لأول مرة يشعر بذلك الغضب ناحية شخص مثالي كـ "يزيد"، شخص ودود، متعقل، يحادث الجميع بلطف، يوزع ابتسامات خاصة لتلك التي تجلس بجانب شقيقها تقص عليه ما أخبرها به ذلك الطبيب النفسي المرح، وتشيد بثقافته المتسعة وتجوله بالمؤتمرات العالمية.
جلسة سيئة، مملة، مليئة بالأحاديث الكريهة. زفر أنفاسه بغضب ملحوظ لم يستطع كتمانه، لفت جميع الأنظار إليه. لكن كان تركيزه كله مع نظراتها هي، تلك النظرات التي اشتعلت بغضب ناحيته، أثارت غضبه أكثر ناحيتهم. ليقول بهدوء حين صمتت الأحاديث الودية: –أنا بقول يزيد أكيد جعان والأكل اتأخر. وافقته عمته الرأي وهي تبتسم إليه بود ومكر، غامزة بإحدى عينيها إليه سرا. واستقامت تقول بود ملحوظ:
–عندك حق ياحبيبي، فعلا الغدا أتأخر النهارده، أسفين يا يزيد. ابتسم لها "يزيد" وهو يومئ بهدوء ولطف، قائلاً بصوت رخيم ونظراته تعود إلى تلك الفاتنة: –ولا يهمكم، أنا أصلا مش جعان، أنا كنت جاي أقعد مع أسيف شوية لأني معرفتش أتواصل معاها الفترة اللي فاتت. ابتسمت له بهدوء كعادتها. لتبتلع "سمر" رمقها وهي تحدق بقبضة ابن أخيها التي تشتد لتبرز عروقه، وقد اعتدل جسده بوضع هجومي واضح. فقالت بصوت واضح وهي تمد
يدها برقة إلى ابنة أخيها: –أسيف حبيبتي تعالي معايا نشوفهم سوا. شعوره بالامتنان نحو عمته الآن لا يضاهيه شعور آخر، لكن نظرات تلك الجميلة العابسة من ترك تلك الصحبة واتباع عمتها برقة جعله أكثر غضباً على ذاك البغيض سارق العقول. لقد جعل العائلة كلها بين يديه، حتى العم "مراد" المعروف بصمته قد انصهر معه بالأحاديث الودية وارتفعت ضحكاته مثلهم جميعاً.
لاحظ "يزيد" نظراته الغاضبة الموجهة نحوه هو فقط. إلى الآن لا يفهم سر كراهيته، هل لأنه عاون "أسيف" بتخطي محنتها؟ أم لأنه لا يعرفه بالأساس ولذلك يمقت تواجده؟ ارتفع صوت "نائل" يقول: –تعرف يابابا، أسيف معتبره يزيد طائر الحظ بتاعها، كل ما ييجي النادي واحنا بنلعب لازم تكسبني لدرجة بقيت تكلمه مخصوص قبلها.
ضحك "يزيد" بلطف وهو يرد عليه، غافلين تماماً عن تواجد أحدهم يحترق بنيران الغضب، ولهيب جسده يزداد، يشعر بالدماء تندفع بقوة برأسه تزيد اشتعال أفكاره الجنونية الآن: –لا ياحبيبي، ده عشان أنت نصاب وأنا بكشفك، لكن أسيف مش بتدخل حاجة إلا وبتنجح فيها. أتت بتلك اللحظة وهي تقول بابتسامة واسعة وهدوء لطيف: –ده عشان أنت دايما مشجعني يا يزيد.
