تحميل رواية «حصونه المهلكة» PDF
بقلم شيماء الجندي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الليل ستاره علي ذلك القصير المنيف الساحر والذي يضم أكبر عائلات مدينه الاسكندريه الساحره.. “عائله البراري” تلك العائله التي تمتلك أكبر قصور المدينه و أجملها لما لا وهي تستحوذ علي كبري المصانع والشركات فهي عائله مشهوره إقتصاديا واجتماعياً بالأوساط المخملية !!وقفت ” أسيف ” بتلك الحديقه الخلابه تدور بعينيها باحثه عن أخيها وهي تحتضن تلك الهره الصغيره النائمه بوداعه وسلام داخل أحضانها لتنتفض علي ذلك الصوت الذي باغتها من خلفها مباشره يقول بقوه :– إيه الجميله واقفه بتدور علي ايه !!إلتفتت بأعينها المتسعه...
رواية حصونه المهلكة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شيماء الجندي
جلست على طرف الكرسي بحركة استعدادية للهروب من أمامه في أي لحظة إن استشعرت خطرًا منه. وضعت يدها الصغيرة فوق ذراعها الأيسر بتوتر واضح على قسمات وجهها. كل لحظة تنظر ناحية أخيها من خلف الزجاج حيث يتابع أعماله مع ابن العم. أصابها الحرج أن تصر على تواجده معها. يكفيه ما خسره لأجلها، هل تتسبب بخسارته عمله أيضًا؟
دار عقلها بعدة اتجاهات مختلفة، ما بين أخيها وتركه لها لأول مرة مع ذاك الطبيب الغريب عنها، بالطبع لا تتذكر صلته العائلية بهم. وما بين خشيتها منه واستعدادها لأقل تصرف أو حركة تصدر عنه.
صدرت عنها تنهيدة خافتة تسللت إلى أذن ذلك الجالس بصمت مقابلًا لها، تفصل بينهما منضدة صغيرة وُضِع فوقها أكواب العصير الطازج. اعتدل يزيد بجذعه العلوي وهو يرمقها بنظراته الهادئة اللذيذة. ثم مد ذراعه إلى الطاولة، يلتقط كوبها أولاً يعطيها إياه. انشق ثغره الدقيق بابتسامة لطيفة للغاية أجبرتها على الانصياع لأمره اللطيف المهذب والتقاط الكوب منه.
رفعت أهدابها الكثيفة تنظر إليه لحظات، راح عقلها يستعيد لقطات من زياراته المتكررة لها. وكيف كانت تخشاه للغاية بأول يوم له معها. أفاقت على صوته الهادئ فور ارتشافه من الكوب الخاص به جرعة صغيرة.
"تحبي نقول لتيم يجي يقعد معانا ويسيب شغله دلوقتي!"
نعم، هي تود للغاية أن يحضر معها ولا يتركها. لكنه عمله وهي ليست أنانية لتلك الدرجة. هزت رأسها رافضة عرضه المغري. بدأت نسمات الهواء تشتد من حولها لتتراقص خصلاتها بتناغم ناعم مع نظراته لها. أخفض رأسه يستجمع كلماته وأفكاره نحو علاجها. علاجها فقط!
أمسك دفترًا صغيرًا قليلًا باللون الوردي المشابه لفستانها الجميل. ثم دفعه إليها بروية وهو يردف بصوت رخيم:
"شوفي يا أسيف، أنا كل مرة باجي هنا أنا اللي بقعد أتكلم معاكي. بصراحة الموضوع كده مش نافع، أنا حابب ندردش سوا. فجبت لك وأنا جاي الصبح النوت ده. ده مصدر الحكاوي بينا، ده لو تسمحي طبعًا."
توترت نظراتها وابتلعت رمقها وهي تخشى قبول عرضه فيطرح أسئلة عما يخصها. وتخشى الرفض فتنهي علاجها. هي قطعت وعدًا أنها ستطيع أخيها بالعلاج ليعودا إلى حياتهما اليومية الطبيعية مرة أخرى. عضت على شفتها بتوتر واتجهت عيناها إلى الزجاج ترمق أخيها المنتظر بعيدًا بنظرات حائرة. لتفيق على صوته الهادئ بعد أن أنهى تفحص نظراتها:
"وتقدري ترفضي أو تقبلي الدردشة، مش شرط تجاوبي أبدًا. وتقدري تسأليني كمان عشان تبقي دردشة مظبوطة!"
تلك الابتسامة الرزينة المتعقلة التي تزين ثغره الوسيم تجبر أي أحد على قبول جميع عروضه. وهي لن ترفض إن كانت لها فرصة رفض أو اعتراض على إجابة ما.
أمسكت الدفتر بأناملها الرقيقة. ليناولها قلمًا وهو يقول:
"القلم ده غالي عليا جدًا، ده هدية مني ليكي وأتمنى مترفضيش."
تناولته وهي تومئ له وعقلها متوتر من تلك المحادثة. ليكمل حديثه متسائلًا:
"أنتِ عارفه إن عائلتي وعيلتك أصدقاء قدام جدًا؟"
هزت رأسها بالإيجاب الصامت. ليبتسم مكملًا:
"تعرفي إني فقدت بصري فترة وعملت كذا عملية عشان يرجع!"
بدأ يلفت انتباهها حيث رفعت أنظارها إليه وأعينها ترمقه بنظرات مندهشة متسائلة. فاستجاب إلى تساؤلها الصامت وأردف بهدوء:
"وخطيبتي سابتني بسبب الموضوع ده."
عقدت حاجبيها بحزن وراح عقلها يدور بالأشخاص السيئين أمثال خطيبته والتي تعرفهم عن ظهر قلب. لينتشلها من أفكارها السوداء صوته الهادئ يقول:
"كان نفسي يكون عندي أخت صغيرة زيك كده. لميس كانت من أب مصري زينا وأم بريطانية. اتعرفنا على بعض في الجامعة ومع الوقت اتعلقت بيها جدًا وأنا كنت بشاركها كل حاجة تخصني. وكانت أمنيتي يكون عندي أخت، متسألنيش ليه. بس ده اتجدد لما شفت علاقة تيم معاكي. المهم قعدنا سنتين نحب بعض واتخطبنا كمان. بس للأسف بعد ما فقدت بصري ومع أول لحظة فوقت من مخدر العملية صوتها كان في ودني، بتقولي مش هتقدر تكمل، واختفت بعدها."
ظهرت أمارات التأثر على ملامحها الجميلة، وقد بدأت تندمج مع قصته متناسية وجعها بل أوجاعها. ليتدارك نفسه وحمحم يقول بصوت رخيم:
"بس الحقيقة بعد كام يوم نسيتها أو بمعنى أفضل أقنعت نفسي إني أنساها وأبدأ أستجيب لمحاولات أهلي في العلاج. عارفه ليه يا أسيف!"
نظرت له باندهاش وتساؤل. ليبتسم لها قائلاً:
"اكتبي توقعك!"
ابتلعت رمقها ودارت عينيها لحظات بعده أماكن لتبدأ بعدها بفتح الدفتر وراحت تخط بالقلم كلمات. ثم وجهته إليه وكان محتواها "عشان تنتقم".
ضيق عينيه وهو يحاول تجميع أفكاره عن جملتها. لكن استجابتها تلك رائعة. ليرفع رأسه وهو يعيد الدفتر إليها ضاحكًا بوجه بشوش:
"أبدًا، أنا قولتلك نسيتها. الحقيقة ومبخبيش عليكِ كان عندي رغبة جوايا إنها تشوفني لما أخف وبرفضها كمان. لكن الرغبة الأكبر نفسي، مستقبلي يا أسيف. هستفاد إيه لما أعاند أهلي عشان واحدة سابتني في أهم وقت ليا؟ هل هما يستاهلوا ده مني!"
رمقته بنظرات متحيرة صامتة وأبعدت رماديتيها عنه تحدق بعيدًا بحزن لضعفها كما لقبوها. ليتها بقوته تلك. أفاقت على صوته قائلًا لها:
"أنتِ عارفه إن قراري ده كان صعب جدًا خصوصًا إن والدي كان شايفني ضعيف الشخصية معاها جدًا."
نجح للمرة التي لا تعلم عددها بلفت انتباهها. أن حالته كانت مثلها!
على الجانب الآخر..
حيث يجلس "تيم" مدعيًا انشغاله مع ابن العم وعينيه عليها دون أن تلاحظ. راقب حركاتها واستجابتها لحديث "يزيد" الذي أرسله الله إليه من السماء. اندهش حين كتبت شيئًا بالدفتر الصغير ودفعته إلى "يزيد" المترقب لحركاتها هو الآخر. ليفيق على صوت "نائل" المتأفف:
"ياااعم تيم ارحمني بقا وركز معايا شوية خلينا نراجع الورقتين ده أنت كنت قعدت معاهم أسهل."
زمجر "تيم" بغضب وهو يقول بصوت أجش حاد:
"بقولك إيه يازفت أنت اهدي بقا، كفاية اللي أنا فيه!"
اندهش "نائل" رافعًا حاجبيه وهو يردف بصدمة:
"إيه اللي أنت فيه يابني! أختك لازم تقعد مع دكتورها لوحدها عشان ترجع تتكلم فين مشكلتك!"
تأفف "تيم" وهو يعتدل إليه بجسده قائلًا:
"المشكلة إن أسيف مضطرة تقعد معاه لوحدها، أنت مشوفتش بصت إزاي لما عرفت إني مش هحضر معاها!"
هز "نائل" رأسه يردف بجدية تامة:
"بقولك إيه ياتيم، طبيعي أسيف تتعلق بيك من خوفها واللي حصل. لكن اللي مش طبيعي أسلوبك ده ياأخى. أنا شايفها مستجيبة ليزيد وبتحاول مع نفسها جامد وأنت دورك تساعدها وتسمع كلام يزيد من غير قلق كده. ما إحنا في وشها أهه لو خايفة هتيجي جري عليك متقلقش بقاا!!"
ابن العم محق عليه. تركها تتلقى علاجها وتعود إلى أحضانه الأخوية سالمة غانمة. وذلك لن يحدث بدون مساعدة "يزيد" وتركها تجرب الدرب بمفردها تلك المرة. لكنه سيظل خلفها يراقب طريقها ويساندها إن تعثرت!
---
انتهت جلستهم سويًا وشعرت "أسيف" ببعض الخفة حين بدأت تكتب ما يجيء بأفكارها له. وأحيانًا أخرى كانت تفضل الصمت التام وعدم الرد. والذي قابله "يزيد" منها بابتسامة مرحة جميلة وصدر رحب. لاحظت أنه لا يضغط عليها لذلك أعجبتها الجلسة قليلًا ونسيت أنها داخل جلسة علاجية. حيث بدأت تخط بأناملها الرقيقة على الورق بعض الرسومات الشارده. حين كان يتركها "يزيد" تستريح ويعبث بهاتفه وأنظاره تراقبها بالخفاء.
أفاقت من شرودها على أصابعه تطرقع أمام عينيها مع حفاظه على مسافة كبيرة نسبيًا عنها حتى لا يتسبب بذعرها. صدح صوته الأجش ينهي جلستهم وهو يطلب بأدب وحذر:
"أسيف ممكن تنادي تيم ليا؟!"
وقفت بهدوء تومئ بالإيجاب وهي تتجه إلى أخيها كطفل صغير ذاهب إلى ولي أمره. ليبتسم "يزيد" بهدوء ويصرف أنظاره عنها بصعوبة. التقط دفترها الصغير يراقب صنيع يديها بأعين متسعة مصدومة. "أسيف" تُجيد الرسم بل بارعة به. لكن ما تلك الأشكال التي خطتها بشرود! رغم صغر الورقة لكن ذلك لم يمنعها من خط بخطوط صغيرة شكل فهد مفترس ذي أنياب مرعبة تسيل من فمه الكبير المفتوح ومن بين أنيابه قطرات. من الواضح أنها دماء!
عقد حاجبيه وأفاق على صوت "تيم" يردف بجدية:
"في حاجة حصلت!"
نظر "يزيد" للداخل يراقب "أسيف" الجالسة فوق الكرسي تنظر للأرضية بشرود وصمت تام. ثم قال وهو يشير برأسه ناحيتها:
"أسيف محتاجة تخرج من هنا ياتيم. الحبس ده غلط. ابذل كل جهدك وخرجها تتمشوا سوا حتى، الوضع ده هيعطل مفعول الجلسات."
ثم رفع إليه الدفتر الصغير ليضيق "تيم" عينيه يحاول استيعاب تلك الصورة الوحشية المخيفة. لحظات ليدرك معناها ويغمض عينيه جازًا على أسنانه بعنف. ليردف "يزيد" بهدوء:
"تيم عصبيتك دي مش حل هتخوف أسيف منك أنت كمان. أسيف فقدت النطق من خوفها لخروج مشاعرها وأنها مش قادرة تعبر عن كمية المشاعر اللي بتحاربها. سواء خوف.. زعل.. حزن.. كل ده ضغط عليها وسبب لها انهيار عصبي. إحنا دورنا نعالج مش نزود ياتيم."
زفر أنفاسه ثم اعتدل واقفًا يقول بهدوء:
"إحنا هنبص للجانب الإيجابي. أنت ليه مقولتليش إن أسيف بتعرف ترسم. عارف ده هيساعدني قد إيه في علاجها!"
عقد "تيم" حاجبيه باندهاش ثم أعاد أنظاره إلى الورق مرة أخرى وأردف مضيقًا عينيه:
"أنت عاوز تستغل رسم أسيف عشان تخرج اللي جواها؟ زي الرسمة دي مش كده!"
أومأ الأخير بالإيجاب وهو يقول بصوت رخيم:
"بالظبط. رسمها هيساعدني جدًا خصوصًا إن هي نفسها عندها استعداد لده وخرجت اللي جواها أو جزء منه عن طريق ورقة وقلم. أنا كنت متخيل الكتابة هتنفعها لكن الرسم أفضل كثير في استغلاله."
تنهد "تيم" وهو يعيد أنظاره إلى شقيقته متأملًا حالها الصامت الساكن. "أسيف" التي كانت تكره الصمت والروتين أصبحت تجلس بالساعات الجلسة ذاتها تحدق بالفراغ صامتة شارده حزينة!
---
أمسك تلك التحفة المقلدة بين أصابعه يعبث بها أثناء إلقائه الكلمات الشاردة الخاصة بماضٍ أليم على أذن الطبيب الصامت المنصت باهتمام يدون بعض الملاحظات بين حين وآخر. علت أنفاسه قليلاً وهو يردف:
"كنت بخاف أنام بليل لأن الكوابيس بشكل أمي مكنتش بتفارقني. كنت بروح أنام جنبها وأحضنها وأسمعها وهي بتتألم لما أحط إيدي بالغلط على جرح في جسمها. بس هي رغم ده كان بتفضل ماسكة فيا ساكتة. إيديها بتتحرك على شعري وأنا بسألها مالها وبابا بيعمل كده ليه، وهي تقولي كلمة واحدة "معلش". كنت متخيل إن كل الآباء كده. لحد ما في يوم ما استحملتش في إيده."
قطع كلماته وهو يدس إحدى يديه بخصلاته ويحبس دموعه وقد بدأت شفتيه ترتعش وهو يجز على أسنانه بقوة جاذبًا خصلاته للخلف وأعينه تلتهب باحمرار شديد. قلق الطبيب من حالته وأردف بهدوء:
"تقدر توقف لحد هنا."
لم يجبه. بدل اندفعت كلماته من شفتيه كالحمحمة البركانية حين تنفجر تصحبها دموعه وهو يقول بصوت باكي كالطفل:
"ماتت بعد ما شوه جسمها بأيديه. آخر حاجة شوفتها منها دموعها، اللي غرقت وشها وهي بتوصيني على أختي اللي لسه عيلة صغيرة. غمضت عينيها وأنا فاكرها شوية وهتقوم زي كل مرة. نمت وأنا حاضنها وبعيط، وفوقت على إيدين بتشدني بعيد وبيغطوها لحد رأسها."
مسح دموعه بغضب وأكمل وقد تبدل حاله حيث شعر بالدماء تندفع إلى رأسه بقوة وبشكل مفاجئ وهي تغلي وتفور:
"في نفس اليوم لقيت أبويا قاعد يبكي وماسك صورها وهو بيقولي كلمة واحدة.. "عمك السبب". كلمة سمعتها منه 8 سنين بيحكيلي قد إيه اتعذب منه وكان عاوز ياخد أمي ليه عشيق. كنت بروح القصر معاه يبقوا مبسوطين وبيلعبوا وأنا بتفرج. خايف أقرب منهم، بكره صوت ضحكهم وأنا مش قادر أبقى مع أمي زيهم، وإن أبوهم السبب وعايش حياته معاهم عادي."
اختنق صوته وبدأ يدس يديه بخصلاته بحركة عنيفة عشوائية. ليقف الطبيب مسرعًا وهو يدور حول مكتبه يصب المياه في الكأس ثم ناوله إياه وهو يقول:
"كفاية كده النهارده. أي ضغط تاني مش في مصلحتك نهائي."
رفع عينيه الحزينة وهو يومئ بالإيجاب يلملم متعلقاته الشخصية بهدوء. زافرًا أنفاسه الحارقة واقفًا يتجه إلى الباب. ونظرات الطبيب المُسن الخبير تلاحقه. ليقف فجأة مستديرًا بجسده يسأله عاقدًا حاجبيه:
"هي أسيف ممكن تسامحني في يوم من الأيام!"
تنهد الطبيب وهو يجيب بهدوء:
"انت لسه محكتليش قصتك مع أسيف شكلها إيه بالظبط! هي كانت بتحبك؟!"
ابتسم بسخرية وهو يجيبه بأعين دامعة:
"أسيف مكنتش بتعرف تكره حد، بس أنا علمتها ده!!!!"
---
جلست الجدة أمام ابنتها وقد تركت الخادمة أكواب القهوة الساخنة خاصتهم ثم انصرفت تباشر أعمالها. تعلقت أنظار "سمر" بالأكواب بشرود وهي تردف بأعين ذابلة من الحزن:
"وبعدين ياماما الولاد دخلوا في شهرين ومليش عنهم خبر واحد. ده فهد قرب يتم علاجه وأنا معرفش أسيف عاملة إيه حتى!"
تنهدت الجدة بحزن وسالت دموع الندم على خديها وهي تشعر بالاشتياق يجول ويثول بثنايا قلبها المسن لتقول بصوت مبحوح:
"مش عارفة يابنتي لسه مراد كان بيقولي الصبح إنه لحد دلوقتي سايب معارفه يدوروا عليهم. أسيف وحشتني أوووي يا أسمر."
تنهدت "سمر" وسالت دموعها وهي تقول بابتسامة حزينة:
"مكنتش تستاهل اللي حصلها يا ماما، مفيش بنت تستحمله. تخيلي بقى ملاك زي أسيف عاملة زي البيبي بالظبط."
ابتسمت الجدة وهي تقول بحزن وشرود:
"ابن أخوكِ دمرها ياسمر. البنت كانت مرعوبة حتى تقعد معانا لوحدها. مش كفاية اللي حصلها وهي لسه عيلة وأبوها وأمها لسه ميتين؟"
عقدت "سمر" حاجبيها وهي تذهب بعقلها إلى تلك الذكرى لتقول بغضب وأعين ملتهبة:
"متفكرنيش بالسواق القذر ده. لولا نائل سمع صرختها صدفة وجيه بلغنا كانت ضاعت على إيد المدمن النجس ده."
أيدت الجدة الحديث وتمتمت ببعض السباب على أمثال ذلك المدنس. وقد غفلتا السيدتان عن ذلك الواقف بأعين جاحظة وعقله يفسر ما حدث بالأيام الخوالي والليلة المشؤومة. ليدب القهر قلبه بمطرقة من حديد وتسيل دموع الندم وهو يفر مسرعًا كالأطفال تائهًا يهيم على وجهه بلا هدف أو سبيل!
---
جلست "أسيف" بأحضان أخيها يحدقان بأمواج البحر التي تتلاطم أمامهم بهدوء ثم تميل على الشاطئ الرملي تسرق حباته داخلها وتداعب أناملهم بنعومة ثم تنسحب لتأتي أخرى تقوم بدورها. و"أسيف" تبتسم بهدوء تعبث معها بأصابع قدمها الصغيرة. ثم نظرت إلى أخيها المحيط لها وهمست بهدوء:
"هتاخدني الكورس امتى؟"
قبل خصلاتها ثم ابتسم يحدق بها وهو يزيح خصلاتها خلف أذنها بهدوء هامسًا:
"من بكرة ياقلب أخوكِ والعربية جاهزة ومستنية الأميرة تخلص كورسها وتاخدها."
اعتدلت تحيط عنقه محتضنة إياه بقوة وهي تقول بصوتها الهادئ:
"أنا بحبك أوى ياتيم."
شدد من احتضانه لها وهو يبتسم رابتًا على ظهرها بهدوء يقول:
"وأنا بموت فيكِ ومليش غيرك ياقلب تيم."
ثم أخرجها من أحضانه يشير محذرًا:
"بس هوصلك الجلسة الأول تخلصي وأخدك نطلع على كورس السواقة. اتفقنا يا أسيف."
تنهدت وهي تعتدل قائلة بتذمر خفيف:
"ياتيم مانا رجعت أتكلم أهو ويزيد بيتابع معايا. أنا برتاح في الكلام مع يزيد وهستنى يرجع من المؤتمر."
اتسعت عيناه وهو يردف بجدية:
"أسيف أنتِ عارفة إنك لسه محتاجة شوية جلسات ياحبيبتي ويزيد معاه فترة عشان يرجع يبقى نتابع مع الدكتور زي ما كنا لحد ما يزيد يرجع."
عقدت حاجبيها من إصرار أخيها. فبعد مرور ثلاثة أشهر على تحسنها وعودة نطقها منذ أسبوعين لازال يُصر على انتظامها مع ذلك الطبيب المسن ذو الطبع الرتيب للغاية. لقد اعتادت على أسلوب "يزيد" المرح الرزين بآن واحد حيث يضج عقله بالأفكار الجديدة دومًا ويقودها إليها بصبر تام. عضت على شفتيها وهي تقول بخجل وقد اشتعلت وجنتيها بحمرة لطيفة:
"يزيد معاه لآخر الأسبوع بس وهينزل."
رفع "تيم" إحدى حاجبيه وهو يقول بجدية:
"أنتِ بتتواصلي مع يزيد من ورايا!"
هزت رأسها مسرعة بالسلبي وارتفعت عينيها الجميلة البريئة تنفي اتهامه وهي تقول مسرعة:
"لا لا ده هو كلمني سوشيال لما كنت مع نائل في النادي بعد التدريب وكان بيكلمه. وقال لي بحضر الجلسات ولا لا وأنا قلت له إن الدكتور ده وحش."
ابتسم مع كلماتها البريئة ونفيها الخائف من غضبه. دومًا يرق قلبه لتلك البريئة التي بدت عليها بوادر الاختلاف بشخصيتها. لكن تلك البراءة التي تحقنه إياها لن تتغير أبدًا.
احتضنها بقوة وهو يحمد ربه ألف مرة بعودتها للحياة والأحاديث معه التي لن يمل منها مهما حدث. تكفي ابتسامتها تلك ولا يريد شيئ آخر منها.
صرخت نبضات قلبه التي تدق بحنانه الأخوي المميز. عودة حميدة أيتها الغالية!
رواية حصونه المهلكة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيماء الجندي
في عيادة نسائية يرتادها الأشراف، دفعت "ندي" جسدها الصغير تلتصق بكرسيها وهي تحيط باطنها، وعيناها تحارب الدموع. بدأت تنظر حولها بعينين ملتهبتين من شدة الغضب الذي يحرق أحشاءها الآن.
وقفت بهدوء واتجهت إلى المرحاض. دلفت وعقلها لا يستوعب أنها هنا بمفردها، بعد أن فشلت جميع محاولاتها بالتواصل مع زوجها، وابتعادت عن أخيها تمامًا فور موقفها الخائن له. تكفي نظرات الاشمئزاز منها داخل مقلتيه كلما رآها صدفة بأرجاء القصر.
خانتها الدموع وسقطت واحدة تلو الأخرى. مشهد الرجال بالخارج يداعبون زوجاتهم بالكلمات والأحاديث اللطيفة التي تجعل ثغرهن دائم التبسم. تكاد تقتلها وهي تقارن حالها بهن! إنها "ندي البراري"، لطالما كانت مميزة بين النسوة ومن الكرام. يأتي اليوم وترى نظراتهن إليها وهي وحيدة هكذا!
فتحت الصنبور ثم مالت بجسدها تغسل وجهها بعنف، وقد بدأت شهقاتها تتعالى وهي لا تصدق أنها هنا بمفردها بدون زوجها؟ إن كانت تمقت "أسيف" قليلاً بالسابق، هي الآن لا تريد سوى قتلها!
جففت وجهها ورقبتها بالمحارم الورقية، واندفعت أناملها تعبث بمحتويات حقيبتها الصغيرة علها تجد ما تداري به ذلك الشحوب المخجل. تفقدت وجهها برضا فور انتهائها، ثم عادت إلى جلستها تحيط باطنها البارز قليلاً بذراعيها، وهي تحاول تجنب النظر بأي اتجاه حتى ينتهي كشفها الروتيني وتطمئن على صحتها وصغيرها بداخلها، ثم تبدأ مهمتها الجديدة بالعثور على زوجها.
***
وقفت "أسيف" بالشرفة تحدق بشرود بالسيارات والحركة المستمرة بالأسفل، وهي تمسك بيدها قدحًا ساخنًا من المشروب المفضل لديها "الكاكاو"، ويدها الأخرى تعبث بالهاتف وكأنها تنتظر رسالة أحدهم.
أغلق "تيم" باب الشقة بعد أن دلف إليها باستخدام مفتاحه الخاص، وهو ينادي عليها بصوت واضح. لكنها شاردة لدرجة أقلقته وظنها فقدت النطق حين وجد ظهرها موجهًا إليه ولم تجب. أسرع إليها يمسك ذراعها، يدير جسدها الصغير إليه بعينين متسعتين ووجه شاحب. فتحت عينيها وشهقت بصدمة حين وجدته يطالعها هكذا وهي لم تشعر بعودته. بللت شفتيها، تعض عليها بخجل وهي تردف بخفوت:
"آسفة، شكلي خضيتك. أنا قولت أغير جو الأوضة وأقعد أشتغل هنا شوية."
نظر بأعينها حيث أشارت إلى تلك الأدوات الخاصة بها والتي تستخدمها بلوحاتها المميزة. تنهد بهدوء وعينيه تعود إليها وقد خفتت قبضته عن ذراعها، وراح يربت على خصلاتها بيد، ويده الأخرى تسحب مشروبها الساخن منها تتذوقه وهو يردف بصوت رخيم:
"عندك معرض قريب ولازم تخلصي دول، ولا بتسلي وقتك؟"
عقدت حاجبيها بلطف من سؤاله، ورفعت كتفيها تنظر ناحية اللوحات ثم إليه، وأجابته بتساؤل:
"ليه؟ أنا بتسلى فعلاً، مستنية مكالمة يزيد بس هو آخر النهارده."
أنهت كلماتها وهي تضم شفتيها الصغيرتين بحزن، وتحدق به بهدوء. ليعقد هو الآخر حاجبيه ويردف بمرح:
"هبدأ أغير من يزيد اللي واخد معظم الوقت معاكي وخلاني مش عارف أشوفك."
ارتفعت ابتسامتها البريئة فوق شفتيها، وبدون تردد دفعت جسدها الصغير داخل أحضانه الحانية الواسعة، تحيط خصره وتستند برأسها أعلى صدره القوي. ليحيط جسدها وهو يبتسم، واضعًا قبلات صغيرة أعلى خصلاتها. يسمعها تردف بصوتها الرقيق:
"أنت محدش ممكن ياخدني منك يا تيم. أنا مليش غيرك!"
اتسعت ابتسامته حين أعادت على مسامعه جملته المطمئنة التي طالما قالها لها وهي بأسوأ حالاتها، ليشعرها بمدى أهميتها في حياته. ثم أردف بجدية قليلة وهو يشدد من احتضانه لها:
"يزيد المرة اللي فاتت قال إنك كده تمام ومش محتاجة جلسات، مستنية مكالمة ليه بقي!"
عضت على شفتيها وهي ترفع رأسها بهدوء، تحدق به بابتسامة بلهاء:
"أصله جاي معايا تدريب التنس مكان نائل."
ضيق عينيه لحظات، ثم رفع إحدى حاجبيه وهو يردف بغضب طفيف:
"رايح فين فين؟ سمعيني كده؟!"
ابتعلت رمقها وهو يعدلها لتقابله بنظراتها المتوترة قليلاً، ووجنتيها بدأت تشتعل. لتهمس له بخفوت:
"أنا نسيت أقولك امبارح إن نائل مش هيروح النهارده، ولما قولت ليزيد عرض عليا يجي معايا يسليني."
