اصفر وجهه رعبا حينما وجد حسن في لحظة، مجرد لحظة، يمسكه من تلابيبه ويقول بشر: "أوعى تنسى نفسك يا وفيق. لولا أبويا ووقفته جنبك لما ضيعت فلوسك زمان على النسوان الشمال اللي كنت بترافقهم، ما كانش هيقوم لك قومة. أنت أخذت فضلتي يااض، وأنا لما بتف التفاه ما ببلعهاش تاني. البيت ده بيتي ومحدش يخطّي عتبة بابه إلا بمزاجي. ليك حاجة هنا، تمام، تاخدها وتغووور، إنما تعمل فيها الواد اللي لسه خاطب وكل شوية تنطلنا هنا... انسى."
سااااامع. بغض، ولكنه اشتد غضبه حينما سمع عمه يدافع عنه قائلاً: "عيب يا حسن اللي بتعمله ده، الراجل قد أبوك. أنت ما عادش حد مالي عينك ولا ليك كبير." نظر حسن لتجمع المارة بعد سماعهم ما حدث، ثم نظر لعمه وقال ببرود: "خد الـ... وامشي من هنا أحسن لك وأحسن له. أصل أنا مليش كبير، ولو مرمط بكرامة أهله الأرض محدش هيقدر يوقفني." صرخ وفيق ليحاول الحفاظ على ما تبقى من رجولته أمام أهل الحارة:
"مااااشي يا باشا، أنا هعرف آخد حقي منك إزاي." نظر لعبد الرحيم وأكمل: "أنا هكتب على بتك يوم الجمعة الجاية يا حاج عشان نخلص مال... قبل أن يكمل، كان حسن يصرخ به: "غوووور ياض من هنا، روح اترزع في أي خرابة واتفق معاه، يلا! هو أنا فاضيلكم؟ لم يستطع الرد عليه، ولكنّه سحب عبد الرحيم من يده ليذهب من أمام هذا الهمجي، أو يهرب من بطشه، أيهما أقرب. وهو يقول:
"تعالى معايا المعرض بدل لمة الناس علينا، وسيبه له بيته يشبع بيه. أنا ساكت بس عشان عامل حساب لعشرتي مع أبوه الله يرحمه." بصق على الأرض وهو يقول: "أتفو، عالي جابك راجل ناقص." نظر لساعته وأكمل ببرود: "الله يحرقك يا خرا، آخرتني على معادي." واتجه نحو سيارته دون أن يعير المشاهدين أي انتباه، وكأنه لم يفعل شيئاً. *** اجتمع ثلاثتهم في مكان آمن كما اعتادوا حتى يتباحثوا في آخر المستجدات.
عمر: "أنا هتجنن، بقالنا تلت شهور بندور عليه ولا باين له أي أثر." حسن: "أنا مخلتش واحد مالي بياجر شقق إلا لما عصرته عصر، بس الكل أكد إنهم ما أجروا أي حاجة في الفترة دي، حتى اللي اتأجر قبلها بشهرين كلهم عائلات، وأنا عارفهم واحد واحد." عبد الله: "اللي يطمني شوية إنه ما خرجش مالمنطقة، بس قاعد في أنهي داهية ومين اللي بيساعده؟ الله أعلم."
عمر: "في معلومات وصلتني من رجالتى إن في واحد مالي بيزور جوازات السفر كان شغال على تلات جوازات. كنت هقبض عليه وأحقق معاه، بس فكرت إن كريم هيسافر لوحده، يبقى أكيد مش هو." حسن: "طب ما يمكن يكون أخد حد من رجالتُه معاه، ولا مثلاً في واحدة مرافقاها هتسافر معاه، قدام مش متجوز." عبد الله: "أو يكون ناوي يهرب أمه ومرات أبوه." ضرب عمر بيده فوق جبهته وقال: "صح! أنا إزاي مفكرتش في حاجة زي كده." زفر بحنق وأكمل:
"المشكلة إنه سلمهم لأصحابه خلاص." حسن: "بس ممكن تقبض عليه وتقررو، وأكيد هيخاف وهيّعترف عملهم لمين." عمر بقله حيلة: "حتى لو اعترف، خلاص اللي تبع كريم استلمهم، وأكيد ما كانش قايل له على مكانه، يعني. بس ممكن أعرف معاد السفر من التأشيرة اللي عملها. برافو عليكم." حسن: "ماهو أكيد مش هيحجز تاني يوم، يعني هيصبر شوية لحد ما يعرف يخلع." عمر: "بس على الأقل هعرف ناوي يروح أي بلد، ووقتها حتى لو صبر سنة هبقى عارف وجهته وهستنى."