إلى هنا وكفى، لن يتحمل أكثر من ذلك منهم، ومنها هي بالتحديد، كيف لها أن تتحدث هكذا مع ذاك الغريب أمام أعينه، بل أمام أعين الجميع. لقد استطاع ذاك الحقير أن يبرمجها كما يشاء. أين "أسيف" الصامتة الخجلة من أقل الكلمات أو النظرات؟ استقام واقفاً بغضب وكاد ينصرف من جانبها، حين رمقته بنظرة اندهاش لوقفته الغاضبة، وتراجعت للخلف حتى لا يمر هواء جسده من ناحيتها. ما تلك المرحلة من البغض التي وصلت إليها معه؟
حدق بها بنظرات لائمه لأفعالها أمام ذاك العدو، لتشيح بنظراتها عنه بصمت. ارتفع صوت العمة التي راقبتهم بصمت تتشدق بحزن: –يلا يا جماعة، السفرة جاهزة، اتفضل يادكتور. اتجهت العائلة إلى الطعام بهدوء، وأحاط "تيم" كتفي شقيقته ثم همس بصوت خافت تسلل إلى مسامعه: –مكنش ليها داعي العزومة دي يا أسيف. ردت عليه وهي تعض على شفتيها بخجل:
–هو كان مسافر ولسه راجع، وأول حاجة عملها كلمني وكان عاوز ييجي يقعد ندردش شوية، بس أنا ونائل اللي قولنا نعزمه على الأكل بالمرة. تظاهر بالعبث بهاتفه وهو يمر بجانبهم بخطوات واسعة متجهاً إلى الطعام، مبتسماً بمكر يهمس بداخله: حسناً، لأول مرة نتفق معاك يا ابن العم!
كانت أصوات ارتطام الملاعق بالأطباق هي الطاغية، حيث توترت الأجواء قليلاً بعد أن أمسك "فهد" الكرسي الذي سحبه "يزيد" بجانبها وجلس عليه دون أن يوجه لأحد كلمة، بل وبدأ أيضاً بطعامه بلا مبالاة وهدوء تام. تحرج الجميع من تلك الحركة، وتلون وجه "يزيد" بغضب طفيف من تلك الحركة المقصودة تماماً. ليرتفع صوت الجد وهو يشير إلى الكرسي المقابل لفهد على الجهة الأخرى قائلاً بابتسامة ودودة: –اتفضل يادكتور جنبي، واقف ليه؟
اضطربت أنفاسها على الفور حين أصبح بذلك القرب منها. ابتعدت عنه بجسدها بهدوء وأصبحت شبه على طرف الكرسي بجهة أخيها. لم يكترث لفعلتها، هو بالأساس توقع ذلك. يكفي أن ذاك الكائن لم يجاورها مرة أخرى أمام أعينه. هذه ليست علاقة طبيب بمريضة كما وصفها "نائل". ليرتفع صوت "فهد" الرخيم وهو ينظر تجاهه بابتسامة باردة:
–عجبني اهتمامك بالمرضى بتوعك بالدرجة دي يا دكتور يزيد. تعرف إني لسه مخلص جلسات علاج نفسي من فترة قريبة، وبصراحة أول مرة أشوف اهتمام كده. توترت الأجواء أكثر، واتسعت الأعين، وهمس "نائل" لعمته التي تجاوره: –شوفتي؟ قولتلك مش هيعديها على خير. اتفرجي بقى.
نظر إليه "يزيد" باندهاش، وقد صدمه بتلك الجرأة الناقدة لتصرفه العفوي تجاه "أسيف". حاول استجماع كلماته أمام تلك الابتسامة الماكرة التي زينت ثغر "فهد" بهدوء، ولا يزال ينتظر رده.
ارتفعت نظرات "أسيف" المندهشة إليهم، وقد أغضبها للغاية تدخله بأمر لا يخصه. لكن الوعد الذي قطعته لعمتها حين اختلت بها بعيداً عنهم، طالبة منها التهاود قليلاً أمام الأغراب، وتمالك أعصابها مع ذاك الشرس المتعجرف، جعلها توقف سيل كلماتها وتحدق بأخيها الذي يحاول استيعاب تلك الكلمات اللئيمة. نظر الجد نحو حفيده بغضب. تجاهله "فهد" وخرج أخيراً صوت نده الهادئ يقول:
–في الحقيقة، تعاملي مع أسيف مش تعامل دكتور لمريضة، صداقة العيلة والعلاقة بينهم من زمان خلتنا أصحاب أكتر من دكتور ومريضته. –صحاب؟ أردف بها "فهد" وهو يضيق عينيه الغاضبة، وكاد يردعه على حديثه. لكنه عاد بجسده بكرسيه وهو يردف ببرود معاكس تماماً لما يجول بصدره الآن: –أها، يعني المريض لو عارف عيلته بتتقابل معاه بعد ما تنهي علاجك ليه؟
يعني مثلاً لو عرضت عليك دلوقتي تساعد ندى في علاجها، هتكمل معاها تواصل بعد ما تخف بما إنها من العيلة برضه ومريضة؟ توترت نظرات "يزيد" لأول مرة وهو يحدق به بصدمة طفيفة لمفاجأته الآن. ثم نظر نحوها ليجدها تحدق به تنتظر إجابته بهدوء. لقد استطاع الماكر تسليط الضوء نحو نقطة واحدة محددة بعناية، وها هو يشغل الجميع بالتفكير حيال الإجابة، ويرفع الملعقة يتذوق طعامه بهدوء ونظرات متشفيه عابثة.