أردف باستنكار وهو يعقد حاجبيه:
"يسليني! يسليني إزاي يا أسيف يعني؟ أسيف أنا مش حابب أضايقك، بس أنتِ شايفة إن ده تصرف صح؟"
ضغطت على شفتيها، ولمعت عينيها وهي تردد بدفاع حزين:
"فيها إيه بس يا تيم، يزيد مش غريب."
قطع كلماتها وهو يردف بغلظة وحنق:
"لأ غريب يا أسيف، ده دكتور معالج وخلص شغلته معاكِ. أقدر أفهم إيه سر الخروجات اللي من النوع ده؟ مش واخدة بالك إنك مطلقة يا أسيف!"
عقدت ملامحها بحزن وهي تحاول الابتعاد عنه والعودة إلى الداخل بعيدًا عن كلماته الصائبة التي أشعرتها بخجلها من فعلتها الحمقاء. لكنه تنهد يستجمع رزانته وهو يجذبها لأحضان، ظنًا منه أنها حزنت من نعته لها بـ "المطلقة". وهمس باعتذار بأذنها:
"متزعليش ياحبيبتي، بس أنا خايف عليكي يا قلب أخوكي. ماينفعش خروج مع يزيد وأنتِ عارفة ده صح!"
هزت رأسها بالإيجاب وهي تدفن رأسها الصغير داخل أحضانه بخجل. ليبتسم لفعلتها. ليقطع تواصلهم الأخوي رنين هاتفها الذي ارتفع. أسرعت إليه خارجة من أحضانه تجيب بلهفة خجلة:
"أيوه يا يزيد!"
رفع تيم إحدى حاجبيه وجز على أسنانه بغضب. تلاشى حين سمعها تقول بهدوء:
"بصراحة يا يزيد تيم قالي ماينفعش."
ابتسم حين استمع لذلك، لكن أعينه اتسعت حين أكملت:
"هروح لوحدي وأشوفك هناك بقى، نقعد في الكافيه شوية!"
كادت أن تصيبه بنوبة قلبية. أهذا ما فهمته من حديثه لها؟ أم أنها تتصنع عدم الفهم كعادتها حين تأتي سيرة "يزيد"؟
أغلقت تبتسم إليه ببراءة وتردف بحماس:
"شفت يزيد متضايقش وقال لي تيم عنده حق. هنتقابل في النادي بقى."
أغمض عينيه وهو يجز على أسنانه بغضب، وبدأت شفتيه المغلقة ترتعش. ليفتحها قائلاً بسخرية:
"آه لو هتتقابلوا في الكافيه مفيش مشكلة يا قلب أخوكي."
اتسعت ابتسامتها وهي تخطف متعلقاتها مسرعة، ثم طبعت قبلة حماسية أعلى وجنته تصيح بحماس:
"بجد! كنت عااارفة إنك هتقول كده. هجري ألبس عشان ألحق التدريب بقى."
حدق بأثرها وهي تركض أمامه مسرعة، وهو لا يعلم ما عليه فعله الآن بالتحديد؟ هل يقتل يزيد؟ أم يشكره لعودة تلك الحماسة لشقيقته، بل لعودة شقيقته مفطورة القلب للحياة مرة أخرى!!!
فرك جبينه بهدوء وهو يفكر بعدة أشياء مختلفة. لقد اهتدى لوسيلة ما مع شقيقته. وماذا عن مطلقته، التي علم منذ ساعات بحملها!! حين زارته بمحل عمله فور عودته، وكأن أحدهم أخبرها أنه أول يوم له يباشر به عمله من مكتبه؟!!!
عاد من شروده وهو يهرع إلى صوت شقيقته الصارخ باسمه. وقف على عتبة غرفتها يحدق بها بصدمة وهو تُمسك الهاتف ويدها ترتعش، والأخرى تغطي فمها تكتم شهقاتها والدموع تنهمر بسرعة فوق وجنتيها. تحدق به بصدمة. دلف إليها وهو يسألها باندهاش:
"إيه يأسيف مالك ياحبيبتي؟"
رفعت الهاتف إلى وجهه وهي تنتفض. ليُمسك يدها مثبتاً الهاتف يقرأ سطور نعي وفاة جدتهم بأعين مصدومة وقلب ينتفض. إنها الجدة الحنون انتقلت إلى الرفيق الأعلى بدون سابق إنذار. دون أن يكونا بجانبها هو وشقيقته التي تنتفض الآن!!
نفض رأسه وهو يرتاعب أن تنتكس مرة أخرى. وجذبها لأحضان وهو يحبس دموعه بقوة شديدة. يربت على خصلاتها وهي تتمسك بجسده ودموعها بللت سترته. عجزت عن تفسير ما يكنه صدرها وقد احتلت الصدمة جميع مشاعرها الآن. الجدة الطيبة تتركها وترحل. الأم الثانية والحضن الدافئ يغادرهم بلا شفقة على حالتهم المبعثرة.
***
ارتصت السيارات أمام القصر الحزين وقد بدأ الناس بالتوافد من أجل العزاء المقام للسيدة المسنة المحبوبة. ترجل "تيم" و"أسيف" من السيارة وهما يسيران إلى القصر بأعين حزينة وأوجه شاحبة. أحاط كتفيها يسندها إلى صدره وهما يدلفان أمام جميع الأعين التي اتسعت بعضها بصدمة، وأخرى هادئة ساكنة حزينة تتفقد الموقف بصمت.
وقفت "سمر" الباكية وأسرعت إلى ابن أخيه تحتضنها وجسدها ينتفض. تبكي بشهقات وهي تتشح بالسواد كحال جميع النسوة التي جلسن ينظرن باندهاش إلى ابنة الأخ التي من المفترض أنها تعيش معهم هي وشقيقها. كيف تأتي كزائرة!!
كانت القلوب المكلومة أبعد ما يكون عن مدار خبايا القصر أمام الأغراب. وراحت "سمر" تهمس لهم بكلمات معبرة عن مدى اشتياق الجدة ورغبتها الأخيرة برؤيتهم والتي لم تتحقق لاختفائهم وسفر "نائل" المفاجئ. ومعرفته بالأمر من أبيه بعد الوفاة ليحجز رحلة عودته مسرعاً إلى البلاد. بكت "أسيف" حين سقطت الكلمات على مسامعها. هي تحب الجدة للغاية وكانوا يرتبون لعودتهم إليها. لكنه القدر.
كادت "أسيف" أن تسقط أثناء احتضان العمة التي اختل توازنها وسقطت مغشية عليها بأحضانها. صرخت لأخيها الذي كان يربت على كتف عمته. بعيدًا بشكل نسبي لكنه كان يراقبها بعينيه المتربصة لأقل حركة منها. ولاحظ تراخي جسد عمته ليندفع إليها. ورغم هلعها من سقوط العمة ومحاولة التماسك بثقل عمتها لحين يصل الأخ من الردهة الفسيحة، إلا أنها فور شعورها بملمس يده فوق يدها وهو يحيط عمته ويحملها، انتفضت. لكن ليس برعب كحالها السابق، بل باشمئزاز ونظرات احتقار أدمت قلبه وعينيه التي لازالت لا تصدق عودتها إلى الآن!!!!!
نظرت إليه بعينيها المنتفختين من شدة البكاء. ونظراتها تطعنه. لم يتبدل حاله أبدًا. لازال يحتفظ ببنيته التي زادت قوة أسفل تلك السترة السوداء الأنيقة. ملامحه لازالت تتسم بالمكر والدهاء والتصرفات المبهمة. أعينه لازالت وقحة تسير على جسدها الآن بلا خجل. بالطبع لما ينهار وهو يعامل البشر كالدمية بين يديه. ألقته بنظرة أخيرة مستحقرة ثم عادت خطوة للخلف تتقدم من أخيها الذي يتجه إليها وأعينه تقدح بالشر لذلك المجرم الدامي الذي استباح جسد غاليته وأهانها أشد إهانة.
ربتت "أسيف" على كتف شقيقها ليأتي الجد ويدفن جسد الحفيدة باشتياق واضح بأحضانه وهو يهمس لها بنبرة متحشرجة بندم واعتذار، متناسياً هيبته أمام الأعين التي لطالما تكن له الإجلال والاحترام لقوته وصلابته. لم يتخيل أحد رؤيته منهاراً هكذا. حتى "أسيف" رقت لحاله وراحت يديها تربت على ظهره بحنان وحزن وهي بحالة صدمة كلية من انهيار جدها القوي ذي الهيبة والكبرياء.
أسند "تيم" الجد وهو يربت على كتفه ويفصله عن شقيقته ليعود لجلسته ويستريح. واحتل "مراد" مكان الجد وهو يحتضن ابن أخيه العائدة إليهم بقوة واضحة وشموخ ناسبها. لاحظتها تلك التي جلست فوق الأريكة تبكي وتنتحب بصمت وأعينها تتفقد ذلك الواقف يتابع شقيقته بعينيه. وأحاط جسدها المرتعش من نوبة بكائها بسبب ذلك اللقاء غير المتوقع أبدًا.
أبعدها "تيم" قليلاً وجلسا فوق أريكة بعيدة نسبياً يدسها بأحضان ويربت عليها. ثم أفسح مجالاً بجانبه لـ "نائل" الذي أتى بوجهه الحزين يحادثه بأمر ما، و"تيم" يهز رأسه بالسلب وهو يمسح دموع شقيقته بهدوء.
تفقدتهم بعينين ملتهبتين حاميتين تكاد تقتل ابنة العم بنظراتها. لكنها ليست بذلك الجنون لتضرها أمام الأعين وبأحضان حبيبها.
هبطت يديها إلى باطنها تمسح عليها بلطف. وتلك السيدة الراقية صديقة العائلة تربت على كتفها بهدوء. لتسمع همهمات السيدات من حولها حيث قالت إحداهن:
"إيه ده هي أسيف مكنتش قاعدة هنا ولا إيه؟"
والأخرى تجيبها:
"معرفش بس شكلها هي وتيم راجعين من سفر، ممكن واحنا منعرفش؟"
هزت السيدة رأسها تؤيد كلامها قائلة بنبرة مخملية:
"طول عمري بحب أوي علاقة تيم بأسيف."
تلك الأحاديث المعتادة بين النسوة الغير مراعية لحالة البيت المنكوب أشعلت قلبها وأضرمت النيران بصدرها وهي تداري حزنها الطاغي. لم يكن عليهن قول ذلك بجانبها هي أبدًا!!!
***
وقفت "أسيف" بمرحاض جناح عمتها تجفف وجهها. ثم نظرت إلى المرآة لحظات تراقب علامات الشحوب الجلية على وجهها الجميل. تنهدت وهي تلفظ أنفاسها بإرهاق واضح. ثم فتحت الباب تخطو إلى فراش عمتها بهدوء.
وقفت تقول برفق وصوت حانٍ:
"عمتو ماينفعش كده، لازم تاكلي. ده مش هيفيدها بحاجة."
ثم أشارت بأناملها حيث وضع الطعام الشهي. لكن ليس لتلك الحزينة المكلومة لفقدان أمها الحبيبة الحنون. ومواقفهما سويًا تمر أمام عينيها بتتابع مميز من نوعه. ارتفعت شهقات "سمر" ووضعت رأسها بالوسادة تدفن تلك الشهقات التي كادت تقضي على أنفاسها. وتلك الذكريات اللطيفة بينها وبين أمها لم تترك مخيلتها أبدًا.
جلست "أسيف" أعلى الفراش ثم وضعت يدها أعلى كتف عمتها بحنو. هي جربت. تجرعت مرارة ذلك الكأس حين فقدت أبويها الحبيبين. إنها أشد الأوجاع. وطالما أغرقتهم الجدة بالأمومة والحنان الناعم. هطلت دموعها هي الأخرى وهي تحاول مجاراة تلك الليلة الصاخبة الحافلة بالأوجاع. ألا يكفيها وفاة الجدة؟ بل دفعها القدر إلى مقابلة ذاك الوحش المدمر براءتها بنفس اليوم. لتتوالى الصدمات عليها وتبدأ الأيدي تعبث بوجعها وقلبها المكلوم.
أفاقت العمة قليلاً حين استمعت شهقات "أسيف" لتتذكر سوء حالتها وعدم تحملها ذلك الموقف. اعتدلت تربت على جسدها تعتذر بقلب أم موجوع. لحظات مرت عليهم لتتدارك "أسيف" نفسها وتبدأ بإقناع العمة بالطعام مرة أخرى. لتستجيب لها تلك المرة حتى لا تتدهور حالتها هي أيضاً.
… أغلقت "أسيف" باب الجناح بهدوء وهي تتجه عابثة بهاتفها بأناملها إلى الدرج. هي الآن بحاجة شديدة إلى "يزيد" ليعاونها كعادته بهدوئه وفطنته. لكن أعينها اتسعت حين كانت على وشك التصادم بحائط بشري. نعم. إنه هو "فهد" السيئ اللعين المرعب. هل ينظر إليها بعينين معتذرتين أم أن اشتعال روحها الآن هيأ لها ذلك؟ كم تمقته وتكره تواجده أسفل نفس السقف معها. لكنها مجبرة. كيف توقف تلك الذكريات التي تندلع بعقلها بلا رحمة أو شفقة! كيف تنسى يديه التي لطخت يوماً ما بدماء برائتها وأناتها والآهات التي كانت تخرج من شفتيها لتجعله يبتسم بغضب! كيف تنسى صفعاته التي طالما كانت تتلقاها بسبب وبدون! كيف وكيف؟
ارتفع الاحتقار والاشمئزاز ليظهر بوضوح على وجهها منه. كادت تتخطاه وتكمل طريقها. لكن يده التي أسرعت وكادت تحط على جسدها جعلتها تتراجع صافعة يده بقوة عنها تردعه بغضب. لتكن الدهشة من نصيبه هو تلك المرة. طالما أدهشها بحقده وغضبه. لتدهشه هي تلك المرة بتخليها عن هشاشتها وضعفها. لاعنة براءتها التي تعبث بعقلها للهروب إلى جناح عمتها مرة أخرى.
ضيقت عينيها حين رفع يديه بحركة استسلامية وهو يحاول السيطرة على نبرته المبحوحة:
"أسيف... اهدئي."
تهدأ! يأمرها الوقح بالهدوء! ألم تكن تتوسل هدوءه منذ أشهر ليرحمها! أيها الوقح المنحط كيف له أن يثق هكذا بنفسه ويقف أمامها!
خرجت الكلمات المصحوبة بغضبها من شفتيها الجميلتين لتصيح بعنف لأول مرة يراه منها!
"اخرس خااالص وإياااك تحاول توقفني بالشكل ده تاااني. وإسمي مايجيش على لسااانك عشان بقرف."
كلمة لطالما طعنها بها بأساليبه المختلفة. ثبتت بعقلها البريء وها هي تردها إليه. تلك النظرات المحتقرة التي صرخت بها عينيها المنتفختين من أثر حزنها وهيئتها العنيفة وصدرها الذي يعلو ويهبط بغضب. جعلته يتراجع خطوات مفسحًا لها الطريق لتخطو أمامه على الفور بخطوات غاضبة منفعلة. وكلماتها بعقله تصفعه أشد الصفعات. ليتجه إلى جناح العمة بهدوء وعقله يجول ويجول خلف تلك الفاتنة التي ترد إليه الكلمات بقوة أعجبته. علها تشفي غليلها منه هكذا. غافلاً أن السبب بتغيراتها ليس فقط ما فعله. إنما أصابع امتدت لتنتشلها من وجع ألقاه بها بلا لحظة تردد منه.
رواية حصونه المهلكة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شيماء الجندي
“الجزاء من جنس العمل”
“إلا الإهانات الجسديه ، تعلق بالأذهان ولا تُنسي “
جلست “أسيف” فوق فراشها الوثير و هى تدفع خصلاتها الناعمه للخلف بيديها الصغيره جاذبه إياها بغضب طفيف و هى تحاول السيطره علي دموعها التى تهطل بغزاره منذ هرولت من أمامه و التجأت إلى جدران جناحها تحتمي به من أعينه المتربصه بها أغلب اليوم إلي أن أعلن بوقاحته عن مواجهته لها بالردهه منذ قليل ، بمجرد أن نظرت إلى عينيه الثاقبتين القاسيتين تجرعت كأس الألم مره أخرى و كان جروحها لازالت داميه تنزف إلى الآن ، تذكرت جسده و هو يرتجف بعنف أثناء ضرباته المؤلمه لها و كأنها رجل شديد البنيه أمامه و ليست امرأه ضعيفه وديعه …
وقفت مسرعه تتجه إلي المرحاض و منه إلى كابينه الاستحمام بعد أن تخلت عن ملابسها ، و وقفت أسفل المياه تستشعر اختلاط المياه بدموعها هربت قطرات المياه لتغطي جسدها بالكامل و كأنها تُزيل أثر عنفه عنها ….
مكثت فتره بالداخل اندهش لها “تيم” الجالس فوق الأريكة ينتظر عودتها و ها هي تُعلن عن إنهائها جلسه الاستحمام بإغلاقها صوت المياه ، خرجت و هى تُمسك المنشفه الصغيره بين يديها تُجفف بها خصلاتها و هى تسير بشرود حتي أنها لم تلحظ تواجد شقيقها …..
شهقت بعنف و طالعته بأعين متسعه مصدومه حين أمسك مرفقها بلين يوقف سيرها ، تبدلت علي الفور ملامح “تيم” من الاندهاش إلي الغضب حين سارت عينيه علي وجهها الشاحب و عينيها الحمراوتين من فرط البكاء !!!!
كور وجهها الصغير بين يديه وهو يهتف بقلق واضح :
-أسيف حبيبتي في حاجه حصلت ؟!
للحظه عجزت عن الرد و تفسير حالتها له لكنه “تيم” الأخ الحاني و السند الأقوي بحياتها تنهدت بهدوء ثم تركت منشفتها جانباً و دست جسدها الصغير داخل أحضانه و كأنها تختبئ !!!
حاوطها “تيم” بتفهم كبير فهي بفترتها الأخيرة أصبحت هكذا تبكي و حين تراه تندس بأحضانه بصمت تام ليُقدر هو صمتها كعادته معها هو على يقين أنها يصعُب عليها أن تروي قصتها مع ذلك المُدنس أمامه كما فضلت أن تحتفظ بها لنفسها و تشاركها مع “يزيد” طبيبها …..
زفر أنفاسه التى ثقلت عليه و اتجه بها و هى داخل أحضانه الهادئه إلي الفراش يتمدد فوقه و هي لازالت كما هي يربت علي ظهرها و خصلاتها برفق عله يصل شعوره إليها أنه معها يشعر بوجعها الصامت ، لتشدد “أسيف” من ذراعيها حول خصره و تنتقل إلى عالمها الهادئ تناشد الراحه التي فقدتها منذ أشهر و كادت تنعم بها بفترتها الأخيرة لكن كان لموت الجده رأى آخر !!!!!
*
وقف بشرفته و هو يُطلق دخان سيجاره من أنفه و فمه معاً يتنهد بهدوء و هو يطالع شرفتها المغلقه بصمت مُغمضا عينيه يحاول أن يلقي هيئتها المُلطخه بالدماء خارج عقله و تفكيره ، كم هو طامع أنانى !! أيطمع أن تسامحه و تغفر له أشد الزلات و الأخطاء ، إذ كان هو لم ينسَ كيف لها هى أن تعفو و تغفر ، دارت بعقله تلك الكلمات الصغيره التي خرجت من شفتيها أثناء صفعاته لها ذات مره “بكرهك ، مش مسمحاك” كلمات بسيطه تركت أثرها بعقله و لياليه ليعاني الويلات بكوابيسه الليليه و كأنها أقسمت ألا تُذيقه طعم الراحة أبدا ليفني جسده و لتتعفن روحه و يديه تحمل آثار ظلمه و جبروته عليها !!!!!
حبس الدموع بعينيه و هو يستقيم واقفاً و لحظات وقفتها أمامه و كلماتها البسيطه الصغيره تدق بعقله بقوه ، ابتسم علي هيئتها اللطيفه و هى تضبط زي الشجاعه على ملامحها رغم فرارها من أمامه مسرعه لكنها هكذا أفضل من صمتها طوال اليوم و نظراتها المستحقره الصامته أمام الجميع ، كيف لها أن تُعذبه بصمتها عن حديثها ؟!! كيف لها أن تتمسك برداء براءتها الذي حاول عده مرات خلعه عنها و إخراج أسوأ ما فيها لكنها كما هى ، حتي بغضبها كما هي !!!
تنهد بهدوء و هو يزفر أنفاسه بقوه ثم أطفأ سيجارته بهدوء و استقام بوقفته يتجه خارج الجناح بخطوات هادئه متجهاً إلى شقيقته التي ترفض لقاؤه دوماً بالرغم من أخطائها إلا أنه يريد أن تتحسن خاصه و هي تحمل ذاك الجنين البرئ بأحشائها ، لا يمكن أن يأتي و أمه علي تلك الشاكله ، و إلا سوف يُعيد مأساته مره أخرى بجيل جديد !
طرق الباب بلطف يحاول الاعتياد عليه منذ أشهر ، ليستمع إلي صوتها الرافض مقابلته و صرختها الغاضبه كالعاده ، لكن تلك المره لن يتركها لقد بدأت باطنها بالبروز عليه أن يردعها و تتلقي علاجها اجباراً ، و هو تخصص إجبار لتذهب و تسأل تلك البريئة التى لطخها بجبروته المتوارى عن الأنظار ، هل يأتي إلى من تستحق الردع و يقف مكتوف الأيدى يضع لها مبررات واهيه لحالتها اللعينه !!
أدار المقبض و دلف إلى الجناح و أعينه تبحث عنها ليجدها تجلس فوق الأريكة تحدق به بغضب أغمض عينيه و هو يحرك رقبته يميناً و يساراً بحركه مائله يستعيد بعض هدوءه ليحادثها بلين و يواجه فظاظتها المعتادة !!!
جلس علي طرف الكرسي يستند بمرفقيه علي ركبتيه يطالعها بنظرات صامته لحظات لتصرخ به غاضبه :
– أنت جاي تتفرج عليااااا ، اخلص وقول عا..آآ
قاطع سيل فظاظتها حين جذبها بلحظه من ذراعها يطبق علي فمها بيده ناظراً إليها نظرات مشتعله ناريه ، لتتطلع إليه بهلع و هى تُحيط باطنها بحركه دفاعيه منها ، ذكرته بها و بخوفها لكن شقيقته تستحق الخوف لقد طاحت بالجميع و هو على عهده لن يخرج من غرفتها إلا حين يردعها !!!!
تحدث من بين أسنانه و هو ينظر إلي عينيها المرتعبه منه هامساً لها :
هتفضلي كده لأمتي ياندي ! محدش بقا طايق أسلوبك ، فاكره انك كده هترجعي تيم ليكِ !! عمره ما هيرجعلك بالشكل ده …
ألقي كلماته الأخيرة بنبره مؤكده غاضبه قابلتها شقيقته بنظرات استهزائيه و رفعت يدها تُزيح قبضته بغضب ليطاوعها و يفلتها بهدوء لتعود إلي مكانها و هي تقول ببرود ؛:
– متقلقش أنا عارفه ازاي هرجع تيم لمراته و ابنه ..
ثم أحاطت باطنها بابتسامه شيطانيه علي الفور ذكرته بأبيه !!! ضيق عينيه و هو يسألها بهدوء :
– و هترجعيه ازاي ياندي ؟!
وقفت بهدوء و سارت مبتعدة عنه و هى تقول أثناء عبثها بأظافرها :
-ازاي دي تخصني يافهد ! لكن ممكن اقولك مين اللي معطلني لحد دلوقت يمكن تساعدني ..
أدارت جسدها و هى تبتسم برعونه و خبث ليجز على أسنانه بقوة و هو يحاول تكذيب ماتسمعه أذنيه من شقيقته الصُغري و قد فهم علي الفور ماترمي إليه ليعود بجسده واضعاً ساق فوق الأخرى و هو يردف ببرود يعاكس غضبه منها المشتعل بثنايا جسده و عقله و أن يقف الآن و يصفعها عده مرات كعهده السابق علها تعود لرُشدها .. :
– أسيف مش كده !!
اعتلت ثغرها ابتسامه ماكره و عادت إليه تجلس بالقرب منه أعلى الأريكة تردف بلهفه واضحه :
– أنت عاوز ترجعها ليك أنا متأكده و أنا عاوزه تيم معايا تاني و مع ابنه ..
ثم ادمعت عينيها و هى تضع يديها فوق ركبته تستجدى عواطفه مُكمله بترجي تتوسله :
– ارجوك يافهد أنا هموت منغير تيم أنا .. أنا كل يوم بستني يرجعلي .. حتي لما عرف أني حامل مرضيش يرجع معايا و طردني و جري عليهاااا ..
عقد حاجبيه بصدمه من بُغض شقيقته لتصيح به بجنون حين وجدت ملامحه مندهشه لا تُنبئ عن معاونته لها :
– بتبص كده ليييييه ؟!!! ايه الغريب هاااا انا عايزه جوزي انااا اللي فضلت سنين احب فيييه … انا اللي حاولت بكل الطرق لحد ماخليت أخته تساعدني اوصله .. أنا اللى استاهل اكون معاااه مش هيااااااا !!!
وقف “فهد” يجذب ذراعيها بقوة أجبرتها علي الوقوف يصرخ بها بغضب :
– أنتِ بتتكلمي عنها كأنها ضرتك أنتِ اتجننتي يااااندي دي أخته !! فرحااااانه إنك انسانه استغلاليه وقحه استغليتي براءتها !!!
ارتفعت ضحكاتها تحاول التملص من قبضته العنيفه لتصرخ به حين فشلت و هى تُمسك تلابيب قميصه :
– مين اللي بيتكلم عن الاستغلال هاااااا ، محدش فينا أحسن من التاني ياااافهد ، اطلع من الشويتين دول أنت آخر انسان تيجي تحاسبني ، اوعى تكون فاكر علاجك زى المجانين ده حل لااااا ، أنا و أنت عارفين إن أسيف عمرها ما هتسامحك و تنسالك هتفضل ايديك معلمه علي جسمها و في عقلها ، و ده أكبر عقاب ليهااا هي تستاهل ده بس اجدع مني و عارفه تشد أخوها ليها بدمعتين لكن اناااا لاااا ، احنا نسخه من أبونا يااافهد أنا وانتتتت شبه بعض ياااابرو ….
صرخت بكلمتها الأخيرة تستخدم لفظها الأجنبي التحببي بسخرية ليقبض على يديها بقوه صارخاً بها بعنف و هو يلوي ذراعها :
– لاااا احنا مش زى بعض ياااندي ، انا عارف كويس غلطت في ايه و هفضل لآخر نفس فيا مش مسامح نفسى غير لما أسيف تسامحني و علاج المجانين بتاعى أنا فخور بيه أنا فعلا كنت مجنون لما مديت ايدى عليها مكنتش في وعيي و هفضل فخور بانى واجهت نفسي و اتعالجت ، لكن أنتِ ! انتِ كنتِ بتقولي علي أسيف ضعيفه ، أحب اقولك بقى إنها أقوى منك مليووون مره ، اللى شافته على أيدي يموت أقوى راجل ، لكن هي استحملت عاارفه ليه ؟! مش عشانى و لا عشانك ، عشااان أخوها ، عشان عرفت إنها لو استسلمت هأذيه .. أسيف أقوى مني و منك و دافعت عن أخوها منغير ماااتطلع كل القرف اللي احنا طلعناه ، كانت بتحميه منى و أنا اصلا سايبه عشان خاطرك ، أسيف تستاهل إن أخوها يحميها مننا و يضربك بالنار عشانها مش بس يطلقككك ، تعرفي أنا كنت مستغرب تيم رفض يرجعك رغم إنك حامل بس فهمت هو ليه عمل كده فعلااا ، تيم بيتمني الموت لابنه و لا إنه يجي منك أنتِ ياندي مش عاوز ابنه يتربى على إيد واحده كارهه كل الناس حتي أخوها ، أنا اللى مش فاهمه أنتِ ازاااي طلعتي كده رغم إنك اتوفرت ليكِ حياه كامله هنا ، أبوها و امها ربوكِ معاها إيه يخليكِ بالقرف ده مع بنتهم معقوله مصعبتش عليكِ للدرجه دي أنتِ انانيه !!!
اتسعت أعينها مع كلمات أخيها الغاضبه الغير مباليه و صراخه العنيف و مشاعره المختلطه التى قرأتها بأعينه اللاهبه و صرخت به غاضبه متألمه من قبضته و مقلتيها تذرف دموع لا تعرف سببها :
-مصعبتشششش علياااا لااااا و لا هتصعب يااافهد ، هى أبوها و أمها كانوا معاها ربونى شفقه منهم علياااا صحيح ماتوا بعدها و مكملوش لكن حتي جدتى كانت على طول شايفاها ضعيفه و تستحق نصايح و محبه عنى !!! كلهممم حبوهاااا و كلهممم فضلوها علياااا من ساعه السواق ما حاول يعتدي عليها هي رغم إنى كنت على طول معاهاااا طيب تعرف انااا كنت موجوده ساااعتهااا و شوفته و هو بيسحبهااا الاوضه دى وسكتتتت عاارف ليه كنت فاكرااه هيموتهاااا و يخلصني منهاااااااااا !!
