وهي تحتضنها بقوة: مش عايزة أبعد عنك يا لي لي. ضحكت "ليلي" بهدوء قائلة: وعي طيب هتخنق، وقولي لي فين باقي العيال؟ أجابتها "مريم" وهي تبتعد عنها قائلة: محمود نايم في أوضته وحسن كان هنا ومشي هو وهادي. تابعت بحماس: عارفة، وأنتِ نايمة هادي جه قعد جنبك وفضل يقرأ قرآن. أول مرة أشوفه كده وحرفياً صوته يجنن وهو بيرتل جنبك. ابتسمت "ليلي" باتساع قائلة: هادي عمل كده بجد؟ "مريم" بمرح:

والله عمل كده. بركاتها الشيخة لونار. تابعت قائلة بتذكر: ونسيت أقول لك، طارق جه عندي في البيت وسأل عنك. هبت "ليلي" جالسة قائلة بخوف: نـهار أسود! عرف الحقيقة صح؟ "مريم" بثقة: عيب عليكي أصلاً. أنا توقعت حاجة زي دي وكنت منبهة على الحرس والخدامين إن لو حد غيركم سأل عليا يقولوا مسافرة. بس المشكلة في الوقت الجاي بابا وماما جايين ومش هينفع لو جه سأل حد يقوله مسافرة. "ليلي" بضيق: يارب بقي ريحني ياارب.

ألقت "مريم" نفسها بأحضان "ليلي" قائلة: أنا مبسوطة يا ليلي إنهم جايين. بقالي أكتر من سنة مشوفتهمش وحشوني أوي. "ليلي" بمرح: عارفة لو جم وانشغلتي عني فيهم هاجي أقتلهم وأرتاح. أنتِ مامي أنا ها، افتكري دي. "مريم" بضحكة عالية: أنتِ الأساس يا قلب مامي، وهما كده كده هيبقوا مشغولين في المشروع اللي جايين عشانه. "ليلي" ببعض الملل: إن شاء الله. "مريم" بخبث قائلة: لي لي، هو لو حسن جه واعترف بحبه لكِ هتعملي إيه؟ "ليلي" بضيق:

مش هيحصل يا مريم عشان حسن مش بيحبني أصلاً. جلست "مريم" قائلة: بس أنتِ كنتِ معجبة بيه وقولتي لي أنا ومحمود إنه لو اعترف لك باللي جواه هتديه فرصة. "ليلي" بجمود:

ومعترفش وغيره جه واخد قلبي. وبعدين حسن ده يعرف كل مصايبى. ده كنت لما بصاحب حد في ابتدائي أو إعدادي كنت بقوله عليه مشاكلي مع أهلي وكل تفصيلة في حياتي باختصار صندوقي الأسود عنده. فـ مينفعش. ومينفعش أكتر لأني حبيت طارق يا مريم ومش هحب ولا عايزة أحب غيره. ولا قلبي هيشوف غير طارق حتى لو مش هيبقي ليا. "مريم" بضيق: اللي فيه الخير يقدمه ربنا.

بمنزل لونار كانت الساعة تقترب من العاشرة مساءً، أنهت لونار أخذ حمامها الدافئ بمرحاض غرفتها ودلفت للخارج وهي تجفف خصلاتها السوداء الطويلة بتلك المنشفة الصغيرة، ولكنها توقفت ما إن رأته يقف أمامها وينظر لها بابتسامة واسعة. "هادي" بنبرة مشاكسة: أي الحلاوة دي ي بت؟ حقك والله تتكتفي بلبسك ده عشان تحافظي على الجمال ده لي أنا وبس. كانت هي لا تسمع لأي شيء يقوله فقد تنظر له ببلاهة وعدم تصديق هل تتوهم أنه هنا؟

هل أصبحت مجنونة الآن؟ ولكن لا، هو حقاً هنا. ولكن كيف جاء ودلف لغرفتها ورآها وهي هكذا؟ عند هذه النقطة فاقت من شرودها ونظرت لنفسها بخجل وإحراج شديد ودلفت للمرحاض مجدداً وأغلقت الباب خلفها بقوة. وقد تورّدت وجنتيها وهي تنظر لمنامتها التي كانت ترتديها بلونها الزهري وأكمامها القصيرة للغاية ولكن كانت فضفاضة بعض الشيء. حاولت تصبير نفسها بذلك. بالخارج كتم هادي ضحكاته بصعوبة وطرق على باب المرحاض بهدوء. قائلاً بنبرة هامسة:

افتحي يا لونار، هغمض عيني والله. جاء صوتها الغاضب قائلة: أنت جيت هنا ودخلت أوضتي إزاي؟ أنت إزاي تعمل كده أصلاً؟؟ "هادي" بجدية: طيب اخرجي وأنا هفهمك كل حاجة. ردت عليه بحدة: أخرج إزاي أنت عبيط؟ امشِ يا هادي زي ما جيت. لو بابا وماما شافوك هتبقى مصيبة ولو أي حد عرف إنك هنا هتبقى كارثة على دماغي. تنهد بضيق ورد عليها قائلاً بنبرة جدية: مش هتحرك من هنا يا لونار غير لما نتكلم وتفهمي كل حاجة مني أنا. "لونار" بنفاذ صبر:

مش هينفع نتكلم هنا، أنت اتجننت؟ امشِ يا هادي ونبقى نتقابل في الجامعة وقول اللي عايزه. "هادي" بنبرة ساخرة: اممم، الجامعة اللي أنتِ مبقتيش تيجيها أصلاً. اسمعي يا بت أنتِ أنا جيبت آخري منك هتخرجي ولا أعمل لك فضيحة بجد. ضربت الأرض بقدمها قائلة: طيب ناولني الأسدال عندك على السرير.

ابتسم بهدوء وذهب لفراشها وتناول ذلك الرداء الخاص بصلاتها وتلقائياً ما قربه من فهمه رائحتها التي لاول مرة يستنشقها تملأ هذا الرداء بل الغرفة بأكملها. تشبه رائحة المسك والزهور. نظر حوله لتلك الغرفة أساسها البسيط وحجمها الصغير، فالغرفة بأكملها تبدو بحجم مرحاض غرفته هو، ولكن هنا يوجد دفء وأمان لم يجده بكامل حياته. دمياتها الصغيرة وبعض اللوحات الدينية المعلقة بالغرفة، مسبحتها ومصحفها وسجادة صلاتها، صورتها هي وصغيرة وصور والديها وصورهم معاً. كل هذه الأشياء جعلت غرفتها مميزة بعينيه.

فاق من شروده على صوتها عندما صاحت به: هادي أنت مشيت؟ ضحك بهدوء وأجابه: مش همشي اطمني، بس مستنيكي تخرجي تاخدي الجلابية بتاعتك دي.

قامت بفتح جزء بسيط من الباب وأخرجت يدها لتتناول منها رداءها، فضحك هو رغماً عنه على حركتها العفوية، فهي خجلة أن تخرج أمامه بهذا الرداء الذي يراه هو هادئاً مقارنة بملابس تلك الفتيات اللاتي يكونا معه. ناولها إياه وأغلقت هي الباب، فحين ذهب هو وجلس على المقعد الخاص بمكتبها الصغير وأخذ يقلب بكتبها الدراسية وأوراقها. لفت نظره بعض الروايات الخاصة بقصص الرعب. ضحك بسخرية قائلاً: واحدة اسمها لونار هتكون بتقرأ إيه يعني.

دلفت هي خارج المرحاض بعد أن ارتدت أسدالها وحجابها، وأردفت قائلة بضيق: عايز إيه يا هادي؟ نظر لها سريعاً جاهد ألا يبتسم وأن يخفي شوقه لها وتحدث بجدية: اقعدي يا لونار واهدي عشان تفهميني. ردت عليه بغضب: أهدي؟! أنت بجد مش طبيعي جاي لي أوضتي بالليل في الوقت ده وبابا وماما قاعدين بره ومعرفش دخلت إزاي ووضعنا ده غلط وغلط جداً وحرام وقلة أدب وتقول لي اهدي. أجابها بجمود:

مانتِ لو جيتي وفهمتيني الموضوع من الأول إن زفت الطين غادة بعتت لكِ فيديوهات كنت هفهمك الموضوع، بس أنتِ كلمتيني بطريقة وحشة مفيش حد يستحملها على كرامته. "لونار" بسخرية حزينة: مانت رديتها ومتوصيتش. وبعدين أنت جاي لي؟ أنا مش فارق معايا الموضوع أصلاً، كل واحد حر. "هادي" بجدية: أنا أسف مكنش قصدي أقول لك كده ولا كنت أقصد أروح أسهر في البار. أنا بطلت أروح أصلاً وبطلت أسهر وأنا وصحابي قربنا نتغير والله. "لونار" بجمود:

ميخصنيش برضه. أنت حر، هتتغير لنفسك، هتفضل زي ما أنت لنفسك برضه. "هادي" بنبرة حزينة: كنت متخانق مع بابا من يوم ما كنت عندك هنا وطردني من البيت ومرجعتش من وقتها. وليلي تعبانة جداً ومحجوزة في المستشفى. كان عليا ضغط كبير وأنتِ جيتي كملتيه عليا فـ قولتي لك كلام مش عايز أقوله، كلام وجعني قبل ما يوجعك. "لونار" بقلق: مالها ليلي، في إيه؟ "هادي" بغيظ: ده اللي لفت نظرك؟! تعبتيني والله يا لونار. تنهدت بنفاذ صبر قائلة:

مالها ليلي طمنيني عليها. أنا لو كنت أعرف كنت رحت لها. "هادي" بتوتر: آآآآآ لا باباها خدها وسفرها بره مصر شوية وهترجع. عندها كورونا. "لونار" بضيق: لأ حول ولا قوة إلا بالله. يارب. ربنا يتم شفاءها على خير. قولي بقى جيت هنا إزاي ودخلت هنا إزاي؟ اقترب "هادي" منها قائلاً بخبث: جيت من الشباك. وقبل ما تتعصبي ركنت العربية قصاد الشباك بتاعك لأن من حسن حظي إنكم ساكنين دور أرضي. المهم بقى صفي لي؟ ابتعدت عنه قائلة بتوتر وخجل شديد:

خليك بعيد لو سمحت. وبعدين ده مش مبرر إنك تروح تسهر في مكان زي ده. "هادي" بسخرية: ده بار مش كباريه وكله أولاد ناس وكنا بنروح أنا وصحابي ديما بنسهر هناك. أيوه إحنا قررنا منسهرش بس هنروح هناك يعني من وقت للتاني. "لونار" بجمود: ده مكان فيه خمر وفيه رقص وأغاني. فرق إيه عن الكباريه؟ لو عايزين تسهرو وتتبسطوا في مليون طريقة غير الحاجات اللي بتتعب القلب والنظر وبتملي حياتكم ذنوب دي. "هادي" بإيماء:

أنا من ناحيتي مش هروح تاني تمام وهقنع العيال. لأن معاكِ حق وإحنا عارفين كلامك ده بس بنخلق تبريرات عشان بننبسط هناك يعني. تابع بهدوء: واللي حصل هناك مع نيرة… قاطعته "لونار" قائلة: نيرة حكت لي، وخلاص. أنا قولت لك وجهة نظري إن وجودك هناك هو أساساً الغلط. قبل أن يرد عليها جاء صوت والدتها وهي تطرق الباب من الخارج، فانتفض كلاهما بخوف. ركضت لونار وأغلقت الباب بالمفتاح دون أن تشعر والدتها. ثم أردفت له هامسة بخوف:

امشِ بسرعة يلا. "هادي" بنفس همسها قائلاً: ماشي، همشي بس كلامنا مخلصش. جاء صوت منال قائلة بحدة: ها يا لوناااار فينك وقافلة على نفسك لي؟ أجابتها "لونار" بسرعة: دقيقه ي ماما، المفتاح ضاع بدور عليه دقيقة واحدة. ثم همست لـ"هادي" قائلة: أنت هتقف تتفرج عليا؟ امشي. تركها وذهب للشرفة ولكن ابتعد عنها سريعاً قائلاً بقلق: في واحدة في الشباك اللي قصادكم. "لونار" بخوف شديد: شفتك؟ "هادي" بنفي: لأ، رجعت قبل ما تشوفني.

صدح صوت "منال" مجدداً قائلة بحدة: ها يا لونااار لقيتي المفتاح ولا أروح أدور على النسخة التانية. "لونار" بسرعة وخوف: لأ لأ لأ، أنا خلاص قربت ألاقيه. نظرت لـ"هادي" قائلة بقلق: انزل تحت السرير بسرعة. "هادي" بغيظ: نعم يختي مستحيل طبعاً ده أنا أمك تقفشني أهون من إني أستخبي بالشكل العر ده، بريستيجي ميسمحليش. بعد لحظات كان هادي ممدداً أسفل فراش لونار، وذهبت هي وفتحت الباب ودلفت والدتها للداخل. قائلة بضيق:

قافلة لي الباب عليكي أصلاً، والمفتاح ضاع فين؟ "لونار" بتوتر: لقيته ي ماما خلاص، خير أنتِ عايزة إيه؟ جذبتها منال وجلستا سوياً على الفراش تحت خوف لونار الذي زاد أضعاف، فرمقتها والدتها بشك. قائلة: مالك يا لونار؟ مش على بعضك كده؟ حاولت التحلي بالجدية قائلة: لأ مش على بعضي إزاي؟ أنا بس يعني خوفت لا ملاقيش المفتاح. "منال" بلا مبالاة: هم علينا، المهم. تابعت وهي تعطيها بعض الأوراق المالية قائلة:

خدي دول وبكرة أنتِ جاية من الكورس هاتي فستان حلو ويكون لونه فاتح، إياكي تجيبي غوامق يا لونار فاهمة؟ "لونار" بعدم فهم: إيه لازمته دلوقتي يا ماما أجيب دريس جديد؟ مانا جبت عند العيد، هو حد من قرايبنا هيتجوز ولا إيه؟ "منال" بابتسامة واسعة: لأ محدش من قرايبنا اللي هيتجوز. أنتِ يا نور حياة أمك اللي هتتجوزي. "لونار" بصدمة: أنا هتجوز إمتى ده؟ "منال" بضحكة عالية: يبنتي مش بيت عمك جاين عشان يخطبوكي لياسر يا أحلى عر

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...