ازداد توتره وهو يحدق بـ "تيم" بخجل حين رمقه بنظرة ذات مخزي، وكأنه يقول: أرأيت؟ لكنه تمالك نفسه وأردف بهدوء مضطرب: –أنا أكيد معنديش أي مشكلة إني أساعد أختك لو طلبت ده، يعني دي مهنتي. ألقى نظرة سريعة نحوها ليجد عينيها عادت إلى طبقها تعبث بالملعقة به بهدوء. حسناً، لقد نجح الماكر بالإيقاع فيما بينهم، وتعكير صفو الأجواء. وبحنكته كطبيب سوف يفقد ثقتها إن استمر الحال هكذا.
أما هو، ارتفعت ابتسامة عابثة تعلو ثغره وهو يرتشف من الكوب بهدوء، ثم قال بصوت رخيم: –تمام يادكتور، أنا هكلم بعد الغدا الدكتور المسؤول عن حالة ندى عشان تتفاهم معاه. صمت بعدها ليرى إيماءة خفيفة منه، وصمت الجميع متسللين واحداً تلو الآخر فور انتهاء الطعام، وفقدان بعضهم شهيته فور تلك اللحظات الثقيلة عليهم. ***
وقف "تيم" بوجه "يزيد" بالحديقة بعد انتهاء اليوم، يحدق به بهدوء وهو ينصت إلى كلماته باهتمام تام، وتجديده لعرض الزواج من شقيقته. ليتنهد "تيم" قائلاً بهدوء: –شوف يايزيد، أنا معنديش أي مانع لارتباطكم، بس أنا لفت انتباهي سؤال فهد النهارده ليك. أسيف مريضة عندك، مش غريب تتولد مشاعر ناحيتها في خلال فترة علاجك ليها؟ ده هيخليني متطمن على أختي معاك.
أغمض "يزيد" عينيه يستقبل اتهامه بحزن بالغ. هو نفسه لا يعلم كيف ينجذب إلى مريضته، لكن لبراءتها سحر طاغٍ يفتن القديس ويجذبه إليها بلا مقاومة أو شعور منذ الوهلة الأولى أمامها. وهو لا يستطيع إيقاف تفكيره ناحيتها أبداً. همس "تيم" له بعقلانية وهدوء يقطع أفكاره:
–يزيد، أنا مقدر مجهودك مع أسيف جداً وممتن لمساعدتك وتعبك معاها كمان، لكن أنا هكلمك بالعقل. أنا لو عرضت على أسيف طلبك، مش هترفض. طبيعي وأنت عارف كده، لأنها لسه خارجة من علاقة فاشلة تماماً، وأنت بالنسبالها المنقذ اللي علمها حاجات كتير، أولهم تعتمد على نفسها. بس أنت عملت كده لأن دي شغلتك، وهي مش هتستوعب ده يايزيد. أنت منجذب لأسيف كأخت ليك مش أكتر، وهي هتفهم ده مع الوقت. أنا آسف، بس مش هقدر أضر أختي تاني يايزيد. أسيف أغلى حاجة عندي ومش هقبل أعملها فار تجارب لمشاعرك، ولا هسمحلك تأذيها بتعلقها بيك الزايد عن حده.
تنهد الآخر بحزن وأردف بهدوء وعقلانية مماثلة له:
–أنا لما عرضت عليك كده، قولتلك إني معجب بيها ومش قادر أبعد وأسيبها، وده مش طبيعي لعلاقة دكتور بمريضته ياتيم. أنا مليش حكم على قلبي، مش بإيدينا صدقني. أنا الشهر اللي بعدته عنها كان كل تفكيري فيها، ورغم كده التزمت بوعدي ليك ومكلمتهاش. وأول حاجة عملتها وكنت محتاجها أول مانزلت هي إني أشوفها. أنا صارحتك بمشاعري ناحيتها عشان تقربها مش تبعدني عنها. أنا عالجت ناس كتير قبل أسيف ودي أول مرة أبقى كده، مش ذنبي إني دكتور نفسي ياتيم.