صدمته كُبري الآن شقيقته ألعن من أبيه لم يخفى عليه ادعائها الكاذب أنه لا يزورها و لا يهتم بها لقد أبلغته عمته لكن حقدها الدفين تربى معها منذ صغرها على ابنه العم لقد حقدت علي أغرب شيئ عند ابنه عمهاا شيئ فطرى لم تتصنعه ابدااا ” براءتها ” لقد حقدت علي براءه ابنه عمها و تركتها بالمآزق بمحض إرادتها !!!!!!
خرجت الكلمات التلقائيه من فمه بآليه تامه و همس لها بذهول وهو مشدوه :
-انا هتصل بالدكتور الصبح يحجزلك أوضه في المصحه النفسيه بتاعته و هتروحى معايا عشان ألحق اعالجك قبل ماتموتي إبنك بأيديكِ مفيش غيره باقي يتأذي منك !!!!!
غيمه من التشتت غطت عينيها و هى تريد الفتك بتلك الفتاه التي جذبت أخيهااا هى أيضاً لهااا لقد سيطرت على الجميع لقد تحول الجميع عبيد الأسيف تلك !!!!! و تحولت هي إلى مجنونه يزج بها بالمصحه النفسيه !!!!
تركها شقيقها بحرص حتي لايتأذي جنينها و هو يردف بصرامة و قوة مشيراً بإصبعه بتحذير :
-فكري في كلامي لحد الصبح لأنى هنفذ اللي عاوزه المره دي ياندي ، مقدرش اسيبك تضيعي نفسك أكتر من كده !!
خرج صافقا الباب بعنف خلفه لتتحول عينيها إلى اللون القاتم و تجلس أعلي الأريكة بهدوء تهمس :
-مسبتوش ليااا حلول تااني !!!
أمسكت هاتفها تعبث به لحظات ثم رفعته إلي أذنها تقول ببرود :
-هدير ! عاوزه العنوان اللي قولتيلي عليه .. لا هروح بنفسي لازم أاكد علي اللى عاوزاه بنفسي !!!
*
صباح جديد على قصر “آل البراري” صباح يحمل بطياته العديد من المفاجآت و كانت أولهم حين دلف فهد إلى جناح شقيقته بعد وصله طرقات لم تجبيها بالطبع … تجول بالجناح بخطوات واسعه سريعه و لم يعثر عليها !!
اتسعت أعينه .. لا زالت الساعه الثامنه صباحاً !!! أين ذهبت و هى لا تستيقظ من الأساس بذلك التوقيت الباكر !!!
أسرع إلي الأسفل و هو يسأل جميع الخدم عنها و لكن لم يرَها أحد !!
قابلته عمته أثناء سيره نحو الحديقه يعبث بهاتفه و همست له بهدوء و هى توقفه من ذراعه :
– رايح فين ياحبيبي بدري كده ؟!!
ربت على يدها بلطف و هو يقول بإيجاز يريد متابعه طريقه :
– مش رايح مكان ياعمتي ، بدور علي ندي بس !!
عقدت حاجبيها تقول بإندهاش :
– ندي !!! هو مش أنت طلبت منها حاجه ضروري و خرجت تجيبهالك !!
اتسعت أعينه بصدمه يُشير لنفسه باستنكار هامسا لها :
-انا طلبت من ندي حاجه ، لحظه لحظه هي ندي خرجت !!!
أغمض عينيه بغضب يحاول تفسير فعله شقيقته الغريبه ليفتحها بصدمه و هو يُسرع إلي الأعلى مره أخرى و قد ظنها هربت و عمته خلفه تصيح باستنكار تريد فهم ما يحدث للابناء …. بدأ آل القصر بالتجمع علي صوت “فهد” الغاضب الصارخ بالحراسة بهاتفه ، و هو يتابع محاوله الإتصال بشقيقته التى فرت و أغلقت هاتفها تاركه ثيابها كما هي !!!!
وقفت “أسيف” تفرك عينيها تُزيل أثر النعاس تحاول استيعاب ما يحدث و دلف “نائل” يهتف بضيق و نبره متحشرجه بحادث ابنه عمه :
– في ايه علي الصبح هو القصر ده ما بيهمدش ابدااا ، ربنا ياخدكم !!
اتسعت أعين “أسيف” من حديثه المتذمر و لكزته تهتف بهدوء و قد بدأت تفيق :
– بس خلينا نفهم ايه اللي حصل !!
همس لها و هو يميل علي أذنها و أعينه تتفقد الوضع من حوله :
– هيكون إيه يعني كارثه زي كل يوم ، أنا مبقتش اندهش من القصر ده بصراحه !!
صمتا حين آتاهم صوت “فهد” الصارخ الغاضب بالهاتف :
– مش فااااهم قافله الزفتتت ده لييييه !!
اتجه إليه عمه يردف بهدوء :
– اهدي يابني وفهمنا إيه خلاها تعمل كده أنت كلمتها بليل ؟!
صمت “فهد” و هو يجذب خصلاته بعنف جازاً علي أسنانه بغضب و هو يتذكر محادثته لها التى من الواضح انها أتت بأثر عكسى !!!!!!!
*
ترجلت “ندي” من سيارتها و هي تعبث بهاتفها و فتحته أخيراً تبتسم ببرود و هى تطلب رقم صديقتها التى اجابتها علي الفور لتضحك ندي هامسه لها :
-متبقيش جبانه كده أنا وصلت اصلا قوليلي بقي البيت رقم كام عشان نسيت و المكان هنا مقرف الأرقام مش باينه حتي !!!
استمعت “ندي” لردها و هى تدور بعينيها باحتقار علي تلك البيوت الصغيره حيث بدا معظمها علي وشك السقوط و تلك العربات التي ارتصت بعشوائية مبالغ بها بكل ضاحيه ، نظرات الاشمئزاز دفعت تلك النسوه التي وقفن بركن بعيد نسبياً تتفقدن بأعينهن تلك الفاتنه ذات الملابس الراقيه و الفاضحه نسبه إليهن تدور بجسدها بخيلاء واحتقار واضح و خطوات حذره بحارتهن لتقول إحداهن بفضول ولمعه طامعه داخل عينيها :
-ايوووه .. البت دي شكلها نضيفه اوووي و مش وش حواري ما تجيوا نشوف عاوزه ايه يمكن نساعدها و نطلع بقرشين حلوين !!
رفعت إحداهن حاجبيها تهتف بسخط :
– نساعد مين ، أنتِ مش شايفه ياختي بصااتها دي أنا لو روحتلها هطلع شعرها في ايديا ولاد ال ×××× اللي معاهم قرشين و مش شايفيناا منهم !!!!
ابتسمت الثالثه تردف بهدوء :
بقولكم اييه احنا نروح يمكن نطلع بقرشين فعلاا ، مطلعناش احنا مخسرنااش !!!!
وافقتها الأخرتين الرأي و اتجهن إلي “ندي” التي طالعت يد المرأة باشمئزاز حين امتدت إلى كتفها تقول لها بجمود :
– أومري ياابله عاوزه ايه واحنا ندلك !!!
نظرت لها “ندى” باحتقار ودفعت يدها عنها بعنف تردف بغضب :
-اوعي ايدك دي ، و أنتِ مالك كان حد طلب مساعدتك ، خدي بعضك أنتِ و البتاعتين دول و ابعدوا عن وشي !!
اتسعت أعين السيدات الشعبيات من حديثها العنيف و كلماتها الفظه و صرخت احداهن بها و هى تطلق عدد لا مهول من الشتائم القذره لتتسع أعين “ندي” من تلك النعوت و تصرخ بها بغضب :
– أنتِ ازاي تقوليلي كده ياجربوعه أنتِ ، أنتِ عارفه بتكلمي ميييين !!!!
استفزتهن برعونتها لتبدأ السيده التي كانت تدفع صديقتها و تحجز بينهن بالغضب عليها و التفتت لها تصيح بها :
– تصدقي إنك بت قليله ربااايه ، امشي غوري من المكان دي بدل ما ندفنوكي هناااا و متطلعش عليكي شمسس !!
استمعت “ندى” إلي صراخ صديقتها التى لازالت على الهاتف تقول :
-ندي لمي الموضوع و ارجعي بسرعه ارجوكِ !!
صرخت “ندي” بغضب :
– الم إيه و أنا هخاف من شويه الجرابيع دول أنا مش همشب قبل مااخد اللي أنا عاوزااه !!!
صرخت “ندى” بعنف حين امتدت أيدي إحدى النسوه لهاا تجذب خصلاتها بعنف ضاري و الأخرى تكيل لها الصفعات المُهينه و الضرباات الغاضبه و الثالثه هبطت علي جسدها الصغير بثقلها تدفعها أرضاً و هي تكيل لها السُباب اللاذع و الإهانات المفرطه و صرخات “ندي” المستغيثه تدوى بالاجواء بين الأهالى التي تابعت ما يحدث بصمت مُخزٍ كعادتهم لم تهرع واحده لاغاثتها لتتساقط الدموع من عينيها و لم يأتي أمامها سوي صوره “أسيف” و هى تستغيث بها بضعف لتردها بجحود و مع دمعاتها السائله شعرت بسيل دافئ بين ساقيها لتُدرك أنها فقدت جنينها و فقدت معه وعيها مستسلمه لأول مره بحياتها ، إلى تلك الأيدى التي استباحت جسدها و اهانتها أشد اهانه …
“إلا الإهانات الجسديه ، تعلق بالأذهان ولا تُنسى” و كان الجزاء من جنس العمل يااااساده …
رواية حصونه المهلكة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شيماء الجندي
اجتماع “آل البراري” بعد تلك الليلة المشؤومة كان مستحيلاً، لكن اختفاء الحفيدة المفاجئ جعله أمراً ضرورياً. وقفت “أسيف” بجانب “نائل” يتطلعان إلى باقي الأفراد أثناء محاولاتهم الفاشلة بالوصول لأحد من أصدقاء الابنة الشاردة عن قصرهم المنيف.
عقدت “أسيف” ذراعيها أسفل صدرها وهي تراقبهم بتوتر طفيف، حيث بدأ “تيم” أيضاً بالغضب حين استمع إلى كلمات “فهد” المقتضبة وعرضه على شقيقته نقلها إلى مصحة الأمراض العقلية. صاح بنفاذ صبر مع نفاذ محاولاتهم:
– ما هو مفيش حد في الدنيا يقول لأخته هرميكِ في مصحة أبداً، طبيعي تطفش منك، أنت إنسان لا تُحتمل.
أغمض “فهد” عينيه بقوة وفتحها عدة مرات يحاول كبح جماح غضبه وهو يدس يديه في خصلاته قائلاً بصوت رزين:
– أنا عارف قلت إيه كويس، أنت ما كنتش معانا وما تقدرش تحكم على حالتها، وبعدين مين قال إني كنت هرميها ها!
كاد “تيم” أن يجيبه، لكن ارتفاع صوت هاتف “أسيف” أخافهم جميعاً. نظرت إلى الشاشة لحظات دون إجابة، ليتصاعد صوت “سمر” بلهفة متسائلة:
– رقم غريب؟ ردي يا أسيف!
هزت رأسها بالسلب وهي تقول بهدوء:
– لا يا عمتو، دي واحدة صاحبتي من زمان، هرد عليها بعدين.
اتسعت عيناها حين وجدته على بعد بوصات صغيرة منها يسألها بنبرة قلقة:
– صاحبتك دي تعرف ندى برضو؟
اقترب “تيم” بدوره والباقي يتبعونه ينظرون إليها بتلهف، وهي تحاول إزاحة مقلتيها عنه بشتى الطرق، ثم ارتدت خطوة إلى الخلف برفض واضح لاقترابه الوشيك منها وهمست بصوت مسموع وقد بدأ الهاتف يصدر صوته مرة أخرى:
– آه، إحنا نعرفها من النادي أصلًا.
اتسعت عيناه يردف بصرامة:
– ومستنية إيه؟ ردي عليها جايز تعرف حاجة، دي تاني مرة تتصل.
رفعت إحدى حاجبيها ثم حدقت به بنظرات غاضبة وصاحت به:
– ما تكلمنيش كده، أنا هرد فعلًا عشان أساعد مش أكتر ولا أقل، رغم إنكم ما تستاهلوش مساعدات.
لم تتزحزح عيناه القاتمة عن عينيها الغاضبة المتحدية له، والتي امتلأت أيضًا بنظرات اعتاد عليها منذ أمس، الكراهية والبغضاء والاحتقار. لقد أصبحت عيناها لهيبة تموج بمشاعر النفور تجاهه بعد أن كانت تتسم بالبراءة. ابتسم بسخرية وهو يعلم دوره جيدًا بتغيرها، إنه هو قاتل تلك البراءة، فما العجب الآن؟ فتح عينيه مرة أخرى على صوتها المتعجب تقول باندهاش:
– هدير، أنا مش فاهمة حاجة، بطلي عياط، صوتك مش واضح.
اتسعت أعين الجميع بقلق، وبدأت لغة الإشارة بين الأخت وشقيقها يطالبها أن تفتح المكبر إن كان الأمر يخصهم، وقد كان!
***
لا تعلم العائلة كيف وصلت إلى تلك المشفاة الصغيرة بذلك المكان الشعبي، لكن ما علمه ساكنو الحي أنه بالتأكيد حدث عظيم ليزورهم أشراف الإسكندرية ذوي الطبقات المرموقة بيوم واحد.
أما داخل تلك المشفاة، نجحت عائلة “البراري” بجذب الأنظار ولفت الانتباه من تلك الطبقة. ألا وقد علا القلق والتوتر أوجه الحاضرين، خاصة “فهد” و”تيم”. جاورت العمة ابن أخيها، تربت على كتفه، وقامت “أسيف” بنفس الدور مع شقيقها تحاول تهدئته، بينما العم وابنه يقفان بالقرب يراقبان الأجواء بصمت تام.
تصاعد صوت “فهد” الغاضب وهو يمسك بأحد الممرضين من ذراعه أثناء عبوره مسرعاً من أمامه، وصاح بعنف أجفل الجميع:
– إيه الحكاية؟ حد يفهمني، بتعملوا إيه في أختي جوه؟ كل ده؟
صاح الشاب به بغضب هو الآخر يقول بنبرة مسترجلة خشنة:
– بقولك إيه، أنا مش فاضيلك، شغل الهمج ده ما بياكلش معانا، بنشوفه كل يوم.
لم يعلم المسكين مدى سوء ذلك الهمجي، ولكن على الأغلب فهم قليلاً حين طاحت قبضة “فهد” بأنفه وكادت تتسبب بكسره وهو يصرخ بغضب:
– مين دا اللي همج يا…، ده أنا هطلع… وأقفلك الخرابة دي النهارده؟
أسرع “نائل” إلى الفتى يسنده ويحاول إقصائه عن أنظار “فهد”. أما “تيم” لأول مرة يساند ابن عمه، دفعه للخلف يحاول السيطرة على حركاته الغاضبة وهو يهدر بعنف:
– مينفعش كده يا فهد، اللي بتعمله ده مش هيخرجها من جوه.
ثم مال على أذنه يهمس:
– هي تحت إيديهم ومنعرفش حالتها، اهدى!
لم تهدأ أنفاس ذلك الفهد أو نظراته القاسية إلا حين قبض على نظراتها المشمئزة منه، ثم أشاحتها بوجهها عنه. لا يعلم متى هدأت أنفاسه، بل وتوتر أيضاً وكأنها أمه وهو طفلها الذي فعل الخطأ لتستنكر فعلته. اندهش “نائل” من ثورته التي خمدت على الفور، ولمح اتجاه نظراته إلى ابنة العم التي تنظر إلى الجهة الأخرى وتتبدل بوقفتها على ساقيها بغضب واضح. ليترك الفتى بعد أن صرفه وأرضاه ببعض المال وبضعة كلمات، واتجه إليها يجاورها ويهمس لها بعبث:
– تصدقي شكلي هحتاجك بعد كده لما أعصب صاحبنا.
اعتدلت تنظر له باندهاش، ليشير بعينيه إلى “فهد” الذي يسير بالردهة الصغيرة بغضب واضح. لم تستطع “أسيف” فهم كلماته، إذ خرج أخيرًا الطبيب وأسرع الجميع إليه ليقول بنبرة عملية فاترة وهو يتأمل هيئتهم ذات الثراء الفاحش بتعجب لتواجدهم بذاك المكان:
– إحنا سيطرنا على النزيف بصعوبة، ونصيحة مني تنقلوها من هنا، الرعاية الصحية هنا مش عالية لدرجة، وغرف العناية كلها مشغولة.
قاطعه “تيم” بنفاذ صبر:
– إحنا فعلًا طلبنا إسعاف مستشفى خاص ينقلها من هنا، تقدر تطمني على الجنين؟
عقد الطبيب حاجبيه وهو يحدثه باندهاش مستنكراً:
– يا أستاذ، جنين إيه؟ الجنين أكيد اتوفى، وما كناش قادرين نوقف نزيف الأم لأنها كانت في شهرها الرابع، وكان خطر جامد على حياتها، ولسه محتاجة رعاية خاصة خصوصًا بسبب باقي الكسور والكدمات اللي في جسمها.
راقبت “أسيف” ملامح أخيها الشاحبة بحزن بالغ، حتى وإن كان جنينًا لم يره، لكنه ابنه. رفعت يديها وأحاطت ذراعه تجذبه تتشبث به وهي تربت على ظهره، ودموعها بدأت تتجمع داخل مقلتيها. إنه شعور سيء للغاية، رغم ما فعلته ابنة العم معها، لكنها كانت تحمل طفل أخيها بأحشائها وفقدته بأبشع الطرق غير الآدمية. ويبقى سؤال واحد، كيف وصلت إلى تلك الحالة؟ فلم تعطهم تلك المشفاة الصغيرة سوى معلومات ضئيلة، وأن أبناء الحي نقلوا تلك الفتاة إلى هنا فقط!
جلس “تيم” بصمت أعلى الكرسي الصغير وجاورته “أسيف” تلف ذراعيها حول كتفيه، ويدها ترتفع لتسير برفق على خصلاته. قد أصابه الجمود، لا يعلم الخطأ من الصواب الآن، لا يعلم سوى أن طفله قد وافته المنية قبل أن يتمكن من رؤيته.
أكمل “فهد” الحديث المقتضب مع الطبيب ثم انصرف الآخر يباشر أعماله، وسلط “فهد” نظراته عليها يتابع ببرموديته حركاتها الهادئة اللطيفة، ويديها التي تتبدل على خصلات شقيقها، وخدها الذي تسنده فوق رأسه أحيانًا، وتعتدل أحيانًا أخرى، تدس شفتيها الجميلتين بين خصلاته. لقد نجحت بتشتيت جميع أفكاره وكأنها ألقت بلعنة عليه وعلى شقيقته. ليبتسم داخله بسخرية هامساً:
– دعواتك استجابت يا أسيف!
ليستمع إلى همس عمته الباكية وهي تربت على كتفه:
– دي مش دعوات أسيف يا فهد، اللي عملته في البنت اترد في أختك يا بني، هي كده ربنا قسمها كده، وإحنا اللي بننسى، ده أنت تُدان يا بني!
خرقت كلمات عمته أذنيه وتردد صداها داخل ثنايا عقله، وهو يغمض عينيه ويفتحها يراقبها هي فقط، وهو عاجز عن التفكير بالقادم. ثم اتجه إلى حيث ترقد شقيقته يتفقد تلك الأسرة بعينيه حتى وصل إليها، جسد هامد فوق فراش صغير. وقف يطل عليها بجسده الضخم نسبياً، يحدق بتلك الكدمات التي انتشرت على أنحاء متفرقة من جسدها، والخدوش أعلى رقبتها وما ظهر من كتفيها. لم يتخيل أن يرى شقيقته الصغيرة بتلك الهيئة أبدًا!
هبطت دمعات خائنة من عينيه، ثم هبط بشفتيه يقبل عينيها المغلقة بهدوء، وهو يربت على خصلاتها برفق. لحظات وكان الرجال المسعفون خلفه بجانب ابن عمه ليتم نقلها إلى مشفى آخر.
***
وقف “يزيد” خارج الغرفة بالمشفى الخاص ينتظر عودة “أسيف” التي لازمت شقيقها لإحضار مشروبات ساخنة للجميع. فقد كان حادث غريب، واهتم به العم والجد بالتواصل مع الجهات المختصة، وكان الأمر مجهولاً لعدم معرفة سبب تواجد الابنة هناك، وأنها لم تفق من تأثير المخدر لتجيب على أسئلتهم.
نادت “أسيف” بصوت واضح على “يزيد” وقد اعتلى ثغرها ابتسامة صغيرة، ليعتدل الآخر بوقفته ويبادلها الابتسامات. اندهش الجد والعم والعمة من علاقتهما، وهم على يقين أن “أسيف” يصعب عليها تذكره.
وقفت “أسيف” على مقربة منه بزاوية بعيدة نسبياً تقص عليه أحداثاً مختصرة، وقد وقف كلاً من “تيم” و”نائل” يتناقشان سوياً، وغاب عنهم “فهد” بقسم المالية.
تنهدت “أسيف” وهي تزيح خصلاتها وتردف بحزن:
– أنا بجد زعلت عليها يا يزيد، وحاسة إن مفيش أي تغيير كده، المفروض ما أزعلش بعد اللي عملته. أنا أيوه مش موضحة ده، بس حقيقي مش مستحملة منظرها. وتيم كمان ابنه مات قبل ما يشوفه، ومش عارفة أهون عليه. أنا لسه محتاجة علاج صح.
ابتسم “يزيد” إليها بعد أن تأمل حديثها اللطيف البريء وأردف بهدوء وصوت أجش:
– ده اللي اتفقنا عليه يا أسيف. إحنا مش قولنا خلاص مرحلة العلاج خلصت؟ وبعدين أنتِ ما كنتيش مريضة، أنتِ كنتِ محتاجة هدوء وسلام نفسي، واتوفر لك فترة محددة عشان تقدري تمارسي حياتك عادي. أما فكرة زعلك على ندى، دي لو ما حصلتش أنا اللي هقلق وأقول إنك اتغيرتي للأسوأ. أسيف أنتِ قوية، وكل الحكاية إنك كنتِ بتظهري زعلك وتعاطفك دايماً معاها، ومشاعرك مكشوفة. لكن بعد علاجك زي ما بتقولي بقيتي عارفة إمتى تظهري مشاعرك وإمتى تخفيها وتداريها، وده الصح. أنا كده مطمن عليكِ. قوليلي بقى ناوية تعملي إيه مع تيم؟ أظن هو اللي محتاجك دلوقتي.
ابتسمت ممتنة لكلماته التي هدأت من روعها كأنها بلسم يُلطف الجروح، ثم نظرت ناحية أخيها الواقف بعيداً نسبياً يتحدث إلى ابن عمها بهدوء، واعتدلت تواجه “يزيد” المراقب لها بصمت هامسة:
– مش عارفة بجد يا يزيد، لكن أكيد هيبقى كل تركيزي معاه. تيم بالنسبالي كل حاجة، وما أقدرش أشوفه زعلان. أنت عارف، لكن المشكلة إنه بيداري زعله مني أنا كمان.
حدق بها بشرود وصمت وهو يبتسم لها، ثم عقد ذراعيه أمام صدره وقال بهدوء:
– أقولك سر!
فتحت عينيها الجميلتين على مصرعيهما تحدق به بحماس لطيف وابتسامة جميلة شغوفة لأسلوبه اللطيف، وهزت رأسها بالإيجاب على الفور، ليضحك برزانته المعتادة ويقول بلطف وهو يحمحم:
– أنا مبسوط إنك مفقدتيش براءتك يا أسيف. كنت خايف تتغيري، بس خليكِ كده جميلة على طول.
توترت ملامحها وعضت على شفتيها بخجل طفيف واشتعلت وجنتيها، وهي تنكس رأسها بهدوء. و”يزيد” يتابع توترها اللطيف المحبب إليه بهدوء وشغف تام. وصل الفهد لتوه، والتقطت عينيه ذلك المشهد فور أن اقترب منهما ورأى هيئتها الخجلة التي يعرفها جيداً، وذلك الرجل غير متبين الملامح يقف قبالتها يحدق بها وعيناه تكاد تأكلها!
توترت أنفاسه وجز على أسنانه بغضب لا يعلم ماهيته، لكن ما يعلمه جيداً أن “أسيف” تغيرت كثيراً منذ أمس، وهو مذهول من تحولها الغريب، لكنها الآن تعلن عن الأسباب وشقيقها يقف بعيداً تاركاً إياها تفعل ما يحلو لها!
طارت محاولاته اللطيفة أدراج الرياح، وفي خطوتين كان أمامها يجاور ذاك الغريب عليه نسبياً، ينظر لها بغضب ونظرات لائمه!
رفعت رأسها حين لمحته وكادت تنصرف عنه باشمئزاز هي وضيفها، لكن لفت انتباهها عيناه الحمراء من شدة البكاء. لقد رأت تلك الهيئة مراراً حين كان يواجه كابوساً ما، لكن لما ينظر إليها بلوم وعتاب؟
ضيقت عينيها مندهشة من نظراته الغريبة وكأنها هي من أخطأت بحقه. عرفه يزيد على الفور وابتسم بتهذيب يمد يده إليه بدعوة تصافح وهو يقول بنبرة مواسية:
– ألف سلامة على ندى، ربنا يشفيها.
رفع “فهد” إحدى حاجبيه وهو ينظر إليه باستنكار لأسلوبه التحببي وكأنه أحد أفراد العائلة. لتنظر “أسيف” إليه ثم إلى يد “يزيد” الممتدة في الهواء، وتعض على شفتيها. تتلفت برأسها تبحث عن نجدتها، وها هي قد أتت بصورة ابن عمها اللطيف يحدق بهم وأردف بابتسامة مزيفة لابن عمه:
– يزيد صاحبي من زمان، وعيلته وعيلتنا صحاب جداً من زمان يا فهد، وكمان يبقى دكتور أسيف.
عقد “فهد” حاجبيه بغضب، وأخيراً مد يده وهو يصافحه ضاغطاً بغضب على أصابعه وقال بهدوء زائف:
– دكتور أسيف إزاي يعني؟
أخيراً خرج صوتها الحانق الغاضب تقول وقد شعرت بسخافة تواجده بينهما:
– إيه هو اللي إزاي؟ مشوفتش قبل كده أخصائي نفسي؟
أغضبته نبرتها الحانقة عليه أمام الأعين الغريبة والفضولية، وحدق بها بغضب لتبادله بتحدٍ سافر لم يعتاده منها. شعر كأنها تستمد قوتها من ذلك الغريب الأخرق. لا يعلم لما تصاعدت النيران بصدره بغضب وشعر كأنه يرى بأم عينيه عائق مسامحتها له وغفرانها، ليغمض عينيه قاطعاً تواصلها البصري وتنهد قائلاً بلطف:
– لا شوفت يا أسيف.
خرجت كلماتها تلقائياً بلا شعور تقول بغضب:
– قلت لك ما تقولش اسمي تاني، إنت إيه أصلًا اللي موقفك هنا؟
اتسعت أعين “نائل” وتطلع “فهد” إليها بغضب لإهانتها له. ما تلك الطريقة التي تحادثه أمام ذلك الرجل الذي أدار وجهه بعيداً بحرج وتظاهر بالعبث بهاتفه. عجز “فهد” عن الرد وظل يحدق بها بصدمة. شعرت بتوتر طفيف حين لكزها “نائل” بخفة، لكن ماذا تفعل؟ رؤيته تشعرها بالنفور والغضب والكراهية، مشاعر سيئة مختلطة لا تريد أن تراه أبداً!
وصلت مشاعرها إليه ليهز رأسه بالإيجاب ضاماً شفتيه بغضب وهو يشد على قبضته بقوة وقد برزت عروق رقبته من شدة غضبه، ثم سحب جسده بغضب بعيداً عنهم وهو يحدق بذلك الرجل بعداء غريب وكراهية، ليرافقه “نائل” وهو يقول لتلطيف الأجواء وقد شعر بالحرج لابن عمه الذي لأول مرة يصمت هكذا:
– الدكتور كان لسه بيقول إن ندى معاها شوية وتفوق، تعالى شوف تيم بقى هو اللي فهم منه كل حاجة.
ثم ربت على كتفها يبتسم إلى “يزيد” بهدوء وهو يقول:
– بعد إذنكم.