عبد الله بغيظ: "الله يحرقُه، ما طرح ما هو قاعد يا شيخ، ولا كان مريحنا وهو بره ولا جوه السجن، ولا حتى لما هرب." *** هرولت ناحية المرحاض بعد أن تركت ما بيدها وأغلقت الباب خلفها. اقتربت من الحوض وأخذت تعتصر بطنها وهي تفرغ كل ما بجوفها. طَرقت الحاجة فاطمة الباب بقوة وهي تقول بخوف: "مالك يا بتي؟ طمنيني عليكي. افتحي الباب يا ندى."
حاولت أن تغسل وجهها بالماء وهي غير قادرة على النطق، وبعدما انتهت بصعوبة قامت بفتح الباب، وجدت الجميع يقف ويناظرها بقلق. وما كادت أن تتحدث حتى وقعت أرضاً فاقدة لوعيها. صرخت النساء بزعر، ولكن أم الباشا بحكمتها وصلابتها صرخت بهم وقالت بأمر: "آخرررسي إنتي وهي، مش عايزة نفس. تعالوا شيلوها ندخلها جوه عالسرير. هاتي أي ريحة من عندك يا خديجة بسرعة."
حملتها عزة وسماح وساعدتهم فاطمة، حتى أن مددوها على فراش الباشا القديم. أخذت فاطمة تضرب وجنتها برفق وهي تقرب منها زجاجة العطر، حتى بدأت تستعيد وعيها رويداً رويداً. وبعدما استطاعت فتح عينيها قالت بوهن: "فيه إيه؟ فاطمة بقلق: "وقعتي قلبي يا بتي." سماح: "ألف سلامة عليكي يا ندى، مالك يا حبيبتي؟ حاسة بإيه؟ ندي بتعب ظاهر على نبرتها: "مش عارفة، أنا فجأة لقيت معدتي قلبت وقعدت أرجع جامد، بس محستش بحاجة بعد ما فتحت الباب."
عزة بقلق حقيقي: "مانتي أغمي عليكي. أنا بقول يا ماما نتصل بحسن ياخدها المستشفى عشان نطمن عليها." فاطمة: "أيوه صح، هاتي التليفون." خديجة بفرحة: "شكلك حامل يا ندوش، وهتقولي ديجا بشرتني." لم تكن في حالة تسمح لها بالمزاح، ولكنها شعرت بخفقان قلبها بمجرد أن سمعت تلك الكلمة. "حامل؟ فاطمة نظرت بفرحة وقالت: "إنتي آخر مرة العادة جاتلك إمتى يا ندي؟ ندي بتيه: "مش فاكرة والله يا ماما."
رد حسن على اتصال والدته التي كانت قد أجرته وهي تسأل ندي. فقالت: "انت فين يا ولدي؟ حسن: "كنت في مشوار وراجع عالحارة أهو، محتاجة حاجة يا ماما؟ فاطمة: "عايزاك طيب يا ولدي بس... أحسن بتوجس: مالك يا ماما، فيه إيه؟ فاطمة: "أصل ندي بعافية شوية وكنت عا... قطعت حديثها حينما سمعت صرير إطارات السيارة التي أوقفها فجأة، وهو يقول بقلق واضح: "مالها ندي؟ تعبانة ولا حد عملها حاجة؟ طمنيني يا حاجة بالله." فاطمة:
"اهدّي يا ولدي، هي بس بطنها وجعاها ورجعت، بس لما لقيتها أغمي عليها قولت أكلمك عشان تيجي نوديها للدكتور." أدار محرك السيارة وقاد بسرعة وهو يقول: "عشر دقايق وهتلاقيني عندك، لبسيها أي عباية على ما أوصل." *** "سلامة." ندي بوهن بعد أن رأتها قد أغلقت الخط: "ليه بس كده يا ماما؟ مكونتيش قولتي له." عزة بغيره مازحة: "دلوقتي يسيب الدنيا ويجيلك جري يا أختي، مانتي حبيبة القلب." ندي بتعقل: "قلب حسن كبير ويساعنا كلنا. يا أم زياد."