أغمض "تيم" عينيه بهدوء ثم قال بلطف: –ماشي يايزيد، أنا هقول عرضك لأسيف لأن ده في الأول والآخر رأيها. بس خليك عارف إني في فترة الخطوبة بينكم، أول ما أحس إن أسيف مش مرتاحة، أنا مش ممكن أخليها تكمل معاك أبداً. *** تواري بعيداً عن أعينهم بالظلام الدامس، وهو يحاول تنظيم أنفاسه بغضب شديد الخطورة، ورغبته الآن بالهجوم عليه وأن يوسعه ضرباً تزداد كل لحظة. كيف له أن يتجرأ هكذا؟
إنه يحاول بكل الوسائل امتلاكها، وهي بالطبع سوف تقبل! *** أجفل حين شعر بيد تربت على كتفه، ليتلتف إليها بفزع وهو يحاول تبين الشخص. ولم تكن سوى عمته التي جذبت يده وهي تعود بهدوء إلى غرفة المكتب من الباب المطل على الحديقة. أردفت فور أن أغلقت الباب وهي تلتفت إليه تحدق بجلسته فوق طرف المكتب بأريحية وكأنه لم يستمع لشيء منذ قليل: –سمعت بنفسك؟ إيه البرود اللي أنت فيه ده؟ هتقف تتفرج عليه وهو بيتجوزها قبل حتى ما تسامحك؟
رفز أنفاسه الحارقة بهدوء وقال وهو يهز كتفيه مولياً ظهره لها بصوت أجش: –مش يمكن هي ترفض. وبعدين أنا مالي، دي حاجة تخصها. ميهمنيش غير إنها تنسى اللي حصل، وده واضح إنه مش هيحصل. رفعت "سمر" إحدى حاجبيها وهي تعقد ذراعيها أسفل صدرها قائلة بابتسامة ماكرة: –ترفض؟ أنت مكنتش معانا قبل الغدا ولا إيه؟ وبعدين ترفض ليه أصلاً؟ جميلة وصغيرة وهو دكتور ومن عيلة ونعرفهم كمان، وفيه بينهم انجذاب. ترفض ليه بقى؟
كلماتها كانت تعتبر صوت عقله الذي يفكر الآن بنفس الأشياء. نيران تحرق أحشاءه بقلق. لقد صدقت العمة. إنها جميلة، بل فاتنة، لطالما شبهها بالساحرة سارقة القلوب. لما تتمسك بعزلتها وهناك من يمد يديه الاثنتين لينتشلها من ظلام وحدتها، بل ويحارب أيضاً. والآخر يديه الملطخة بدمائها. تُرى، سوف تتمسك بيد من؟ بالطبع ذاك الطبيب الخبيث اللعين الطامع.
تشنجت عضلات جسده بعنف شديد واشتدت قبضتاه، ومال برأسه يطرقع عضلات عنقه حيث برزت عروقه من فرط غضبه. تقدمت "سمر" تربت على جسده بلطف حازم وهي تقول: –شوف يافهد، أنا لو مكنتش شايفة إنك اتغيرت، مكنتش قولتلك الكلام ده. أنت محتاج إنها تسامحك، أنا عارفة، بس إزاي؟ تفتكر لو يزيد ارتبط بيها هيسيبلك مساحة تتنفس جنبها حتى؟
أنا مقدرش أقولك أكتر من كده، وفي النهاية الاختيار ليك. بس خد بالك، أسيف كرهت غضبك ومش من مصلحتك يظهر تاني، هيقلل فرصك مش هيزودها يابني. تركته وخرجت وكأنها لم تشن حرباً بحديثها. حرب مليئة بالنيران اللاهبة الهائجة التي سوف تحرق الأخضر واليابس معها. أتريد عمته التعقل؟ كيف؟ وقد بدأت مطرقة القلق تدق جميع حواسه، ودماؤه الهادئة تتحرك بثورة داخل عروقه الآن.