هز “يزيد” رأسه بهدوء وهو ينظر إلى “أسيف” التي تبدلت حالتها للحزن والغضب هامساً لها يلفت انتباهها مرة أخرى:
– عرفتوا ندى كانت بتعمل إيه في المكان ده؟
انتبهت له بعد أن كانت تحدق بأثرهم بصمت وقالت بهدوء:
– لا، هدير حلفت إنها متعرفش حاجة غير إنها كانت واخدة عنوان واحدة هناك ورايحة تقابلها، ومش راضية. بس أنا حاسة هدير تعرف أكتر من كده لأنها رفضت تقولي العنوان وقالت معرفش. بس لما كانت بتعيط قالت إن ندى صرخت وهي متصلة بيها تقولها العنوان.
هز رأسه بتفهم وهو يبتسم لها بهدوء ويقول:
– دلوقتي تفوق والتحقيقات تظهر كل ده. أنتِ زي ما اتفقنا ركزي مع تيم، وأنا هبقى على تواصل معاكِ على طول.
هزت رأسها وعادت الابتسامة إليها من جديد بشكل تدريجي.
على الجانب الآخر، وقف “فهد” وعيناه تراقبهم بغضب ناري يكاد ينقض عليهم ويفترسهم، وإحدى قبضتيه تطرق الحائط بوتيرة غاضبة. فلم يعد لديه قوة التحكم بنظراته الواضحة ناحيتهم والتي لاحظها الجميع.
نظر “تيم” حيث يحدق “فهد” بغضب ليعقد حاجبيه من تجاوز الحد اللازم لفترة الأحاديث بين شقيقته وطبيبها الذي أتى بشكل مفاجئ فور أن علم بتواجدهم هنا. استقام “تيم” بوقفته واتجه ناحيتهم بهدوء وأردف فور أن وصل إليهم:
– أسيف عمتو عاوزاكِ يا حبيبتي.
ابتسمت له بهدوء وانصرفت إلى عمتها. ليتابعها “تيم” ثم يردف فور انصرافها وهو يحدق بـ “يزيد” بنظرات غاضبة:
– شوف يا يزيد، أنت صاحبي ومافيش زعل بينا، وأنا وعدتك إني مش هتدخل في علاجك لأسيف، لكن أظن فترة العلاج خلصت وأسيف مطلقة، ومعنديش استعداد أسمع أي كلمة تسيء ليها، وأنت مش هيرضيك ده أظن. أنا وأنت عارفين مدى براءة أسيف، وإنها بدأت تستوعب الناس حوالينا بالعافية، وأكيد مش هتفهم مني اللي انت فهمته دلوقتي، مش كده؟
نكس “يزيد” رأسه بهدوء ثم ضغط على شفتيه يفكر لحظات قبل أن يقول بنبرة هادئة:
– كده يا تيم، وعندك حق. أنا فعلاً خلصت علاجي مع أسيف، وكنت محتاج أتكلم معاك في ده، بس حصل موضوع وفاة جدتكم وحادثة ندى، وملحقتش. أنا عارف إنه مش مكانه ولا وقته، بس أنا مش حابب تشوفني بصورة مش تمام، ومش ممكن أقبل أي كلام على أسيف. أنا عاوز أطلب إيد أسيف منك. أنا مشدود ليها بشكل مش طبيعي ولدرجة غريبة.
اتسعت عينا “تيم” وكاد يجيبه، لكن رفع “يزيد” يديه أمامه يقول مسرعاً:
– أنا عارف إنه مش وقته، بس حبيت أوضح نيتي وإنها خير، مش قصدي حاجة. وعلى العموم أنا همشي دلوقتي وهجدد طلبي في وقت مناسب للكل. بعد إذنك، وشد حيلك.
ربت على كتفيه بقوة طفيفة ثم ولى متجهاً إلى طريقه دون إضافة كلمة أخرى.
حدق “تيم” في أثره بذهول وهو لا يقوى على الحديث. لقد تعددت صدماته اليوم، هل يطلب طبيب شقيقته يدها! اتجهت أنظاره إلى “أسيف” المقبلة عليه بابتسامة هادئة تعقد حاجبيها بلطف قائلة بتساؤل:
– هو يزيد مشي؟
هز رأسه بالإيجاب وهو يحيط كتفيها عائداً بها إلى مجلس العائلة بصمت تام ووجه مشدوه، أدهش “أسيف” وأقلق ذاك المتابع بصمت منذ بداية حديثه مع يزيد، لا يعلم لما ينتابه شعور القلق الآن تحديداً!
***
مرت الساعات بصعوبة على الجميع، وأخيراً أفاقت “ندى” وهي لا تفعل شيئاً سوى البكاء بأحضان أخيها رافضة الحديث مع الجميع، إلا حين دلفت “أسيف”. اتجهت أنظارها إليها وحدقت بها بصمت دام لدقائق أقلق الجميع، ثم خرجت من أحضان أخيها تحاول الخروج من الفراش، والجميع يترقب حركتها. اتجه “تيم” إلى شقيقته يحيط كتفيها وهو يحدق بتلك الطائشة التي تحاول أن تتسند وتصل إليهم، وأخيراً وصلت إلى ابنة عمها، وفجأة أمسكت طرف سترة “أسيف” تصرخ بها:
– ربنا جابلك حقككككك! ابني ماااات يااااأسيف! كنت راااايحة عشان أخلص منككككك بس ابني رااااح فيهاااا! أنا مستاااااهلش ده يااااأسيف! أنا حبيت اخوووكي وكنت هجيب بيبي منه بس ملحقتتتتتتتش!
اتجه “فهد” مسرعاً ناحيتها يرفع جسدها المتشنج عن الأرضية وهو يحيط خصرها يبعدها عن “أسيف” المذهولة. هل كانت تحاول قتلها! كانت هناك لتتخلص منها!
اتسعت أعين الجميع مع ذلك الاعتراف، وظلت صرخات “ندى” تتعالى وهي تنتفض وجسدها يتشنج لتردف أثناء مقاومة أخيها بجنون:
– رجعولي ابنييييي! أنااااا عاوزه ابنييييي! حراااام ياخد حقها من طفللللل! حراااام! اختككككك قتلتتتت ابنك ياااا تيم! سامحيني يا أسييييف وارجعيه ارجووووكِ!
اندفع الفريق الطبي إلى الغرفة، وبعد عدة محاولات بالسيطرة عليها نجح الطبيب أخيراً بحقنها بالمخدر لتهدأ تدريجياً بأحضان أخيها وهي تستقبل تلك السحابة السوداء برحابة صدر متمنية أن تكون آخر لحظاتها بالحياة، لعلها تريح الجميع!
جميعنا نفعل الأخطاء، لكن هناك فرق بين من يفعلها برضا تام ومن يفعلها دون دراية أو شعور. فالأول فقد جميع فرصه بالنجاة، أما الآخر فباب التوبة لم يُغلق بعد. ظنت “ندى” أنها سوف تفلت من الحكمة الإلهية وعدالة السماء، وكانت صفعة القدر لها أقوى رادع. فطرة خلقنا الله عليها، نُخطئ ونُصيب، ولكن العفو دوماً لمن يُخطئ ثم يتوب. حتى توبتنا تحتاج إلى قوة لم تملكها تلك الضعيفة.
رواية حصونه المهلكة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شيماء الجندي
وقف أمام باب جناحها منذ أكثر من عشر دقائق. كلما هم بطرق الباب تراجع. مرت لحظات ليحزم أمره ويرفع يده يطرقه بتهذيب. وقف يتنفس بتمهل منتظرًا إجابتها وهو ينظر بساعته متحرجًا من هذا الوقت الباكر.
انفتح الباب وهي تفرك عينيها الناعسة وتهمس بحنق وصوت متحشرج يحمل آثار نومها:
"لسه بدري يا تيم على المقابلة، احفظ المواعيد بقى."
لم تتلق إجابة لتفتح عينيها جيدًا وتتطلع إليه بأعين متسعة، ثم إلى اتجاه عينيه على جسدها الفاتن بتلك المنامة الوردية غير المهندمة بالمرة.
صفعت الباب مسرعة بوجهه ليكتم ضحكاته بصعوبة، وطرق الباب مرة أخرى برفق قائلاً بصوت رخيم متعقل بعد أن تحكم بنبرته بصعوبة حتى لا يحمل أثر ضحكته المكتومة:
"أنا كنت جاي أتكلم معاكِ في حاجة ضرورية، تخص ندى؟"
قال باقي جملته بصوت خفيض بعض الشيء، فهو على علم بمدى بغضها له ولشقيقتها التي خضعت للعلاج النفسي منذ أكثر من شهر، وهو يتابعها ويبات معها أحيانًا بالمشفى بعد أن رفضت العودة إلى القصر وأصرت على مكوثها هناك وحدها.
فتحت الباب وأمارات الغضب ترتسم ببراعة على وجهها الصغير لتعقد حاجبيها وتردف بنبرة لاذعة بعد أن تمكنت من ضبط هيئة ملابسها وإخفاء جسدها جيدًا:
"تخص ندى؟ حاجة معايا أنااا؟ وتخص أختك؟ مفيش أي كلام بيني وبينك لا عنها ولا عن غيرها، ولا انتوا الاتنين تهموني أصلًا!"
كادت تصفع الباب مرة أخرى بعد أن أفضت ما في جعبتها من كره وبغض بوجهه كعادتها معه حين تتلقى أقل كلمات منه. رفع يده وأمسك الباب وهو يقول بهدوء مانعًا إغلاقها إياه:
"أنا عارف كل ده يا أسيف، بس الدكتور هو اللي طلب..."
قطعت كلماته تصرخ به بعنف أدهشه وأجفله:
"قولتلك متقولش اسمي على لسااانك ميت مرة!"
أشعلت فتيل غضبه ونفد صبره من تلك الكلمات التي حفظها، وطرق بقبضته أعلى الباب بعنف. فشل أن يتحكم به صارخًا بها بصوت صارم:
"عااايزاااني أقولك ايييه يعني؟ مش ده اسمك؟"
انتفضت من فعلته وحدقت به بأعين قلقة حين بدأ يستخدم قوته الجسمانية معها، وخرجت من الجناح تقف بالردهة أمامه بحركة استعدادية للاستغاثة. فهم على الفور مدى خوفها ليشعر بمدى خسّته حين امتدت يده إليها بسوء، لا يكفيه شعوره القاتل بالذنب والندم لتأتي وتُكمل عليه بأقل إيماءة منها.
عاد خطوة للخلف ثم قال محاولًا استحضار هدوء معها:
"طيب أنا جاي وعاوز مساعدة منك في علاج ندى."
ضيقت عينيها تطالعه بغضب ليُكمل وهو يفرك خصلاته وقد بدأ شعور القلق ينتابه حيال رفضها:
"أنا عارف إنك بتكرهينا ومش طايقانا، بس أنتِ مش زينا يااا... يا بنت عمي!"
تعمد أن يتلاشى ذكر اسمها حتى لا يثير حنقها ويذكرها بصلة القرابة بينهم علها ترأف بشقيقته. نظرت إليه لحظات بملامح جامدة ثم دارت بعينيها باتجاهات مختلفة وحمحمت بتوتر طفيف وقد تغلبت براءتها على حنقها وهمست:
"مساعدة من أي نوع يعني؟"
تحكم بابتسامته لبراءتها الجميلة بصعوبة وأردف وهو يتنهد بهدوء:
"الدكتور عاوز يتكلم معاكِ شوية عشان يعرف تفاصيل عنها أكتر لأنها مش مستجيبة لأي تواصل."
عضت على شفتيها وأردفت بحزن وهي تُزيح خصلاتها المبعثرة بإهمال خلف أذنها:
"شهر كامل ولسه ما اتكلمتش معاكم! طيب وأنا أقدر أساعده في إيه؟ أنا آخر واحدة ممكن تعرف ندى..."
فهم كلماتها الحزينة على الفور وأردف باعتذار وهو يفرك خصلاته:
"أنا كنت متردد جدًا أجلك، ولحد دلوقتي حاسس إني مليش حق أطلب منك ده. دكتور ندى قالي إنه هيسألك شوية أسئلة مش أكتر، وإنك آخر أمل لينا لأنك كنتِ قريبة منها وعارفة طفولتها عني. أنا... أنا مليش حق أطلب أي حاجة منك، بس أنتِ آخر أمل ليا في علاج أختي. هستني تحت لو هتوافقي تقدمي مساعدة لينا طبعًا."
ثم ولي عنها بهدوء تاركًا إياها بصراعها الحاد مع نفسها. قد عاهدت نفسها أن تطوي صفحتهم إلى الأبد، تحاول أن تتجنبهم، تحاول أن تبدأ من جديد حياة سوية كما عاهدت شقيقها و"يزيد". آه من يزيد واختفائه الغريب عليها منذ لقاء المشفى ومراسلته لها على إحدى مواقع التواصل أنه سوف يذهب بمؤتمر للخارج ولم يحادثها منذ ذلك الحين.
نفضت رأسها من أفكارها المشتتة وهي تلعن صلة القرابة والدم فيما بينهم. هي تبتعد وتناى عنهم بكل الطرق، لكنهم لم ولن يتركوها أبدًا.
***
"صباح إيه وزفت إيه؟ انتوا خليتوا فيها صباح في القصر الهباب على دماغكوا ده. حتى أنتِ يا ملاااك بتعملي زيهم!"
صرخ بها "نائل" فور أن فتح باب جناحه بعد طرقاتها العديدة الصاخبة وإصرارها على إيقاظه. لتبتسم فور أن فتح الباب بسخافة وتلقي تحية الصباح مستندة إلى إطار الباب تستمع إلى سيل كلماته الغاضبة، ثم تنهدت تقول بهدوء:
"البس بسرعة رايحين المستشفى."
اتسعت عيناه وأمسك كتفيها يصرخ بها:
"جدك مات!"
هزت رأسها بالسلب توبخه بعنف:
"إيه يا بني آدم أنت؟ لا جدو بخير وبيفطر تحت."
هزها وأكمل:
"يبقى عمتك! لا لا أبوياااا! أنا كنت حاسس من نظراته ليا امبارح بليل!"
ضربت يديه عنها وأمسكت تلابيب تيشيرته تقول بغضب:
"ناااااائل اصحاااا ياباابااا متعصبنيش! بقولك جدك بيفطر تقولي أبوك وعمتك ماتوا؟ أنت أهبل!"
رفع إحدى حاجبيه وأردف باندهاش:
"اومال مين دخل المستشفى؟"
تأففت بغضب وقلبت عينيها تقول بهدوء:
"رايحين لندي يا نائل اخلص بقا! البس وأنا مستنياك عند تيم."
تركته بحيرته واندهاشه وسارت إلى غرفة أخيها تقص عليه ما تنوي فعله وتستمع إلى رأيه، فهو لا يحادثها أبداً بأمر ندى منذ أن مات الجنين.
جلست أعلى الأريكة تنتظر رد فعله على ما ألقته على مسامعه للتو ليزفر أنفاسه بإرهاق ويرفع يديه يفرك وجهه بإرهاق وهو يقول:
"أنا مش عارف أقول إيه يا أسيف. أنا منكرش إني خايف عليكِ جدًا، لكن أنا مربيتكيش إنك ترفضي مساعدة حتى لو شخص ما يستاهلش. أنتِ بتتصرفي صح يا قلب أخوكِ، بس خلي بالك من نفسك، اتفقنا؟"
بللت شفتيها وهي تهمس له بتوتر:
"تيم عاوزه أسألك سؤال ومش هتزعل مني!"
اتجه إليها يجلس بجانبها محيطًا كتفيها يقبل خصلاتها برفق هامسًا لها بلطف أخوي محبب لقلبها:
"وأنا منمتى بزعل منك يا أسيف؟ أنا أزعل من الدنيا كلها إلا انتِ."
ابتسمت له وقالت وهي تنتقي كلماتها بحذر:
"هو أنت مش هتروح لندي خالص؟ يعني مش حاسس إنك عاوزه تشوفها؟"
عقد حاجبيه وتوترة ملامحه وبدأت وتيرة أنفاسه الهادئة بالاضطراب. لقد أصبحت مشاعره ناحيتها مختلطة للغاية. أردف بخشونة وغضب طفيف وهو يضغط على كتفيها لا شعوريًا:
"هو أنا مطلوب مني أحبها بعد كل اللي حصل يا أسيف؟ وبعد ما عرفت إنها حاولت تقتلك!"
جز على أسنانه وقال من بينها بعنف وهو ينظر داخل عيني شقيقته قائلًا:
"أنا لولا حالتها حقيقي كنت دفنتها على اللي كانت ناوية تعمله."
اتسعت عيناها ورأت وجه شديد الغضب لأخيها عاجزة عن مشاركته مشاعره لأول مرة وهمست بدهشة:
"للدرجة دي بقيت تكرهها؟"
وقف مبتعدًا عنها بخطوات غاضبة وجسد متشنج يُعطيها ظهره قائلًا بعنف:
"مين يقدر يحب اللي بيأذيه يا أسيف؟ تعرفي إني كنت محتار هعمل إيه في ابني منها وكنت بتمنى يموت قبل ما ييجي ويبقى نسخة منهم وأقتله بإيدي!"
شهقت بصدمة من أفكار أخيها وحدقت به بوجه مشدوه ليلتفت لها ويتجه إليها مرة أخرى بخطوات واسعة وكأنه كان ينتظر تلك الكلمات ليهدر وهو يمسك كتفيها.
"غصب عنيييي... غصب عنيييي يا أسيف! أنتِ أغلى من أي حد عندي. أنا مربيكي بنفسي، أنتِ بنتي. عارفة يعني إيه أب يشوف بنته بتموت قصاد عينيه وبتروح منه؟ عارفة إيه إحساسي وأنتِ جسمك غرقان دم وبتقفلي عينيكِ بتودعيني بيهم؟ عارفة أنا كنت بموت كام مرة وحاسس إني مش راجل واستغليتك؟ أنا أكتر واحد كنت أستاهل عقاب يا أسيف، أنا اللي فرطت فيكي وبنيت سعادتي على حساب حيااااتك!"
بدأت الدموع تنسل من مقلتيه وهي سبقته بذلك لحالته الغريبة عليها الحزينة، أعينه الشاردة الدامعة، انكساره الذي رأته لأول مرة بذلك الرجل القوي، ذلك الأب الرائع والأخ الحنون.
أكمل وقد بدأ صوته يخالطه بكاء خفيف:
"أنا كنت بحاول مع نفسي يا أسيف، كنت بقول دي ندى اللي أنت حبيتها سنين واتجوزتها، كنت بخرج لها أعذار كل يوم وأقول عشان اتربت من غير أب وأم وحتى أخوها كان بعيد عنها. كنت بقول حرام عاملها زي أسيف لو أسيف مكانها هترضي تفضل تعيط على واحد بتحبه كده! كل يوم كنت بفكر في كل ده، كنت بقول هربيها فترة وأردها، وبعدها أقول هتكررها وأخاف على أختك منها، وبعدها أقول اتعلمت درسها."
ترك شقيقته وألقى بثقله فوق الأريكة يصرخ بها وهو يدس يديه بخصلاته ضاغطًا على رأسه بعنف:
"اناااا مغفل يااأسيف! أنا كنت بموت وأنا بفتكر إنها بتتفق مع أخوها وتيجي تنام في حضني آخر الليل. أنا مش راااجل بالنسبة ليها، لو كانت خافت من زعلي حتى مكنتش عملت كده. أنا بالنسبة لندي كنت لعبة عجبتها وحبت تاخدها ليها لوحدها. أنا ابني مات بسبب أنانية أمه يا أسيف، مكنتش عااايزه يموت، كنت بفكر في كل الحلول، قولت هااخد حضانته وأضمه ليا، قولت هربيه أنا وأنتِ بعيد عنها، قولت وقولتتتت بس أنا مش بنفذ ومليش قرار، هي اللي قررت وقتلته وقتلت أي ذرة ندم جوايا."
رفع عينيه الحمراء الباكية يقول بحزن:
"أنا مش بكرهها يا أسيف، أنا بكره نفسي وخايف تكرهيني أنتِ كمان."
هبطت بجسدها تجلس فوق يد الأريكة واحتضنت رأسه على الفور تُقبّل خصلاته عدة مرات متتالية وهي تبكي معه ولأجله، تتبدل يديها الصغيرة على كتفه ورأسه وهي تهمس له:
"مقدرش أكرهك يا قلب أسيف، حقك علياا أنا آسفة."
شددت من احتضانها لرأسه ليحيط جسدها ويدفن رأسه بعنف وهو يزيد من وتيرة بكائه بأحضانها البريئة مشددًا من يديه حول جسدها وهي تفعل المثل وعقلها يعمل بفكرة واحدة كيف تنزع ذلك الحزن من قلبه. لقد عانى أخوها لأشهر بصمت تام لأجلها وها هو المسكين يجني ثمار صمته بانهياره داخل أحضان تلك الحانية البريئة. ظلا هكذا فترة هو يبكي بدموع مع الوقت أصبحت صامتة وهي تربت على جسده وتقبله تُهون عليه بكلمات بريئة مثلها تمامًا. ثم أغمضت عينيها وهي تكاد تجزم داخلها أن أخاها قد بنى حصونه المنيعة ناحية ابن العم وانتهى الأمر، ولكنها ليست حصونًا عادية، بل حصون مُهلكة لأي دخيل.
سحب "نائل" جسده وهو يزيل دموعه بحرج بعد أن رأى انهيار صديقه الحميم وابن العم بأحضان شقيقته. لم يتدخل تاركًا مساحة من الخصوصية لهم وانتظر بعيدًا حتى يتمكن من استجماع نفسه مرة أخرى والذهاب لمرافقة ابن عمه بتلك الزيارة الكريهة التي أصبحت الآن أشد بغضًا إليه وهو يبتسم سراً لقوة ابن عمه التي ظنها الجميع هشة ضعيفة، ها هي تثبت قوتها بأفعال ليست أقوال مثل تلك المريضة.
***
جلست "ندى" فوق الفراش ودموعها خير رفيق لها منذ شهر كامل. حالة من الجمود سيطرت عليها بعد تعرضها لذلك التعنيف الجسدي من تلك النسوة اللاتي تسببن بخسارتها الفادحة. لقد فقدت روحها، فقدت صغيرها. قد بدأت تشعر به داخل أحشائها منذ فترة صغيرة، تشفق ذاك الحادث المروع. كم هو مؤلم ذاك الشعور. من يشفي لهيب قلبها الآن؟ ذاك التعويض عن أبيه قد كانت تنتظره بفارغ الصبر، تُمني نفسها بأيام قادمة معه ومع أبيه. وآه من أبيه الخائن للمحبة، طاعن قلبها، قاسي القلب المتجبر. أين وعوده بالمحبة والبقاء؟ أين هو؟ لقد طال انتظارها لسراب ووهم.
تنهد الطبيب المكلف بحالتها وهمس لـ "أسيف" التي جاورته تراقبها من الزجاج بحزن:
"إيه رأيك! هتساعديني؟"
أغمضت عينيها بهدوء وهزت رأسها بالإيجاب وهي تهمس:
"مطلوب إيه مني مش فاهمة؟"
تحرك الطبيب وهو يشير إليهم بتهذيب للدخول مكتبه وقال بنبرة هادئة:
"شوفي يا مدام أسيف، أنا مش محتاج منك كتير بس عاوز أعرف إيه سر العداوة بينكم المفاجأة دي بعد ما كنتم صحاب جدًا وتفاصيل معاملة ندي، ومتى اتغيرت معاكِ، وأخوكِ جوزها ليه ما زارهاش أبدًا. أنا عرفت إن بينهم مشاكل لكن معقول القسوة توصل للدرجة دي!"
عقدت "أسيف" حاجبيها ونظرت له بغضب ليعالج "نائل" الكلمات مسرعًا وهو يردف بنبرة تحذيرية للطبيب:
"دكتور من فضلك المشاكل بينهم صعبة شوية. تيم أبعد ما يكون عن القسوة وصدقني لو عرف إنك هتحتاجه في علاجها مش هيتأخر."
هز الطبيب رأسه بتفهم وهو يبتسم بتحرج إلى تلك الجميلة الجالسة تحدق به بنظرات شبه مشتعلة وكأنه أخطأ بأحد الأولياء الصالحين.
همس بتكلف وهو يعتدل بمقعده قليلاً:
"تمام، هسألك كام سؤال النهارده بس مجرد ما يحصل تطور في الحالة وده اللي أنا أعتقده بنسبة كبيرة هضطر أطلب مساعدتك تاني."
تنهدت بهدوء وهي تعدل خصلاتها تهز رأسها بالإيجاب بهدوء تام.
***
جلس بالسيارة يتأفف كل ثانية تمر عليه ناظرًا إلى المشفى منتظرًا خروجها بأي لحظة. وها هي تطل عليه هي وابن عمهم السخيف الذي أصر على مرافقتهم، وهي استقبلت ذلك بصدر رحب، بل من الواضح أنه باتفاق مسبق معها.
ترجل من السيارة يتقدم نحوهم وهو يقول بهدوء محادثًا إياها:
"خلاص كده؟ محصلش حاجة؟"
رد عليه "نائل" باندهاش:
"وأنت مستني إيه يحصل؟ يعالجها قصادنا يعني؟ سأل كام سؤال وخد إجابة وخلاص!"
نظر إليه "فهد" شزراً وكاد يوبخه على تدخله السخيف، لكن ارتفع رنين هاتف "أسيف" لتُجيب بلهفة أدهشته:
"يزيد!!! أنت رجعتتت!!!!"
نبرتها الحماسية جعلته يعقد حاجبيه بغضب وقد بدأ فتيل غضبه الغير مبرر يشتعل بداخله ليسمعها تردف بصوت واضح وحماس شديد:
"يا ريت يا يزيد، أنا ساعة بالظبط و أبقى في القصر هستناك!"
حمد ربه أنه يرتدي نظارته الشمسية القاتمة وإلا افتضح أمر نظراته الغاضبة المحتقرة لذلك الشخص الذي يمثل الكوارث الكونية لديه. تواجده بأي مكان يقلقه للغاية، لكن لم يخفِ ذلك عن "نائل" الذي طالع الأمر بابتسامة ملتوية وأردف بحماس مماثل لها فور أن أنهت المكالمة:
"يزيد ده اللي جاي معقولة! ده كان لسه امبارح بيكلمني من بره!"
ضحكت وهي تردف بأعين تشع بهجة:
"آه هو أصلاً لسه راجع من المطار، قالي هياخد شاور وينزل طول يجيلى. يلا يلا واكملك في الطريق، إحنا مأخرين أصلًا!"
حدد بهم باشتعال واضح وأردف بسخط:
"هو إيه ده اللي ييجي القصر؟ ده ميعاد زيارة ده؟ وبعدين بيعزم نفسه عندنا إزاي!"
رفعت "أسيف" إحدى حاجبيها وزمت شفتيها ليُغمض "نائل" عينيه يشيح بوجهه عنه مستنكرًا تسرعه بالحديث، ثم جز على أسنانه قبل أن تندفع "أسيف" بكلمات غاضبة نحوه وقال مسرعاً:
"يزيد مش غريب يا فهد، أنت بس متعرفوش أوي. ده صاحبنا أنا وتيم من زمان أصلًا وشبه متربي معانا وكده، وجدو كمان بيحب زياراته. يلا يلا عشان منتأخرش عليه."
ضم قبضتيه بعنف وهو يحدق بها بتعجب وبنظراتها الغاضبة المستنكرة كلماته عن ذاك التافه شبيه الأطباء. ثم تركها تعبر من أمامه مسرعة وهي تكمل حديثها الحماسي إلى "نائل" عن بطولات "يزيد" التي يختصها هي بالتحديد ليعرضها عليها. وطوال الطريق تجلس بالأريكة الخلفية وتثرثر عنه مع ذاك الغبي الجالس بجانبها مشاركًا إياها حماسها متابعًا اتفاقاتهم معًا عن يومهم الذي أقسم بداخله أنه سوف يحول لونه الوردي إلى أسود قاتم بأنظارهم جميعًا.
رواية حصونه المهلكة الفصل السادس عشر 16 - بقلم شيماء الجندي
لأول مرة يشعر بذلك الغضب ناحية شخص مثالي كـ "يزيد"، شخص ودود، متعقل، يحادث الجميع بلطف، يوزع ابتسامات خاصة لتلك التي تجلس بجانب شقيقها تقص عليه ما أخبرها به ذلك الطبيب النفسي المرح، وتشيد بثقافته المتسعة وتجوله بالمؤتمرات العالمية.
جلسة سيئة، مملة، مليئة بالأحاديث الكريهة. زفر أنفاسه بغضب ملحوظ لم يستطع كتمانه، لفت جميع الأنظار إليه. لكن كان تركيزه كله مع نظراتها هي، تلك النظرات التي اشتعلت بغضب ناحيته، أثارت غضبه أكثر ناحيتهم.
ليقول بهدوء حين صمتت الأحاديث الودية:
– أنا بقول يزيد أكيد جعان والأكل اتأخر.
وافقته عمته الرأي وهي تبتسم إليه بود ومكر، غامزة بإحدى عينيها إليه سرا.
واستقامت تقول بود ملحوظ:
– عندك حق ياحبيبي، فعلا الغدا أتأخر النهارده، أسفين يا يزيد.
