لم يستطع عمر إثناء الباشا عما انتواه، فقد قرر أن يقوم بتفتيش جميع المنازل الموجودة في المحيط الذي اختفى فيه كريم. لم يهتم بوجود قوة من الشرطة، ولم يلقي بالاً لغضب عمر الغنيمي، والذي لاول مرة يعجز عن ردع أحدهم. وقف وسط رجاله بهيبة وجبروت، بعد أن وزع عليهم أدواره التي وكلها إليهم. ثم لف على يده جِنْزِير حديدي ضخم، وقال بصوت يشبه زئير الأسد الذي يدافع عن عرينه:
"اسمعووووو يا منطقااااااا، انهارده الباشااااا هيعرفكم جزاء اللي يتعدي على حااااااجة تخصه." لم يتفوه أحد بحرف، والكل ما زال مستيقظاً رغم بزوغ شمس يوم جديد، لكي لا يفوتهم شيئاً من تلك الأحداث الحماسية. تحرك في اتجاه المكان المنشود، وعلى جانبيه... كرم... بيبو... الحسين... وعبدالله. ومن ورائهم عدداً هائلاً من الرجال. نظر عمر لهذا المشهد بغضبٍ جماً، ولكن لم يسعه إلا أن يقول لضابط القسم:
"هات العساكر وتعالى معايا نروح وراهم، ربنا يستر." الظابط: "تمام يا باشا، بس هنقف من بعيد عشان ميتحسبش علينا إننا بنحمي البلطجة اللي بيعملها دي، وسايبينه يهجم على بيوت الناس." نظر له عمر بغيظ، وقال: "حقيقي، كتر خيرك، كده عملت اللي عليك وزيادة... وتركهم فقط، ولحق بهذا المجنون بخطوات غاضبة. ولكن... ما رآه منه داخل حارة الباشا شيء، وما يراه الآن شيئاً مختلف تماماً عما تخيله.
فقد كان يعتقد أنه مسيطر فقط على حارته، وإذا ما خرج منها ستصبح سطوته أقل حدة، ومن الممكن أن يتصدى له أهالي الأحياء الأخرى. ولكن ما فاجأه حقاً... حينما دلف الباشا بهذا الشكل المهيب، الكل وقف صامتاً، متخذاً جنباً بعيداً ليفسحوا له الطريق، ولم يجرؤ أحد على اعتراضه. وقف حسن أمام المكان المنشود، وقال: "بيبو أنت والرجالة هتطلعوا هنا... عبدالله... العماره دي تخصك... كرم متسبش شبر من غير ما تفتشوا...
حسين وزع الرجالة حوالين المكان، متسبش مدخل عمارة هنا أو في الشوارع اللي وراهم من غير ما يكون عليهم راجلين... تمام." رد عليه الجميع بالموافقة، ولكن عبدالله سأله باستفهام: "طب كده فاضل عمارتين." حسن بجبروت: "أنا هفتشهم، متشغلش بالك أنت." وفقط تحرك الجميع يطرقون الأبواب بشكل مرعب، وحينما يفتح لهم أهل المنزل يقومون بالدلوف بشكل همجي، دون أن يرفعوا أعينهم على النساء. وحينما يسأل أحدهم ماذا حدث، يرد عليه قائد الفريق:
"دي أوامر حسن الباشا، وقف حريمك على جنب واحنا هنخلص بسرعة ونمشي." وفقط، برغم غضب الجميع، إلا أن أحدهم لم يجرؤ على الاعتراض. أما هذا المتجبر، فلم يلقي بالاً لشرح أسباب هجومه على هؤلاء الآمنين في بيوتهم. بل أخذ يطرق كل باب يقابله بعنف أرعب الجميع. وحينما فكر أحد السكان اعتراضه، أمسكه من تلابيبه، وقال بشر: "فكر تمنعني أفتش المخروبة دي، وأنا أطلعك مالمنطقة كلها ومن غير هدومك كمان... ااااااامين."