حاول ضبط أنفاسه التي بدأت بالتسارع وكأنها تهرب من جسده، كما تهرب الفرص معها من بين يديه. كيف يصل إلى غفرانها وهي تخشى تواجده بنفس الغرفة؟ هو يشعر، كما شعر بتوترها ورعبها اليوم الذي أضحت تخفيه ببراعة عن ذي قبل بتلك النظرات المحتقرة المتحدية. أيتها الفاتنة البريئة، ألا تعلمين أن حصونك تلك أصبحت مهلكة؟
أصبح نيل غفرانك مطمعي ومسامحتك ملاذي. أنا ذاك الفهد المرعب الذي انقضضت يوماً على قلاعك وهشمتها. أحرقتها بنيران غضبي وحقدي. ها أنا ذا أتطلع إلى نظرات المغفرة من عينيك الجميلة البريئة. أناشد تلك الروح الطاهرة التي دنستها بطغياني يوماً ما. أتوسل إليها وأرجوها. أخوض حرباً لم أتخيل بخوضها يوماً نحوك. كيف لي بالانتصار وأنا مهشم الفؤاد؟ كيف لي أن أحرق تلك الحصون دون أن أؤذيك مرة أخرى؟
دس يديه بخصلاته وهو يحاول التفكير بهدوء، عله يصل إلى أحد حلول تلك المعضلة. يصول ويجول بالغرفة الواسعة بقلق، إلى أن استمع إلى تلك الطرقات الهادئة أعلى الباب يصحبها صوتها الرزين اللطيف بالسؤال عن تواجد أحد بالداخل؟
تقطعت أنفاسه وعُقد لسانه ليرى الباب ينفتح وتدلف إليه بهدوء. توقفت على الفور حين لمحته بالمكان، واحتلت قسمات وجهها تلك النظرات الغاضبة، والتفت وكادت تغادر. لكنه استغل قصر المسافة بينهم وأردف مسرعاً وهو يقف بوجهها يتنفس الصعداء أنها أغلقت الباب خلفها قبل أن تلحظ وجوده: –أسيف، لحظة واحدة. حدقت به بغضب، كادت أن تصرخ بجملتها الشهيرة وهي تحاول الابتعاد والخروج، لاعنة نفسها لغلقها الباب. لكنه كان أسرع منها وقال بتوتر:
–آسف، نسيت إنك مش حابة الاسم مني. أنا... كنت عايز أشكرك على وقفتك معانا النهارده. ذاك الشعور المرعب حياله، وانقباض قلبها وانكماش روحها داخلها حين تراه، لن ينتهِ أبداً مهما حييت. أغمضت عينيها الخائفة تحاول استجماع شتات أمرها وقوتها، وقالت بصوت قوي بعض الشيء، وكأنها تحادث نفسها أيضاً معه، وهي تعتصر يديها الصغيرة بقوة لمهابتها له إلى الآن:
–أنا معملتش كده عشانك ولا عشانها، أنا عملت كده عشان ضميري وتربيتي. معرفش أسيب حد محتاجني للأسف. ومش عايزة منك شكر ولا عايزة كلام أصلاً.
كادت أن تنصرف مسرعة قبل حتى أن تأخذ ما أتت إليه لتبتعد عنه الآن فقط. لا تريد سوى الهروب من أمام عينيه القاسيه الخبيثة. استقبل كلماتها وهو يحاول السيطرة على أعصابه وإيقاف ارتعاشة وجهه من كثرة جزّه على أسنانه حتى لا يثير خوفها أكثر من ذلك. أردف بهدوء وهو يبلل شفتيه، فاركاً ذقنه بحِدة طفيفة وهو يمنعها بجسده من الخروج: –أنا عارف ده، وعارف إنك مش شبهنا. أنتِ عمي رباكِ على أخلاق عالية إحنا منعرفهاش، ومن بعده كان تيم.
لا تعلم من أين خرج ذلك الشعور الذي انتابها نحو نبرته الهادئة بأنه حزين لفارق التربية بينهم. شعرت ببعض الخجل حين أشعرته أنها تعايره بربايتهم. لكنها محت لمحة الخجل وهي تردف بداخلها: هاك الصواب. عليها أن تريه كم الخسة والدناءة التي رأتها على يديه المعذبة القاسية. إن كان أبيه اللعين غير كاذب ما كان حدث لها ذلك. نفضت رأسها بعنف خائفة أن تخوض بتفكيرها نحوه أكثر بمعركة لا داعي لها، وأردفت بعصبية ونبرة جافة:
–أوعى، خليني أمشي. خرجت أنفاسه بهدوء ودمعت عيناه وهو يرى تقلبات نظراتها، وهمس لها دون شعور: –آسف. هرب من أمامها على الفور بعد تلك الكلمة بخطوات واسعة، تاركاً إياها بمفردها تحدق بأثره بأعين باكية. أسرعت تغلق باب المكتب لتسمح لجسدها وروحها بالانهيار بعد تلك اللحظات الثقيلة على كليهما، وقد أضحت لا تعلم السبيل للنجاة من بين براثن اعتذاراته سواء الصامتة أو التي يلقيها على مسامعها بنبرة متألمة واضحة. ***
طوال ليلته لم يغفل، ظل ساهراً يبحث عن معلومات حول ذاك اليزيد اللعين، يجمع أكبر قدر ممكن من صفحاته الشخصية ومقالاته المختلفة عن علم النفس والأمراض النفسية. وبالصباح الباكر كان يستقبل مكالمته معه لمعاونته بحالة شقيقته كما اتفقا أمس. اندهش في بادئ الأمر، لكنه اعتدل مبتسماً بمكر وهو يرحب بمعاونته، متفقاً معه على موعد مقابلتهم يقص عليه تفاصيل حالتها. ***
مكثت "أسيف" بغرفتها وهي تشعر بصداع يكاد يفتك برأسها. من الواضح أن ليلتها لم تكن أفضل منه. فتحت عينيها تحدق بصمت بسقف الغرفة بشرود، وهي ترفع صوتها تسمح لأخيها بالدخول. ارتفع رنين هاتفها بنفس توقيت دخول "تيم" الغرفة ليتفقدها. نظر إليها وهو يعقد حاجبيه قائلاً باندهاش: –أنتِ معندكيش شغل ولا إيه في المرسم؟ تنهدت بهدوء وهي تطلق أنفاسها بإرهاق قائلة: –لا، أنا مش قادرة أنزل النهارده.
جاورها أعلى الفراش وهو يلقي سترته على طرف الفراش، متفقداً رأسها يربت عليها بلطف وهو يقول بقلق: –مالك ياحبيبتي؟ أنتِ بخير؟ ابتسمت بهدوء وهمست بلطف وهما يستمعان إلى رنين هاتفها الذي لم تجب عليه، يرتفع مرة أخرى. –متخافش، شوية صداع. شوف مين ياتيم. أمسك الهاتف وهو يردف عاقداً حاجبيه بضيق طفيف: –يزيد. اندهش حين لاقى الصمت منها ولم تتناول الهاتف مسرعة كعادتها، بل هزت رأسها بصمت ليتسأل بفضول: –إيه ده؟ مش هتردي؟ تنهدت
تهز رأسها بالسلب قائلة: –مش قادرة أتكلم، مصدعة ياتيم. ترك الهاتف وهو يميل عليها بجسده مقبلاً خصلاتها، وقد انتابه القلق لحالتها تلك هامساً لها: –مالك ياحبيبتي؟ تحبى أقعد معاكِ النهارده؟ أمسكت يده تربت عليها بلطف وهي تقول بهدوء: –لا ياحبيبي، روح شغلك. أنا هقوم أفطر دلوقتي وآخد مسكن وأريح النهارده.
تنهد وهو ينظر إليها بقلق غير مقتنعاً بما قالت، ليحمحم وهو ينقل أفكاره ناحية عرض "يزيد" الذي أتى لأجله، لكن حالتها لا تشير باستجابة حالياً. لاحظت حيرته حين طال الصمت بينهم، وأردفت بتساؤل مندهش: –مالك ياتيم؟ أنت عاوز تقول حاجة؟ أغمض عينيه وهو صارحها على الفور حتى لا يتراجع مرة أخرى قائلاً بصوت قوي: –آه عاوز. إيه رأيك في يزيد؟ همست باندهاش تُضيق عينيها ناظرة إليه بتعجب: –رأيي فيه إزاي يعني؟ يزيد دكتور ممتاز.
زفر أنفاسه قائلاً بهدوء وهو يراقب تغير ملامحها بدقة: –يزيد طلب إيدك مني يا أسيف. اتسعت عينيها واعتدلت تحدق به بصدمة واضحة، وفرغت فاها وكأنه ألقى على مسامعها خبر إحدى الكوارث الكونية للتو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!