ابتسم لها "يزيد" وهو يومئ بهدوء ولطف، قائلاً بصوت رخيم ونظراته تعود إلى تلك الفاتنة:
– ولا يهمكم، أنا أصلا مش جعان، أنا كنت جاي أقعد مع أسيف شوية لأني معرفتش أتواصل معاها الفترة اللي فاتت.
ابتسمت له بهدوء كعادتها. لتبتلع "سمر" رمقها وهي تحدق بقبضة ابن أخيها التي تشتد لتبرز عروقه، وقد اعتدل جسده بوضع هجومي واضح.
فقالت بصوت واضح وهي تمد يدها برقة إلى ابنة أخيها:
– أسيف حبيبتي تعالي معايا نشوفهم سوا.
شعوره بالامتنان نحو عمته الآن لا يضاهيه شعور آخر، لكن نظرات تلك الجميلة العابسة من ترك تلك الصحبة واتباع عمتها برقة جعله أكثر غضباً على ذاك البغيض سارق العقول. لقد جعل العائلة كلها بين يديه، حتى العم "مراد" المعروف بصمته قد انصهر معه بالأحاديث الودية وارتفعت ضحكاته مثلهم جميعاً.
لاحظ "يزيد" نظراته الغاضبة الموجهة نحوه هو فقط. إلى الآن لا يفهم سر كراهيته، هل لأنه عاون "أسيف" بتخطي محنتها؟ أم لأنه لا يعرفه بالأساس ولذلك يمقت تواجده؟
ارتفع صوت "نائل" يقول:
– تعرف يابابا، أسيف معتبره يزيد طائر الحظ بتاعها، كل ما ييجي النادي واحنا بنلعب لازم تكسبني لدرجة بقيت تكلمه مخصوص قبلها.
ضحك "يزيد" بلطف وهو يرد عليه، غافلين تماماً عن تواجد أحدهم يحترق بنيران الغضب، ولهيب جسده يزداد، يشعر بالدماء تندفع بقوة برأسه تزيد اشتعال أفكاره الجنونية الآن:
– لا ياحبيبي، ده عشان أنت نصاب وأنا بكشفك، لكن أسيف مش بتدخل حاجة إلا وبتنجح فيها.
أتت بتلك اللحظة وهي تقول بابتسامة واسعة وهدوء لطيف:
– ده عشان أنت دايما مشجعني يا يزيد.
إلى هنا وكفى، لن يتحمل أكثر من ذلك منهم، ومنها هي بالتحديد، كيف لها أن تتحدث هكذا مع ذاك الغريب أمام أعينه، بل أمام أعين الجميع. لقد استطاع ذاك الحقير أن يبرمجها كما يشاء. أين "أسيف" الصامتة الخجلة من أقل الكلمات أو النظرات؟
استقام واقفاً بغضب وكاد ينصرف من جانبها، حين رمقته بنظرة اندهاش لوقفته الغاضبة، وتراجعت للخلف حتى لا يمر هواء جسده من ناحيتها. ما تلك المرحلة من البغض التي وصلت إليها معه؟
حدق بها بنظرات لائمه لأفعالها أمام ذاك العدو، لتشيح بنظراتها عنه بصمت. ارتفع صوت العمة التي راقبتهم بصمت تتشدق بحزن:
– يلا يا جماعة، السفرة جاهزة، اتفضل يادكتور.
اتجهت العائلة إلى الطعام بهدوء، وأحاط "تيم" كتفي شقيقته ثم همس بصوت خافت تسلل إلى مسامعه:
– مكنش ليها داعي العزومة دي يا أسيف.
ردت عليه وهي تعض على شفتيها بخجل:
– هو كان مسافر ولسه راجع، وأول حاجة عملها كلمني وكان عاوز ييجي يقعد ندردش شوية، بس أنا ونائل اللي قولنا نعزمه على الأكل بالمرة.
تظاهر بالعبث بهاتفه وهو يمر بجانبهم بخطوات واسعة متجهاً إلى الطعام، مبتسماً بمكر يهمس بداخله:
حسناً، لأول مرة نتفق معاك يا ابن العم!
كانت أصوات ارتطام الملاعق بالأطباق هي الطاغية، حيث توترت الأجواء قليلاً بعد أن أمسك "فهد" الكرسي الذي سحبه "يزيد" بجانبها وجلس عليه دون أن يوجه لأحد كلمة، بل وبدأ أيضاً بطعامه بلا مبالاة وهدوء تام.
تحرج الجميع من تلك الحركة، وتلون وجه "يزيد" بغضب طفيف من تلك الحركة المقصودة تماماً. ليرتفع صوت الجد وهو يشير إلى الكرسي المقابل لفهد على الجهة الأخرى قائلاً بابتسامة ودودة:
– اتفضل يادكتور جنبي، واقف ليه؟
اضطربت أنفاسها على الفور حين أصبح بذلك القرب منها. ابتعدت عنه بجسدها بهدوء وأصبحت شبه على طرف الكرسي بجهة أخيها. لم يكترث لفعلتها، هو بالأساس توقع ذلك. يكفي أن ذاك الكائن لم يجاورها مرة أخرى أمام أعينه. هذه ليست علاقة طبيب بمريضة كما وصفها "نائل".
ليرتفع صوت "فهد" الرخيم وهو ينظر تجاهه بابتسامة باردة:
– عجبني اهتمامك بالمرضى بتوعك بالدرجة دي يا دكتور يزيد. تعرف إني لسه مخلص جلسات علاج نفسي من فترة قريبة، وبصراحة أول مرة أشوف اهتمام كده.
توترت الأجواء أكثر، واتسعت الأعين، وهمس "نائل" لعمته التي تجاوره:
– شوفتي؟ قولتلك مش هيعديها على خير. اتفرجي بقى.
نظر إليه "يزيد" باندهاش، وقد صدمه بتلك الجرأة الناقدة لتصرفه العفوي تجاه "أسيف". حاول استجماع كلماته أمام تلك الابتسامة الماكرة التي زينت ثغر "فهد" بهدوء، ولا يزال ينتظر رده.
ارتفعت نظرات "أسيف" المندهشة إليهم، وقد أغضبها للغاية تدخله بأمر لا يخصه. لكن الوعد الذي قطعته لعمتها حين اختلت بها بعيداً عنهم، طالبة منها التهاود قليلاً أمام الأغراب، وتمالك أعصابها مع ذاك الشرس المتعجرف، جعلها توقف سيل كلماتها وتحدق بأخيها الذي يحاول استيعاب تلك الكلمات اللئيمة.
نظر الجد نحو حفيده بغضب. تجاهله "فهد" وخرج أخيراً صوت نده الهادئ يقول:
– في الحقيقة، تعاملي مع أسيف مش تعامل دكتور لمريضة، صداقة العيلة والعلاقة بينهم من زمان خلتنا أصحاب أكتر من دكتور ومريضته.
– صحاب؟
أردف بها "فهد" وهو يضيق عينيه الغاضبة، وكاد يردعه على حديثه. لكنه عاد بجسده بكرسيه وهو يردف ببرود معاكس تماماً لما يجول بصدره الآن:
– أها، يعني المريض لو عارف عيلته بتتقابل معاه بعد ما تنهي علاجك ليه؟ يعني مثلاً لو عرضت عليك دلوقتي تساعد ندى في علاجها، هتكمل معاها تواصل بعد ما تخف بما إنها من العيلة برضه ومريضة؟
توترت نظرات "يزيد" لأول مرة وهو يحدق به بصدمة طفيفة لمفاجأته الآن. ثم نظر نحوها ليجدها تحدق به تنتظر إجابته بهدوء. لقد استطاع الماكر تسليط الضوء نحو نقطة واحدة محددة بعناية، وها هو يشغل الجميع بالتفكير حيال الإجابة، ويرفع الملعقة يتذوق طعامه بهدوء ونظرات متشفيه عابثة.
ازداد توتره وهو يحدق بـ "تيم" بخجل حين رمقه بنظرة ذات مخزي، وكأنه يقول: أرأيت؟ لكنه تمالك نفسه وأردف بهدوء مضطرب:
– أنا أكيد معنديش أي مشكلة إني أساعد أختك لو طلبت ده، يعني دي مهنتي.
ألقى نظرة سريعة نحوها ليجد عينيها عادت إلى طبقها تعبث بالملعقة به بهدوء. حسناً، لقد نجح الماكر بالإيقاع فيما بينهم، وتعكير صفو الأجواء. وبحنكته كطبيب سوف يفقد ثقتها إن استمر الحال هكذا.
أما هو، ارتفعت ابتسامة عابثة تعلو ثغره وهو يرتشف من الكوب بهدوء، ثم قال بصوت رخيم:
– تمام يادكتور، أنا هكلم بعد الغدا الدكتور المسؤول عن حالة ندى عشان تتفاهم معاه.
صمت بعدها ليرى إيماءة خفيفة منه، وصمت الجميع متسللين واحداً تلو الآخر فور انتهاء الطعام، وفقدان بعضهم شهيته فور تلك اللحظات الثقيلة عليهم.
***
وقف "تيم" بوجه "يزيد" بالحديقة بعد انتهاء اليوم، يحدق به بهدوء وهو ينصت إلى كلماته باهتمام تام، وتجديده لعرض الزواج من شقيقته. ليتنهد "تيم" قائلاً بهدوء:
– شوف يايزيد، أنا معنديش أي مانع لارتباطكم، بس أنا لفت انتباهي سؤال فهد النهارده ليك. أسيف مريضة عندك، مش غريب تتولد مشاعر ناحيتها في خلال فترة علاجك ليها؟ ده هيخليني متطمن على أختي معاك.
أغمض "يزيد" عينيه يستقبل اتهامه بحزن بالغ. هو نفسه لا يعلم كيف ينجذب إلى مريضته، لكن لبراءتها سحر طاغٍ يفتن القديس ويجذبه إليها بلا مقاومة أو شعور منذ الوهلة الأولى أمامها. وهو لا يستطيع إيقاف تفكيره ناحيتها أبداً.
همس "تيم" له بعقلانية وهدوء يقطع أفكاره:
– يزيد، أنا مقدر مجهودك مع أسيف جداً وممتن لمساعدتك وتعبك معاها كمان، لكن أنا هكلمك بالعقل. أنا لو عرضت على أسيف طلبك، مش هترفض. طبيعي وأنت عارف كده، لأنها لسه خارجة من علاقة فاشلة تماماً، وأنت بالنسبالها المنقذ اللي علمها حاجات كتير، أولهم تعتمد على نفسها. بس أنت عملت كده لأن دي شغلتك، وهي مش هتستوعب ده يايزيد. أنت منجذب لأسيف كأخت ليك مش أكتر، وهي هتفهم ده مع الوقت. أنا آسف، بس مش هقدر أضر أختي تاني يايزيد. أسيف أغلى حاجة عندي ومش هقبل أعملها فار تجارب لمشاعرك، ولا هسمحلك تأذيها بتعلقها بيك الزايد عن حده.
تنهد الآخر بحزن وأردف بهدوء وعقلانية مماثلة له:
– أنا لما عرضت عليك كده، قولتلك إني معجب بيها ومش قادر أبعد وأسيبها، وده مش طبيعي لعلاقة دكتور بمريضته ياتيم. أنا مليش حكم على قلبي، مش بإيدينا صدقني. أنا الشهر اللي بعدته عنها كان كل تفكيري فيها، ورغم كده التزمت بوعدي ليك ومكلمتهاش. وأول حاجة عملتها وكنت محتاجها أول مانزلت هي إني أشوفها. أنا صارحتك بمشاعري ناحيتها عشان تقربها مش تبعدني عنها. أنا عالجت ناس كتير قبل أسيف ودي أول مرة أبقى كده، مش ذنبي إني دكتور نفسي ياتيم.
أغمض "تيم" عينيه بهدوء ثم قال بلطف:
– ماشي يايزيد، أنا هقول عرضك لأسيف لأن ده في الأول والآخر رأيها. بس خليك عارف إني في فترة الخطوبة بينكم، أول ما أحس إن أسيف مش مرتاحة، أنا مش ممكن أخليها تكمل معاك أبداً.
***
تواري بعيداً عن أعينهم بالظلام الدامس، وهو يحاول تنظيم أنفاسه بغضب شديد الخطورة، ورغبته الآن بالهجوم عليه وأن يوسعه ضرباً تزداد كل لحظة. كيف له أن يتجرأ هكذا؟ إنه يحاول بكل الوسائل امتلاكها، وهي بالطبع سوف تقبل!
***
أجفل حين شعر بيد تربت على كتفه، ليتلتف إليها بفزع وهو يحاول تبين الشخص. ولم تكن سوى عمته التي جذبت يده وهي تعود بهدوء إلى غرفة المكتب من الباب المطل على الحديقة.
أردفت فور أن أغلقت الباب وهي تلتفت إليه تحدق بجلسته فوق طرف المكتب بأريحية وكأنه لم يستمع لشيء منذ قليل:
– سمعت بنفسك؟ إيه البرود اللي أنت فيه ده؟ هتقف تتفرج عليه وهو بيتجوزها قبل حتى ما تسامحك؟
رفز أنفاسه الحارقة بهدوء وقال وهو يهز كتفيه مولياً ظهره لها بصوت أجش:
– مش يمكن هي ترفض. وبعدين أنا مالي، دي حاجة تخصها. ميهمنيش غير إنها تنسى اللي حصل، وده واضح إنه مش هيحصل.
رفعت "سمر" إحدى حاجبيها وهي تعقد ذراعيها أسفل صدرها قائلة بابتسامة ماكرة:
– ترفض؟ أنت مكنتش معانا قبل الغدا ولا إيه؟ وبعدين ترفض ليه أصلاً؟ جميلة وصغيرة وهو دكتور ومن عيلة ونعرفهم كمان، وفيه بينهم انجذاب. ترفض ليه بقى؟
كلماتها كانت تعتبر صوت عقله الذي يفكر الآن بنفس الأشياء. نيران تحرق أحشاءه بقلق. لقد صدقت العمة. إنها جميلة، بل فاتنة، لطالما شبهها بالساحرة سارقة القلوب. لما تتمسك بعزلتها وهناك من يمد يديه الاثنتين لينتشلها من ظلام وحدتها، بل ويحارب أيضاً. والآخر يديه الملطخة بدمائها. تُرى، سوف تتمسك بيد من؟ بالطبع ذاك الطبيب الخبيث اللعين الطامع.
تشنجت عضلات جسده بعنف شديد واشتدت قبضتاه، ومال برأسه يطرقع عضلات عنقه حيث برزت عروقه من فرط غضبه.
تقدمت "سمر" تربت على جسده بلطف حازم وهي تقول:
– شوف يافهد، أنا لو مكنتش شايفة إنك اتغيرت، مكنتش قولتلك الكلام ده. أنت محتاج إنها تسامحك، أنا عارفة، بس إزاي؟ تفتكر لو يزيد ارتبط بيها هيسيبلك مساحة تتنفس جنبها حتى؟ أنا مقدرش أقولك أكتر من كده، وفي النهاية الاختيار ليك. بس خد بالك، أسيف كرهت غضبك ومش من مصلحتك يظهر تاني، هيقلل فرصك مش هيزودها يابني.
تركته وخرجت وكأنها لم تشن حرباً بحديثها. حرب مليئة بالنيران اللاهبة الهائجة التي سوف تحرق الأخضر واليابس معها. أتريد عمته التعقل؟ كيف؟ وقد بدأت مطرقة القلق تدق جميع حواسه، ودماؤه الهادئة تتحرك بثورة داخل عروقه الآن.
حاول ضبط أنفاسه التي بدأت بالتسارع وكأنها تهرب من جسده، كما تهرب الفرص معها من بين يديه. كيف يصل إلى غفرانها وهي تخشى تواجده بنفس الغرفة؟ هو يشعر، كما شعر بتوترها ورعبها اليوم الذي أضحت تخفيه ببراعة عن ذي قبل بتلك النظرات المحتقرة المتحدية.
أيتها الفاتنة البريئة، ألا تعلمين أن حصونك تلك أصبحت مهلكة؟ أصبح نيل غفرانك مطمعي ومسامحتك ملاذي. أنا ذاك الفهد المرعب الذي انقضضت يوماً على قلاعك وهشمتها. أحرقتها بنيران غضبي وحقدي. ها أنا ذا أتطلع إلى نظرات المغفرة من عينيك الجميلة البريئة. أناشد تلك الروح الطاهرة التي دنستها بطغياني يوماً ما. أتوسل إليها وأرجوها. أخوض حرباً لم أتخيل بخوضها يوماً نحوك. كيف لي بالانتصار وأنا مهشم الفؤاد؟ كيف لي أن أحرق تلك الحصون دون أن أؤذيك مرة أخرى؟
دس يديه بخصلاته وهو يحاول التفكير بهدوء، عله يصل إلى أحد حلول تلك المعضلة. يصول ويجول بالغرفة الواسعة بقلق، إلى أن استمع إلى تلك الطرقات الهادئة أعلى الباب يصحبها صوتها الرزين اللطيف بالسؤال عن تواجد أحد بالداخل؟
تقطعت أنفاسه وعُقد لسانه ليرى الباب ينفتح وتدلف إليه بهدوء. توقفت على الفور حين لمحته بالمكان، واحتلت قسمات وجهها تلك النظرات الغاضبة، والتفت وكادت تغادر. لكنه استغل قصر المسافة بينهم وأردف مسرعاً وهو يقف بوجهها يتنفس الصعداء أنها أغلقت الباب خلفها قبل أن تلحظ وجوده:
– أسيف، لحظة واحدة.
حدقت به بغضب، كادت أن تصرخ بجملتها الشهيرة وهي تحاول الابتعاد والخروج، لاعنة نفسها لغلقها الباب. لكنه كان أسرع منها وقال بتوتر:
– آسف، نسيت إنك مش حابة الاسم مني. أنا... كنت عايز أشكرك على وقفتك معانا النهارده.
ذاك الشعور المرعب حياله، وانقباض قلبها وانكماش روحها داخلها حين تراه، لن ينتهِ أبداً مهما حييت. أغمضت عينيها الخائفة تحاول استجماع شتات أمرها وقوتها، وقالت بصوت قوي بعض الشيء، وكأنها تحادث نفسها أيضاً معه، وهي تعتصر يديها الصغيرة بقوة لمهابتها له إلى الآن:
– أنا معملتش كده عشانك ولا عشانها، أنا عملت كده عشان ضميري وتربيتي. معرفش أسيب حد محتاجني للأسف. ومش عايزة منك شكر ولا عايزة كلام أصلاً.
كادت أن تنصرف مسرعة قبل حتى أن تأخذ ما أتت إليه لتبتعد عنه الآن فقط. لا تريد سوى الهروب من أمام عينيه القاسيه الخبيثة. استقبل كلماتها وهو يحاول السيطرة على أعصابه وإيقاف ارتعاشة وجهه من كثرة جزّه على أسنانه حتى لا يثير خوفها أكثر من ذلك. أردف بهدوء وهو يبلل شفتيه، فاركاً ذقنه بحِدة طفيفة وهو يمنعها بجسده من الخروج:
– أنا عارف ده، وعارف إنك مش شبهنا. أنتِ عمي رباكِ على أخلاق عالية إحنا منعرفهاش، ومن بعده كان تيم.
لا تعلم من أين خرج ذلك الشعور الذي انتابها نحو نبرته الهادئة بأنه حزين لفارق التربية بينهم. شعرت ببعض الخجل حين أشعرته أنها تعايره بربايتهم. لكنها محت لمحة الخجل وهي تردف بداخلها: هاك الصواب. عليها أن تريه كم الخسة والدناءة التي رأتها على يديه المعذبة القاسية. إن كان أبيه اللعين غير كاذب ما كان حدث لها ذلك. نفضت رأسها بعنف خائفة أن تخوض بتفكيرها نحوه أكثر بمعركة لا داعي لها، وأردفت بعصبية ونبرة جافة:
– أوعى، خليني أمشي.
خرجت أنفاسه بهدوء ودمعت عيناه وهو يرى تقلبات نظراتها، وهمس لها دون شعور:
– آسف.
هرب من أمامها على الفور بعد تلك الكلمة بخطوات واسعة، تاركاً إياها بمفردها تحدق بأثره بأعين باكية. أسرعت تغلق باب المكتب لتسمح لجسدها وروحها بالانهيار بعد تلك اللحظات الثقيلة على كليهما، وقد أضحت لا تعلم السبيل للنجاة من بين براثن اعتذاراته سواء الصامتة أو التي يلقيها على مسامعها بنبرة متألمة واضحة.
***
طوال ليلته لم يغفل، ظل ساهراً يبحث عن معلومات حول ذاك اليزيد اللعين، يجمع أكبر قدر ممكن من صفحاته الشخصية ومقالاته المختلفة عن علم النفس والأمراض النفسية. وبالصباح الباكر كان يستقبل مكالمته معه لمعاونته بحالة شقيقته كما اتفقا أمس. اندهش في بادئ الأمر، لكنه اعتدل مبتسماً بمكر وهو يرحب بمعاونته، متفقاً معه على موعد مقابلتهم يقص عليه تفاصيل حالتها.
***
مكثت "أسيف" بغرفتها وهي تشعر بصداع يكاد يفتك برأسها. من الواضح أن ليلتها لم تكن أفضل منه. فتحت عينيها تحدق بصمت بسقف الغرفة بشرود، وهي ترفع صوتها تسمح لأخيها بالدخول. ارتفع رنين هاتفها بنفس توقيت دخول "تيم" الغرفة ليتفقدها. نظر إليها وهو يعقد حاجبيه قائلاً باندهاش:
– أنتِ معندكيش شغل ولا إيه في المرسم؟
تنهدت بهدوء وهي تطلق أنفاسها بإرهاق قائلة:
– لا، أنا مش قادرة أنزل النهارده.
جاورها أعلى الفراش وهو يلقي سترته على طرف الفراش، متفقداً رأسها يربت عليها بلطف وهو يقول بقلق:
– مالك ياحبيبتي؟ أنتِ بخير؟
ابتسمت بهدوء وهمست بلطف وهما يستمعان إلى رنين هاتفها الذي لم تجب عليه، يرتفع مرة أخرى.
– متخافش، شوية صداع. شوف مين ياتيم.
أمسك الهاتف وهو يردف عاقداً حاجبيه بضيق طفيف:
– يزيد.
اندهش حين لاقى الصمت منها ولم تتناول الهاتف مسرعة كعادتها، بل هزت رأسها بصمت ليتسأل بفضول:
– إيه ده؟ مش هتردي؟
تنهدت تهز رأسها بالسلب قائلة:
– مش قادرة أتكلم، مصدعة ياتيم.
ترك الهاتف وهو يميل عليها بجسده مقبلاً خصلاتها، وقد انتابه القلق لحالتها تلك هامساً لها:
– مالك ياحبيبتي؟ تحبى أقعد معاكِ النهارده؟
أمسكت يده تربت عليها بلطف وهي تقول بهدوء:
– لا ياحبيبي، روح شغلك. أنا هقوم أفطر دلوقتي وآخد مسكن وأريح النهارده.
تنهد وهو ينظر إليها بقلق غير مقتنعاً بما قالت، ليحمحم وهو ينقل أفكاره ناحية عرض "يزيد" الذي أتى لأجله، لكن حالتها لا تشير باستجابة حالياً. لاحظت حيرته حين طال الصمت بينهم، وأردفت بتساؤل مندهش:
– مالك ياتيم؟ أنت عاوز تقول حاجة؟
أغمض عينيه وهو صارحها على الفور حتى لا يتراجع مرة أخرى قائلاً بصوت قوي:
– آه عاوز. إيه رأيك في يزيد؟
همست باندهاش تُضيق عينيها ناظرة إليه بتعجب:
– رأيي فيه إزاي يعني؟ يزيد دكتور ممتاز.
زفر أنفاسه قائلاً بهدوء وهو يراقب تغير ملامحها بدقة:
– يزيد طلب إيدك مني يا أسيف.
اتسعت عينيها واعتدلت تحدق به بصدمة واضحة، وفرغت فاها وكأنه ألقى على مسامعها خبر إحدى الكوارث الكونية للتو.
رواية حصونه المهلكة الفصل السابع عشر 17 - بقلم شيماء الجندي
"انسى!"
من المتعارف عليه أن تدور عقارب الساعة ليمر الوقت وينتهي اليوم، ويبدأ يوم جديد مشحون بالأعمال والأشغال لدى البشرية. ولكن ها هي عقارب ساعتها تدور وتصدر صوتها، ولكن يومها ثقيل لم ولن ينتهِ أبدًا. أصبحت عادتها هنا بتلك المشفى طوال اليوم أن تراقب ساعتها بصمت، تنتظر انتهاء يومها ببرود، وتعيد تلك الذكريات التي برعت بحفرها في عقلها الباطن وإعادتها على نفسها كل يوم. هي على يقين أنها المتسببة الوحيدة بما حدث لها. لم تكن "أسيف" صديقتها البريئة وابنة العم وراء ما حدث لها كما زعمت. هي طامعة، تعلم ذلك. رغبت بما ليس لها، تعلم ذلك أيضًا. لكنها أحبته وبشدة!
ضمت ركبتيها إلى جسدها واحتضنت ساقيها بذراعيها، ودموعها تهطل بصمت قاتل وهي تتذكر صوت ابنة العم الضعيف الهزيل المستنجد بها وبرحمتها. ولكنها جردت نفسها من المشاعر الإنسانية حينها، حيث تركتها تعاني الويلات وهي تنعم بأحضان أخيها ببرود. لها كل الحق "أسيف" بكراهيتها، وكان عليها أن تتركها بلا مساعدات. لكن كما أخبرها الطبيب، أنها أتت خصيصًا لتوافيه بالمعلومات الخاصة بها، علها تُشفى.
استمعت إلى طرقات الباب ثم دخول أحدهم. بالطبع لن يكن سوى ذاك الطبيب غريب الأطوار الذي يأتي إليها كل يوم، يتطلع إليها بصمت ويسأل أسئلة يعرف إجابتها، لذلك لا يتلقى منها سوى الصمت كما هي، لكنه لا يمل أبدًا. رفعت رأسها حين وجدت أخيها يخطو خلفه ويتوجه إليها، يقبل وجنتيها بلطف، ثم همس لها بتساؤل:
"أخبارك إيه النهارده ياحبيبتي؟"
لم تجبه كالعادة، بل هزت رأسها بهدوء لتستمع إلى صوت "يزيد" الهادئ يقول:
"أديك اطمنت عليها، ممكن تتفضل عشان أبدأ جلستي معاها؟"
قلب "فهد" عينيه بملل، ثم نظر إليه يرد عليه بنبرة مماثلة له بالهدوء والبرود:
"بقالي أسبوعين ومافيش نتيجة، بس ماشي، أنا فعلًا هسيبك، لما نشوف آخرتها."
لم ينتظر إجابته، بل مال عليها يهمس لها بأنه سوف يعاود المرور عليها بنهاية يومها كعادته، ثم قبل خصلاتها، ربّت على جسدها بلطف، واتجه إلى الخارج، تاركًا إياهم معًا.
جلس "يزيد" أعلى الأريكة وهو ينظر إليها بهدوء، ثم ابتسم وقال بنبرة رخيمة:
"فهد مشي خلاص، تقدري تتكلمي!"
تطلعت إليه بأعين هادئة وشعرت بتلك الرعشة الخفيفة تسري بجسدها جراء سقوط كلماته عليها كالدلو البارد. أشاحت وجهها عنه واضطربت أنفاسها، تدعي عدم الفهم. ابتسم لها بهدوء واعتدل، يستند بكوعيه إلى فخذيه، وهو يكمل بنبرة تحذيرية فهمتها على الفور:
"ماهو لو متكلمتيش معايا، هضطر أقول لفهد إنك مش فاقدة النطق ولا حاجة، وإنك ساكتة بمزاجك."
عدلت وجهها تطالعه بأعينها الحمراوتين من شدة البكاء، وتهتف بغضب:
"عايز إيه مني؟ ما أنا بعدت عنكم كلكم. سيبني في حالي وامشي بقا."
ابتسم حين استفزها واستطاع أخيرًا إخراج الكلمات منها، ليردف بهدوء وهو يعود بجسده للخلف، واضعًا ساقًا فوق الأخرى:
"أنا مش عايز، إنتي اللي عاوزة."
صمت لحظة يراقب ملامحها، حيث بدأ الاندهاش يستحوذ عليها رويدًا رويدًا، ليبتسم مكملًا حديثه بهدوء وهو يستقيم، متجهاً إلى الشباك يتطلع إلى الحديقة الخضراء البديعة:
"أه، إنتي اللي عاوزاني ياندى. إنتي اللي محتاجة تتعالجي وترجعي لأهلك ولنفسك قبل أي حد. محتاجة تعترفي إنك مريضة، مش تمثلي إنك فاقدة النطق زي أسيف اللي بتغيري منها."
قاطعته وهي تقف صارخة به:
"أنا مش بغير من حد."