صمت الرجل برعب، وطقطق رأسه للأسفل بعد أن أفسح له المجال للمرور. ظلوا هكذا لأكثر من ساعة، ولم يجدوا ضالتهم، إلى أن تجمعوا أمام البناية الوحيدة التي لم يتم اقتحامها. فقال حسن بذكاء: "مش فاضل غير العماره دي... و أكيد مرزوعين فيها... حسين... فتح عينك أنت وكل الرجالة على ما أخلص." صعد معه بيبو وبعض الرجال، وأعادوا ما فعلوه مع الجميع. وحينما وصل أمام تلك الشقة، والتي شعر بشيء غريب حينما وقف أمامها...
قال بهمس وهو يتفحص كيس القمامة الموضوع أمامها، وقد لفت نظره علب السجائر التي بداخله: "بقولك ا بيبو، هي أم عبده بقت بتشرب سجاير و أجنبي كمان؟ رد عليه صديقه بعد أن فهم مقصده: "تصدق الولية دي بقالها فترة متغيرة، وبان عليها العز مرة واحدة، دي كل يوم والتاني تشتري لحمة وفراخ والدنيا حلوة معاها." هز حسن رأسه بتفهم، ثم قال: "تعالوا على جنب كده... وأنت يا زيزو تعالي خبط، عشان لو حد بص مالعين السحرية يشوفك أنت بس...
ولما تسألك عايز إيه... امممم... قولها ابنك بعت حاجات عالـ معرض عندي ووصاني أوصلهالك." ابتسم بخبث وأكمل: "امسك كيس الزبالة ده فايدك، مش هيبان اللي فيه من العين السحرية." كتم الجميع ابتسامتهم، ولكن انطلقت من أعينهم نظرات الإعجاب من دهائه وحنكته. فعل ما أمره به، وقد كانت تلك المسكينة تقف خلف الباب، وتقول برعب بعدما حاوطها هذان الحقيران من كل جانب: "مين اللي بيخبط؟ زيزو: "أنا يا خالتي زيزو."
ارتعب وليد فهو يعرفه، فهمس لها وقال بعد أن نظر من العين ووجده لوحده ويحمل أشياء لم يستطع تمييزها: "اسأليه عايز إيه عشان مش لابسة الخمار." أم عبده: "خير يابني، معلش أصل لسه طالعة مالحمام وملحقتش أحط حاجة على راسي." زيزو بثبات: "عبده لسه باعت مرسال للباشا وبعتلك معاه حاجات من امبارح، بس الباشا كان مشغول ونسي يبعتهالك، وأول ما فتح المعرض دلوقت قالي أجبهالك."
أكمل بحنق متقن: "اخلصي يا أم عبده، أنتِ فاكرة نفسك لسه صغيرة وهتغريني... يلا يا ولية عندي شغل متجبليش الكلام." أخرج كريم سكيناً صغيراً، ووضعه في جانبها، وقال بشر: "افتحي الباب حتة صغيرة، خدي منه الحاجة واقفيلي على طول، أي حركة منك هقتلك... سااامعة." هزت رأسها بخوف، والجميع في الخارج متأهب، بعد أن تأكدت ظنونهم بوجود هؤلاء الجبناء بالداخل.
بمجرد أن فتحت الباب، وقبل أن تمد يدها، كان الباشا يهجم عليها وهو يدفع الباب بقوة لدرجة أنها وقعت أرضاً، ولكنها لم تهتم وصرخت قائلة: "الحمددد لللله إنك جيت يا باشاااااا، هددوني بالقتل، منهم لللللله." لم يلقي أحد بالاً لما تقوله، وكان كل تركيزهم منصب على وليد وكريم اللذان وقفا بصدمة، تداركوها سريعاً وأشهروا أسلحتهم في وجوه الجميع. حسن باستهزاء غاضب: "متجمعين في جهنم إن شاء الله."
قال كريم بحقارة، ولا يعلم أن قوات الشرطة بالأسفل ومعهم غريمه الوحيد: "أنا لا أعرفك ولا تعرفني، ولا في بينا مشاكل... أنت حسابك مع ابن عمك... أنتو حرين مع بعض، أنما أنا سيبني أمشي بهدوء عشان أنتو مش قد الناس اللي ورايا، تمام." انطلقت ضحكات حسن الصاخبة، تحت رعب وليد بعد أن باعه ذلك الشيطان، والجميع ينظر لهم بسخرية.
ولكن وقف الجميع مبهوتاً بعدما انقطعت ضحكاته فجأة، تزامناً مع إلقاء الجنزير من يده بحركة احترافية يتقنها جيداً، وجعله يلف حول يد كريم الممسكة بالسكين، مما أدى إلى وقوعها من يده. ومن هنا.... بدأ الانتقام. إذ انقض عليه يكيل له اللكمات، والأخير لم يستطع الدفاع عن نفسه بيد واحدة، إذ الأخرى مربوطة بإحكام. ولم يقو على مجاراة هذا الهمجي في كم الألفاظ النابية التي تخرج من فمه.
أما بيبو، فقد فاق من زهوله سريعاً، وهجم على وليد الذي أخذ يلوح بالسكين، إلى أن أصابه في ذراعه، ولكن لم يهتم حينما ساعده باقي الرجال في تشتيت وليد. استطاع وقتها الإمساك به، وضربة ضرباً مبرحاً. وهنا.... انتهت قصة الجبناء. ولكن انتقام الباشا لم ينته. فبعد أن أبرحهم ضرباً هو وبيبو، لم يكتف بذلك، بل سحب الاثنان وهما خارقان في دمائهم، وجرهم جراً فوق الدرج.
لم يهتم إذا كسرت عظامهم، فهو لا يرى أمامه غير تعديهم على حرمة بيته، ويجب أن يرى ويعلم الجميع جزاء من تسول له نفسه أن يقترب من ممتلكات.... الباشااااا. صدمة.... صدمة حلت على كل من يقف في الشارع، سواء أهالي الحي أو قوات الشرطة، وخاصاً عمر، بعدما وجده يخرج من باب البناية وهو يسحبهم وهما مسجيان فوق الأرض. سحلهم ورائه دون أن ينظر لأحد. وقف أمامه عمر، وقال بزهول: "كفاية يا حسن... إحنا هنقبض عليهم... خلااااص."
تخطاه وهو يقول بصوتاً جهوري: "هسلمهملك جوه حاااااره الباشاااااا... اللي دخلو فيها بلطجية..... وفقط.... أكمل طريقه تحت أنظار الجميع، حتى النساء امتلأت الشرفات بهن، وهو يشاهدون ما يحدث، ما بين معجب به ومن يرفض تجبره. وبالطبع، كان يوجد الكثير من نظرات الفتيات الولهة بشخصية ذلك ال..... باشا.... أراد عمر اعتراض طريقه مرة أخرى، ولكن وجد أهله ورجاله يلتفون حوله مانعين إياه من الوصول إليه. فتقدم منه عبدالله، وقال بحسم:
"إنسي إنه يسلمهم ليك غير لما المنطقة كلها تشوف اللي عمله فيهم." عمر بجنون: "أنت بتستهبل يا عبدالللللله، ازاااااي أسمح بحاجة زي كده." عبدالله: "ده قانون الباشا يا عمر... ولازم ينفذه. هو ضربهم فوق وبره حارته، بس لازم الكل يشوف اللي عمله عشان يحافظ على هيبته، مش في الحارة بس... لا في المنطقة كله." دلف الحارة وهو يسحلهم ورائه، وقد فقدا الوعي من كثرة الدماء التي نزفت من جروحهم، ومن شدة الألم الذي لا يحتمله بشر.
وورائه رجاله ممسكين بالعصي الكبيرة والسيوف، رافعين بها أيديهم للأعلى. في مشهد.... حقاً مرعب. ألقاهم من يده في منتصف الحارة، وصرخ بصوتاً مرعب ليسمعه الجميع: "ده جزاااااات اللي يفكر بس يخوب ناحية الباشاااااا.... سااااامعين." كانت تقف ندى مع خديجة وسماح يشاهدون ما يحدث من الشرفة، وهن يمتلؤن فخراً بما يفعله حاميهم وسندهم. لمحهم وهو يجول بنظره على الجميع، فصرخ بهم: "خشوووووو جوه....
لم يكمل باقي الجملة، فهرولت الثلاث نساء إلى الداخل برعب ملأ ثناياهن. أما ولده ذياد، خليفته وشبيه أبيه، أخذ في يده أخيه وابن عمه، وهرول إلى الأسفل. وقف أمام الجميع، ثم بصق فوق الجثتين، وقال للطفلين: "شايفين الباشاااا عمل إيه... أوعوا تقولوا خايفين من حد تاني." نظر لأبيه، وقال بفخر: "الحمد لله إنك أبويااااا." ربت على وجنت ولده بحنان، ثم نظر لعمر، وقال: "جبتهملك تحت رجليك زي ما وعدتك... خدهم... خلاص ميلزمونيش."
نظر له عمر بزهول غاضب، وزم شفتيه حتى يكتم السباب الذي كاد أن يخرج منه، ولم يرد عليه. بل أخرج هاتفه وطلب رقماً ما، وحينما أتاه الرد، قال: "ابعتلي عربية إسعاف حالا على عنوان........ وقف عبد الرحيم ينظر بزهول إلى ولده المسجي أرضاً وغارق في دمائه، ثم صرخ في حسن قائلاً: "قتلتووووو... قتلت ابن عمك يا حسن." رد عليه ببرود: "يا ريته كان مات وخلصنا من وسختو...
متخافش عايش، بس هو فرفور شويتين مستحملش في ايدي غلوة بعد ما اخد قلمين... بس.... قالها ببساطة جعلت الجميع ينظر له بزهول، أما عمه المسكين فقد عجز عن الرد. أخذت ندى تقفز مثل الأطفال فرحاً بشجاعة حبيبها، حتى صرخت بها خديجة: "ياااا بت اتهدي، عمالة تتنططي زي القرد وناسية إنك حامل يا هبلة." دلف في تلك اللحظة أمها ومنى، التي قالت بضحك: "طول عمرها هبلة، أنتِ لسه هتعرفي دلوقتي يا ديجا." هرولت إلى أمها تحتضنها،
وتقول بفرحة عارمة: "شوفتي يا سوسو... شوفتي الباشا عمل إيه عشانه... قلبي هيقف مالفرح." ربتت أمها على ظهرها بحنان، وقالت: "طول عمره راجل ودمه حر، ده أبوكي قام زي الحصان بعد ما كان تعبان طول الليل ونزل يجري بعد ما سمع اللي حصل." خرجت من بين ذراعيها، وقالت بحزن: "هو لسه تعبان، أنا نفسي أعرف إيه اللي جراله." جلست الأم، وقالت:
"أبوكي مكنش فيه حاجة تعباه في جسمه يابتي، هو كان خايف عليكي وعلى جوزك من انتقام إخواته منكم بعد اللي حسن عمله فيهم في وسط بلدهم." سماح: "إزاي يعني يا خالتي، ده المفروض يبقى مطمن بعد ما الباشا راح برجاله عيلته من غير ما يخاف وجاب حقه منهم في قلب بيتهم."
سناء: "ماهو ده اللي خوفه يا بتي، حماد ده نابو أزرق، وبعد ما جاله جلطة عملتله شلل نصفي، كان حالف لينتقم من حسن، وإنه أول ما يقف على رجله هيجيله هو ورجالة العيلة ويردله الإهانة اللي عملهاله. بس كل العيلة هاودته عشان تعب، ومكنش حد فيهم ناوي يعمل اللي قالهم عليه. ابن عم وجيه هو اللي بلغه، وبرغم إنه حكى لحسن الكلام ده وحسن طمنه، كان خايف برضه من غدرهم. بس بعد اللي حصل امبارح والنهاردة، كأنه ردت فيه الروح،
وقالي قبل ما ينزل: 'أنا اطمنت على حسن وعلى البلد بعد اللي شوفته، مع إني عارف إنه راجل من ضهر راجل، بس اللي عمله ده فاق كل التوقعات وخلاني أطمن إن محدش فعلاً هيقدر عليه'." خديجة: "ربنا يحميه هو وكل رجالتنا يا رب، والله أنا بشوف فيه أبويا نفس طبعه الحامي ورجولته. حسن بجد سندنا كلنا، الكبير قبل الصغير." دلت عليهم إيناس وصفية، ينتون الشجار معهم، حينما صرخت إيناس بغل: "خربتيهاااا يا صفرااااا...
خربتي عالكل عشان تقعدي لوحدك... بس ده بوعدك، والله لأقتلك وآخد بتار أخويا اللي ضاع بسببك." أعقبت قولها بالهجوم على ندى، والسبب الرئيسي ليس انتقامها المزعوم، بل اتخذته حجة حتى تستطيع ضربها بعد أن علمت بحملها مؤخراً، ونشبت نار الحقد والغيرة بداخلها، وأقسمت أن تحرمها من اكتماله مهما كان الثمن. قبل أن تصل إليها، مهدتها أختها، وقامت بالتصدي لها وهي تقول بغضب: "إياااااكي إيدك تلمسها، سااااامعة."
صفية بغل: "بتقفي لأختك عشان تحامي على اللي خربت بيتها وأخوكي هيتسحن بسببها، ده لو قام مالي عمله فيه المفتري اللي ربنا يشله." هنا، ولم تستطع النساء الصمود بعد دعائها على الباشا. انقضت خديجة وسناء ومنى عليهما، يبرحوهما ضرباً، وتلك المسكينة سماح تقف تبكي بقهر وهي تسند ندى خلف ظهرها، إلى أن صرخت بهم: "كفااااايه.... كفايه عشان خاطري... اعملوا حساب ليا... دي مهما كانت أمي."
تركوهم في الحال، احتراما لمشاعر تلك الطيبة، وقدروا موقفها. فقالت خديجة بقوة، متخذة مكان أمها الغائبة: "عشان خاطر عيونك بس يا موحه.... نظرت للاثنين، وأكملت: "تاخدي بعضك أنتِ وهي وتطلعوا من هنا، ولو واحدة فيكم فكرت تهوب ناحية عتبة الباب، محدش هيرحمكم مني، يلااااااا." خرجا الاثنان، ولكن تلك الحرباء التي ملأها الحقد ظلت تصرخ وتتوعد لهم، إلى أن صعدت شقة أمها بالطابق الأعلى. فقالت صفية بقهر: "مش هيقعدونا فيها تاني...
حسن هيطلعنا من بيتنا، يا لهوووووي أعمل إيه منكم لله يا عيالي، خربتو حياتنا منكم لله." صرخت بها إيناس قائلة: "دلوقتي مننا لله بعد ما ربيتي جوانا الكره والحقد والطمع... دلوقتي إحنا اللي خربنا حياتك ياماااااا... وبعدين أنتِ خايفة من إيه، أبويا اللي عنده مش قليل والشقة بتاعته هو، مش البيت ده بالنص بينه وبين عمي، يبقى ميقدرش يطلعهن." نظرت لها صفية بغل، وقالت بقهر: "لا يا عين أمك، البيت ده باسم حسن...
كان الأول عمك اشتراه، وهو دور واحد ويا دوب كان على شقة واحدة صغيرة، بس لما حسن بدأ يكبر ويمسك أرق، كان عمك عفيفي صاحب البيت اللي جنبنا عرضه للبيع... حسن بقى اشتراه منه وهدوه وطلع بيه عمارة وفتحها على البيت ده، وبعد ما خلص، قام فاتح التلت شقق اللي في الدور الأول على بعض عشان أمه طلبت منه يبقى ده بيت العيلة." إيناس: "أيوه أنا عارفة كل ده، وساعتها اتبهدلنا لحد ما العمال خلصت، بس مش عمي هو اللي عمل كده."
صفية: "لا ياختي، ده الباشا اللي عمل كل ده، وأبوه وقتها صمم يكتب البيت باسمه، وهو مكنش راضي أبداً، بس عمك كتبه ليه بيع وشري من غير ما يقوله، وأبوكي ساعتها مكنش ليه حق يعترض، لأن البيت الصغير بفلوس عبدالجواد واداله شقة فيه عشان أخوه، والبيت الكبير بفلوس ابنه، وعطى لأبوكي بدل الشقة اتنين، واحدة اللي إحنا قاعدين فيها، والتانية اللي سيبناها لوليد يتجوز فيها، وطبعاً مطلبش منه يكتبله عقد."
إيناس: "ويكتبله عقد إزاي وهو أخدهم بلوشي... نظرت بحقد وأكملت: "يبقى لمي هدومك من دلوقتي ياما... مش هيسيبكم تقعدوا فيها يوم." صفية: "ما تقولي لجوزك يدينا شقة مالي فاضيين عنده لحد ما ندبر أمورنا." حركت إيناس فمها يميناً ويساراً، وقالت بقهر: "وهو المعدول جوزي يقدر يتنفس من غير علم عياله... اسكتي ياما وسيبيني في قهرتي." نظرت لها صفية بتوجس: "ليه بتقولي كده يا بت، هو عملك حاجة ولا بيعاملوكي وحش."
إيناس: "بيعملوني خدامة أبوهم مش مراته ياما، وابنه الكبير هو اللي في إيده كل حاجة، حتى مصروف بيتي باخده منه هو... وبالعافية كمان." صفية بصدمة: "ياااا مصيبتي، أمال الحاج وفيق لازمته إيه وإزاي ساكت على كده." إيناس: "هاااه.... الحاج طلع منظر على الفاضي ياما... ملوش كلمة ولا رأي مع عياله، كل حاجة في إيدهم وبيدولوه مصروف أكله وشربه وسجايره... وبس."
انفض التجمهر وذهب كلا في طريقه، بعد أن جاءت سيارتان إسعاف ونقلت وليد وكريم إلى المشفي التابع للشرطة تحت حراسة مشددة. وقف عمر أمام حسن، وقال بامتنان يشوبه الغضب: "قليلاً: أنا مش عارف أشكرك ولا أعاتبك على اللي عملته ده يا حسن.... بس في كل الأحوال أنا مديون ليك، مش بصفتي ظابط، لا.... كانسان هيتعب في حياته وهيفضل مهدد هو وأهله لو كان كريم قدر يهرب." حسن برجولة: "أنا معملتش حاجة يا باشا... نظر إلى صديق طفولته، وأكمل:
"اللي يجي من طرف عبدالله يبقي يخصني، وأي حاجة يعوزها سيف على رقبتي." ربت عبدالله على كتفه، وقال بامتنان يشوبه الفخر أن هذا الرجل صديقه: "تكرم يا صاحبي، طول عمرك أبو الرجولة... كده أنت عرفت مكاني، خلينا على تواصل بقى، وأنا شوية كده وهجيب أمي والجماعة ونيجي نزوركم بامر الله." احتضنه حسن، وقال: "بيت أخوك مفتوحلك في أي وقت يا بوده، هستناك وهكلمك على طول بامر الله."
ودع الجميع وذهب هو وهمر، بعد أن شعر بالراحة أخيراً، وحمد ربه أنه سيستطيع أن يكمل حياته... بهدوء. خرجت عزة من المشفي بسلام، وصممت أم الباشا أن تقيم معها لترعاها حتى يتم شفائها، بعد أن عاتبتها فيما بينهما أثناء وجودهما بالمشفي، قائلة: "كده يا عزة، كل ده يطلع منك... تظلمي ولية زيك زيها ليه يا بت." عزة بدموع: "الغيرة وحشة ياما... بعد ما حسيت إن الباشا ميال ليها، مش حكاية أهلها بس، خوفت تاخد مكان الكل... وأولهم أنا...
إيناس كانت على قد إيدي، بس ندى الباشا حبها... خوفت أرجع بيت أبويا تاني وأعيش في ناره... خوفت أتحرم من ولادي ويبعدوا عني، أنا مش زي إيناس هرميهم وأجري أتزوج، لااااا... أنا آخدت عهد على نفسي إن أعمل مع ولادي كل اللي اتحرمت منه، واللي أهلي معملوهوش معايا أعمله مع عيالي... بس وربنا فقت... فقت بدري وضميري وجعني... قولت حسن ميستاهلش مني كده...