ابتسمت عزة حينما فهمت مغزى هذا اللقب المحبب لقلبها، فهي بتلك الكلمات أوصلت لها رسالة واضحة أن مكانتها هنا كبيرة، ويكفي أنها أم ولده البكري الذي سيخلفه في كل شيء وسيكون هو المسؤول عن إخوته الصغار مهما كانت أمه. من وصل إلى الحارة في وقت قياسي بعد أن مر على المستشفى القريب من الحي واصطحب طبيبه معه في زيارة منزلية. فتح لها باب البناية وهو يقول بتعجل: "اتفضلي يا دكتورة من هنا."
صعدت معه، وحينما وصلا إلى شقة أمه، دلف سريعاً وهو يقول: "أما فضّي الطريق عشان الدكتورة تدخل." دَلفت الطبيبة ومعها الممرضة المساعدة لها، فخرج الجميع ليُتيحوا لها بعض الخصوصية. وحينما وجدته الطبيبة ما زال واقفاً، نظرت له باستغراب وقالت: "حضرتك اتفضل بره لحد ما أخلص كشف." رد عليها بوقاحة: "دي مراتي، يعني مفيش جديد هشوفه." كادت أن تنطق، إلا أنه نهرها قائلاً: "شوفي شغلك يلا! انتفضت من صرخته تحت إحراج أمه ونداه من همجيته.
قامت بالكشف عليها، وبعد أن سألتها على عدة أشياء قالت: "عضويًا أنتِ زي الفل، يبقى مفيش قدامنا غير إننا نعمل تحليل حمل." نظر بذهول للطبيبة وقال: "حمل؟ وحياة أمك؟ صح، حامل؟ برغم رفضها الواضح لأسلوبه، إلا أنها ابتسمت وقالت: "يعني في احتمال كبير، بس هنّتأكد بالتحليل." سحبت منه عينة دم صغيرة وقامت بإعطائها للممرضة، ثم قالت: "جهاد، روحي حلليها في المعمل بسرعة وتعالي." حسن: "استنى، هخلي حد يوصلك ويرجعك بالعربية." اتصل ببيبو،
وحينما رد قال: "بيبو، تعالي البيت بسرعة." بيبو وهو يتحرك تجاه البناية بقلق: "فيه إيه؟ حد جراله حاجة؟ حسن: "لا، عايزك بس بسرعة." حضر بيبو وقص له كل شيء، فقام باصطحاب الممرضة إلى وجهتها وهو فرح للغاية. خرجت الطبيبة مع أم الباشا لتجلسا بالخارج. أما هو، فقد أغلق الباب خلفهم بهمجية وهرول تجاهها، رافعاً إياها من مرقدها ليضمها داخل أحضانه، وهو يقول بفرحة عارمة احتلت كل كيانه: "قلبي هيطلع من صدري من كتر الفرحة يا أم علي."