لأول مرة يصيح "يزيد" بأحد مرضاه، وهو يتلتفت لها بنظرات حادة عنيفة:
"لا، بتغيري لدرجة إنك قلدتي حالتها ومثّلتي فقدان النطق على الكل عشان تبقي زيها."
صرخت بغضب، وقد بدأت دموعها تهطل من ذلك الرجل الذي يعريها أمام نفسها بجحود:
"لا، لا، ماعملتش كده عشان غيرانة. ماحصلش!"
اتجه إليها يحدق بها ببرود شديد، وأردف بعناد:
"لا، عملتي كده من غيرتك عشان تاخدي اهتمام تيم ليكي أنتِ. عملتي كل ده قصد."
بدأ جسدها بالارتعاش وهي تنظر إليه بحقد وغضب، وقد عجزت عن إيقاف دموع ضعفها أمامه، لتصرخ بعنف وهي تلقي بثقل جسدها أعلى الأريكة:
"أيوه عملت كده عشان ييجي وأشوفه وماجاش. حتى هرّبت وهو ماجاش يشوفني. حاولت أصعب عليه زيها هي، واخداه ليها بدموعها، وأنا محتاجاه أكتر منها. عاوزة اترمي في حضنه، عاوزة أقوله إني محتاجاه بعد ابني ما راح مني."
بدأت تتنفس من فمها وهي تضغط على خصلاتها بعنف، وصوت بكائها ونحيبها يصدح بالأجواء. غطت وجهها تتوارى عن أنظاره وتخفي ضعفها، تبكي بعنف وشهقات مرتفعة، وهي تهمس:
"أنا عارفة إني غلطت كتير، بس أنا لسه بحبه ومش عارفة أخرج حبه من جوايا. عارفة إني غدرت بأسيف وأذيتها، وأهو حقها رجع وابني مات قبل ما أشوفه. ليه القسوة دي؟ معقول ما صعبتش عليه بعد موت ابننا؟ أنا بحبه. زعلانين كلكم على أسيف، وأنا الشريرة اللي أذيتها. ضعف أسيف كان غلط. ورغم إنها اتأذت زمان من برائتها، لكن برضه أصرت تفضل زي ما هي. أنا مش بكره أسيف، محدش فيكم فاهمني. كلكم كنتم القاضي والجلاد عليا. تخيل جدو مجاش ولا مرة ليا هنا، رغم إنه هو وتيتة كانوا هيتجننوا على أسيف لما خدها ومشي. أنا... أنا مش بكرهم."
خارت قواها لأول مرة، وبدأت تتحدث بتشتت وعبث، حيث شهقاتها تتعالى وانهيارها يزداد. وتلك القبضة فوق قلبها تعصره بقوة شديدة، وهي تتساءل داخلها: هل يفنى عمر الإنسان من كم الأوجاع؟
للصمت ضريبة تدفعها تلك القلوب الساكنة، وللكتمان وجع ينبش ببقايا أرواحنا المُرْهَقة. ومهما بلغ الشر داخلنا، تحاربنا قوى الخير لتطفو على وجه الحياة مرة أخرى. أيتها الجروح الغائرة، للوحدة ضريبة أدفعها الآن بضيق أنفاسي. تحولت قوايّ للدفاع عن نفسي إلى نيران غيرة وحقد أحرقتني وحدي بالنهاية. أنا الخاسرة التي شنت حربها على بريئة، حاقدة على محبة لم أملكها يومًا. أنا تلك الصامته التي توارت خلف جدران القوة الواهية والحقد الدفين لأحتَمي من بني البشر، وتدريجيًا تحولت إلى فتاة الشر بحياة من حولي.
تنهد "يزيد" وقد بدأ يستوعب حالتها حين بدأت بالأحاديث المشتتة. ورغم تشتت نظراتها وشهقاتها المرتفعة ودموعها التي تهطل كالشلال، إلا أنه اندهش من كم المشاعر التي تصل بالإنسان إلى تلك الحالة. لم تتعرض "ندى" إلى ما تعرضت له "أسيف"، لكنه اكتشف أنها أضعف من "أسيف" بمراحل، وما جدار القسوة سوى سِتار تحتمي به من الجميع.
أمسك كوب المياه وهو يناولها إياه بلطف، وقال محاولًا تهدئتها:
"لو كنت أعرف إن استفزازك هيعمل كده، مكنتش اتكلمت خالص. وأنتِ ساكتة كان أرحم."
نظرت إليه بحزن، وقد شحب وجهها وباتت أعينها ذابلة، ترى منهما روحها المُهشَّمة. لكنها أغمضت عينيها بسكون حين وجدته يبتسم لها بهدوء، وما كانت كلماته سوى مزاح. هو لم يمل منها كما فعل الجميع، بل يمازحها.
***
وقفت "سمر" تحدق بتلك اللوحة الجميلة التي أبدعت "أسيف" بها، وقد ظهر بها كم هي ماهرة. فنانة مبدعة رقيقة، انبهرت العمة وهي تمدح لوحاتها المختلفة بكلمات لطيفة. ابتسمت لها "أسيف" برقة وهي تقف متجهة إلى مرحاض المرسم الراقي خاصتها، تغسل يديها بهدوء وهي تقول بصوت رزين متسائلة:
"وإنتِ عايزة تروحي لتيم ليه يا عمتو؟"
تنهدت العمة بهدوء وهي تعبث بأصابعها الرقيقة بفرشاة صغيرة أمامها قائلة:
"ولا حاجة يا قلب عمتو. أنا لقيت نفسي فاضية، قولت أعدي عليكم وناكل برا سوا، بقالنا فترة طويلة مخرجناش سوا يا أسيف."
عادت إليها وهي تبتسم بلطف قائلة بهدوء:
"فكرة حلوة برضه، خلينا نغير جو القصر."
ثم تنهدت وهي تهمس بحزن:
"وتيم محتاج ده برضه."
بدأت تجمع متعلقاتها وتستعد للمغادرة، ليرن هاتفها وتنير شاشته باسم "يزيد". بللت شفتيها وهي تنظر إليه بصمت دام لحظات، ليأتيها صوت عمتها التي ربتت بلطف على كتفها، ثم أمسكت ذراعها بالكف الحازم تقول بهدوء:
"قررتي إيه يا أسيف؟"
توترت ملامحها وتصنعت عدم الفهم وهي تغلق شاشة هاتفها تهمس لها:
"في إيه يا عمتو؟"
ابتسمت عمتها بهدوء وكورت وجهها الصغير، تنظر داخل رماديتيها الجميلة قائلة بنبرة رزينة:
"أنا مربياكي يا أسيف، إنتِ بنتي، يعني لما تبقي محتارة ومتوترة، أول واحدة بتعرف ده أنا."
لم تستطع أسيف مقاومة تلك الابتسامة الساخرة فوق شفتيها، وأردفت بحزن بالغ وهي تزيل كفها عن وجهها بهدوء:
"فعلاً؟ للأسف يا عمتو، أنتِ مربياني بس. لما كنت خايفة من كام شهر أتكلم عن اللي بيحصل فيا، مكنتيش بتعرفيني ليه وأنا متوترة ومحتارة؟ اشمعنى دلوقتي؟"
عقدت "سمر" حاجبيها وهمست لها بصدمة واضحة:
"إنتِ مكنش واضح عليكي حاجة ساعتها يا بنتي، تفتكري أنا ممكن أشوف كده أو أبقى عارفة اللي بيحصلك وأسكت؟"
أغمضت "أسيف" عينيها وقالت بهدوء:
"أنا مايهمنيش تسكتي أو لأ، لكن لو أنا فعلًا بنتك واتعمل فيا كده، هتساعديني أنسى ولا لأ؟"
اتسعت عينيها وهي تهز رأسها بالإيجاب، قائلة باندهاش:
"وأنا مش بساعدك يا أسيف؟ ده أنا كل أمنيتي دلوقتي إنك تنسي وتعيشي حياتك عادي."
بللت "أسيف" شفتيها تهمس لها:
"أنا عمري ما هنسى يا عمتو. وجع جسمي بصحى عليه كل يوم كأنه كان امبارح. كلامه في ودني وهمسه في كوابيسي. إني أشوفه كل يوم قصادي وأسمع صوته ده بيوجعني ومش هينسيني أبدًا. أنسى إهانته ليا؟ عايزاني أنسى ذلة؟ عايزاني أنسى وأنا بصرخ وبترجاه يرحمني وهو كأنه في عالم تاني مش سامع ولا حاسس؟ عايزاني أنسى إنه كان بيخطط شهور إزاي يهيني ويذلني وهو عارف إني مليش ذنب في كل ده؟ عاوزاني أنسي إني وثقت فيه وسافرت معاه زي الطفلة بالضبط وفاكرة إن خوفي منه كان وهم عشان مش متربي معايا زي نائل، وكوابيسي كلام فارغ، وأتفاجئ بوحش بينهش فيا؟ عاوزاني أنسي إيه؟ كنتِ إنتِ نسيتي طليقك؟ فاكرة قولتي إيه لتيته لما قالتلك هيرجعك ولسه بيحبك؟ قولتلها عمري ما أنسى كلامه وثقتي فيه راحت، أرجعله إزاي؟ إنتِ مش ناسيه كلام وعايزاني أنسى كلامه وضربه وإهاناته وذله ليا؟ ها؟ ردي عليا. كان مين بينسى؟ واشمعنا أنا اللي أنسى فيكم؟ عشان أنا أسيف ضعيفة الشخصية، مش كده؟ مين قالك إني محاولتش أنسى؟ أنا حاولت أنسى خوفي من الرجالة بعد اللي شوفته. قولت مش ممكن يكون زي السواق المقرف ده... ده ابن عمي... هيعاملني زي ندى. مفيش حاجة تخوف. عارفة لما كان بيتعصب كان بيعمل فيا إيه؟ ها؟ عارفة كنت ببقى مرعوبة قد إيه؟ كنت بخاف أنام ويهجم عليا يضربني. كنت بترعب لما أحس إنه صاحي قبلي. كنت بموت كل يوم وانتوا مش حاسين ولا عارفين. وفي الآخر جاي بمنتهى البساطة يقولي آسف! آسف على إيه ها؟ آسف على جسمي اللي استباحه ولا عضمي اللي كسره ولا الكلام اللي حفظهولي؟ آسف على إيه ها؟ إزاي بعد كل ده عاوزاني أنسي؟ لو كنت بنتك كنتِ هتقوليلها انسي؟ أنا عمري ما هنسى ولا هسامح. عمري."
لهثت بعنف فور ذلك الانفجار اللعين بكلماتها المخزونة منذ أن رأت وجهه الكريه مرة أخرى منذ أن عادت، وهي تريد الصراخ بتلك الكلمات علها تشفي جروحها الغائرة وتطفئ نيران قلبها المشتعلة. علها تعود بريئة كما كانت. كتمان الوجع أشد من الوجع ذاته ياسادة، إنها نيران تكوي قلوبنا الصغيرة تحرقها بلا شفقة.
مسحت تلك القطرات الساخنة اللعينة التي ألهبت وجهها وأرهقت روحها، واتجهت إلى الباب الزجاجي تفتحه لتخرج للهواء الطلق، علها تزيل قليلاً من ثقل روحها. ليرن هاتفها بجيب بنطالها مرة أخرى بإلحاح واضح من المتصل. أخرجته تحدق به لحظات ثم تنهدت بهدوء وهي ترفعه إلى أذنيها بعد لمسة خفيفة منها على شاشته تُعلن إيجابها أخيرًا على اتصالاته المتكررة، هامسة له بهدوء وهي تُغمض عينيها بإرهاق:
"أيوه يايزيد، أنا موافقة."
وقفت "سمر" متسمرة بمحلها شاحبة الوجه، تحاول إيقاف تلك الدموع التي أغرقت وجهها فور أن استمعت إلى كلمات ابن أخيها الرقيقة، لاعنة ابن أخيها الغبي الذي أرهق تلك الجميلة إلى تلك الدرجة. لقد دنس روحها وعبث ببراءتها بجبروت وطغيان لا حدود له. لن ينفع الندم صاحبه أبدًا. استمعت إلى موافقتها وانتظرت إنهائها المكالمة، ثم اتجهت إليها وهي تتطلع إلى رماديتيها المقهورة بوجع، لتجذبها بقوة إلى أحضانها وتربت على خصلاتها، وهي تبكي معها بصوت مرتفع هامسة باعتذارات متعددة لن تُعيد ما ضاع.
***
وقف "تيم" أمام شرفة مكتبه الزجاجية يحدق بحركة السيارات بشرود تام، وقد غاب عقله بعدة اتجاهات. هو إلى حد ما اطمأن على شقيقته، رغم صعوبة ذكرياتها وجراحها التي اكتشف مؤخرًا أنه من الصعب مداواتها. إلا أنها أفضل الآن، لقد أصبحت أقوى عن ذي قبل، تعتمد على ذاتها وتتخذ قراراتها بعقلانية وهدوء. كان عليه أن يعلمها ذلك من قبل. هو أكبر مشارك بما حدث لها، لكنها على ما يرام الآن. ماذا عن طليقته؟ "يزيد" أخبره أنه من الصعب الكشف عن أسرار حالتها، لكنه أقر أنها أفضل من حالة "أسيف". ماذا ذلك الشعور بالذنب نحوها؟ هي أم مات جنينها، لكنها من جهة كانت مقبلة على قتل شقيقته. هل عليه أن يشفق عليها؟ شعور غريب بالخواء يتملكه نحوها. كيف كان يحبها؟ هل ذلك لم يكن شعورًا بالحب نحوها؟ هل كان يشفق عليها؟ وعلى وحدتها؟ زفر أنفاسه بارهاق شديد ليجفل حين استمع إلى صوتها الرقيق يشاركه عزلته، قائلة وهي تحتضن خصره من الخلف واضعة خدها على ظهره:
"ياااه، مين واخد عقلك ياتيموو؟"
ابتسم بهدوء وهو يعتدل بجسده يحتضنها بقوة، هامساً لها فور تقبيل خصلاتها:
"الشغل ياقلب أخوك. خلصتي بدري يعني؟ مش قولتي هتكملي اليوم في المرسم؟"
ابتلعت رمقها بتوتر، ثم ابتسمت له بخجل، وقد بدأت وجنتيها بالتورد اللطيف، ليضيق عينيه ثم يردف بهدوء متسائلاً:
"وافقتي؟"
عضت على شفتيها وهزت رأسها بالإيجاب، وهي تشير بيديها بحركات توضيحية أثناء حديثها الهادئ:
"أه، بس مش هنعمل حفلة خطوبة عشان تيته، هي الدبل بس هنلبسها سوا في حفلة صغيرة على قدنا كده لحد ما تعدي فترة."
وضع يديه بجيبي بنطاله وهو يحدق بها بنظرات لائمه:
"اتفقتوا على كل حاجة يعني، وجاية تبلغيني بس مش أكتر."
اتسعت عينيها المذهولة تهز رأسها بالسلب مسرعة هامسة بحزن:
"أبدا والله ياتيم، كل الحكاية أن يزيد لحوح جداً، وأنا قولتلَّه مش هينفع عشان تيته، وهو وافق وقال إنها مش مشكلة. إنت مش موافق على يزيد صح؟"
حدقت به بتساؤل، ليهز رأسه بإرهاق، ثم أحاط كتفيها واتجه إلى الأريكة الجلدية الأنيقة ليجلسا فوقها معًا وهو يحتضنها، رابتاً على خصلاتها هامساً لها بلطف:
"شوفي يا أسيف، أنا مش عايز أي حاجة غير راحتك وسعادتك ياحبيبتي، ولو راحتك معاه عمري ما هرفض، لكن ده ما يمنعش إني وراكِ دايماً ومعاكِ، وأول ما أحس إنك مش مرتاحة هبعده عنك تماماً. مش هكرر غلطتي يا أسيف."
قبل خصلاتها يهمس بلطف حازم:
"أوعدك ياقلب أخوكِ محدش هيقربلك طول ما أنا بتنفس."
أحاطت خصره بقوة تدس جسدها الصغير بأحضانه الدافئة، وشعور الامتنان بتعويض القدر لها بذلك الأخ الرائع الحنون لا يضاهيه شعور الآن. كم تعشق ذاك الرجل الحنون وتتمنى أن يكون يزيد نسخة منه. وضعت قبلة صغيرة أعلى وجنته وعادت مرة أخرى لأحضانه بهدوء، ليبتسم لها قائلاً:
"متأكدة من قرارك يا أسيف. خليكِ فاكرة إنك هتظلمي شخص معاكِ لو كملتي، عشان ده يزيد الدكتور. أظن فهماني؟"
هزت رأسها بالإيجاب وهي تهمس له بهدوء بعد أن أطلقت تلك التنهيدة ذات الأنفاس الساخنة من رئتيها:
"متأكدة ياتيم. بس خليك جنبي دايماً."
أحاط خصرها بقوة وقبل خصلاتها يهمس بما جعل ابتسامتها الجميلة تطفو على شفتيها:
"أنا جنبك ومعاكِ في كل لحظة ياقلب تيم وعمري ما هسيبك، ما تخافيش. واستعدي بس لمرحلة جديدة في حياتك أتمنى تعوضك عن اللي فات ياقلب أخوكِ."
رواية حصونه المهلكة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شيماء الجندي
“خِطه!”
داخل تلك الغرفه الرياضيه المجهزة بأحدث الأجهزة و التقنيات الحديثة يجلس فوق الأرضيه و المياه تتقطر من جميع أنحاء جسده مياه عرقه و دموعه معااا ، ما هذا الشعور القاسى ؟!! منذ أن عرف من عمته بما تخفيه بقلبها و عقلها عن الجميع و هو بأسوأ حالاته على الإطلاق شعور الذنب و الندم قاتل يكاد يهلك بين رحاياهم فاقداً ما تبقي من أنفاس مقاومته أغمض عينيه و هو يستعيد هيئتها المتوسله له ، المستجديه رحمته حين كانت مُدرجه بدمائها الطاهره ، لقد دنسها ، قتل براءتها و الآن يبكى على ما اقترفته يداه …
مسح دموعه عن وجهه بعنف ثم رفع يديه يجمع خصلاته جاذباً إياها للخلف بقوه عله يصل إلى حل بتلك الكارثه ، لقد وافقت على ذاك اللعين ليكون زوجاً لها ؟!! لقد أبت أن تمنحه عفوها و غفرانها ، و سوف تبدأ بحياه جديده مع رجل آخر ؟!!! هل عليه أن يقف الآن مكتوف الأيدى مُختبئاً بتلك الغرفه ؟!!! هل يأخذ دور المشاهد الصامت ؟!! لقد رفضت جميع محاولات التفاوض معه عليها أن تسمعه فقط مره واحده لعلها تغفر !!!! لعلها ترحم عقله المرهق و قلبه الثائر الآن …..
وقف وهو يزفر أنفاسه بقوه ثم اتجه إلى كابينه الاستحمام يمنح جسده حمام دافئ قبل أن يبدأ بما يمهده الآن بعقله ، حسناً إن كانت لا تريد أن تسمعه لتري بأم عينيها ؟!!!!!
مر الوقت به و هو يُعد جيداً ليصل إلي غرضه قبل أن تبدأ حفله خطبتها لرجل آخر اليوم لن يحدث ذلك لن يرى ذاك اللعين جواراها ، خرج من غرفه المكتب يراقب حاله الهرج السائدة بحركه الخادمات حيث يحاولن إنجاز ما تكلفه بهن العمه التى وقفت بعيداً نسبيا تحدق به بنظرات حزينه و كأنها تعتذر له ! ابتسم بسخرية داخله و هو يتسأل من عليه الاعتذار ؟!! هز رأسه بارهاق و كاد أن يتجه إلى الأعلى لتبديل ملابسه لكنه اصطدم ب “نائل” الذى كان يهبط مسرعا و هو يتحدث بالهاتف و من كلماته من الواضح أنه يتفق علي إحدى التنظيمات ، جز علي أسنانه بقوه و أمسك ذراعه يوقفه و رماديتيه ترسل النظرات المشتعله له ليعقد الأخير حاجبيه و ينهى مكالمته مسرعاً و هو يتجه معه إلي جناحه مندهشاً مما يفعله ابن عمه ليقول فور أن أغلق الهاتف و بلحظتها أغلق “فهد” باب جناحه :
-ايه يااعم أنت بتعمل ايه أنا مش فاضى أسيف طالبه منى كذا حاجه ….
لكزه “فهد” بكتفه بقوه و هو يهتف بعنف :
– أنت معندكش دم يلااا ؟!!! أنت هتساعدها تتجوز الواد الملزق ده ؟؟!
ابتسم “نائل” ببرود و هو يدلك محل لكزته القويه التى جعلته يطلق تأوه خفيف و غمز بإحدى عينيه له يقول بتساؤل مزيف :
– و أنت مش عايزنى اساعدها ليه هاا ؟! هي بنت عمي و هو صاحبي و بصراحه لايقين اووي علي بعض …
اتسعت مُقلتيه حين تلقي لكمه قويه و دفعه عنيفه بمنتصف صدره أدت إلى ارتطام قوي لجسده بالحائط خلفه أطلق صيحه قويه حين انقض عليه “فهد” بشراسه صارخاً به بعنف :
– مين دول اللى لايقين علي بعض أنت بتستعبط و لا عااامل مش فاااهم ، أنت بتساعد صاحبك ضد ابن عمككككك ؟!!!
لكمه “نائل” فى عضلات باطنه بعنف و هو يحاول تخليص جسده منه صارخاً به بغضب :
– ايه يافهد الغباوه دى تصدق ليها حق ترفض تكلمك اناا راجل و مستحملتش .. و بعدين ايوه أساعد صاحبي طالما يستحقها لو اتحطيت أنت و هو فى الكفتين طبيعي هو يكسبك كفايه إنه مش غبي كده …
لا يعلم ماهية ذاك الشعور حين حدثه عن استغلال قوته الجسمانية معها ،،، ومعه الآن …
عاد بجسده إلى الخلف و هو يفك اسره مُبللاً شفتيه و قد زاغت عينيه بعده اتجاهات يحاول صرف هيئتها عن عقله حتى يتثني له استجماع شتات عقله و قلبه الذى ينبض بين ثنايا صدره بقوه شديدة منذ علم بأمرها هى والطبيب و كأنه مقبلاً علي حرب .. هى بالفعل حرب ؛ حرب خاضتها بمفردها نحوه تعثرت أمامه عده مرات ليبتسم ظناً منه أن تلك هى لحظه انتصاره لكنها كانت تخذله حين تقف بمواجهته مره أخرى مُلطخه بدماء انتصارها هى عليه تلوح له بابتسامه صافيه عله يرفع رايته أمام براءتها لكنه أبي و اسكتبر ، ليكون مصيره جاثياً على ركبتيه أمام عرشها ينتظر أمرها بفك أغلال أسرِها له ….
وقف “نائل” يحدق به ببعض الندم حين رأى ذاك الحزن الطاغى على ملامحه الرجوليه ليتقدم منه رابتاً على كتفه بحزم يقول بهدوء :
-سيبها فى حالها يافهد أنا نفسى خوفت منك دلوقت اللى بتعمله ده مش ممكن يخليها تفكر فيك لحظه واحده أو أنها تسامحك حتي ..
حدق به بأعين دامعه مُنهكه من فرط الوجع الذي قاساه و لازال يقاسيه بمفرده ثم همس بصوت متحشرج أجش :
– مش قادر اسيبها يانائل ، حاولت و معرفتش نظراتها ليا مجرد ما بتشوفنى صدفه بس بتفضل في عقلى طول يومى خنجر داخل طالع في قلبي كل مافتكر اللي عملته أنا عارف إنها جريمه و عارف إنى دمرت أى أمل بينا بأيديا و عارف إنى أناني في طلبي أنها تسامحني بس أنا مش قادر .. حط نفسك مكانى ، لو حبيت واحده هتقدر تشوفها مع حد غيرك ؟!!!
اتسعت أعين “نائل” بمفاجأة لم يكن ينتظر اعتراف ابن العم ابداااا بتلك اللحظه ليهمس بذهول مستنكر :
– حبيتها ؟!!
و كأنه كان ينتظر كلمه ابن عمه ليصرخ بغضب و هو يصول و يجول حول نفسه يجذب خصلاته بعنف و يلوح بيديه :
– ايوه حبيتهااااا ، مين يقدر يشوف أسيف ومايحبهااااش انا حبيت أسيف و براءتها حبيت أصغر تفصيله فيهاا بقيت تجذبني ليها غصب عني و بقيت بحارب نفسي عشان ماخونش عهدى لواحد اكتشفت انه اصلاااا كان مريض عيشني في وهم انتقااام مش موجود ، عارف أنا رجعت بيها هنا ليه ؟!! عشان ماقدرش اجى جنبها عشان أخاف منكم لو عرفتوا باللي بعمله و مقربتش منها من ساعتها كوابيسى مكنتش بترحمني اصلاااا لحد ماجت الليله اللي حاولت أقرب منها بجد و رفضتني ، مشوفتش غير نظرات أمى و كلام ابويا بقي في وداني هاتلي راجل واحد يقبل إن مراته ترفضه مشوفتش قصادي و بعترف إنه أكبر ذنب عملته في حيااتي كانت هى ، أنا بتمني إنى أموت عشان أنسى اللى عملته فيهاااا ، بتمني أني أموت كل لحظه بشوف بنظراتها لياااااا ، بتمني الموت و لا إن راجل تاااني يقرب من أسيف و أنا عااايش ، أنا ندمت إنى طلقتها كان لااازم اخليها علي ذمتي غصب عنها و عنى ، بس قولت كفايه غصب عليها لما تهدي هحاول معاها مره و اتنين و تلااته لحد ماتسامحنى ، أيوه انا طمعت في رحمتها ، و لسه طمعان يا نائل ، قولي اعمل ايه غير أني اسيبها لراجل غيري أنا مش ملاك عشان اعمل كده …
سلط أنظاره أخيراً عليه و هو يلتقط أنفاسه اللاهثه اثر صراخه الغاضب العنيف حيث صدره يعلو و يهبط بعنف ، نبضات قلبه يسمعها الآن ابن عمه المذهول مما يسمعه هل ذلك فهد ابن عمه الصامت الصارم ؟!! هل يحب “أسيف” بالفعل ؟!! لقد ظن أنه غار من علاقتها بيزيد فقط ، لكن مشاعر ابن العم حقا تحركت نحو المستحيل بذاته ، راقب “نائل” تلك الدموع التي تلمع علي لحيه ابن عمه و يراها لأول مره بذهول حقيقي نظرات الانكسار التى تصرخ بها مقلتيه حقا اوجعته ليزفر بارهاق و هو يهز رأسه بعدم تصديق لما تؤول إليه أمورهم لقد أصبحت الأمور أكثر تعقيداً الآن ليهمس بصوت واضح و بدا انه يتحاشى النظر إلي ذاك الفهد :
– مستحيل أنت بتحاول في حاجه مستحيله يافهد ، أنت متعرفش مشاعر أسيف ناحيتك شكلها إيه دي مش مستحمله تشوفك حتي ، أنا نفسي خوفت منك دلوقت تخيل بقي واحده زى أسيف عاشت معاك أيام و ليالي بالرعب ده مش بس لحظاات زيي ..
اتجه إليه “فهد” يضغط على كتفيه بقوه و هو يهدر بصوت متحشرج :
– نائل مفيش غيرك يساعدني حتي عمتك من ساعه كلامها مع أسيف قالتلي انسي بس أنا فعلا مش قادر ، أنا مش طالب غير إن يبقي ليا حاجه فى كفتي عندها و ده مش ممكن يحصل لو يزيد ارتبط بيها هو فاهم مشاعرى ناحيتها عشان كده بيسرع من ارتباطه …
عقد “نائل” حاجبيه بتوهان و أردف باندهاش :
– مش فاهم يعني ايه كفتك تتساوى أنت هتعمل ايه ؟!! و أنا اساعدك ازاي بقولك مش طايقه تسمع اسمك ..
عقد “فهد” حاجبيه و هو يردف بغضب :
– ماخلاص يابني آدم عرفت إنها مش طايقه تسمع زفتي ، الكفه تتساوي يعني أنا دلوقت الشيطان فى نظرها و يزيد باشا طبعا الملاك الحارس و أنا مش عايز غير فرصه اقدر أوضح فيها إني اتغيرت و اخليها تسامحني ..
نطق كلماته الأخيرة بهزل و ضعف شديدين وبدأت الدموع تلتمع بعينيه بنظره يائسه للغايه حركت غضب ابن عمه من ذاك الضعف الذي بدا عليه لأجل فرصه واحده ؟!! زفر “نائل” بارهاق و قال بهدوء نسبي :
– طيب و أنا اقدر اساعدك ازاي ؟!!! و غير كده خليك فاكر تيم هاا لو أسيف قبلت تسامحك مش تحبك واخد بالك أنت … تيم ممكن يقتلك و يقتلها و يقتلني علي مساعدتي دي أنا عارف ان آخرتي على ايد حد منكم و بما إنك بقيت كيوت كده عشان خاطر سوفي يبقي أكيد تيم هو اللى هيقتلني …
كشر “فهد” عن أنيابه بغضب و أمسك تلابيبه يجذبه إليه و هو يردف بغضب ينافي حالته منذ قليل تماماً :
– مين ده ياض اللى بقاا كيوت و عشان ايه ؟!! اسمها ايه سمعني تااني ؟!!!