ووالله العظيم ياما قولت للزفت ده كده، بس هو قعد يهددني ومكنش قايلي عايزني أعمل إيه غير وقت اللي حصل." احتضنتها فاطمة، وقالت برفق: "خلاص يا بتي، كلنا بنغلط، والحمد لله إنك فوقتي بدري، وزي ما ولدي قال، اللي عملتيه يشفعلك غلطك.... بس اعقلي بقى وحافظي على بيتك وعيالك، واعتبريها أختك... ندى غلبانة وقلبها أبيض." جلس الجميع في صالة أم الباشا، وهم يقصون للحاجة فاطمة ما حدث، والباشا عينه على صغيرته التي تشاكسه في الخفاء.
تارة تحركه شفتيها بقبلة هادئة، وتارة تغمز له بعينيها الشقية، وأخرى تعض شفتها السفلى، مما جعل مشاعره تتاجج، ويتوعدها بداخله: "صبراً صغيرتي، سأجعلك تدفعين ثمن أفعالك غالياً." أفاقته أمه من شروده وهي تقول: "ناوي على إيه يا ولدي." قبل أن يرد عليها، وجد أخيه يقف وهو يقول: "معلش يا جماعة، هستأذن أنا عشان جسمي كله مدغدغ ومحتاج أريح." نظر لزوجته وأكمل: "يلا يا موحه." فهم أخيه أنه لا يريد أن يجرح زوجته فيما سيقال،
فنظر له وقال بتفهم: "اطلع يا شق، ارتاح، أنت بقالك يومين منمتش، وأنا هكلم أمك شوية وهطلع أنا كمان." قال للجميع بعد أن تأكد من صعود أخيه إلى الأعلى: "جماعة راعوا كلامكم شوية قدام سماح، مهما كان دول أهلها، ولو مزعلتش عليهم هتبقى مكسوفة من نفسها إن دول أهلها." ندى: "والله مقطعة قلبي لو شوفتها وهي واقفة قصاد أختها عشان تحميني منها، وبعد كده لما صرخت فيهم عشان يبطلوا ضرب فيهم، يالهوي."
فاطمة: "يستاهلوا، حش رقابيهم، تلاقي الكلبه موسى كانت عايزة تضربك عشان تسقطي، بعيد الشر هي ولا بهمهها أبوها ولا أخوها." خديجة: "آه والله ياما عندك حق، دي كانت بتتكلم بغل وعنيها على بطن ندي." حسن: "خلاص يا جدعان، فضونا سيرة بقى منهم... أنا بكرة هقعد مع عمي وأصفي معاه كل حاجة." فاطمة: "هطلعهم مالبيت يا ولدي." حسن بحكمة: "والله ياما أنا مش عايز أعمل كده، بس النفوس شالت من بعضها خلاص وعمرنا ما هنرجع زي الأول....
أنا ممكن أسيبه قاعد هنا لجل خاطر أبويا الله يرحمه، بس الحية دي هتفضل رايحة جاية عليهم ومش هنخلص من مشاكلها، ومتضمنيش تعمل إيه عشان تأذيكم، وخلاص." ندى بطيبة: "هتبقى صعبة أوي يا حسن إنك تخرج عمك من بيته." كرم: "طب ما تقوله إنك هتخليه قاعد بس بشرط إيناس متجيش هنا، ولو أمها عايزة تشوفها تروح لها بيتها."
حسن: "مش هينفع، أنا باصص لقدام، يعني لو مجتش شهر واتنين لحد ما الدنيا تهدى، هتيجي بعد كده بأي حجة، والخراااااا ده مسيره يطلع من السجن، حتى لو اتحكم عليه بعشر سنين.... خلينا نخلص بالمرة عشان نعيش بهدوء ونفوق لمصالحنا بقى." صعد معها إلى شقتهم، وبمجرد أن فتح الباب، أرادت الهروب، إلا أنه كان الأسرع، حينما جذبها من ذراعها، ثم حملها بهمجية، وقال: "........ ماذا سيحدث يا ترى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!