بعد أن كانت مبتسمة، تجهم وجهها وقالت: "ويا ترى أم علي سادة ولا بالمكسرات؟ وبعدين مش لما نتأكد الأول." نظر لها بغيظ وقال موبخاً إياها: "أبو شكل فصلانك يا شيخة، ملحقتش أفرح." ضحكت بهدوء وقالت: "اصبر بس لما التحليل يطلع، وبعدين إيه على ده." قبلها برفق وقال:
"أصلِك وإنتي بتقولي لي يا أبو علي بتطلع منك زي الشهد، فـ أنا من زمان نويت والنية لله، لو ربنا كرمني منك بولد هسميه علي. عشان اللي يسمعك وإنتي بتقوليه يفتكر إن عشان اسم ابنك مش دلع ليا، فهمتي." أعقب قوله بضرب جبهتها بخاصتها برفق مازحاً. حاوطت عنقه وقالت: "طب لو بنت؟ رد سريعاً دون تفكير: "عاليا... هسميها عاليا، اسم قريب من علي برد." وضمته إليها وقالت بتمني: "ياااارب يا أبو علي ياااارب." بعد حوالي الساعة، دلف إليهم
بيبو وهو يهلل بفرحة عارمة: "عاااايز الحلاااااوه يا باشا... مبروك، حامل في شهرين." خرج حسن إليهم وهو يحتضن صديقه ويقول: "طول عمرك وش خير يا صاحبي، اطلب عنيا مش هتغلى عليك." أما الطبيبة، فقد دونت لها بعض الأدوية المقوية مع بعض التعليمات، وحينما أرادت المغادرة، وجدت حسن يقف أمامها وهو يمد يده برزمة كبيرة من المال وهو يقول: "اتفضلي يا دكتورة." نظرت له بصدمة من كبر المبلغ الواضح وقالت: "إيه كل ده؟
أنا كشفي يا دوب متين جنيه." ضحك بفرحة وقال: "دي حلاوة البِشرى يا دكتورة." بواحدة أخرى للممرضة وقال: "ودي حلاوتك يا أستاذة." أخذ الاثنان المال بفرحة وغادرا مع بيبو ليقوم بإعادتهم إلى المستشفى. فرح الجميع بهذا الخبر، وقد تجمعوا حول ندي بالداخل، فقالت لعزة بصدق: "وصّي زياد وجواد بقي على أخوهم ولا أختهم اللي جاي، ماشي؟ إنتي أم الكبير، ولازم تفهميهم إنهم كلهم واحد."
نظر الجميع لها بإعجاب على حنكتها. أما عزة، فقد أدمعت عيناها. تقدمت منها ثم احتضنتها بحب، ولأول مرة، وقالت بصدق: "وإنتي أم ولادي، وولادك هما ولادي. كلهم ولاد الباشا، ربنا يبارك فيهم وميدخلش بينهم شيطان." ابتعدت عنها ونظرت للأمام بشرود وأكملت:
"وأنا لو ربنا اداني العمر، عمري ما هفرّق بينهم زي ما أمي وأبويا كانوا بيعملوا معايا أنا وإخواتي وطلعونا نكره بعض. سواء صبيان ولا بنات، كلهم من صلب الباشا، يبقى مش مهم مين البطن اللي جابتهم." ***
جلس وليد يغلي داخل شرفة غرفته المطلة على الحارة، وهو يرى حسن والحسين ويرافقهم كرم وبيبو، يقفون على يد الجزار الذي أتى به حسن ليقوم بذبح بقرتين حجمهما كبير للغاية، ليوزعهما على أهالي الحي احتفالاً بخبر حمل ندي، كما فعل أول مرة حينما حملت عزة بولده البكري زياد. دلف إلى الداخل وقام بمهاتفة كريم، وحينما رد عليه قال بغل: "البت حاااامل، وابن الكلب عمال يدبح ويوزع لحمة على الناس في الحارة، ولا كأنه أول مرة يبقى أب."
كريم بهدوء، ولكن من داخله يغلي من هذا الغبي الذي أوقعه القدر في طريقه، ولكنّه مضطر أن يتحمل حماقته إلى أن يخرجه من ذلك المكان القميء بالنسبة له: "عادي يا وليد، متكبرش الموضوع، كلها يومين وتخلص مالحكاية خالص، وابقى نزل الحمل عادي يعني. هي الست اللي المفروض تساعدك عملت إيه؟ وليد بغضب: "عاملة فيها الشريفة، ومش راضية تعمل اللي قولتلها عليه، مع إني هددتها بالتسجيلات اللي معايا، بس هي مصممة برغم رعبها." كريم بخبث:
"أوعى تتجنن في عقلك وتروح تبعت التسجيلات دي لجوزها. إنت كده كده هتحتاجها، حتى لو ما نزفتش اللي طلبته منها دلوقتي، يوم العملية هتحتاجها. اصبر عليها، وأنا هقولك تعمل إيه." *** دَلفت عليه وهي تحمل كوبان من الشاي بعد أن أنهى طعام العشاء. وضعتهم فوق الكومود المجاور للفراش، وقالت وهي تحاول الابتسام: "أحلى كوباية شاي للباشا." نظر لها بتمعن، ثم قال برفق: "تعالي يا وزة، اقعدي جنبي، عايزك في كلمتين." توجست خوفاً داخلها، ولكنها
مثلت الثبات وقالت مازحة: "كلمتين بس؟ ههههه، طب قولي تلاتة أربعة." ابتسم على مزحتها، ثم قال: "لا، دول كلمتين جد، وبعدها نبقى نقول إن شاء الله عشر كلمات من بتوعك." نظرت له بانتباه، فاكمل: "مالك يا عزة؟ فيكي إيه؟ إنتي بقالك فترة متغيرة، ومكنتش حابب أضغط عليكي، وقولت هتيجي تحكي لوحدك، بس ولا جيتي ولا اتكلمتي." خافت أن يكون قد علم شيئاً، ولكنها آثرت الصبر وقالت: "مفيش حاجة والله يا خويا.
نظرت له بعتاب حزين وأكملت: أول مرة تهتم بيا وتسألني عن حالي يا حسن." لمس على وجنتها بحنان وقال بصدق: "عشان إنتي اتغيرتي يا وزة، لأحسن. ياريتك كنتي كده من زمان. بس أنا بردو عايز أعرف إيه اللي جواكي، ليه عينك حزينة كده مهما حاولتِ تهزري. حتى معاملتك مع ندي حاسسها غريبة، برغم إنك بتعامليها كويس، بس من جوايا حاسس بحاجة غريبة. قوللي ومتخافيش، لو فيكي حاجة قوليها، وأنا والله هفهمك."
نظرت له وداخلها معركة طاحنة ما بين أن تعترف له بكل شيء، وما بين خوفها منه إذا علم بما حدث وسيحدث. ولكن للأسف، خوفها كان أكبر من قدرتها على الاعتراف، فتراجعت في آخر لحظة بعد أن كادت أن تعترف له، وقالت: "كل الحكاية إني عرفت إنها أمر واقع ولازم أتقبله. وكمان البت غلبانة، مع إن لسانها طويل، بس قلبها أبيض. قولت لنفسي يا بت خلاص، اعتبريها مكان أختك اللي مش بتسأل فيكي، وأهو نعيش في هداوة بال بدل النكد اللي كل شوية."
اقتربت منه بدلال وهي تحسس بيدها على صدره وأكملت: "وكمان الأهم من ده كله، إنك لما بتزعل من واحدة، بتقلب على الكل، وبتقعد عند الحاجة بالأسبوع. وأنا الصراحة مبقدرش على بعدك، وإنت عارف." نظر لها بحنان، ولكن بداخله يشعر أنها تخبئ شيئاً ليس بالهين، ولكنّه قرر أن يسايرها حتى يعلم بطريقته ما حدث معها دون علمه. ضمها لصدره، ثم ربت على شعرها وقال: "تمام يا وزة، المهم إنك بخير ومش مخبية عني حاجة." جرعت لعابها بوجل، ولكنها
غيرت مجرى الحديث قائلة: "لا، مخبية يا باشا." أبعدها ونظر لها باهتمام، فاقتربت منه أكثر وقالت بصدق: "مخبية عنك قد إيه وحشني يا باشا، وبقيت بخيل أوي معايا. إنت مش عارف أنا بحتاجلك قد إيه. ولا عيب إن اعترف لجوزي حبيبي باللي عايزاه منه. لو مكنتش أطلب منك، هقول لمين." مال على تجويف عنقها ليدفن رأسه به، وقال من بين قبلاته الملتهبة:
"عندك حق، مفيش غيري. ولا هيكون فيه يا وزة. أنا جوزك، حقك عليا أعملك اللي إنتي عايزاه، زي ما أنا بطلب حقي من مراتي. مش هبعد تاني، ومش هديكي فرصة تشتاقيلي." ابتعدت عنه وقالت بفرحة بعد هذا الحديث الذي أثلج قلبها، والذي لأول مرة يتفوه به معها: "بجد يا باشا؟ نظر لها بحنان وقال: "من جوايا يا وزة." أرادت أن تتحدث، ولكنّه لم يعطها الفرصة لتجادله إذا كان يقصد قلبه أم ضميره، وقال قبل أن ينقض على نهديها:
"سيبك مالرغي وتعالي أقولك وحشاني قد إيه." قرص حلمتها وأكمل بمزاح: "يا وزتي." انطلقت منها ضحكات عاهرات، وقالت وهي تلف ذراعيها حوله: "وأنا نفسي أشوف أووووي يا باشا."
وفقط. قام بتوزيع قبلات رطبة على طول عنقها لمقدمة صدرها، الذي ظهر أمامه جلياً بعد أن جردها من ذلك القميص القصير. وانقض عليه يلتهم حلمتها بفمه، ويدها تعتصر نهده الآخر. أما يده الأخرى، فكانت تعرف الأماكن التي تثيرها بجنون. لم يبخل عليها بشيء تفضله أثناء علاقتهم سوياً. فهو رجل بحق يعرف أن الأنثى تكون خجولة ومتطلبة في نفس الوقت، ويجب عليه أن يريحها قبل أن يفكر في إراحة نفسه. رغم الحرب الطاحنة التي تدور بين عقله الذي يحثه على معاملتها برحمة واحترام وإعطائها كامل حقوقها دون تقصير، وقلبه الذي ينهره بشدة رافضاً أن يمس أنثى أخرى غير ندي. ولكنّه سيتحدي ذلك القلب العاشق، حتى لا يجبره على إغضاب ربه إذا انصاع وراء عشقه المهلك.
صبر قلبه حينما قال له: "اهدأ قلبي، أعلم أنك عاشق حتى الثمالة، ولكنك تمارس مع نديّك الحب. دعني أفعل واجبي تجاه الأخرى، وسأتركك تفعل ما يحلو لك مع من احتلتك وقتما يحين اللقاء." هكذا أنهى تلك الحرب الضروس وأغمض عينيه حتى يشتت تفكيره عما يدور بداخله ويركز مع من أسفله، والتي كانت متلهفة ومشتاقة لكل لمسة منه. لم يستطع تقبيل ثغرها. نعم. ولم يلمس أنوثتها بفمه. نعم. هاتان الفِعلتان لم ولن يفعلهما إلا مع...
قلب الباشا. وفقط. ولكنّه... متعها بحق. أشعرها أنه يرغب بها ويشتاقها حد الجنون حينما التهم ثدييها وبطنها، ثم اقتحم أنوثتها برجولته. وأخذ يضاجعها بقوة كما تفضل. ولأنه يعرف شراهتها في العلاقة، عمل على إرضائها بكل الطرق الممكنة والحلال. وفي نفس الوقت يرضي رجولته التي تطالبه بالخلاص بعد أن جعلها تأتي بماءها للمرة الثالثة. وقد كان. قذف بداخلها حممه، ثم مال عليها مقبلاً جبهتها وقال برفق: "مبسوطة؟ نظرت له بحب وقالت بفرحة:
"أول مرة من ساعة ما اتجوزنا أكون مبسوطة كده يا حسن. أول مرة أحس إنك نايم معايا برضاك، مش غصب ولا تقضية واجب." قبل وجنتها وقال بمزاح وقح: "قري بقى عشان ننام بدري، ههههه، يا بت لسه الليل طويل بينا. بعد ما نخلص على بعض... أقصد نخلص مع بعض، أبقى قولي رأيك." انطلقت منها ضحكات فرحة على مزحته، وقررت بداخلها أن تعيش اليوم معه، وغداً له رب يدبرهم. ***
مر يومان لم يحدث فيهما شيئاً، حتى أتى يوم عقد قران إيناس، والتي اضطرت أن تعقده داخل المسجد بعد أن أبلغهم هذا المتجبر أنه لا يريد أي رجل غريب أن يدخل بيته حفاظاً على حرمته. فحينما أبلغه عمه على استحياء بالميعاد، رد عليه بوقاحته المعتادة وقال: "خليه يكتب عليها في الجامع، إنت عارف إن عياله صايع وعينهم تدب فيها رصاصة. افرض واحد بص لحد من حريم البيت... أقتله عشان ترتاح." عبد الرحيم:
"طب ما يقفلو الباب عليهم يا ابني، ولا يطلعوا يقعدوا في أي شقة من اللي فوق لحد ما نخلص. ده هي كلها ساعة زمن وياخد البت ويمشي." رد عليه ببرود قبل أن يتركه ويرحل: "وإيه اللي يخليني أحبس حرية أهلي بيتي، في بيتهم... اخلص يا عمي وفض الليلة عالسخان عشان تفضالي بعدها وكل واحد يعرف اللي ليه واللي عليه." جلست إيناس تحت يد خبيرة التجميل التي تقوم بتزيينها، وهي تغلي من الغضب، وتقول لأمها غير الراضية عما يحدث: "ينفع كده يا ماما؟
أبويا الراجل الكبير يخاف من ابن أخوه ويعمل له اللي عايزه. هي مش دي شقة أبويا ومن حقه يعمل فيها اللي على كيفه؟ صفية بحقد: "شقة أبوكي، آه، إنما في بيت الباشا يا أختي، واللي مفيش دبانه تدخل فيه من غير رضاه." نعيمة، وهي صاحبة كوافير صغير داخل الحارة، تدخلت في الحديث قائلة: "متزعليش مني يا نوسة، أنا مش عارفة كان فين عقلك لما اتطلقتي من الباشا وتاخدي الحاج وفيق. ده نسوان الحارة كلها هتجن منك." صرخت بها إيناس بغضب جم:
"وإنتوا مالكم يا نسواااان يا عرر؟ أنا حرة في حياتي. اخلصي يا أختي وشوفي شغلك عشان متتأخريش." جلست أم الباشا مع زوجات ولديها وابنتها، وهم يتمازحون سوياً ولا يلقون بالاً لما يحدث في الطابق الأعلى. فقالت عزة بمزاح: "أقطع دراعي من هنا إن ما كانت إيناس هتخلي البت نعيمة الكوافيرا تحطلها المكياج بالكيلو، ههههه." نظرت خديجة لعزة بغيظ، ثم نظرت لسماح وقالت:
"معلش يا موحة، إنتي عارفة إن عزة بتحدف دبش من بوقها. هي تقريباً نست إنها أختك برد." ندي بصدق: "الصراحة كلنا نسينا إنها أختك عشان إنتي غيرها خالص أصلاً، غير أهلك كلهم. والله أنا بحبك جداً وب ارتاح في الكلام معاكي." أرادت أم الباشا أن تراضي تلك المسكينة، التي تكتم قهرتها من أفعال أهلها الشنيعة داخلها بعد أن قاطعوها بسبب رفضها لتصرفاتهم الخاطئة. احتضنتها بذراع واحد وقالت بحب بعد أن قبلت أعلى رأسها:
"سماح دي بتي أنا ومتربية على إيدي من صغرها. مكانتش تقعد في بيتهم قد ما تقعد معايا، وربيتها هي وخديجة على طبعنا. عشان كده الحسين حبها من صغرها وقالي ياما أنا مش هاخد غيرها. وأنا الصراحة ما صدقت عشان كنت بتمناها ليه والله، وربنا يعلم." بكت سماح داخل حضن تلك المرأة الحنون وقالت:
"والله يا ماما ربنا يعلم غلاوتكم عندي. بس مكسوفة من عمايل أهلي. والحسين برغم إنه مش عايز يبين زعله من أبويا، بس أنا فاهماه وحاسة بيه. بس مش بإيدي حاجة أعملها." ربتت فاطمة على كتفها وقالت: "مقطعتك لأهلك دي كبيرة أوي يا بتي، وأكيد ولدي مقدرها ومش عايز يجيب لك سيرتهم عشان ميزعلكيش." ندي بمزاح حتى تخرجهم من تلك الحالة:
"سيبك من البت النكد دي يا ماما، وقولي لي والنبي هو أنا مش بتوحم ليه زي الستات ولا بحس بدوخة والحركات دي." زوت بين حاجبيها وقالت وكأنها قامت باكتشاف سر بناء الأهرامات: "يا لهووووي، أحسن مكونش حامل والدكتورة ضحكت عليا." ضحك الجميع عليها، ولكن قبل أن ترد أم الباشا، وجدت تلك الحرباء تدلف إليهم في الحقيقة لتغيظهم حينما يشاهدون جمالها المبهر. أممم، كما تعتقد. ولكنها أخذت ابنتها حجة حينما قالت:
"عايزة أشوف بتي قبل ما أمشي. على ما أرجع آخدها." انتفضت أم الباشا من مجلسها وقالت: "إنتي عارفة إنك من يوم ما طلعتي مالبيت ده وملكش بنات عندنا. والباشا قالها لأبوكي تنسي إن ليكي بت. عيال الباشا مش هيربيهم جوز أم وهو عايش على وش الدنيا. روحي يا إيناس شوفي حالك وطريقك اللي إنتي اخترتيه، وربنا معاكي." إيناس بغل: "أنا همشي، بس هرجع تاني مع جووووزي، وهو هيعرف ياخد لي بتي من حباب عنيكم. يا أم الباشا."
وفقط. تركتهم مغادرة إلى وجهتها وهي توعد لهم. أما صفية، فقد نظرت لفاطمة باعتذار كاذب ولحقت بابنتها دون أن تتفوه بحرف. *** في اليوم التالي، قبيل أذان العشاء بقليل، كان حسن يجلس أمام معرضه يدخن الأرجيلة بهدوء. وجد وليد يلقي عليه السلام ويجلس بجانبه دون استئذان، ويقول بهدوء: "عامل إيه يا ابن عمي." نظر له حسن باستهزاء وقال: "زي الفل الحمد لله... يا ابن عمي."
اعتقد حسن بداخله أن وليد قد أتى له ليُصلح ما فسد بينهم حتى لا يفض الشراكة التي تجمعهم منذ سنين. وقد كان ظنه في محله حينما سمعه يقول: "أنا عارف إنك مستغرب إني جيتلك بعد كل اللي حصل بينا. بس إحنا في الأول والآخر نعتبر إخوات ومتربيين مع بعض. ومصارين البطن بتتخانق يا ابن عمي، وأنا الصراحة مش حابب القطيعة اللي حاصلة بينا، وجايلك لحد عندك أبوس على دماغك عشان تسامحني ونبدأ صفحة جديدة مع بعض." حسن ببرود:
"أبوك اللي بعتك ولا أمك حفظتك البوقين دول عشان مفصلش الشغل وتخسروا؟ هات من الآخر عشان معنديش وقت للوعك." كاد أن يرد عليه، إلا أنهم تفاجأوا بدخول بلطجية ملثمين، متجهين إليهم مباشرة ويحملون أسلحة بيضاء. وقف حسن بغضب وهو يقول بصراخ بعد أن توقفوا أمامه: "إيه يا شبح منك ليه؟ هي وكالة من غير بواب؟ إنتوا مش عارفين داخلين فين ولا اتلغبطوا في العنوان؟ أحد الرجال قال بخشونة: "لا عارفين يا باشا...
بس إحنا جايين نقضي مصلحة وهنمشي من غير عوق." حسن: "مفيش مصالح لبلطجية هنا يااااا شبح." الرجل وهو يكاد أن يسحب وليد الواقف يرتعش من الرعب، إلا أن يد حسن كانت الأسرع حينما سحبه ليحميه خلف ظهره وهو يقول: "إيدك لتوحشك." الرجل: "إحنا جايين ناخد الواد ده بالزوق... يا أمان." نظر له حسن والشرر يتطاير من عينيه وقال بحميته الرجولية: ......... ماذا سيحدث يا ترى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!