ضيق عينيه و قد لوحت أمارات عنفه و غضبه بالاجواء ليبتسم “نائل” و يردف ببرود و هو يربت على ظهر يدي “فهد” المتشبثه بتلابيب قميصه بعنف :
-لاااا بقولك إيه أنت حالياً محتاج مسااعده هااا ، جو الغطرسه و قله الأدب دي هتطفش البت أكتر ما هى طفشااانه لم نفسك كده و افتكر أسيف بتكره العنفففف !!!
أغمض “فهد” عينيه يحاول استجماع هدوءه ثم انزل يديه عن قميص ابن عمه المستغل و ابتسم ببرود مماثل يقول بمكر :
-حلو يعني قبلت تساعدني …
نظر له “نائل” بطرف عينيه بقلق ثم اردف :
– ايه ده أنت مبتسم كده ليه احنا هنقتل يزيد و لا ايه ؟!! بقولك إيه أنا من الاول قلقان منك و ..
لكزه “فهد” بغضب و هو يقطع سيل كلماته و أفكاره قائلاً بغضب :
– بقولك ايه يازفت أنت متعصبنيش أنت شايفني قتال قتله قصادك ، خلاااص بطلت زفت عنف اومال أنا اتعالجت من ايه ، أنا هستخدم دماغى بسسس زي ما هو بيعمل ..
تنهد “نائل” و قال بعقلانيه :
-تمام هساعدك بس أول مااحس بضرر ناحيه أسيف أنا هوقف على طول أنا معنديش استعداد اخسرها ده أنا لو ليا أخت مكنتش هتعمل معايا اللى هى بتعمله ، ده غير إن يزيد صاحبي و مش هضره برضه اعملك اي حاجه بعيد عنهم ..
زفر “فهد” و هو يهز رأسه الإيجاب رابتاً على كتفيه بقوه :
– أولاً أنا مش ممكن أأذيها يااغبي و أنا بعمل كل ده عشان تكلمني ، ثانياً قولتلك إني مش قتال قتله مليش أي علاقه بيه كل محاولاتي هتبقي معاها ..
اتسعت عيني “نائل” يهتف مسرعاً :
-لحظه لحظه هما محاولات مش محاوله ؟!! أنت مطول و لا ايييه لا ده أنت شكلك ناوي تشتري ليهم تذاكر شهر العسل ..
رفع يديه بحمايه أمام وجهه حين أغضب ابن عمه و كاد يلكمه بعنف علي كلماته الغير منتقاه بالمره ليسرع قائلاً :
– قولي عاوز تبدأ بايه يا كبير و أنا تحت أمرك …
تنهد زافراً أنفاسه و هو يحدق به لحظات قبل أن يبدأ بقص عليه ما يريد فعله بالتحديد ليقلب تلك الليله …
*
جلست “ندي” شارده فوق ذاك المقعد فى الحديقه تحاول صرف تفكيرها عن ذاك الطبيب الذى استطاع كشف مكنون صدرها و لعبتها الحمقاء لقد تمكن من إشغال عقلها كما أراد و تحميلها ذنوب ما اقترفته أيديها مؤكداً عليها أنها المتسببه بما آلت إليه حالتها و أن الله قد اختار الأفضل لها حين فقدت جنينها حيث قال إنها فرصه عظيمه عليها اغتنامها و الإعتراف بمرضها لأجل التداوى منه ، زفرت بارهاق و قررت العوده إلى غرفتها مره أخرى علها تنعم ببعض ساعات النوم التى حُرمت منها طوال ليلتها الثقيله ، اتسعت عينيها حين وقعت انظارها على تلك الحقيبه المخصصه للهدايا اتجهت إليها تقف عاقده حاجبيها و بدأت أناملها تعبث بمحتوياتها لتجدها عباره عن علبه كبيره مغلفه و محكمه الإغلاق جيداً ، ابتسمت تلقائياً و هى تقرأ سطور الورقه المطويه بجانب العلبه ثم أعادت قرأتها بصوت واضح و كأنها تحاول تصديق ما تراه الآن :
-افتحي هديتك و حاولى تستغليها أنا مشغول النهارده و مش هقدر اقابلك لكن ميعادنا بكره عاوز اجى ألاقيكِ منفذه ده ..
ابتسمت و بدأت أناملها بفك الشريط الحريري و هي لأول مره منذ وقت طويل تُبدي حماستها ناحيه شيئ ماا …..
*
وقفت “أسيف” تعقد ذراعيها أسفل صدرها بغضب و هي تحدق بذاك الفستان النبيذي الذي أرسله اليها “يزيد” مع بطاقه صغيره تحوى رساله مقتضبه أمسكت هاتفها و هى تطرق عليه بغضب مسرعه تتصل به منتظره لحظات قبل أن ترفعه إلى أذنها قائله بغضب :
– ايه ده يايزيد ، مين قالك إنى هلبس اللون ده اصلااا ، أنت عارف إنى بكره اللون داااا
صمتت لحظات تستمع إلي حديث قبل أن تقول بغضب و هى تحاول التقاط أنفاسها و عمتها تحدق بها باندهاش :
-ردماادي ايه لا ده مش رمادي و الورقه قصادي مكتوبه بخط ايديك أنا عارفااه …
لحظات مرت عليها و هى مره أخرى تحدق بالورقه ثم زفرت بغضب و قالت باعتذار :
-انا هختار فستاني بنفسى أسفه ليك مش هقدر ألبس ده ..
بللت شفتيها ثم بدأت ثورتها بالخمود تدريجياً و هي تقول متنهده :
– خلاص ماشي .. مش زعلانه لا … سلام ….
اختفت ابتسامه ذاك المراقب للوضع من خلف الجدار و ابن عمه يلكزه بجانبه هامساً له :
– أنت مقولتليش ليه علي موضوع الفستان ده احنا مش اتفقنا مش هتتدخل بينهم ..
غرس “فهد” أصابعه بعنف فى ذراع ابن عمه و هو يسحبه بعيداً حتي لا يتصاعد صوتهم لها .. ثم هدر معنفاً إياه بغضب :
– ايه يابني ادم أنت و أنا عملت إيه ليهم كل الحكايه بحب اللون ده و كان نفسي تلبسه بس للأسف أسيف اتغيرت ١٨٠ درجه بس بدايه حلوه برضه …
حدق به “نائل” باندهاش ثم قال و هو يضيق عينيه بسخرية :
-بتحب اللون عليها ! فهد ياحبيبي فوووق أسيف بتتخطب لواحد تاني يعني هتلبس ليه هو مش ليك أنت صدقت ن..
قطع حديثه و هو يكمم فمه و يده الأخري خلف رأسه يهزه بعنف و غضب متشدقاً و هو يزيح جسده للحائط ليرتطم به :
-لو حاولت تستفزني تااني و تجمعهم في جمله أنا هقتلك أنت و أروح السجن و ارتاح بقااا …
اتسعت عيني “نائل” و هز رأسه بالإيجاب علي الفور ثم ازاح يد ابن عمه و هو يهمس له بلوم :
– هو ده اللى مش هتستخدم العنف تااني ؟!! اعمل حسابك أسيف كل كلامها هيبقى على إنجازات يزيد معاها ده لو قبلت تكلمك انجز و قولي هعمل ايييه أسيف هتاكلنى لو عرفت أني معملتش اللي قالته …..
أخرج “فهد” فلاشه صغيره من جيبه ثم وضعها بيد ابن عمه يردف بنبره تحذيريه حازمه :
-اظن فاكر هتعمل ايه .. متنساااش أنت مشوفتش اللى سابهاا الأمن هو اللى سلمها ليك ساامع …
هز رأسه بقلق و هو يأخذها منه بتردد قائلاً بتأكيد :
– فهد أنا وثقت فيك اوعي تكون الفلاشه دى فيها حاجه عن اللي حصل بينكم …
اندهش “فهد” من تفكير ابن عمه و أردف بغضب :
– أنت اتجننت يا نائل أنا لو أطول امسح الفتره دي من حياتنا هعمل ده الفلاشه فيها حاجه تانى خالص !! ، اتمني أسيف تكون لسه محتفظه بجزء من براءتها ناحيتي و تسمعها المهم إنك تخرج عمتك من الاوضه مش عاوز حد معاها ساامع ….
*
-غريبه أوى لو حد يعرفنى ليه الامن مدخلوش ؟!!
قالتها “أسيف” و هى تقلب تلك العلبه الصغيره الملفوفه بين يديها حيث وضع “نائل” الفلاشه داخلها كما أتفق مع ابن العم ، ليردف باندهاش مُجيبا إياها :
– ايه ياأسيف اللى غريب بس ، ممكن واحده صاحبتك و حابه تفاجئك شوفيها و أنا هروح أشوف الاوردر بتاع الفستان وصل و لا ايه …
ثم تركها و ولى خارجاً مصطحبا عمته و هو يحادثها معه ..
فتحت العلبه بقلق ثم قلبت محواها بين أصابعها لحظات قبل أن تنصرف إلي جهازها تبدأ بتشغيلها بأيدي مرتجفه متوتره للغايه ، و لا تدري ما تلك القبضه التى تشتد علي صدرها الآن من فرط قلقها الغير مبرر أخيراً أدركت سبب ذاك الرعب حين ظهر وجهه الماكر أمامها يبتسم بهدوء و هو يردف من خلف تلك الشاشه الصغيره و كأنه علي علم بتصرفاتها الآن :
– هااى يابيبي ، اوعي تقفلي ارجوكِ و أنا عمري مااترجيت حد ياأسيف مش هتخسرى حاجه لو سمعتيني و أنا مش قصادك ، أنا عملت الفيديو ده عشان بقيت متأكد إنك كارهه أى مكان يجمعنا سوا ، لو تيم غالي عندك كملي الفيديو للآخر مش عايز أكتر من كده …
اطلق تنهيده بارهاق واضح ثم دس يده بخصلاته بحركه تعرفها جيداً عنه يفعلها حين يفقد أعصابه ، بدأت الدموع تتجمع بمقلتيها و هى تحدق به بصمت و أصابعها تتراجع عن زر الإغلاق رويداً رويداً لتسمتع إليه يقول و هو يجلي حنجرته بصوت رخيم متعقل :
– أنا عارف شعورك ناحيتي شكله إيه كارهاني و مش مستحمله تشوفيني ، و لو تقدري تقتليني هتعمليها من غير ما تترددي لحظه واحده و أنا مش همعنك ساعتها ياأسيف و ربي ماهمنعك هستقبل الموت منك و أنا مرتاح ومبسوط كمان ، أنتِ مكنتيش تستاهلي اللي حصل و أنا كنت مُغيب في عالم تاني .. و ده مش مبرر ابدااا و لا عمري هيبقي ليا حق فى اللي عملته ، أنا هحكيلك حكايه صغيره و سايبلك فيديو تشوفيه بعد ده و مش عايز منك غير إنك تسمعيني و تعرفي إن طلبي الوحيد تسامحيني أتمنى ما شوفش نظرات خوف فى عينك بعدها لأني معنديش جراءه اتعرضلك تانى ياأسيف ..
تنهد و هو يفرك ذقنه يحرك رأسه للجانبين و هى تتابعه بقلب وجل يرتجف و قد بدأ سيل الدموع يزحف لعينيها و شفتيها ترتجف من وقع كلماته و لأول مره تستشعر الصدق برماديتيه الماكره لا هى ليست ماكره تلك المره هى دامعه نادمه .. مرهقه للغايه … استمعت إلى صوته الأجش يقول بنبره متألمه واضحه :
– الحكايه دي لطفل صغير عمرى ماحكيتها لحد هتقولى بحاول اكسب عطفك أيوه انا محتاج عطفك ياأسيف و لأول مره بحتاجه من حد بعد .. أمي ..
زحفت الدموع إلي عينيه هو تلك المرة و بدأ يسعل محاولاً الحفاظ على نبرته لتكون واضحه لها مُكملاً :
-الطفل ده كان عنده بالظبط ٦ سنين صحي في يوم على أصوات تكسير و تخبيط جامده جدا .. طبعا اترعب و خاف يطلع من اوضته و عيط بس لما لقى الوقت عدي و الأصوات سكتت فضوله غلبه و عياطه وقف و حب يشوف إيه اللى حصل و ياريته ما خرج من اوضته .. عارفه شاف ايه …
اغمض عينيه و كأنه يستحضر مشهد ما و أكمل بصوت غالبه الدموع .. :
– شاف أمه غرقانه في دمها لدرجه معرفش ملامحها في الأول ، الدم مغطي وشها كله و هدومها شبه مش موجوده بتحاول تفتح عيونها و تبص عليه و هو في زاويه صغيره بيعيط من رعبه و المنظر حواليها ، خايف يقرب منها و خايف يسيبها و يمشي ، فضل واقف مكانه بيتنفض لحد ما شاف أبوه رايح عليها رفعت ايديها كأنها بتمنعه يقرب لكن هو كمل و نزل قعد جنبها يعيط ، و يترجاها بكلام مش مفهوم .. الموقف ده بقي يتكرر يوم و اتنين و تلاته و الطفل ده بيكبر و بيخاف يقرب منهم فى الوقت اللي يحصل فيه كده لحد الأم في يوم جت و اتفقت معاه اتفاق ، إنه أول ما يسمع الأصوات دي هيقعد في اوضته و هيقرأ القرآن اللى حفظوه سوا بصوت عالي و الصوت هيسكت .. بس طلعت بتخدعه بقا يعمل كده فعلا و صوته يعلي و يعلي و أصوات الضرب و الصريخ بتعلي معاه ، بدأ يفهم أن أمه بتتعذب من أبوه لما دخل المدرسه و بدأ يفهم طرق المعامله بين الأهل شكلها الطبيعى إيه مع الوقت بقى يكره وجود ابوه و مجرد ما يختفي يجري علي أمه يساعدها و هو بينفذ كلامها اللي بيخرج بصوت واطي عشان تقوم و تقف تاني ، و في يوم وصل فيه ١٠ سنين و أخته كانت لسه طفله رضيعه وقف يشوفها و هى بتصرخ بكل قوتها كأنها اول مره يحصل معاها كده و راح عليها عشان يساعدها زي كل مره بس معرفش عارفه ليه ؟!!
تساقطت دموعه كالسيل و بدأ صوته يختل و يضعف و شهقات خفيفه تشق حديثه و هو يهمس مُغمضا عينيه :
– لقاها يتتنفض و الدم خارج من كل حته في جسمها سخنه زي النار و دموعها بس هي اللي موضحه إنها حاسه بيه ، أبوه ضربها بالشكل ده و هى محمومه من الأساس بدل ما يعالجها قتلها … حاولت … هاا حاولت اساعدها زى كل مره بس مقدرتششش ، أنفاسها الأخيرة خرجت و هى بين ايديا عاجز إني اساعدها و مفهمتش ليه سكتت فجأه دموعها و جسمها بقي ساكن زيها .. غير لما أبويا قالى إنها ماتت يعني مش هنشوفها تاني و السبب أبوكِ …..
تنفس بارهاق من فمه و هو يحاول مسح دموعه بعنف قائلاً بصوت متحشرج من سيل الذكريات الذى قبض علي أنفاسه بشكل واضح أمامها .. :
– و فضل سنين كل يوم يسمع حكايه عن عمه اللى كان عاوز أمه ليه و كان بيحاول معاها ، مع الوقت اقتنعت بأفكاره و وعدته إنى هرجع حقه … أنا اعتقد إنك عارفه الباقي أتمنى قبل ما تحكمي عليا بكذبي او صدقي تشوفي الفيديو التاني ، الفيديو متصور بالكاميرات بتاعه الشقه اللى كنتِ فيها ….
ثم اختفي …. اختفي بعد أن تسبب ببكائها نتيجه تلك القصه القاسيه التى قصها عليها بدموع عينيه حيث تراها لثاني مره بحياتها هى علي يقين بمدي صدق أحاديثه و لم تتخيل ابداا أن تصل بشاعه عمها لذلك الحد لكن زحفت أناملها المرتعشة و هى تكتم شهقاتها لرؤيته الفيديو المزعوم و ياليتها لم تفعل !!!!!!
لقد كان اشبه بإحدي الأفلام المرعبه حيث الصرخات المروعه الصادرة عن تلك السيده التى تضم جسدها فوق الارضيه البارده تتلقي صفعات بالحزام الجلدي و ركلات قاسيه .. ربااااه لقد شعرت بكل ذلك … لقد عادت إليها تلك اللحظات القاسيه و انطلقت الدموع من عينيها و هى تغطى فاهها بيديها الاثنتين تكتم شقهاتها المتتالية من هول ما ترى لقد كان أبوه متجبرا أكثر منه بمراحل لقد عانت تلك السيده الويلات لتكون حياتها ثمنااا لمريض نفسى لم يعالج …..
الحياه ليست عادله قد تندلع القسوه لتُغرق لحظات حياتنا و نشعر بأنها النهايه .. نهايه عالمنا الوردي .. نهايه بهجتنا .. نهايه تلك الابتسامه أعلى شفاهنا … لكنها تكون بداية .. بداية جديدة للحظات مختلفه و شعور مختلف قد يقودنا لعالمنا الأفضل ظنناه يوماً النهايه …..
رواية حصونه المهلكة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شيماء الجندي
بدأ الصداع يداهمها بقوة شديدة لتُغلق الحاسوب وتنزع تلك الكارثة التي حولت يومها الجيد إلى أتعس يوم بحياتها. أحكمت إغلاق العلبة وخبأتها بالكومود بجانبها.
انتفضت بمحلها حين استمعت إلى تلك الطرقات أعلى الباب وأمسكت رأسها التي خذلتها، وبدأت بالدوار. زاغت عينيها وبدأت أنفاسها بالاضطراب، وتلك السحابة السوداء تدور بقوة من حولها وتسحبها داخلها. ليكون آخر ما تراه وجه أخيها المذعور الصارخ باسمها قبل أن تفقد وعيها.
فتحت عينيها رويداً رويداً وهي ترمش، تحاول استيعاب ما يحدث. من حركة خفيفة حولها، صوت وقع الأقدام المتعددة جعلها تفتح عينيها بذعر. مشاهد ذاك الفيديو تتكرر بمخيلتها عدة مرات. انتفضت للخلف وهي تقاوم دوارها، تحاول النظر جيداً بالوجوه حولها. وقد تنفست الصعداء حين لم ترّ وجهه بين الحاضرين. هي لا تقوى على مقابلته أبداً بتلك اللحظات.
استجابت لأحضان أخيها واندست داخلها بصمت وعقلها يعبث ويدور بتلك الكلمات التي نطق بها. هل كان يرى أمه بالواقع كما رأتها هي هكذا؟ جسدها ينزف الدماء وتتعرض لتلك الضربات الوحشية من أب انعدمت منه الرحمة. كيف تخطى ذلك بعقله الطفولي الصغير؟ ليته كذب عليها تلك المرة، لكنه صادق. تلك الدموع التي غسلت لحيته الكثيفة لا تكذب.
لكن ماذا يريد؟ لما يطالبها بما يفوق طاقتها الآن؟ دست وجهها بأحضان أخيها وهي تشعر أنها بعالم آخر. لا تستمع سوى لهمهمات صادرة عنهم، وخاصة أخيها الذي يربت على ظهرها وخصلاتها برفق وهدوء. وفي الغالب يسألها عن حالها، لكنها بأسوأ حال. تلك القبضة تشتد على صدرها تكاد تخنقها. لم تتخيل يوماً أن يتحول عالمها الوردي لعالم بتلك القسوة.
تشوشت أفكارها الآن لتفيق على يد أخيها يرفع ذقنها بلطف هامساً لها:
"أسيف حبيبتي يزيد بيكلمك."
رفعت عينيها إليه ثم نظرت إلى يزيد بصمت قاتل أقلقه ووتره. لحظات قبل أن يتقدم يجلس أعلى الفراش قائلاً بصوته الهادئ:
"أسيف أنتِ عارفه إنك مش مجبرة على الارتباط بيا لو هيوصلك لكده؟"
تجمعت الدموع بعينيها الجميله وقد ضلت سبيلها تماماً لتوضيح ما حدث وأنه لا علاقة له بالأمر. عضت على شفتيها وهي تعتدل بجسدها لتستقيم أعلى الفراش. ثم نظرت إلى عمتها التي تجاورها بصمت واقتربت من أذنها تهمس لها بكلمات مقتضبة. لتقف العمة متجهة إلى غرفة الملابس بهدوء.
ونظرت "أسيف" أرضاً، مطلقة تنهيدة بارهاق وهي تهمس بخجل:
"اسفه يايزيد مكنتش عاوزه أبوظ عليك اليوم ده، بس أنا سهرت للصبح على شغل و... و غالبا حصلي ارق او حاجه كده. بس أنا مش عاوزاك تفكر إنك السبب."
عادت العمة وهي تعطيها تلك العلبة المخملية بهدوء. لتفتحها "أسيف" وتتناول منها خواتم الخطبة بهدوء. تمد يدها إلى "يزيد" بهما مُكملة أمام نظرات الجميع المشدوهة:
"انا بوظت الحفله عليك، لكن أكيد مش هبوظ الخطوبه."
دعوة صريحة منها بالموافقة عليه بكامل إرادتها. نظرت إلى شقيقها بتساؤل حين شعرت بذلك الصمت الذي غلف الأجواء. ليتنهد مبتسماً لها بهدوء. ويتولى "يزيد" وضع الخاتم بإصبعها بلطف بالغ. لتفعل مثله بهدوء وهي تعود إلى أحضان أخيها.
تسمع همس ابن عمها لعمتها:
"عليا النعمة دي أغرب خطوبه حصلت في العالم. دي لو اتصورت و نزلت سوشيال تخرب الدنيا."
كبتت العمة ابتسامتها وهي تلكزه هامسة:
"اخرس يانائل مش وقتك."
عادت إلى شرودها ولكنها أغمضت عينيها بارهاق وإعلان أنها مريضة تحتاج إلى الراحة. كاد "تيم" أن يتركها، لكنها تشبثت به بقوة رافضة تركه عله يُهدئ من روعها ويُخفي شتاتها. عقد حاجبيه وهو يهمس لها:
"أسيف حبيبتي أنتِ بخير؟"
هزت رأسها بالإيجاب وهي تهمهم. ثم دست رأسها بجسده بصمت تام لتغفو تلك المرة بإرادتها.
أحياناً يكون الهروب من الواقع أفضل الحلول بأعيننا، لكنه يظل واقعنا مهما فعلنا. وحين نعود نكون ذات أرواح مرهقة تبحث عن السلام بعالم الضباب.
***
يجول ويصول بالغرفة وهو يحاول ضبط أنفاسه المضطربة منتظراً ابن عمه الذي طالت جلسته معهم. لما تستغرق أفاقته تلك الفترة؟ زفر بارهاق وكاد أن ينصرف إليهم، لكن دخول ابن عمه عليه بهدوء جعله يتجه إليه بلهفة قائلاً بقلق واضح:
"فاقت؟ بقيت تمام؟"
اندهش "نائل" من أسلوبه الغريب عليه. إن أقسم أحدهم أنه سوف يرى ابن العم بتلك اللهفة على امرأة لكذبه في الحال. هو لا يصدق أنه ابن العم الصارم أبداً. هز رأسه بالإيجاب حين قرأ القلق يأكل مقلتيه وحمحم قائلاً:
"اه فاقت واتخطبت."
ثم اتسعت عينيه من تسرعه الأهوج ورفع يديه أمام وجه ابن عمه المصدوم يهمس له باضطراب وتوتر:
"مكنش لازم اقولها كده صح. بس أنا نفسي مش مصدق. دي فتحت عينيها طلبت الدبلتين ولبسوهم. أنت كنت حاطط ايه في الفلاشه؟ كنت بتشجعها علي الخطوبه و لا ايه؟"
أنهى كلماته بابتسامة سخيفة استقبلها الآخر بصمت. وغامت عينيه بوجع. ابتعد عنه وهو يتجه إلى شرفته قائلاً بصوت أجش:
"تمام! سيبني لوحدي يانائل."
احتل الحزن وجه ابن عمه على حالته، لكنه فضل الانصياع له وتركه بمفرده وانسحب من الغرفة تاركاً إياه بمفرده.
وقف "فهد" يطالع شرفتها بصمت. لا يشعر بالغضب حيال فعلتها. شعور الوجع بداخله مؤلم. هو لأول مرة يقص ما يجيش بصدره لأحدهم. لأول مرة يفصح عن أوجاع الماضي وندباته بدموع عينيه. ليتها كانت معه. ليته عرفها منذ زمن، لاختلف الأمر بالتأكيد. ليتها لم تكن ابنة العم أبداً. تلك المرارة التي يتجرعها الآن مؤلمة موحشة.
هو يريد غفرانها أكثر من أي شيء بالحياة. يريد النظرات البريئة التي كانت تندلع من مقلتيها الجميله ولم يقدرها حق قدرها. عله يمتلك ذاكرتها بيديه. عله يستطيع محو ماضيها وماضيه.
جفف تلك الدمعات التي لمعت على صدغيه ثم تنهد وهو يرى الطبيب المعالج ذو القدر الذي لم يستطع أخذه بقلبها يقلع بسيارته الآن. ضيق عينيه لحظات قبل أن ينصرف إلى غرفته ومنها إلى غرفة الملابس. يخرج ذلك الصندوق المخملي متوسط الحجم متجهاً به إلى فراشه. ثم جلس فوق الأرضية الباردة بجانب الفراش يضعه جانباً وهو يعبث بأصابعه بالأرقام ليُفتح الصندوق الذي يحمل عبق الذكريات. يحمل طيات الماضي المؤلم، الذي لم يترك له سوى ذكرى تنبش بجراحه وتعبث بها لتؤلمه.
فتح إحدى الأوراق المطوية والتي كانت برقم محدد من الخارج اختاره بعناية وبدأ بقرأتها بصوت متحشرج باكِ كالأطفال. يتأمل خطها الرقيق الذي رسم الحروف ببراعة:
"حبيبي فهد، ابني الجميل العاقل، تعرف أنا مكنتش حابه الاسم ده في الأول، باباك اللي اختاره، لأن قالولي كل واحد ليه نصيب من اسمه خوفت تاخد طباع الفهد و أفضل خايفة عليك. بس كل ما بتكبر قصادي و بحبك حبيت الاسم معاك و مبقتش قلقانة عليك منه. بصراحة اطمنت عليك لما شوفت الرحمة في تصرفاتك. مش عارفة لما هتشوف كلامي ده هتبقى قد إيه، بس لو ماشي على الورق اللي معاك هتبقى أكيد كبرت و قربت تتجوز. و أنا عندي كلام كتير أقولهولك و أنت متجوز. مش عارفه بكتب ليه، بس إحساسي إني مش هبقى معاك خوفني. و لو هبقى معاك مش مشكلة، أنا بتسلى و بضيع وقتي معاك، و مفيش أحلى من كلامي معاك. تعرف أنت قاعد قدامي دلوقتي بتبصلي بعيونك الجميلة و تبتسم و أنا بتخيلك كبير و هكلمك على إنك راجل عاقل. مش عارفة ليه بس ده شعوري و همشي وراه زي ما اتعودت. نفسي أبقى معاك و أشوف البنت اللي هتاخد أجمل راجل في الدنيا شكلها إيه. هتكبر و هتبقى راجل جميل أنا متأكدة. هتحب مراتك و تخاف عليها يا ابني مش هتأذيها و لا تيجي عليها. أنا واثقة في رحمتك، واثقة فيك يا فهد و أوعى تخذل ثقتي. و متأكدة إنك هتختار شريكتك صح، و هيبقى عندك أطفال حلوين هتحبهم و تخاف عليهم زي ما بتحب أمهم و زي ما أنا بحبك أوي كده. و أنت قاعد قدامي دلوقتي حاسة إن الدنيا كلها بين إيديا يا حبيبي. و أنت هتشوف الإحساس ده أنا متأكدة. و لو أنت بتقرأ الورقة دي يبقى أنا أكيد ربنا افتكرني. بس أنا معاك بروحي يا حبيبي معاك و قلبي معاك بيحس بيك لما بتخاف أو تفرح أو تزعل. امبارح كنت نايم في حضني و بتقولي هما الكبار كلهم زي بابا؟ و أنا معرفتش أرد معرفتش أقولك إيه. بس أنت مش زي أبوك أبداً يا حبيبي أنت ملاكي و هتفضل جميل كده هتفضل حنين و بتخاف على قلوب اللي حواليك. أنا خايفة تتغير عشان كده هقولك نصيحتي يمكن تحتاجها في الوقت ده. مفيش حاجة اسمها الوقت عدى والغلط خلاص مش هيتغير. لا يا حبيبي طول ما فيك نفس حاول وحاول على قد ما تقدر ما تظلمش يا ابني الظلم ظلمات و أنا خايفة عليك تقع فيه. يمكن كلامي ليك ملخبط. بس أنا خايفة ومش عارفة أنت حالتك إيه دلوقتي و أنت بتقرأ كلامي. لكن اللي عارفاه و متأكدة منه إني معاك بروحي و هتفضل روحي ملازماك يا حبيبي."
أغلق الورقة وهو يجهش ببكاء مرير واضعاً يده أعلى قلبه وهو يضغط بقوة عليه. وقد عجز عن إيقاف تلك الدموع اللعينة التي تأكل من روحه. كان بحاجة إلى النصح ولجأ إلى صندوقه الخاص، لكنه الآن بحاجة إلى أحضان. أحضان تحتويه كأمه الجميلة الحنون. ليته لم يفتح الصندوق، ليته لم يفعَل. ليته لم يدنس روحه قبل روحها. ليته ظل ذلك الملاك الذي تحدثت عنه الأم.
"لم أعد ذلك الملاك يا أمي. قد دنسَتني الدنيا بخطاياها والتهمت روحي الأوجاع. لقد هُشمت بين رحايا الحياة لأصبح ما أنا عليه الآن. لأصبح القاسي بروايتهم والظالم بحياتهم والمُدنس لروحها تلك الجميلة التي أحببتها."
افترش الأرض الصلبة بجسده وهو يحتضن تلك الورقة مغمضاً عينيه ودموعه تزين وجهه كالطفل الذي هُشمت لعبته واحتضنها، خالداً إلى نومه.
***
استيقظت "أسيف" صباحاً وهي تشعر بالارهاق بجميع أنحاء جسدها. نظرت إلى أخيها المستغرق بنومه لتقبل رأسه بهدوء وهي تستقيم معتدلة خارج الفراش. وقعت عينيها على ذاك الخاتم الذي زين إصبعها لتُغمض عينيها تحاول ضبط أنفاسها وهي تنفض رأسها عن تلك المشاهد التي تتكرر بعقلها. متجهة إلى المرحاض لتنعم بجلسة استحمام دافئة ترحم عظامها المتألمة.
خرجت من جناحها واتجهت إلى الأسفل وهي تعبث بمحتويات حقيبتها الصغيرة باحثة عن مفتاح سيارتها. كادت تصرخ بفزع حين وجدته أمامها يحدق بها بأعينه الرمادية المُرهقة. بللت شفتيها وهي تتذكر هيئته المماثلة قليلاً لذلك بمشاهد أمس. عضت على شفتيها والتفتت حولها لتجد الخدم بكل الأرجاء يباشرون أعمالهم. حاولت ضبط أنفاسها وهي تعتدل بوقفتها لتنصرف من جهة أخرى قبل أن يحاصرها بكلماته، لكن قد فات الأوان قد فعل.
استمعت إلى تنهيدته ثم صوته المتألم بوضوح يهمس لها مشيراً بعينيه إلى إصبع يدها اليمنى:
"مبروك!"
لم تجبه، إنما حدقت بعينيه لحظات وهي تحاول الفرار والابتعاد. ليُكمل وهو يسد عليها طريقها بجسده قائلاً:
"شفتي الفيديو أكيد. أسيف أنا حقيقي مش عايز غير إنك تسامحيني. أنا عارف إنه صعب، لكن دي شهور عدت وأنا خوفت أقرب منك في فترة علاجك. أنا عمري ما اترجيت حد كده. أنا مكنتش في وعيي كنت مريض واتعالجت. عمري ما عملت كده مع حد و..."
قاطعته بغضب والدموع تلتمع بعينيها الجميله قائلة بقهر:
"بس عملته معايا. أنا عمري ما هسامحك ولا هنسى اللي عملته فيا."
حدق بها بحزن ثم قال متسائلاً بغضب طفيف:
"اومال اتعالجتي إزاي يا أسيف؟ هتكملي إزاي مع راجل تاني وأنتِ مش قادرة تنسي اللي حصل ها؟"
ارتفع صدرها وهبط بتوتر بالغ وأوشكت على البكاء أمام سيل إصراره. لتهمس بارهاق:
"دي حاجة تخصني. سيبني في حالي بقااا. مانا سيبتك. عاوز مني إيه؟"
اقترب منها يهمس بوجع مماثل وهي تقطع نياط قلبه بنبرتها المُرْهِقة. لتبتعد عنه في الحال قائلاً:
"عايزك تسامحيني يا أسيف. أنتِ لفيتي سلاسل حوالين رقبتي وبتتحكمي فيها. عايزك تغفري يا أسيف."
حدقت بمقلتيه بوجع وهمست وهي تهز رأسها بالسلب:
"وأنت مغفرتش ليه؟"
تركته وهربت مسرعة من أمامه، ليزفر أنفاسه بارهاق ويستمع إلى صوت ابن عمه المازح:
"تصدق ده أحلى صباح شفته في القصر ده. فهد البراري بيتحول يا جدعان."
لم يجبه، إنما هز رأسه بتعب ثم نظر إليه يقول وهو يضيق عينيه بابتسامة ماكرة:
"ولاا أنت تعرف عنوان مرسم أسيف صح؟"
هز رأسه بالإيجاب وهو يقول بدهشة:
"أيوه طبعاً."
اتجه إليه "فهد" يسحبه من ذراعه دافعاً إياه أمامه وهو يقول:
"حلو يلا قدامي!"
اتسعت أعين "نائل" وهو يسير أمامه كالدمية وقال باعتراض:
"إيه يا جدع الأسلوب ده، هو انتوا تحبوا واحنا نتسحل؟"
تلقى لكمة بظهره آخرسته وجعلته يسير معه بطواعية تامة.
***
وقفت "أسيف" تحدق باندهاش بتلك الشقة التي لأول مرة تراها مفتوحة منذ أن بدأت عملها هنا. ابتلعت رمقها بتوتر طفيف ثم اتجهت إلى مرسمها تدلف إليه ومقلتيها تحاول تفقد الحركة بالداخل.
علا وجهه بسمة صغيرة حين راقب وصولها من الزجاج مستمعاً إلى صوت ابن عمه الحاسد:
"ياساتر على الحظ. ماشية معاك عنب. تشوف شقة قريبة من المرسم تقوم تلاقي اللي في وشه على طول فاضية. صحيح دنيا حظوظ."
اعتدل "فهد" وهو يرمقه بنظرات مستحقرة ثم جذبه إليه من قميصه يقول بغضب:
"حظوظ إيه يلااا أنت مش شايف المرار اللي أنا فيه. بتحسدني على إيه هاا؟"
ابتسم بسماجة وهو يردد:
"و مين جبرك على المرار ده. روح شوفلك واحدة تاني وريح دماغك."
خرجت الكلمات تلقائياً منه:
"ياريت أقدر."
ثم أمسك تلابيب ابن عمه وقربه إليه يقول بغضب:
"أنا لو أسيف ماسامحتنيش هقتلك وأقتلِها وأقتل نفسي!"
اتسعت عيني "نائل" من جدية ابن عمه وقال بخوف:
"طيب دي مشكلة بينك وبينها تقتلوا بعض عادي. أنا ممكن أفهم هموت ليه في النص؟"
قربه إليه أكثر صارخاً به:
"عشان كنت معايااااا وفشلت في مساعدتييييي!"
انتفض ابن عمه وهز رأسه بالسلب وهو يقول بتوتر:
"ربنا ما يجيب فشل يا كبير. أنا معاك وهنجح كلنا إن شاء الله. وأسيف ربنا هيهديها علينا كلنا. ممكن تسيب القميص بقي عشان أروح لها أعرفها بجيرانها الجداد؟"
تركه لينصرف من أمامه مسرعاً وتعتلي البسمة وجهه فور خروجه. ثم أخرج هاتفه يطمئن على حال شقيقته قبل أن يبدأ يومه معها.
رواية حصونه المهلكة الفصل العشرون 20 - بقلم شيماء الجندي
أغلقت الباب بإحكام خلفها ثم اتجهت إلى مكتبها تعبث بهاتفها لحظات قبل أن تضع سماعات أذنيها الخاصة وتفتح هاتفها على تلك المشاهد المخزية لذلك الطفل البريء وتلك السيدة الوقور التي أحطت من شأنها بلا داعٍ..
ودون أن تشعر سالت دموعها وهي لا تصدق إلى الآن أن ذلك الطفل الصغير الواقف بزاوية ما يبكي بعنف وقهر هو ذلك الفهد المفترس الذي نهش برائتها وافترستها بعنف ضاري متوحش…
أغمضت عينيها وهي تتذكر ذلك الكابوس بالأمس الذي لم يتركها وشأنها حيث ذلك الطفل الصغير المقيد بالأغلال يبكي ويصرخ مستغيثاً بها وهي تطالعه بأعين باكية عاجزة تحاول فك قيدها لتتجه إليه لكنها فشلت مرة ومرة وهي تشعر بتلك القيود تشتد عليها كلما حاولت؛ ليزحف الطفل إليها ونهر دموعه يغرق وجنتيه الجميلة فور تدفقه من رماديتيه يحاول مد يديه إليها والاستغاثة بها مرة أخرى ولكنها كما هي عاجزة تماماً تبكي بقهر لحاله ذاك البريء…
مؤلم ذلك الشعور حين مددت يديك لأنتشلك من أوجاعك ولكن كيف وأنا المكلومة ذات القلب الجريح هل ليَّ أن أعاونك ؟!!
أنا لا أميل للعزلة والإنطواء بل أميل لإرضاء ذاتي الجائعة للهدوء واستعادة سلامها… أميل إلى الاكتفاء بها تجنباً للخيبات ليس إلا…
حاولت تنظيم أنفاسها وصدرها يعلو ويهبط بقوة إثر تلك الشهقات التي تندلع من شفتيها الجميلة انتشرت الحمرة لتكسو وجنتيها وأنفها الصغير، بدت كطفلة صغيرة حائرة لا تعلم ما السبيل لإرضاء ذاتها كيف لها أن تتصرف الآن ؟!!
هي لا تستطيع العفو عن الفهد القاسي ولن تفعلها لكن ماذا عن ذاك الصغير داخله الذي يناجيها منذ أمس، كيف له أن يتحمل ما رآه وهو لازال طفل صغير يفتقر المحبة والتآلف، لقد نشأ نشأته خاطئة ليست سوية بالمرة وذاك كله نتيجة أب مريض اعتبر نفسه من الآلهة يحيي هذا ويقتل هذا شأن محكمته على الجميع وكان القاضي والجلاد…
انتفضت في محلها حين وصلت إليها طرقات على الباب الزجاجي الخاص بالمكان لتمسح عينيها بسرعة وهي تغلق هاتفها تحاول هندمة ثيابها والاعتدال لتتسع عينيها حين وجدت أخاها يطالعها باندهاش من خلف الزجاج ابتلعت تلك الغصة بحلقها واتجهت إلى الباب تدير المفتاح بهدوء وهي تنظر له أثناء عبثها بخصلاتها لتغطي بها إحدى عينيها المنتفخة إثر نحيبها وهطول دموعها..
فتحت الباب ليدخل “تيم” ناظراً إليها بدهشة وهو يقول بصدمة جلية على ملامح وجهه المستاء:
- إيه ده يا أسيف ؟!! مالك ؟!! وقافلة على نفسك ليه حصل إيه ؟!!
حمحمت وهي تحاول السيطرة على حروفها ونبرتها وقالت بهدوء:
- فيه إيه يا تيم أنا لسه واصلة من شوية وحبيت بس أعمل شوية حاجات قبل دوشة الشغل وقبل ما تيجي فرح..
عقد حاجبيه وهو يمسك يدها بهدوء متجهاً بها إلى الأريكة يجلس وهي بجانبه دست نفسها بأحضانه هاربة من نظراته التي تحاول استنباط حالتها ليقول بتساؤل:
- فرح اللي كانت ساكنة في العمارة اللي قعدنا فيها ؟!!
هزت رأسها بالإيجاب وهي تهمهم بهدوء تمسح تلك الدمعات العالقة بأهدابها بأطراف أصابعها لتجد يده ارتفعت إلى خصلاتها يربت عليها بلطف وهو يتساءل بحزن:
- مالك يا حبيبتي من إمبارح مش عاوز اتكلم عشان يزيد كان موجود والعيلة كلها كانت حوالينا، مش هتحكيلي وإحنا لوحدنا برضه ؟!! أنتِ عاوزة يزيد يا أسيف متأكدة ؟!
تنهدت بضيق شديد هي لا تريد أسئلة ألا يكفي عقلها الذي لا يرحمها منذ أن دفع إليها بتلك المشاهد الدامية التي شنت حرب بعقلها تعيد عليها ذكرياتها معه.. كيف لها أن تشارك أخاها ما رأته هو رغم كل شيء ائتمنها على سره والذي أوضح كم هو نفيس لديه هل لها أن تفشي عنه وتفضح أمره ؟!!
لكنها حائرة مرهقة للغاية اعتدلت بجسدها وهي تحدق لحظات بشقيقها المنتظر إجابتها ثم بللت شفتيها وهي تهمس بصوت مبحوح متوتر:
- تيم هو أنا بقيت وحشة ؟! يعني.. آآآ.. يعني لو في حاجة كنت بعملها بسهولة زمان ودلوقتي مش عارفة أعملها.. ده معناه إني اتغيرت للأوحش ؟!! يعني لو مش قادرة أعمل ده.. أنت فاهميني ؟!!
اعتدل بجسده ليقابلها بجلسته فور أن رأى تلك الدموع تلمع بمقلتيها الحائرة ليمسك كتفيها بقبضتيه يضغط عليهما برفق وهو يقول بهدوء:
- ممكن تهدي حبيبتي أنا بحاول أفهمك.. تحبي أكلم يزيد..
ارتفعت رأسها تهتف بسرعة وأعين متسعة:
- لاا بلاش يزيد..
ضيق “تيم” عينيه يطالعها باندهاش يصرخ من مقلتيه لتضع خصلاتها خلف أذنيها وهي تدحرج رماديتيها بالأرجاء بتوتر طفيف تهمس موضحة بخجل:
- أصل أنا اتعالجت خلاص يعني مش حابة المعاملة بيني وبينه تبقى.. دكتور ومريض.. يعني.. خلاص يا تيم اعتبرني مقولتش حاجة..
نكست رأسها بهدوء وكادت أن تستقيم بوقفتها لكنه أمسك يديها بلطف وهو يقول بهدوء يمد أنامله ليضع تلك الخصلات الشاردة خلف أذنيها:
- أنتِ عاوزة تسامحيه يا أسيف ؟!!
ارتفعت مقلتيها على الفور وتحولت إلى الغضب وهي تردف بتشنج واضح واقتضاب:
- قصدك مين ؟!!!
تنهد وهو يهز رأسه بالسلب موضحاً بنبرة صارمة طفيفة:
- أنتِ عارفة قصدي مين !!! عاوزة تسامحي فهد يا أسيف وده اللي موترك من إمبارح طيب ويزيد إيه دوره في حياتك قبلتي الخطوبة ليه ؟!!
دمعت عينيها حين وجدته يحدثها بما تخشاه هكذا بوضوح بل ويريد إجابات أيضاً لم يكن عليها أن تثير جدل بتلك النقطة تحديداً معه الآن رق قلبه حين رأى تلك الحيرة مرة أخرى تندلع من مقلتيها ليقربها إليه محتضناً إياها يقول بهدوء:
- أسيف حبيبتي أنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه وخايف عليكِ ازاي.. مش عايزك تفضلي حيرانة كده أنا حاسس بيكِ من إمبارح وجايلك هنا مخصوص عشان نبقى لوحدنا وتبقي براحتك مش عشان أضغط عليكِ يا حبيبتي، أنا واثق فيكِ وفي اختياراتك وخليكِ متأكدة مهما كان اختيارك عمري ما هتخليني عنك فمتخافيش أنا في ضهرك دايما…
أحاطت خصره بقوة ودفنت وجهها بعنقه تستمد قوتها وطاقتها من ذلك الرجل الذي برع بأداء دور الأب لها فكان نِعم العوض وخير سند لم يكن يوماً ثقلاً عليها أو على روحها، دست جسدها به بقوة ليبتسم رابِتاً على خصلاتها بلطف وهو يشعر بتلك الراحة التي تسللت لقلبها الصغير هي ليست بحاجة إلى نصحه الآن هي بحاجة لدعمه وهو بارع بذلك قبل خصلاتها لتهمس له بنبرة خافتة:
- أنا بحبك أوي يا تيم…
همس لها وهو يشدد من ذراعيه حولها:
- وأنا بحبك أكتر يا قلب أخوكِ…
للرجال شيم رأيتها حين غلفني أبي بأحضانه يهمس لي أن كل شيء على ما يرام وتأكدت منها حين حاوطني أخي بذراعيه يعلمني كيف يكون السند وأحببتها حين رأيتك تراقب ما أنقصني منهما لتجرعني كأس المحبة بيديك..
أنا تلك الطفلة التائهة الشاردة التي تلاعب بها القدر لتسقط وتقف على أرض صلبة أقوى من ذي قبل، أنا تلك التي تأملتم ضعفها ذات يوماً بابتسامة ساخرة؛ اشتد عودي وصنعت قوتي من بقايا ضعفي لأتأملكم الآن بابتسامة انتصاري على ضعف نفوسكم البالية !
*
عاد “نائل” على الفور إلى ذاك الفهد الذي وقف مندهشاً من سرعة عودته وأردف بصدمة:
- إيه ده لحقت تعرفها ؟!!
نظر “نائل” حوله بتوتر وأغلق الباب جيداً خلفه وهو يسرع إلى زر الستائر الإلكتروني يغلقه وهو يردف بابتسامة سمِجة:
- لا في الحقيقة، أحم أحم مروحتش أصلاً..
رفع “فهد” إحدى حاجبيه وهو يحدق به بغضب شديد لتندلع النظرات القاسية من عينيه فاتسعت أعين “نائل” وهو يتقهقر عنه صارخاً به بغضب:
- يا عم أنت بتبصلي كده ليه حرام عليك الرعب اللي معيشني فيه ده… كان يوم أسود يوم ما شفتكم..
انقض عليه “فهد” يقيد حركته وهو ينظر إليه بغضب هامساً بصرامة:
- مروحتش ليه ؟!!!!!
ابتلع رمقه وهو ينظر بخوف إلى الباب قائلاً بإرهاق:
- هي موتة ولا أكتر ؟!! لو أنت سيبتني تيم هيقتلني على اللي بهيبه منكم لله يا ولاد البراري واحد واحد إلا سوفي الغلبانة…
اعتدل “فهد” وهو يعدله مضيقاً عينيه يردف بدهشة:
- هو تيم هنا ؟!! هي كلمته ؟!!
وقف “نائل” يعدل من هندامه وهو يردف بغيظ واضح:
- وأنا أعرف منين كلمته ولا لا مش متلقح معاك هنا.. وبعدين شكل كلامهم مهم أصل الصوت واطي ومعرفتش أسمع..
لم يستطع “فهد” كبح ضحكاته التي انطلقت تملأ الأرجاء وهو يردف من بينها:
- أنت زعلان عشان معرفتش تتصنت عليهم ؟!!!
ابتسم “نائل” وهو يحمحم قائلاً:
- أحم أحم لا يعني كنت حابب أساعدك أكيد…
نظر إليه “فهد” رافعاً إحدى حاجبيه بسخرية واضحة ثم أردف ببرود وهو يمسكه من تلابيبه:
- وأنت بقى جاي فاكرنا هنستخبى لحد ما البيه يمشي ؟!!
أمسك “نائل” يديه وهو يردف بنفاذ صبر وقلق:
- ياااعم ارحمني بقى أنت بتتحول مش كنت لسه بتضحك، أنت يعني مش عارف إن تيم مش بيطيق يشوف وشك ؟!!
نظر بخوف إلى نظراته الثاقبة الصارمة وأردف مصححاً:
- أقصد يعني مفيش بينكم توافق… إيه ده صوت عربية تيم أهوه ده مشي، بعد أذنك بقىا أشوف سوفي…
أمسك “فهد” فكيه بغضب وهو يردف من بين أسنانه بعنف:
- اسمها أسيف…
هز رأسه بالإيجاب على الفور وهو يعتدل مبتعداً عنه بخطوات غاضبة يهمس لنفسه بغضب:
- الله يلعنكم عيلة معفنة…
*
على الجانب الآخر وقفت “أسيف” وهي تتجه مع أخيها إلى الباب لتودعه إلى عمله دخلت حينها “فرح” وهي تلتقط أنفاسها واضعة يدها أعلى صدرها تنظر أرضاً تتفقد حذاءها تقول بحماس لطيف وهي ترفع بوجههم تلك الحقيبة التي تحوي علب الطعام داخلها:
- آسفة اتأخرت عليكِ أكيد جعانة..
اتسعت عينيها بخجل حين دفعت الكيس إلى صدره الصلب وهي تعتقد أن “أسيف” من تقف أمامها لتصيح بصدمة:
- إيه ده تيم والله ما أخدتش بالي أنا آسفة جدااا…
ابتسم بهدوء لها وهو يتناوله منها واضعاً إياه أعلى المنضدة المجاورة وهو يقول بلطف حاسم:
- ولا يهمك مفيش مشكلة….
ابتسمت له بخجل وهي تعتذر مرة أخرى:
- لا ازاي ده الحمدلله أنه جوا الكيس كان زمانك بتدعي عليَّ آسفة ليك جداا…
احتفظ بابتسامته اللطيفة هو يردف بعقلانية ولطف:
- متقلقيش مفيش حاجة حصلت لكل ده.. هسيبكم مع بعض بقىا…
ثم مال على شقيقته يقبل وجنتيها واعتدل واقفاً يعدل من سترته وقد ولى خارجاً ينصرف إلى أعماله، تبعته أعين “فرح” لتقول فور ابتعاده بحزن:
- دلوقتي يقول عليَّ هبلة…
نظرت لها “أسيف” بهدوء وهي تقول:
- فرح أنتِ عارفة تجربة تيم كان شكلها إيه ليه تعلقي نفسك بيه ؟!! متزعليش مني أنتِ صحبتي وعشان بحبك بقولك تيم مشواره صعب شوية عليكِ..
نكست رأسها بحزن وهي تزيح خصلاتها خلف أذنها تقول لها بخجل:
- وهو بمزاجي يا أسيف، أنا عارفة إنها تجربة صعبة وبصراحة كنت خايفة أعرفك مشاعري عشان ما تحسيش إني بكرر عليكِ زعلك بس بجد مش بإيدي..
تنهدت “أسيف” وهي تبتسم بسخرية من تلك الصديقة التي وثقت بها يوماً وما كانت بالنسبة لها سوى سلم ترتقي درجاته لتنال رغباتها فقط.. شتان بينها وبين تلك الجميلة التي دعمتها بأسوأ وقت لها وأصبحت صديقة لها بوقت كانت تخشى به الجميع بل وظلت تكتم مشاعرها بخجل إلى أن لاحظت ذلك هي واستدرجتها بالحديث.. على عكس الأخرى تماماً..
أفاقت على يد “فرح” الصغيرة فوق كتفها تهزها بلطف وتعتذر بخجل:
- أنا شكلي بوظت الدنيا آسفة…
ابتسمت بلطف وهي تهز رأسها بالسلب قائلة بهدوء:
- لا مفيش حاجة شوفي بقى هتفتحي العلب ولا إيه أنا جعانة أوي، هتتحاسبي على تأخيرك ده…
ضحكت “فرح” وانصرفت تلبي رغبة صديقتها تغيب داخل ذاك المطبخ تعد وجبة فطورهم…
كادت أن تجلس ليرتفع صوت تعرفه جيداً صارخاً بحماس:
- سووووفي !! حبيبة الكل أنا جيتتت…
اتسعت مقلتيها تحدق به بصدمة تقول باندهاش:
- هو إيه الحكاية النهاردة تيم لسه ماشي…
نظر إليها باندهاش مصطنع وهو يقول:
- معقولة إيه ده تيم كان هنا أنا محدش قال ليه.
رفعت كتفيها وحدقت باندهاش تقول:
- محدش قالك إيه يا ابني أنت بتقول إيه ؟!! أنت كنت عايزة يعني ؟!!
نظر إليها بصمت لحظات لتهتف بسأم وإرهاق:
- بقولك إيه يا نائل بتعمل إيه هنا خلص،
أنا مش فاضية..
ابتسم بسماجة وبرود وهو يقول بسخرية:
- اه طبعا بقيتي سيدة أعمال ومش عارفة حتى تبصي على ابن عمك الغلبان اللي بيفتح قدامك جيم وأنتِ ولا معبراه..
اندهشت ثم حدقت به بصدمة وعيون متسعة وهي تردف:
- هو أنت اللي أخدت المكان ده؟!! لا لحظه كده.. جيم!! جيم إيه اللي فتحته أنت ما قولتليش خالص إنك ناوي تعمل كده أصلاً؟!!
نظر إلى أظافره يتلاعب بها قائلاً بتوتر طفيف:
- اه ما هو أصل كل حاجة جت فجأة يعني فكرت في الصبح وعملته من شوية..
حدقت به بصدمة أشد من ذي قبل وهي تقول:
- أنت بتقول إيه يا نائل أنت كويس يا ابني؟!!
نظر لها بحزن وهو يقول بغضب وملامح مكفهرة:
- إيه يا أسيف ده بدل ما تقوليلي مبروك؟!!
هزت رأسها بإرهاق تقول بلهجة غاضبة:
- نائل قول من الآخر عملت إيه عدل أنا مش فاهمة كلمة منك؟!!
أردف مسرعاً بلهجة مقتضبة:
- بقولك إيه المكان اللي قدامك ده أنا أخذته الصبح هعمله جيم كده تمام واضح كلامي ولا مش واضح؟!! الأجهزة هتوصلني على بكرة الصبح كده، يعني هتلاقيني على بكرة بدير الجيم بتاعي قصادك يا أسوفي يا أقمر، كده تمام مفهوم الكلام ولا إيه؟!!!
تساءلت بصدمة:
- طيب وشغلك؟!! هتسيب الشركات؟! عمو مراد عارف الكلام ده ووافق عليه؟!!
أردف مسرعاً وهو يصيح بوجهها:
- لاااا وإوعي تقوليله..
عقدت حاجبيها وقالت بغضب:
- مش هتبطل عمايلك دي؟!! لازم تقوله دي مش خروجه هخبي عليك فيها..
زفر بنفاذ صبر وهو يقول بحزن بعد أن ألقى بثقل جسده فوق الأريكة:
- والله حرام اللي بيحصل فيا ده..
رقّ قلبها له وجلست مقابله وهي تردف بتوتر ظناً منها أنه حزن من كلماتها:
- طيب فهّمني عاوز تخبي عليه ليه..
هز رأسه بحزن وهو يردف بتلقائية:
- عشان ف..
اتسعت مقلتيه وتوتر حين أدرك أنه كاد يفشي أمرهم لها ليضيق عينيه ناظراً إليها ساخراً داخلَه من تلك النبرة التي تملكها تلك الجميلة التي تجعل الجميع ملكاً لها كيف لذلك الفهد أن يضيعها من يديه! من حقه أن يعض أنامله من الندم..
ليقول متنهداً وهو يستنشق تلك الرائحة الشهية:
- عشان في كذا ترتيب هعمله الأول، هي ريحة الأكل دي هنا؟!!!
ابتسمت "أسيف" لأسلوبه وقالت وهي تهز رأسها بيأس منه:
- اه جعان؟!!
هتف مسرعاً:
- ده أنا هموت من الجوع..
خرجت "فرح" بذَاك التوقيت تحديداً لتتسع عينيه من تلك الفاتنة التي طلت عليهم بفستانها الأزرق القصير حيث يصل إلى ركبتيها مظهراً قوامها الممشوق ليرفع عينيه ببطء إلى تلك الخصلات التي لملمتها جانباً برقة ناسبَت ملامحها الجميلة البريئة، تأوه حين تلقى لكزة من يد ابن عمّها تردف بغضب ناظرَه إليه بتحذير:
- نائل دي فرح صاحبتي.. وده نائل ابن عمي مراد يا فرح!
ابتسمت له تومئ بتحية خفيفة من رأسها وهي تضع فطورهم على المنضدة الخشبية هامسة بهدوء:
- أهلاً يا نائل..
ابتسم وهو يعتدل قائلاً بصوت أجش:
- يا مليون أهلاً، تعرفي يا فرح إني بحب الفرح أوووي..
كتمت "أسيف" ضحكاتها على حديثه وتلون وجه "فرح" بخجل شديد وهي تردف بتوتر ناظرَها لأسيف:
- أنا هعمل مكالمة مهمة وأجي يا أسيف..
لتتسع عيون "أسيف" حين وجدت ابن عمها ينصرف خلفها يتشدّق قائلاً:
- طيب أنا افتكرت مشوار مهم هعمله وأجي.. سلااام..
ضربت كفاً بالآخر أثناء اتجهاها إلى الطعام قائلة بتعجب: