تحميل رواية «حصونه المهلكة» PDF
بقلم شيماء الجندي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الليل ستاره علي ذلك القصير المنيف الساحر والذي يضم أكبر عائلات مدينه الاسكندريه الساحره.. “عائله البراري” تلك العائله التي تمتلك أكبر قصور المدينه و أجملها لما لا وهي تستحوذ علي كبري المصانع والشركات فهي عائله مشهوره إقتصاديا واجتماعياً بالأوساط المخملية !!وقفت ” أسيف ” بتلك الحديقه الخلابه تدور بعينيها باحثه عن أخيها وهي تحتضن تلك الهره الصغيره النائمه بوداعه وسلام داخل أحضانها لتنتفض علي ذلك الصوت الذي باغتها من خلفها مباشره يقول بقوه :– إيه الجميله واقفه بتدور علي ايه !!إلتفتت بأعينها المتسعه...
رواية حصونه المهلكة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شيماء الجندي
"مواجهه!"
اتسعت عينيها حين وجدته واقفاً أمامها يطالعها بنظرات هادئه فور انصراف صديقتها. يستند إلى مكتبها يعقد ذراعيه المفتولتين أمام صدره الذى برز بوضوح من قميصه الذي ناسب بنيته الرياضيه كثيرا. اتسعت عينيها بتوتر و هي تقف تلقائياً تعود بجسدها إلى الخلف بوضع استعدادي للركض. قلبها يقرع كالطبول. هل عليها الآن أن تصرخ ليأتي ابن عمها من عمله بالجهة المقابلة و ينقذها؟ أم عليها أن تتحلى بالصمت و تراقب أفعاله بحرص كما تفعل دوماً؟
ارتفعت زاوية فمه بابتسامة لطيفه و هو يراقب توترها الواضح. بدا على يقين أنها سوف تصيح به الآن متسائلة عن سبب تواجده. و ها هي تفعل:
"أنت بتعمل ايه هنااا؟ و مين أصلا قالك مكاني.. امشي اطلع برااا…"
زفرت أنفاسها فور أن انتهت من طردها له و صدرها يعلو و يهبط بقوة. تشعر بتلك الرجفة تسري بجسدها. اتسعت عينيها من نظراته الوقحة التي شملتها من أخمص قدميها إلى خصلاتها. يحدق بها بهدوء ثم اعتدل بوقفته مستقيماً بجسده. تلك البسمة الماكرة لا تغادر محياه. قائلاً بصوت أجش أثناء اقترابه منها بلطف:
"بقا دي طريقة استقبال برضه يا أسيف؟ بتطرديني قبل ما تعرفي جاي ليه حتي؟"
عادت للخلف و هي ترفع إصبعها أمام وجهه بتحذير. قد بدت علامات الرعب منه واضحة بمقلتيها و هي تدعي الثبات. قائلة بشفاه مرتجفة من فرط توترها:
"اوعي تقرب مني والله هطلب الأمن و اخليهم يسلموك.."
صرخت بخوف و عادت تلتصق بالحائط حين اتجه للباب أثناء حديثها يغلقه بهدوء. لتصيح:
"افتح الباب و امشي اطلع برااا.."
وقفت أسيف تراقب تقدمه الهادئ منها بأعين مذهولة مصدومة. كيف وصل إلى هنا لا أحد يعلم. تواجدها هنا سوى "نائل" الواشي. كيف له أن يخبره بمحلها؟
رفعت إصبعها تشير إليه به بحركة تحذيرية و تقول بصوت شديد الغضب:
"إياك تقرب مني خطوة واحدة يافهد، يزبد جاي ولو شافك هتحصل مشكلة. امشي حالا.."
رفع إحدى حاجبيه ثم ارتد للخلف لتظن أنها ردعته و سوف يذهب. لكنه اتجه بخطواته الهادئة إلى الباب مرة أخرى ثم أوصده بالمفتاح و أفلت يدسه بجيبه. أسرعت إلى هاتفها حين وجدت نفسها معه على انفراد معه مجبرة. كان أسرع منها و كأنه على يقين بتحركاتها. و بلمح البصر خطف الهاتف من يدها يدسه بجيبه. لتتسع عينيها و تصرخ غاضبة به و هي تحدق برماديتيه مستنكرة أفعاله:
"أنت اتجننت؟!"
ابتسم ببرود و هو يلوح لها حين وقف بجانب الجهاز الصغير المعلق بالحائط و طرق عليه بقبضته مرتين بقوة ليسقط أرضاً مُهشم إلى قطع صغيرة. و ذهولها يزداد و غضبها أيضاً. لقد دمر جميع وسائل خروجها من هنا. عادت بجسدها للخلف و هو يقترب منها بابتسامته العابثة يهمس:
"كده نقدر نتفاهم يابيبي!"
ظل صدرها يعلو و يهبط بوتيرة واحدة و هي تحاول التحكم بانفاسها الغاضبة. لتصرخ به بعنف:
"مفيش أي تفاااهم بينااا و أحسنلك تفتح الباب ده و تمشي من وشي و…"
قاطع سيل كلماتها المهينة لشخصه يضرب بقوة على المنضدة بإحدى يديه ناظراً إليها بعينيه الباردة كالجليد. و هو يهمس لها فور أن صمتت تتابعه باندهاش لفعلته. أين الفهد الغاضب الذي من المفترض أن ينقض عليها و يهشمها الآن؟
"مش همشي يا أسيف إلا لما تسمعيني المرة دي… ليه مش عايزة ترضي ضميرك ناحيتي؟ أنا مش عايز غير مسامحتك."
تبدلت نظراته من الجمود إلى الحزن بلحظات. و بدأت تلمع من فرط تأثره. وهمس و هو يحدق بعينيها الجميلة الغاضبة للغاية تلقيه بنظرات تكذيب. ليهز رأسه بالسلب فور أن طعنته كعادتها بسهام نظراتها الحارقة:
"أنا لو متغيرتش مش هتفرق معايه يا أسيف، مش هقف قصادك أترجاكِ تسامحيني و لا كان هيفرق معايا. أنا متأكد إنك مش بتحبي يزيد ده و بتعاندي فيا مش أكتر. بس أنا مش هسيبك ابداااا و… و أنتِ مش مسامحاني كده…."
انطلقت نظرات الإصرار من رماديتيه لتستقبلها بأعين حزينة مرتبكة مشتتة كعادتها بالأونة الأخيرة معه. ليُكمل:
"قوليلي عاوزاني أثبتلك إزاي إني اتغيرت يا أسيف؟!"
نظرت إليه و اردفت بقوة و هي تنظر داخل عينيه:
"قولتهالك و هقولهالك مليون مرة يافهد. الثقة لما بتضيع مش بترجع أبداااا. حتى لو سبت يزيد هفضل عايشة في قلق. محدش بيتغير اللي في طبع مش بيغيره يا ابن عمي…"
جلس أعلى الكرسي بارهاق ثم أخرج هاتفها يضعه بهدوء أمام أعينها و هو يقول بحزن:
"أنا مش جاي أجبرك على حاجة و أكرر غلطاتي تاني اللي تبت عنها. ربنا بيسامح يا أسيف و سابلي فرصة أتعالج فيها. أنتِ إزاي بقيتي بالقسوة دي؟ أنا مكنتش في وعيي… ك…"
قاطعته صارخة بغضب و كأن ما حدث كان أمس:
"بس اناااا كنت في وعيي… كنت حاسة و شايفة و سامعة تعذيبك ليااا بكل الطرق. أنا مش عارفة أنسى. لييييه مش عايز تفهم. كنت أنت نسيت اللي حصل في أمك زمان؟!!! أنت جيت تنتقم ليها بعد ٢٠ سنة و من حد ملهوش أي ذنبببب…."
صرخ بغضب و هو يزيح الطاولة بعيداً عن مرمى يديه بعد أن استفزته حين أتت ذكرى أمه. لتتسع مقلتيها برعب منه. أغضبه ذلك الرعب أكثر:
"و بعترف أنه كان غلططططط. مستنيه إيه من واحد اتربى ليل نهار على كلمة واحدة رجع حقناااا، مستنيه مني أيييه و أنا كنت فااهم كل حاجة غلط. أيوه أنا بعترف أنا ظلمتك و أنتِ أكبر ضحية يا أسيف و مكنتيش تستاهلي ده و ندمت. ندمت و عاوزك ترحميني و تغفري. أنا كنت بشوف كوابيس من زمان إلا كابوسك أنتِ بقوم منه بعيط زي الطفل الصغير. مبقتش مستحمل إني افتكر الوجع اللي وجعته ليكِ يا أسيف. عارف إنه صعب عليكِ بس مش مستحيل. حاولي و حياة تيم عندك. أنا أول مرة أترجى حد كده. أنا عريت روحي قصادك و أنا واثق فيكِ و في رحمتك. أنتِ مش زينا يا أسيف متقارنيش نفسك بيا عشان أنتِ أحسن مني مليون مرة. سامحيني أرجوكِ…."
هزت رأسها بالسلب و قد نالت تلك الدموع من مقلتيها. لترفع ذراعها تُشير إلى الباب و هي تُغمض عينيها هامسة بصوت مبحوح متحشرج:
"اطلع برا!!!"
لم يقاومها بل لم يُبدِ أيه اعتراضات. وقف على الفور يتجه إلى الخارج و هو يزيل تلك الدمعات العالقة بأهدابه. لكنه وقف لحظات و هو يعتدل بجسده ناظراً إليها بحزن يقول بصوت حازم قوي:
"متخليش اللي حصل مني يأثر عليكِ و تظلمي واحد ملهوش ذنب. الجواز مش لعبة زي ما أنا كنت فاكر. مفتكرش إنك عاوزة نسخة من فهد أو ندي يكونوا ولادك…"
ثم تركها و انصرف. بعد أن نزع صمام غضبها الذي بدأ يقل تدريجياً ناحيته بعد كل محادثة. لقد رأت منذ لحظات ذلك الطفل بعينيه. هي لا تتعمد تذكيره بأمه أو ماضيه. لقد خرجت كلماتها بغضب تلقائي بشكل غير مبرر. لكن ماذا عن تلك النظرات اللائمة التي انطلقت سهامها نحوها بلا هوادة. لقد ندمت بالفعل على كلماتها الآن. تلك ليست سماتها. منذ متى و هي بتلك القسوة؟ ماذا فعلت لها تلك السيدة الجميلة الوقورة. لكن ما أثار حفيظتها حقاً هدوءه و صمته أمام كلماتها.
اتجهت إلى الخارج بخطوات غاضبة للغاية تتلفت حولها بذاك الرواق عله لازال هنا. اتسعت عينيها حين لمحته من خلف الباب الزجاج يدلف إلى سيارته و ينصرف بها. لتصيح بصوت مرتفع و هي تسرع بحذائها الأنيق ذو الكعب العالي إلى البوابة تفتحها قبل انصرافه و هي تهتف بصوت مرتفع أثناء رؤيتها للسيارة تتحرك بالفعل:
"استني؟!"
لم ينتبه إلى صوتها بالطبع حيث أنه لازال يغلق زجاج النافذة. لكن ارتفعت عينه إلى المرآة الأمامية ليفتح عينيه على وسعهما حين لمحها تتعرقل و تسقط أرضاً. و هو مصدوم من تواجدها خارجاً. عاد بالسيارة مسرعاً للخلف و هبط منها يهرع إليها و يجثو أرضاً أمامها و هو يتفقد وجهها المتألم و يدها التي وضعتها أعلى نهاية ساقها تتأوه بصمت. أوقف أفراد الأمن بإشارة صغيرة ليعودا أدراجهم بطواعية تامة و هو بحالة ذهول مفرط. أخيراً خرجت الكلمات بلهفة وهو يتفقد ساقها بأنامله قائلاً:
"وقعتي ازاي؟ ارفعي إيدك عنها يا أسيف عشان أشوفها؟"
لم تجبه إنما أزالت دمعاتها بحزن شديد و حاولت الاعتدال و هي تتلفت حولها بقلق من ذاك الهدوء المغلف لأجواء المجمع السكني الراقي. لكنها صرخت بوجع حين حاولت الوقوف. ليتجه إليها بهدوء هامساً لها و هو يمسك بيدها:
"أسيف متحاوليش تقفي. تعالى أساعدك ندخل جوه بدل قعدة الشارع دي!"
اشتد ألم ساقها و بدأت تتعرق من فرط توترها و خوفها. اتسعت عينيها بهلع حين وجدت نفسها طائرة بالهواء يحملها بين ذراعيه متجهاً إلى الداخل و هو يقول بجدية:
"علبة الإسعافات فين بالظبط جوه و لا معندكيش؟"
تطلعت إليه بأعين متسعة مصدومة و كأن فعلته الجريئة أصابتها بشلل لجميع أطرافها. حدقت به عن كثب محاولة تجميع كلماتها لكنها فشلت. فقط تتطلع بخجل إلى أفراد الأمن المكنسين رؤوسهم و قلبها ينتفض بحالة غريبة مما يحدث. إلى أن وصل بها إلى مرسمها و تقدم إلى أقرب أريكة يضعها برفق فوقها مقلباً أنظاره بالمكان. لتهامس بتوتر أخيراً بعد أن أدركت غايته:
"العلبة هناك في الرف ده…"
و أشارت إلى العلبة في حين كانت تحاول نزع حذائها الذي يضغط على قدمها بقوة. دفعت رأسها للخلف بوجع تجز على أسنانها بقوة. ليصل إليها متأملاً حالتها بتوتر طفيف ثم جلس على ركبتيه أرضاً يفتح العلبة و يعبث بها ليحصل على تلك العلبة الصغيرة و يقصي العلبة بعيداً ليتثنى له رؤية قدمها. لكنها سحبتها للخلف و هي تتألم قائلة بملامح مرهقة مشمئزة أوجعته أشد وجع:
"لا متجيش جنبي!"
رمقته بطرف عينيها بتوتر من تسرعها هكذا معه دوماً. لتجده ينكس رأسه لحظات ثم رفعها يقول بعقلانية و هدوء نبرة ألم تغلف حروفه ليذكرها بكلماتها:
"أسيف أنا بعرف أتصرف في الحالات دي كويس من و أنا عندي ٧ سنين…"
رفعت رأسها إليه تحدق به بأعين دامعة.
"أسفه!"
رفعت عينيه الغائمة نحوها و هو يحدق بها بصدمة جلية. لتبتلع رمقها بتوتر طفيف و هي تواصل همسها توضح له بخجل حيث تلون وجهها بتلك الحمرة التي تشعل نيرانه:
"مكنش قصدي أتكلم عن مامتك… ربنا يرحمها…"
رفرفت أنفاسها بهدوء و كأنها أزاحت أشد الأحجار ثقلاً عن صدرها للتو. أدمعت عينيه و هو يعض أصابعه ندماً على تلك الملاك المتجسد بصورة بشر أمامه. أتعتذر له؟ أتعتذر عن كلمة واحدة قالتها دون قصد؟
هز رأسه بالسلب و كأنه ينفض أفكاره. لتقطع كلماتها تحدق به بتيه و قلق. رفع رأسه إليها فور أن أنهى ربط قدمها يطالعها بحزن. هو لا يريد أن يكون شبيه لأبيه بعينيها مما جعله يهمس بصوته الأجش:
"بس أنا مش زي أبويا يا أسيف و لا أنتِ زيها صدقيني…"
اقترب منها مستغلاً سكونها لأول مرة أمامه يهمس لها و دمعاته تسبق حروفه المبعثرة و بوادر اختناق صوته تتضح إليها:
"عارفه معايا كام فيديو زي اللي شوفتيه؟ عارفه أنا شوفتهم كام مرة من يوم ما أبويا مات و لقيت الفيديوهات دي؟ أسيف ليه مش عايزة ترحميني؟ أنا بدور على أمي و نصايحها و كلامها في ورق كتبته بخطها. أنتِ فاكراني كنت فرحان اللي بعمله؟ أنتِ نفسك شوفتي شكل كوابيسي كان إيه؟ مكنتش أعرف غير حاجة واحدة أنك بنت الرجال اللي هان عرض أبويا و شرفه. كنت عاوز أخد حقه بنفس الطريقة. كان تفكير مريض يا أسيف و أنا اتعالجت…."
سكنت تماماً تراقبه بتوجس من تحوله بأي لحظة. لكنه بدا منهك القوى، مرهق، حزين. ذاك الطفل يتطلع إليها الآن من مقلتيه يصرخ برحمتها أن تفيق و تجرعه كأس لطفها. تنهدت بحزن ثم بدأت تصرف رماديتيها عنه و تهمس بصوتها المرهق:
"أنا مش عارفة عاوز إيه. أنا بعدت، ابعد أنت كمان و اعمل حياة ليك بعيد عني. طلبك صعب أوي…"
مسح عينيه جيداً. ثم هيطت يده إلى مقدمة قميصه يُمسك بنظارته الشمسية أثناء وقوفه يضعها مسرعاً حين استمع إلى صوت "يزيد" يدلف إلى الداخل و هو يقول بحماس:
"أسيف أخرت مش كده؟"
اتسعت عينيه حين وجدها بتلك الهيئة و ذاك الرجل القاسي يقف أمامها بهدوء. ليسرع إليها و عينيه تقدح بالغضب صارخاً به:
"أنت عملت ايييه ياا…"
صاحت مسرعة تحاول الوقوف على قدمها قبل أن ينشب عراكاً حامياً وطيس أمامها:
"يزيد فهد كان بيعالجني أنا اتشنكلت و هو ساعدني…"
حدق بها بشرود. لا يصدق أنها دافعت عنه لتواً. لكنها نبته أمل لن يتخلى عنها. وجد ذاك الرجل يتقدم منها و يجثو على ركبتيه يعاين قدمها أمامه. ليجز على أسنانه بقوة و هو يضم قبضتيه معاً. لكن لم يتحمل أكثر ليصيح به بصوت واضح يصرف انتباهه عنها:
"هي ندي عاملة إيه النهارده؟ أنت داخل في شهرين أهو…"
نجح بذلك حيث وقف "يزيد" يواجهه و هو يقول متذكراً:
"كويس إنك فكرتني. أنا كلمت دكتورها عشان تخرج و ترجع القصر. هي حالياً تقدر تمارس حياتها أفضل و هستمر معاها في الجلسات بس بالعلاج السلوكي المعرفي (CBT) و ده هينجح مع ندى جداً لأن ندى أصلاً بتهتم بتجارب اللي حواليا و اللي عندهم و بتعمل مقارنة ده عندها أو لأ. و ده هينجح معاها جداً متقلقش ندى خلاص في مرحلة ممتازة. لكن حابب أكد أن تعاملكم معاها هيفرق كتير في علاجها خصوصاً أنتِ يا أسيف…"
نظرت له بصمت ثم هزت رأسها بإرهاق تقول بهدوء:
"يزيد أنا مش هقدر أكمل اليوم. محتاجة أروح…"
*مر شهر. سارت الأوضاع هادئة داخل القصر و عودة "ندى" لم تؤثر كثيراً حيث عادت إليهم هادئة لا تملك تلك النظرات المشتعلة. تتجنب الجميع بهدوء غريب ليصبح أمرها هكذا مريحاً للجميع…*
استيقظت "أسيف" صباحاً بنشاط زائد حيث دلفت إلى المطبخ و أعدت شطائر شهية للإفطار و جهزت كوب الشيكولاتة الساخن بالحليب. كادت تنصرف إلى الحديقة لكن اتسعت عينيها حين وجدته يقف بجسده يسد عليها الطريق يبتسم بهدوء. ثم قام بسحب شطيرة من الطبق و قضمها و هو يقول بحماس أمام أعينها المذهولة من كم جراءته:
"أووووف تجنن يا أسيف، اااه سوري مبتحبيش أقول اسمك أقولك سوفي أحلى؟"
لم تستطع مجاراة حديثه أبداً و هي بتلك الحالة. اشتعلت نيران الغضب داخلها من أسلوبه الغير مبالي حيث شعرت أنه يستخف بها و بفعلته الشنيعة معها و أنه قد ضمن مسامحتها و كأنه لم يفعل شيئ أبداً بها. فتركت ما بيدها أعلى الرخام بغضب ليصدر الطبق صوت قوي من دفعتها إياه على الرخام البارد و هدرت بعنف:
"أنت عايز توصل لأيه بالظبط، أنت عارف و متأكد إني مش طايقاك و لا هطيقك. مزهقتش من شهر كامل بأسلوبك ده معايا؟ ماتسيبني في حااالي بقااا و ركز مع أختك…"
ابتسم ببرود و كأنها كانت تمدحه للتو و خرج صوته الرخيم الهادئ يتلاعب على أوتار صبريها و اضطرابها. برغم من إظهار ذلك العنف دوماً معه إلا أنه يرى "أسيف" البريئة تلوح له دوماً و هو يحادثها. أمسك طبق الشطائر الشهية لتسرع ممسكة بالكوب الساخن حتى لا يسرقه هو الآخر و اتجه إلى الخارج و قال غامزاً لها بإحدى عينيه:
"تؤ مش بزهق… و ندي تمام جداً و مرتاحة فوق.. انا فاضيلك يابيبي…"
صححت له كلماته و هي تسير خلفه لتصعد غرفتها و تتركه:
"فاضي لنفسك مش ليااا، و بعدين أنت واخد فطاري ليه انااا بكلمكككك…"
وقف فجأة لتصطدم به بكوب الشيكولاتة الساخن. لكن من حسن حظها و سوء حظه أنه كان يميل عليه و اندلعت محتوياته الساخنة فوق تيشيرته الخفيف تحرق ظهره. صدرت منهما صرخة واحدة. هي من صدمتها القوية به و هو من شدة ألم الحرق على جلده و مفاجأته بفعلتها. ليهدر متعمداً:
"ازاي الغل يوصلك لكده ياااأسيف؟!!!!"
جحظت عينيها و هزت رأسها بالسلب تقول مسرعة رافعة يديها أمامه:
"والله ما أقصد. اطلع بسرعة غير و شوف أثر الحرق إيه؟"
التفت لها يحاول رفع التيشيرت عن جسده صارخاً بها بعنف:
"أشوف ازااي ضهري أنا هااا.. أنا متأكد إنك قاصدة اااه!!"
عضت على شفتيها بتوتر و قالت بنبرة قلقة و هي تشعر بالذنب حياله:
"أنا اسفة طيب…"
صاح بنبرة متألمة حيث يحرك عضلات ظهره بوجع:
"اسفة! حراام عليكِ بجد. أشوف ازاااي اللي حصل في ضهري أنتِ شوهتيني!!!!"
اتسعت عينيها و جذبته من يده تركض بخفة نحو الجناح الخاص بها و هي تقول بخوف:
"لا لا مفيش تشوه متخافش هنلحقه…"
فتحت باب الجناح و هي تجره خلفها ليسير معها بطواعية و صمت مطلقا أنات وجعه وصلت به إلى مرحاض الغرفة تأمره مسرعة:
"استني هنا هجيب المرهم…"
تركته و أسرعت إلى الداخل لينظر لأثرها بهدوء ثم اتجه إلى شرفتها يفتحها و يقف بها ناظراً إلى سيارة الطبيب حيث استمع إلى صوتها المميز الذي يحفظه عن ظهر قلب….
أتت إليه تمسك العلبة بيديها تعبث بها و هي تقول بصوت آمر:
"ارفع التيشيرت بسرعة!!"
نزعه تماماً عن جسده بلمح البصر ليصبح عاري الصدر أمامها. أغمضت عينيها بتوتر و هي تعنفه بغضب طفيف:
"ايه ده أنت مصدقت؟!"
أجابها ببراءة و أعين متسعة:
"مش انتِ اللي طلبتي و بعدين انجزي ضهري هيموتني!!!"
دارت حوله مسرعة و تطلعت إلى ظهره بقلق في حين تطوف بأناملها الرقيقة بلمسات طفيفة منها فوق جرحه تهمس و هي تزفر براحة:
"متقلقش مفيش حاجة جامدة…"
ابتسم بهدوء وهو يقول مشيراً بعينيه إلى "يزيد" الذي وقف ينظر إليهم بالأسفل:
"أنا مش قلقان غالباً في ناس هي اللي قلقت."
رواية حصونه المهلكة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شيماء الجندي
رواية حصونه المهلكة الفصل الثاني العشرون 22 - بقلم شيماء الجندي
“مواجهة ج2 !”
وقفت “ندي” بهدوء خارج غرفه المكتب و هى تفرك أصابعها بتوتر طفيف تنظر حولها قبل أن ترتفع يدها و تطرق بابه بهدوء لحظات و هى تحاول أن تلتقط انفاسها برويه واضعه يدها أعلي قلبها حيث تعالت دقاته من فرط قلقها ، تنتظر أن يطل عليها و هى تتمني داخلها ألا يخذلها و تنهال عليه ذكرياته السيئه نحو أفعالها المشينة تحاول أن تتذكر كلمات “يزيد” طبييها المعالج جيداً أغمضت عينيها و هى تهمس لحالها أنها أتت من أجل إصلاح الأمور و ليس افسادها معه !!!!
أتى صوته القوي الصارم يأمر الطارق بالدخول فتحت الباب بيد مرتعشه و هى تنظر إليه بتوتر واضح ثم بللت شفتيها تحاول تجميع كلماتها لتجده يطالع تلك الأوراق باهتمام بالغ غير مكترثا بتواجدها لتستمع إلى صوته يقول بهدوء :
– تعالى يا أسيف كنت هجيلك عشان امضتك .. !!
رُباه كيف عليها أن تتحدث الآن هى علي يقين أن رؤيتها آخر ما يريده بتلك اللحظه ، طال صمتها و طال انتظاره لاجابه شقيقته أو تقدمها منه ….
رفع رأسه عاقداً حاجبيه بدهشة ينظر إلى الطارق الصامت، لتكون أولى مواجهاته معها فور أن أتمت علاجها النفسي تجمد بمحله و هو يطالعها بصدمه ينتظر حديثها لكنها صامته ، ساكنه .. تراقبه بتوتر استند إلى ظهر الكرسى خلفه و هو ينظر إليها بهدوء يحاول التماسك و الاحتفاظ بملامحه الجامده حتى لا يتسبب بسوء حالتها و هو غنى عن ذنب تلك الفتاه التى كادت تقضي على حياه شقيقته بلا مبرر واضح ، تلك من قتلت ابنه و هو بعلم الغيب تلك من نزعت ثقته بجنس حواء ، من جعلته يكره النساء عدا شقيقته البريئه التى كادت أن تُزهق حياتها ثمناً لنفوس مريضه ….
لم يكن صمتى ضعفاً يوماً ما ، لطالما كانت الغوغاء و الأحاديث الباطله ملاذ الضعفاء … لم أعد اخدع نفسى بتلك الصور اللامعه لطالما خبأت تلك الصور الأسوأ خلفها !!!!
#حصونه_المُهلكه
#شيماء_الجندى
اقتربت منه بخطوات حذره للغايه حيث تتوقع طرده لها شر طرده بأي لحظه من اللحظات تخشاه لأول مره بحياتها .. تخشي صمته و هدوءه اخيرااا خرج صوتها الهادئ تقول بحزن :
– أسفه لو عطلتك …
لم يجيبها بل أغمض عينيه بقوه و هو يجز على أسنانه منكساً رأسه بغضب ، يالَّ جراءتها تلك اللعينه التى دمرت حياته ، تعتذر عن دقائق ضيعتها ؟!! ماذا عن مشاعره التى اهدرتها و دعستها أسفل قدميها ! ماذا عن ثقته و محبته؟! ماذا عن خيانه العهد ؟!! ماذا و ماذا ؟!!!
همست بتوتر و قد بدأت عينيها تلمع بدموع ندمها تكاد تجهش بالبكاء :
– أنا عارفه إنك مش هتسامحني و عارفه إن غلطي كبير أوي ياتيم و عارفه إن أسيف مش هتسامحني أنا مش هكون خياليه و اطلب تسامحني و نرجع بس كفايه عليا إننا نبقي ولاد عم مش هستحمل اسلوبكم معايا كده أنا عارفه إن غلطاتي كتير بس انا كنت خايفه .آآآ
لم يتحمل أكثر من ذلك لقد ضغط نفسه بما يكفى من أجل تراهات تهذي بها الآن …
قاطعها و هو يطرق بيده مكتبه بغضب يصيح باستنكار :
-خااايفه ؟!!! خايفه من إيه عملتلك ايييه عشان تخااافي هاااا ، الغلبانه اللى كانت هتموت دي عملت اييييه يخوفك ؟!!! مخوفتيش و أنتِ بترفضي استنجادها بيااااا مخوفتيش و أنتِ رايحه حاره ** زي دي عشان تسلطي عليها اللي يقتلهاااا ، مخوفتش و أنتِ بتنامي في حضني و هى يتتعذب كل يوم و أنتِ عاااارفه ؟!!! أنتِ جايه و واثقه إني مقدرش احاسبك على اللى فات مش كده هقول مريضه و أختى كانت مريضه أنتِ مخوفتيش ابداا ياندى ، تعالي اكلمك عن الخووووف فعلا … الخوف اللى اتملك من أسيف لما كانت عيله و كنتِ هتدفعيها تمن برائتها لولا ربنا حماها الخوووف لما أسيف كانت لوحدها فى مكان متعرفوش بتتعذب كل يوووم علي ايد اخوكِ المريض الخوووف كان لما قتلتي آخر امل ليهاااا إنى أوصلها و انقذها ، ياريتك كنتِ خبيتي عليا و ساعدتيها و لا قولتى لاخوكِ حرام دى معملتش حاجه .. لاااا ازاااي أسيف لازم تموووت عشان أخد تيم لوحدي صح ؟!!!! ياريتك كنتِ بعدتيني عنها من غير ما تأذيها كده ، أنتِ لا صونتي جوزك و لا صاحبتك إللي وثقت فيكِ و جايه تقولى خوف !خوف ايه ياندى اللي شوفتيه ؟!! ليه تقارني نفسك بأسيف ، ليه ما تخلقيش محبه ليكِ لوحدك فى قلبى ؟!!! كنت فاكر إني هقدر اعوضك عن أهلك بجوازى منك مخدتش منك غير اهانه ..
رفعت وجهها الغارق بالبكاء تهمس بصوت مبحوح مستنكره كلمته :
– اهانه ؟!!
وقف يواجهها صارخا بها مستنكرا صدمتها :
– ايييه صدمتكككك ؟!! طبعااا اهانه لما اسمع صوت أختى و هى مرعوبه و مراتي بمنتهي القسوه بترفض مساعدتها دي اهااانه و لما الاقي أختي غرقانه في دمها و روحها مش فيها مرميه على الأرض مسحوله تبقا اهاانه لما حسستيني إنى عاااجز مش قادر ادافع عن أختى اللي المرعوبه دى اهانه ، لما خونتيتي و طعنتيتي في ضهري و اتفقتى على أختى اهاااانه تحبي تعرفي تاني و لا كفايه .. ؟!!!
تشنجت عضلاته بشده و هو يتصببا عرقا ، صدره يعلو و يهبط بقوة و عينيه تصرخ بوجع شديد لم يدركه سواه ..
إنها قلوب منهكه ياسيدى تلقت الصدمات القاسيه ببأس شديد و إرادة صلبة ، توالت عليها الصفعات و الأوجاع لتقف صامده بوجه من خاض حرباً غير عادله بالمره أمامها …
تُحزننى تلك الأوجاع التى كانت بمثابه سكين حاد النصل طعننى بلا هواده !! يؤسفني أن أرى من كان الأقرب إلىَّ بتلك الصوره المخزيه !! إن أتيت إلى حقيقه الأمر لا أحد يدرك مدى سوء ما يحدث لك إلا إن وقعت عليه تجربه مشابهه يحترق داخلها لكن حينها عليه مواجهه العالم السيئ بوجه هادئ و ابتسامه لامعه مماثله لما فعلت … فلا تبتأس لهيئتك أمام من حولك ، لطالما كان قلبك الأفضل فيما بينهم ….
انسحبت من أمامه مسرعه وهي تجهش باكيه بشهقات مرتفعه و لأول مرة يشعر بانهيارها الجاد و حزنها الفعلى .. لأول مره منذ شهور يُخرج ما يجيش بصدره لها ، لأول مره ينفث عن غضبه هكذا استند براحتي يده إلي مكتبه يحاول تهدئه أنفاسه اللاهثه و ضربات قلبه الصاخبه لكن بلا فائدة ، هى وحدها من تنتشله من تلك الحالة هي وحدها من تمتص غضبه و اشتعاله ببراءتها المتناهية ..
أسرع إلي الأعلى متجهاً إلى غرفه شقيقته بخُطى سريعه ليصل إليها و يُفضي ما في جعبته بأحضانها و يهدأ لتُخمد ثورته تلك الجميلة الحنون ..
طرق الباب بلطف و هو يهتف باسمها منتظراً إجابتها بتلك الساعه الباكره من النهار …
-*-
بالداخل …
حدقت “أسيف” بصدمه من شرفتها لذاك الذى يرمقها بنظرات هادئه بشكل مُبالغ به ثم نظرت إلى ذاك الواقف أمامها بهدوء تام مبتسماً ببرود يقول مشيراً إليه بنظراته العابثه بنبره يشوبها المكر:
– الثقه اهم حاجه في العلاقات ياسوفي اسمعي مني .. لو مصدقش إنك كنتِ بتعالجينى يبقي انعدام ثقه متناهي بينكم …
راقبت أسلوبه الجاد و هو يشير بيديه كأنه ينصحها بجديه و ليس سخريه منها كادت أن توبخه لكنها استمعت إلى طرقات أعلي الباب و صوت أخيها المتحشرج يناديها لتتسع عينيها و هى تنظر إلى جسده العاري أمامها بتوتر و أعين مرتعبه صوت أخيها يدل على حزنه كيف تستقبله بذاك الكارثه المتنقلة ماذا فعلت بنفسها ؟!!
أتتها النجده منه حين همس لها :
– هششش … اوعى يعرف إنى هنا شكله مش طايق نفسه لو شافنى هتبقي مشكله صح ؟!!
هزت رأسها بالإيجاب بتلقائية و عفوية منها جعلته يبتسم لها بلطف ثم تحرك مبتعداً لتتسع عينيها برعب من مكره و هى تتوقع أنه سوف يستغل ذلك لكنه خالف جميع توقعاتها حين أشار لها بالصمت و اتجه إلى مرحاض الغرفه بهدوء يشير إليها بالتحرك ناحيه الباب ، أيعاونها ؟!!
ذاك الشرس يعاونها ؟!!! نفضت رأسها و هى تهرع إلى الباب تفتحه على الفور فما كان من شقيقها إلا أن دلف يحتضنها مغمضاً عينيه اتشعر بتلك الدمعات الخفيفه تسقط من مقلتيه علي كتفها ؟!!
أصابها الحزن و القلق و رفعت يديها تربت على ظهره بهدوء و هى تهمس له بتساؤل عن سبب حالته مرت لحظات على تلك الوضعيه الصامته فقط يحتضنها يبثها حزنه و بكائه الصامت الموجوع ، أمسكت بيده تقوده إلى اريكتها تجلس فوقها و هو يجاورها تحتضنه بهدوء تربت على خصلاته الناعمه بهدوء هى تعلم أنه يفضل الصمت بتلك الحاله فقط تكون رغبته أن ينعم ببعض الهدوء و الراحة أحاطت كتفيه بقوه و قبلت خصلاته بحنو رقيق و همست له بلطف فى حين قد أصبح تفكيرها فقط معه تريد الإطمئنان على حالته و نست تماماً ذاك القابع داخل مرحاض غرفتها !! :
-مالك ياحبيبي ؟!! في حاجه حصلت !!
هز رأسه بالإيجاب و زفر أنفاسه بارهاق لترتفع أنامها النحيله تمسح دمعاته بهدوء و هى تستمع إلى صوته المبحوح يقول بهدوء و قد استعاد بعضاً من سلامه النفسى محاولاً تجنب أية أحاديث عن تلك الأحداث المخزيه :
– مش قادر اهدي ياأسيف ، نار جوايا مش راضيه تهدي عقلي واقف … و تعبت …
ربتت علي جسده بلطف و هدوء تهمس له باندهاش :
-ايه اللي زعلك طيب ؟!! أنت كلمت ندى ؟!!
اعتدل بجسده ينظر إليها لحظات بتوتر طفيف ثم هز رأسه بالإيجاب و هو يقول :
– جاتلي المكتب من شويه …
حدقت به باهتمام تنتظر سرد ما حدث لكن ارتفعت دقات غير هادئه بالمره فوق باب الغرفة و صوت “نائل” المتسائل باختناق واضح :
-أسييييف أنتِ صااااحيه ؟!!!
اندهشت و اتجه “تيم” إلي الباب يفتحه مسرعاً مندهشاً من تلك الضوضاء التى يشنها ابن العم علي باب غرفه شقيقته ما أن فتح الباب اندفع “نائل” مسرعاً و هو يصيح بغضب مُفعتل :
– إيه ياأسييف ك .. هو أنت … ؟! عايز إيه م البنت ع الصبح ؟؟!
اندهش “تيم” و أشار إلى صدره باستنكار واضح يقول :
– اناا اللي عايز إيه من اختي ؟؟!
تركه “نائل” و هو يتجه إلي المرحاض الخاص بها و عينيها تتسع أخيرا تذكرت القابع بالداخل ؟!!! لتستمع إلي كلمات ابن عمها قبل أن يفتح الباب :
– ياااعم هعوز إيه محتاج الحماام غالبا في مشكله في حمامي ..
فرغت فاهها بخوف تغمض عينيها حين أغلق الباب بقوه و سمعت صوت صرخته ليصيح أخيها بصدمه :
-ايه يلاا فيه ايه ؟!!
-*-
بالداخل ….
دلف “نائل” إلي الداخل و أغلق الباب ليصرخ حين وجد ذاك الفهد ينقض عليه مكمماً فاهه ليحدق به بأعين متسعة و يصطدم بالحوض و هو مذهول يستمع إلي همس ابن عمه قائلا بخفوت :
-اخرس يامتخلف ولا نفس …
هز رأسه بالإيجاب على الفور ليرفع “فهد” يده عنه مشيراً بعينيه الغاضبه إلي الباب حيث ارتفع صوت ابن عمه بتساؤل عنه ليرد عليه “نائل” و هو ينظر حيال فهد بخوف :
-مفيش ياتيم اتخبطت بس أصل متعود على حمامي …
ليستمع إلي صوت ابن عمه يقول باستنكار :
– متعود ايه ؟! بيقول إيه المتخلف ده ؟!!
لم يهتم إنما حدق بذلك الكائن الماثل أمامه يقول بخوف :
-لا تأذيني ولا أأذيك أنت أكيد متسلط على أسيف و أنا ابن عمها و حظي الأسود جابني هنا ..
عقد “فهد” حاجبيه باندهاش ينظر إليه بغضب حين تعالى صوت “تيم” يقول بغضب و هو يطرق الباب :
-أنت يلااا أنت بتكلم نفسككك ؟!!!
صاح “نائل” بعنف و قد بدأ جبينه يتعرق :
– يااخي سيبني في حاالي بقااا …
أمسك “فهد” تلابيبه بغضب و كمم فاهه يهتف بخفوت :
– أنت بتقول ايه يامتخلف أنت ألبس ايه واقلع ايه ؟!! اخرس خالص هتفضحنا ..
هز رأسه بالإيجاب و هو يهمس بخفوت مماثل خوفا من اغضابه :
– تقلع ايه أكتر من كده ، هو أنا بس عاوز افهم أنت ليه بتظهرلي أنا مش أسيف ..
لكزه “فهد” بغضب و قال :
-اظهر ايه و اختفي ايه أنت بتقول ايه ياغبي ؟!! انا فهد ..
نظر له بتشكك و هو يقول بتكذيب :
-مانا عارف إنك تبع فهد ياعم أنا عاوز اعمل زى الناس اللى أنت متسلط عليها واقفه بره مع أخوها ..
تأفف “فهد” بغضب و قال بصوت خافت :
-ياااغبي بقولك انااا فهد أنت مش بتفهم ؟!!
حاول الاعتدال و الابتعاد عن قبضته و هو يهمس بخفوت و اندهاش :
– و بتعمل ايه هنا ع الصبح .. ؟! لا بتعمل ايه هنا اصلا أنت نطيت من الشباك تغتصب أسيف حرام عليك ياااخي كنت فاكر ..اممم ؟!!
كمم فاهه مره أخرى بغضب يهزه بعنف و هو يهمس جازاً على أسنانه :
-شباك إيه يا متخلف اللى هنط منه هو ده يعدي واحد زيي .. أسيف عارفه إني هنا اخرس بقااا …
جحظت عينيه بصدمه لكنه تلوى بجسده ، تركه بهدوء ليهتف “نائل” بصدمه :
-نهاار اسود أنت بتشتلغني صح دى لسه زعلانه مني عشان حوار الچيم و إني أنا اللي قولتلك مكانها متعرفش أن الچيم بتاعك و أنت هناك ٢٤ ساعه تقولى إنها دخلتك هنااا ؟!!!
استمر بالتلوى بجسده و هو يقول بغضب :
– و بعدين انا عايز اتنيل دلوقت استخدم الزفت اعمل إيه و أنت واقفلي كده ؟!!
نظر إليه باشمئزاز و هتف باستنكار واضح :
-تعمل ايه يامقرف أنت و بعدين أنت جاي عندها تستخدم الحمام ليه اصلاا ؟!!
ابتلع رمقه بخوف حين وجده يقترب منه بغضب و قال بصوت مرتفع :
-يااعم حمامي باظ اغنيهالكمم
اتسعت أعينه حين صاح “تيم” بغضب :
– لاااا أنت اتجننت بقااا .. أنت ياحيوااان بتكلم مين ؟!!
وضعت “أسيف” يدها أعلى قلبها بخوف و هى لا تصدق ما فعلته إلي الآن لقد أتت به إلي غرفتها بنفسها ؟! لتهدأ حين سمعت صوت ابن عمها الصائح يقول :
-يااخي سيبني فى اللي اناا فيه بقااا بغني بغنيييي ..
نظر “تيم” باندهاش لها وقال باستنكار :
-ماله المتخلف ده على الصبح كده ؟!! هو اتجنن ؟!!
ابتسمت بتوتر و كادت تتحدث لكن دخول الخادمه أوقف كلماتها لتسمعها تقول باحترام :
-دكتور يزيد تحت عاوز حضرتك تنزلي و كان عاوز حضرتك برضه …
ارتبكت للغايه بالطبع قد فسر ما حدث بشكل خاطئ و سوف يتركها الآن أمام أخاها .. بهتت ملامحها على الفور و أمسكت رأسها و قد بدأ الخوف يطرق أبواب عقلها بتلك اللحظات المرعبه التى تعايشها الآن ، ليقترب منها “تيم” على الفور ينظر إليها بخوف قائلاً بقلق :
– أسيف أنتِ بخير ؟!!
حاولت ضبط أنفاسها المضطربه وهي تنظر إليه بهدوء تستنشق بعض الهواء تقول بلطف مطمئنة إياه :
– ما تقلقش دوخت بس شويه ..
نظر “تيم” إلى الخادمه و هو يأمرها بصوت خشن :
– خليه يطلع احنا مستنيينه …
لتنصرف الخادمه تلبي رغبته بهدوء و تنظر إليه “أسيف” لحظات قبل أن تتنهد بارهاق و هى تنظر إليه بحزن قائله بتوتر :
– تيم !! هقولك حاجه بس متزعلش … نائل مش لوحده جوا …
وجدت الباب ينفتح و يخرج منه ابناء عمها معاً ليبتسم “نائل” بسماجه و هو يقول :
– بصوا أنا عارف أنكم هتولعوا الجناح ده دلوقت بس أنا محتاج الحمام ده جداا هدخل بسرعه و أخرج تكون الخناقه قاامت تمام …
ثم تركهم و انصراف إلى داخل المرحاض يصفع الباب بقوه ، لينظر “تيم” حيال شقيقته باندهاش و أعين متسعه مصدومه و هو يشير إلى ذاك الفهد الواقف بهدوء أمامه و قد ارتدي تيشرته الخاص أخيراً و قال باستنكار فى حين يتجه ناحيته بغضب :
– أنت بتعمل إيه هنااا ؟!!!
هتفت “أسيف” تتجه إليه مسرعه تدفعه بلطف من صدره تقول بخجل من فعلتها :
– تيم هو عمل كده لما أنت خبطت أنا كنت بساعده عشان حرقته بالكوبايه السخنه من غير ما اقصد و هو لما سمع صوتك متضايق دخل جوا عشان متتعصبش ..
نظر إلي شقيقته باندهاش و همس بصدمه :
– كوبايه إيه و سخنه إيه ؟!! أنت بتقولي ايه يا أسيف ؟!
كادت أن ترد عليه لكن دخول “يزيد” و هو يقول بهدوء ناظراً إليها أثناء تقدمه منها :
-انا هقولك بتقول ايه ……
نظرت إليه بحزن و زفرت أنفاسها بارهاق تشعر أنها مرهقه للغايه و قد استهلكت تلك المواجهات جميع قواها ..
لست تلك الضعيفه التى تُرهقها الحروب ، فأنا أمتلك من العزيمه و القوة ما يكفي جيشاً بأكمله لكن رغبتى الجائعه للسلام و إنهاء الحرب تنهش عقلى و قلبى معاً ، تعاند قوتى بإشهار سيف مثابرتي أمام الأعين المتربصه لإنهياري ، أيتها القلوب المشتعلة هلا قصصتم لذاك القلب الشريد تجاربكم ، عله يعود للحرب ، عله يقوى عليها ليس ضعفاً إنما بثاً للقوة داخلى لمجابهة تلك الخناجر الطاعنه لروحي قبل جسدى …
رواية حصونه المهلكة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شيماء الجندي
مدت كتفاها ووقفت تنكس رأسها بصمت، تنتظر أن يبدأ أحدهم بالحديث عن ذاك الموقف المخجل. تنتظر أن تستمع إلى سيل جارف من التأنيب، سواء من أخيها أو من خطيبها.
لكنها استمعت إلى صوت ذاك الفهد، الذي اتخذ ركنًا بعيدًا تمامًا عنها، وهو يقول بصوته الرجولي الأجش:
– هتتكلم ولا أتكلم أنا يا دكتور؟ مش هنفضل نلعب بأعصابها كده!
عقدت حاجبيها ورفعت أنظارها بصدمة من تلك الكلمات المبهمة الغريبة.
ليتجه أخوها إليها يحيط كتفيها بحنو ويقول، "يزيد"، بالوقت ذاته زافرًا أنفاسه بإرهاق:
– أسيف، بعد موقف النهارده وموقف المرسم اللي شوفته من فترة، أحب أقول إنك خلاص اتعافيتي تمامًا.
لم تعِ ما يقول، حدقت به بصدمة واضحة، ثم اتجهت أنظارها إلى ذاك الفهد الذي وقف هادئًا تمامًا يراقبها بصمت.
أنهى "يزيد" تلك الحيرة وهو يقول بصوت رزين:
– شوفي يا أسيف.. الفوبيا مش شرط تكون من أماكن بس، ممكن تكون من حيوانات، من أشخاص.. وهكذا. وأنتِ كان عندك فوبيا من فهد، وده طبعًا زاد بسبب الأذى اللي حصل في فترة بداية جوازكم.
خرج أخيرًا عن صمته وأردف بنبرة جامدة صارمة:
– ادخل في الموضوع على طول يا يزيد، هي عارفه التفاصيل.
ألقى "يزيد" عليه نظرة هادئة، ثم زفر أنفاسه. وقد سرق تركيزها الكلي له، علها تفهم ما يدور حولها بتلك الغرفة.
ليؤيده "تيم" خشية أن تسوء حالة شقيقته:
– فعلًا يا يزيد.
هز الأخير رأسه بالإيجاب مذعنًا لأمرهم، وقال بلطف بالغ:
– وطبعًا أنتِ اتعالجتي من الاكتئاب اللي حصلك ورجعتي تمارسي حياتك. بس فيه نقطة كانت باقية في العلاج، وماكنش ينفع أقولك على طول. أنتِ لازم تتواجهي مع فهد. أنا في حالتك بلجأ لطريقتين. الأولى: علاج سلوكي معرفي، وده كان فردي بينا وحضرتي كام جلسة جماعية معايا. بس للأسف الأسلوب ده ما نجحش معاكِ في علاجك ككل، وفضلت الفوبيا من فهد موجودة. وده طبعًا كان واضح في موقف مقابلتك معاه هنا وتجنبك ليه دايما والتزامك بالقعدات العائلية في وجود تيم. فاضطريت ألجأ للطريق التاني.. وهو: علاجك بالتصادم مع مسبب الفوبيا بس على مراحل بشكل تدريجي. وده طبعًا كان مستحيل يتم بصدفة. أنا كنت ناوي أكمل في علاجك بهدوء، لكن بصراحة فهد كان مكلمني قبل حتى ما أقابل نائل، وهو اللي نزلني مصر عشانك.
شهقت بصدمة واتسعت عينيها، تلتفت لأخيها الصامت الجامد يراقب ما يحدث بهدوء يماثل هدوء ذاك الفهد الذي يراقبها بلطف ونظرات ناعمة.
دبّت تلك القشعريرة اللعينة بأوصالها، وكادت تلهيها عن استرسال يزيد بالحديث، وهو يعود بالأحداث إلى ما قبل أشهر ماضية، حيث اصطحاب شقيقها لها إلى تلك الشقة المنعزلة عن ذاك القصر.
***
Flash Back
أغمض فهد عينيه بقوة وغضب، وهو يتابع بعينيه ابن عمه الأصغر "نائل" أثناء هبوطه من شقة والديه.
ليبتسم بهدوء ويردف:
– آخر مكان ممكن يجي في بالي، مش كده!
زفر أنفاسه بإرهاق، ثم هاتف ذاك الرجل الملقب باليزيد، وهو يزفر بغضب منتظرًا إجابة.
ليأتيه الرد من ذاك الطبيب المتعجرف قائلًا بهدوء مبالغ به يستفزه. لو لم يكن مرشحًا له من كبار الأطباء، لكان أنهى جرعة غضبه به الآن. لكنه منذ أكثر من شهر وهو يحادثه هكذا بلا مبرر.
– يا دكتور!
زفر فهد بغضب وصاح به:
– أنا مش فاهم أنت دكتور نفسي ولا دكتور حمير! إزاي بتكلمني بالأسلوب ده وأنا طالب منك مساعدة في علاج واحدة؟ وبقالك أكتر من أسبوع مأجلني.
أتاه صوت "يزيد" الهادئ يقول بسخرية:
– أنت مش عامل فيها بلطجي ومنزلني مصر بالعافية؟ وبعدين مساعدة إيه، إذا كنت أنت نفسك محتاج مساعدة. محدش يعمل في مراته اللي أنت عملته ده أبدًا، وتقولي أساعدك؟ وبعدين أنت ناسي إن أسيف دي طلعت أصلًا متربية معايا، ده أنا المفروض أقتلك على اللي عملته فيها. وبعدين آخر مرة قولتلي إنك مش راجع القصر ومش عاوز من وشي حاجة، إيه اللي حصل بقى؟
أغمض "فهد" عينيه بقوة وهو يقبض على المقود متحركًا بالسيارة، يقول بنبرة جافة:
– على العموم، أنا فعلاً خضعت للعلاج من امبارح. بس ده مش عشان خاطر كلامك، ده لأن فيه أمور جديدة واكتشفت إن كل حاجة كانت خدعة. وللأسف أنا كنت الأول عاوزك عشان تعالجها من خوفها مني، لكن دلوقتي حالتها ساءت وفقدت النطق.
استمع إلى صوته القلق، وقد اتزنت نبرته متنازلًا عن السخرية، وهو يقول باهتمام واضح:
– لا، فهمني إيه اللي حصل بالظبط.
أتاه الرد الجاف من ذاك المتمرد وهو يقول بنبرة غاضبة:
– أنا مش مريض عندك وجاي أعالجني. أنا مش هحكي حرف غير لما أضمن إنك هتعالجها، لأن للأسف أنت متمكن في مجالك.
لحظات صامتة من الطرفين، ليستمع إلى رده الهادئ بعدها:
– معنديش مانع أعالجها طبعًا، قولتلك أسيف تهمني. وطالما أنت بدأت علاج يبقى دي حاجة تطمني.
صاح غاضبًا:
– إيه تهمك دي؟ ما تحترم نفسك يا ابن آدم! أنت ناسي إنها مراتي؟
أتاه الصوت الاستفزازي البارد يقول:
– طليقتك! أسيف طليقتك. نائل لسه قايل لمروان صاحبنا امبارح.
جز على أسنانه بقوة وهو يسب ابن عمه المتسرع بسره، ليزفر غاضبًا مغلقًا الهاتف بوجهه قبل أن يتهور كعادته.
***
Back
أنهى "يزيد" سرد موقفه وهو يقول موضحًا:
– فهد مكنش عارف إني صديق للعيلة. طلبني كدكتور وأنا رفضت وقتها. وهو لما عرف اتواصل معايا تاني وكان جمع عني معلومات وعرف إني صديق للعيلة، وقالي عن حالة أسيف. في الأول أنا قلقت ورفضت، وهو بوظ شغلي هناك ونزلني مصر بالعافية عن طريق دكتور صاحب بابا طلب مني أساعده في حالات. وبعدها كانت الأمور اتدهورت تمامًا وفهد طلق أسيف. وأنا قابلت نائل وكلمني فعلًا زي ما فهد قالي إن تفكير نائل هيروح ليا. طبعًا مكنش ينفع أخدع تيم وحكيت له كل ده، وهو وافق عشان علاجك، وأنتِ أظهرتي تجاوب رائع معايا وخرجتي من حالة الاكتئاب. لكن للأسف طريقة العلاج السلوكي المعرفي (CBT) ما نجحتش، فوقفت فوبيا خوفك من فهد. وده خلاني أستعين بفهد نفسه لأنه مصدر خوفك، وتصادمك معاه مش هيبقى صدفة منكم أكيد، وهو بنفسه اللي بدأ ده بعد ما اتواصل مع الدكتور بتاعه. يوم ما كنت هنا عندكم وطلبتك من تيم عشان أستفزه، وده برضه كان باتفاق بيني وبين تيم، لأن تيم رفض يطلب مساعدة فهد، وفي نفس الوقت كان عاوزك تتعالجي.
***
Flashback
خرج "فهد" من غرفة المكتب وهو بحالة يرثى لها، حيث تلك المحادثة القصيرة مع فاتنته التي أنهكته.
كاد أن يصعد الدرج إلى غرفته، لكن تلك النيران التي تعبث بفؤاده لم ترحمه. اندفع إلى الخارج فور أن سمع صوت سيارة ذاك الطبيب المستغل.
وقف أمام السيارة، ليترجل "يزيد" مندهشًا وهو يقول بصدمة:
– وبعدين في شغل البلطجة ده! آآآه...
اندفعت لكمته الأولى بباطنه بغضب، ثم كمم فاهه حتى لا يتسلل إلى الداخل، ودفع جسده بقوة إلى السيارة، يردف بغضب وهو يسحق أسنانه بعنف:
– بقا أجيبك تعالج مراتي تقوم تطمع فيهاا يا ××××! أنت متخيل إني هسيبها ليك؟ ده اللي لازم أبعد عنها عشان تقدر تتعالج وأنا أكون اتعالجت. أنا من الأول مكنتش مرتاح لقذارتك.
أزاح "يزيد" يده بغضب، وكشر عن أنيابه يحاول دفع ثقله عنه، قائلًا بسخرية لاذعة:
– مراتي؟ أولًا أسيف طليقتك، ومش بس كده، ما تمتش بينكم علاقة يعني محتاج موافقتها قبل كل حاجة عشان تقدر ترجع ليك بعقد جديد. ثانيًا بقا أنت ملكش دعوة باللي بعمله، هو حرام أحب؟
اممم... وضع يده حول رقبته بهدف خنقه ليزهق أنفاسه، لكن بلحظات أفاق لنفسه، مسيطرًا على انفعالاته، لينفض جسده بعنف وهو يقول غاضبًا أثناء انصرافه إلى القصر:
– وأنا مش هسيبها ليك أبدًا. ومش هكرر غلطاتي يا... يا دكتور.
لفظ "يزيد" أنفاسه، ثم هتف بصوت واضح بعض الشيء بغضب:
– لعلمك بقا أسيف لسه بتخاف منك، ومحتاجة علاج!
توقف، بل قد أعطى عقله أمرًا تلقائيًا لقدميه بالتوقف عن الحركة. هي تخشاه إلى الآن! إذا كيف تتصرف؟ أنها أتمت علاجها؟
عاد إلى ذاك الطبيب وهو يأكل الأرض بخطواته بعنف، وكاد يمد يده ليلكمه وهو يقول:
– بقا بتغشنااا! أنت إنسان ×××.
أسرع "يزيد" بامساك قبضته وصاح به بغضب مماثل:
– أغش إيه؟ أنتوا زي أهلي. أسيف اتعالجت من الاكتئاب فعلًا، لكن الفوبيا منك لااااء.
اتسعت عينه وهو يشير لنفسه قائلًا بدهشة:
– فوبيا مني أنا؟
هتف الآخر بغضب وهو يحاول التحكم بنظراته:
– أيوه طبعًا أسيف بتخاف منك، ولولا إني شايف اهتمامك بعلاجها مكنتش قولتلك كده. أنت متستاهلهاش وأنا مش ه...
قاطعه "فهد" وهو يمسك بتلابيبه بعنف هادرًا يجز على أسنانه:
– ولا نفس! مش من مصلحتك إنك تتكلم عنها كده. أنا اللي غلطت لما نزلتك وأنا اللي هتصرف وأعالجها.
دفعه بعيدًا بغضب، ثم ولى عنه عائدًا إلى قصره، وهو لا ينفك عن التفكير بما قاله ذاك الطبيب المخادع.
قضى لياليه في اتصال متواصل مع طبيبه السابق، رافضًا رفضًا تامًا معاونه ذلك الدخيل لهم.
***
Back
حدقت به بهدوء، وملامحها لا تعكس أي شيء. تراقب أوجه الجميع بصدمة.
لتهتف فجأة لابن عمها:
– وأنت طبعًا ساعدته ياخد الجيم اللي قصادي.
ابتلع "نائل" ريقه وهتف بتوتر:
– طبعًا. أنا لو حلفتلك إنه بلطج عليا وهددني مش هتصدقي صح؟
أغمضت عينيها وزفرت بإرهاق تقول بحزن:
– طيب ونفذتوا خطتكم وعالجتوني خلاص؟
اقترب منها "فهد" مسرعًا وهو يهز رأسه بالنفي هاتفًا بحزن يماثلها:
– هو يعلم ذاك الشعور. دُمية يحركها الآخرون!
ليهتف بصوت مبحوح نافيًا أفكارها:
– أنا مخططتش لحاجة يا أسيف. كل الحكاية إني كنت بخلق مواقف بينا. صدقيني مفيش كلمة واحدة خدعتك بيها. أنا كنت عاوز أعالجك.
حدقت به بهدوء، ثم ابتسمت وهي تهز رأسها عدة مرات بالإيجاب، وأردفت بغضب:
– اااه طبعًا! أنت كل أهدافك نبيلة. مقدرش أقولك أهدافك ناحيتي علمت فياااا قد إيه؟!!! أنا المفروض دلوقتي أقول ده ضحى عشان يعالجني صح؟!!!! مش كدااااا؟!!!!
أردف بغضب وهو يشعر بتلك الغصة تكاد تحرق أحشاءه، حيث بدا كطفل أمام الجميع تعنفه أمه:
– لاااا! مش كداااا! أنتِ أي فعل بعمله معاكِ بتشوفيه كدااا، لكن أنا مش عاوز غير تسامحيني.
تلاقت أعينهم المتألمة للحظات بحديث صامت متألم.
لتردف بحزن وهي تتركه نازعة ذلك الخاتم من يدها، تتقدم إلى "يزيد" قائلة بحزن:
– مكنش لازم ترتبط بمريضة عندك يا دكتور.
كاد أن يتحدث، لتقاطعه رافعة يدها بوجهه قائلة بنبرة هادئة يتخللها الحزن:
– متقولش حاجة يا يزيد، أنا بحترمك وبقدرك. بس أنت حتى مهتمتش بوجودي في حياتك الفترة اللي فاتت، ولا حتى بمكالمة واحدة. عملت خطة عظيمة مع تيم لعلاجي، وده طبعًا لأن العلاج بالصدمة ولازم أتصدم. بس أحب أقولك إني اتصدمت في تفكيرك، إزاي تطلب أيدي عشان تعالجني؟ مفكرتش فيااا؟ في مشاعري ناحيتك؟ احساسي إيه؟ كاان فيه مليون طريقة تستفزه بيها زي ما بتقول، لكن أنت لجأت لأسوأ طريقة، مش بس كده و كملت فيهااا. وأنت ياتيم...
حدقت بأخيها بأعين دامعة وهي تقول:
– إزاي توافق إنه يخدعني كده؟!!! ليه أصلًا توافق على ده وأنت عارف إن فهد بيحاول...
اتسعت أعين شقيقها واقترب منها يقول بصدمة مقاطعًا استرسالها بالحديث:
– لا لااا يا أسيف، أنتِ فهمتي غلط. أنا لما عرفت اللي حصل بينهم رفضت إنه يكمل، ويزيد ساعتها أصر إنه بيحبك وإنه فعلًا هيكمل معاكِ في كل الأحوال. ومعرفتش أبدًا باللي فهد عمله، أنا لسه عارف زيك زيي والله.
لفظت أنفاسها بمقت، ثم أمسكت الخاتم ووضعته بيد "يزيد"، وهي تقول:
– وأنا ولا عاوزة فهد ولا يزيد، ولا هتجوز أصلًا. اتفضلوا كلكم برااا.
هتف "نائل" مبتسمًا بلطف:
– طيب أنا ولا ده ولا ده، ممكن أقعد عادي؟
نظرت إليه بغضب واضح، ليتجه إلى ابن عمه الصامت منذ مدة يتابع المشهد بصمت، وهتف بأذنه:
– أنت مسمعتش طردها ولا إيه؟ منكم لله بوظتوا أخلاق النسمة بتاعتنا.
ثم دفع جسده للخارج وتحرك الأخير معه بطواعية تامة وملامح جامدة أدهشتها هي نفسها. تبعه ذاك الطبيب الحزين، ليقف "تيم" يتابع انتقالها إلى الفراش بهدوء.
جلست فوقه بصمت، تحتضن رأسها بكفيها الصغيرتين تحاول ترتيب تلك الأفكار التي تعبث بعقلها، مثيرة التساؤلات حول ذاك المشهد الصادم لها.
جلس أخوها بجانبها يحيط جسدها، وهو يربت على جسدها قائلًا بهدوء:
– كده صح يا أسيف، أنا مكنتش مقتنع بالارتباط ده.
رواية حصونه المهلكة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شيماء الجندي
"معي!"
طرقت "ندي" أعلى باب المكتب بهدوء ثم فتحت الباب و دلفت إلى الجد المُسن. المُنتظر قدومها بهدوء، يتكئ بذقنه إلى العكاز يراقب حركتها الهادئه بصمت تام.
وقفت هادئه على غير عاده تنتظر حديث الجد الذى دعاها منذ فتره وجيزه إلي غرفه المكتب منذ الصباح الباكر. حدقت به باندهاش لصمته و كادت تتفوه لتبدأ الحديث، لكن دخول عمتها اصمتها عن الحديث لتستمع إلى صوت الجد الهادئ يقول أخيراً:
"تعالي اقعدي جنبى ياندى أنا و عمتك هنقولك كلمتين."
انصاعت له و اتجهت إليه ترافقه بجلسته فوق تلك الأريكة تراقب ملامحهم الهادئه لتتفوه عمتها و هى تعتدل بجلستها فوق الكرسى أمامهم:
"ندي حبيبتي احنا مش عارفين نتكلم معاكِ من ساعه ما رجعتى بالسلامه ، يعني قعداتك معايا خفيفه اوي ، ايه رأيك تغيري جو هنا شويه ؟!!"
عقدت حاجبيها واردفت بدهشه:
"اغير جو فين ياعمتو اللى اعرفه إننا بنجهز للحفله السنويه للمجموعه هنسافر دلوقت ؟!!!"
تنهد الجد و هو يربت على خصلات حفيدته فور أن اعتدل قليلاً ليواجهها بنظراته الحانيه و أردف بلطف:
"للأسف ياندي أنا مضطر أسافر ؛ لأنى محتاج جلسات علاج و هاخدها فى لندن عمك مراد جاي معايا و عمتك قاعده هنا إيه رأيك تيجي معايا ؟!!"
نظرت لهم بهدوء ثم قالت بصدمه تشير إلى نفسها باستنكار:
"أنا ياجدو ؟!! اجي معاكم ، طيب و عمتو مش هتروح ليه اعتقد حضرتك ترتاح معاها اكتر مني .."
ابتسم الجد لتظهر تجاعيد وجهه اللطيفه و داعب وجنتها بحنو قائلاً بلطف:
"مستغربه ليه ياقلب جدو هى أول مره تسافرى معايا ؟! و مين قالك إنى مش هرتاح معاكِ ؟!!"
بللت شفتيها و تساءلت بصدمه واضحه:
"طيب و فهد عارف كده ؟!! ده كان لسه بيرتب معايا اننا نسافر يومين كده .."
أردفت "سمر" فور أن أطلقت تنهيده حاره:
"لا ياندي بس جدو هيقوله …"
نكست رأسها لحظات تفكر بهدوء و الجد و العمه فى حاله ترقب صامته بانتظار ردها. لترفع رأسها بعد فتره وجيزه تردف بهدوء:
"تمام معنديش مشكله لو فهد وافق …"
ثم وقفت تستأذنهم الإنصراف لتخرج تاركه إياهم بحاله صدمه لقد توقعا مماطله و رفض لكنها ادهشتهم لأول مره.
***
جلست "أسيف" فوق الفراش ترفض محاولات صديقتها المقربة "فرح" بالهبوط معها إلى عملهما لتصيح "فرح" بتذمر:
"يووه يا أسيف إيه البواخه دى قومي بقااا البسي ده أنا جيالك مخصوص لحد هناااا …"
زفرت بغضب تنفخ وجنتيها ثم تعتدل بجسدها فوق الفراش تقول بارهاق من إصرار صديقتها:
"يااافرح قولتلك مصدعه و مش بقدر انزل و اناااا مصدعه متتعبنيش بقا أكتر و امشى .."
نظرت إليها بحزن لطردها لها لكنها انتقلت إلي جوارها تربت على ظهرها هامسه باعتذار:
"متزعليش مني ياأسيف أنا مش عاوزاكِ تقعدى لوحدك و تفكرى كتير عشان بتتعبي و تصدعي أكتر .. و بعدين أنا مش بعرف أنزل المرسم منغيرك .. هقوم امشى و اطمن عليكِ لما تصحي …."
خجلت "أسيف" من فعلتها مع تلك الفتاه الحنون و أمسكت يدها تهمس باعتذار و أعين تائهه دامعه:
"متزعليش منى يافرح أنا حقيقي مش قادره انزل و فعلا طول مانا لوحدي بفكر ، و مش عارفه اعمل ايه .."
عادت الرفيقه الحنون تجاورها تربت على خصلاتها بلطف قائله بتبسم:
"ياقلب فرح أنا مش بزعل منك حد يزعل من ملاك زيك ؟!"
صرخت مقلتيها بالحزن تقول بصوت مبحوح على مشارف البكاء:
"مبحبش الكلمه دى بقيت بتتعبنى .. كلهم بيقربوا مني عشان كده يافرح .."
أدمعت أعين الأخرى و هى تراقب كمد صديقتها الحميم الرقيقه و تهمس لها محتضنه إياها:
"ايه الكلام ده يابنتى اللى يقرب منك تيم ياكله بسنانه و أنتِ عارفه كده .. اللى فات مات ياأسيف لازم تنسى عشان تطلعي لقدام مش ترجعي لورا … و بعدين أنتِ ملاك و نص كمان .."
تنهدت بحرارة و همست لها هى الأخرى:
"تيم أول مره يخبي عليا حاجه كده و ده زعلنى أوى ، مبقتش عارفه اعمل ايه بجد …."
ظلت تربت علي جسدها تمسح دموعها باناملها الحره هامسه لها:
"أنا معرفش حصل ايه لده كله ياأسيف بس اللى أنا متأكده منه إن تيم عمره مايأذيكِ أبدااااا ده روحه فيكِ"
رانت "أسيف" بالصمت لحظات ثم رفعت رأسها تزيح خصلاتها خلف أذنها قائله بارهاق:
"هقولك كل حاجه يمكن تفهمى و تفهمينى …"
مر الوقت تسرد لها تفاصيل ليلتها الماضيه و ما قصه عليها طبيبها و أخيها. تابعتها "فرح" بملامح مصدومه لتهمس بصدمه:
"يعني فهد كااان عارف مكانكم ؟!! و عاوز يعالجك قبل ما تطلقوا ؟!!! طيب طلقك ليه ؟!"
عقدت "أسيف" حاجبيها و أردفت باستياء:
"معرفش تفاصيل الطلاق كل اللى أعرفه إن تيم جاب الورقه ليا بعد كان يوم و بس كده …"
لترد "فرح" بهدوء و لطف:
"طيب فين مشكلتك بقي تيم و مكنش يعرف .. يزيد طبيعي ينجذب ليكِ بس اللى مش طبيعى إنك مكنتيش اتعافيتي ياأسيف متزعليش مني ، بس هو كده شبه استغل خوفك من فهد و احساس الذنب عنده هو اللى كان مخليه مش بيكلمك و بيتجنبك ، أما فهد حقيقى محتاره فيه ، يعنى ياأسيف أنا متحطش مكانك ولا أعرف سبب انفصالك من أول شهر جواز بس هو اللى عمله ده كله مايغفرش ليه غلطته عندك و .."
قاطعتها تصيح بأعين متسعه تهز رأسها بالسلب و يديها معاا:
"لالاااا أنتِ متعرفيش عمل ايييه و كل ده ما يغفرششش .."
عقدت "فرح" حاجبيها و تساءلت بصدمه من رفض صديقتها القاطع هكذا:
"ياأسيف محاولاته كتير و فكره إنه بيحاول يعالجك دى صدمتني كنت فاكره انفصالكم باتفاق لكنه شكله عكس كده …"
عقدت حاجبيها تردف بغضب و صوت مرتفع قليلاً:
"لااااا ياااافرح انتيييي مش فااااهمه جوازنا كان غلط و اتصلح و خلاااص انتهي و أنا بكرهه مهمااا عمل …"
مالت "فرح" برأسها قليلاً و اردفت بغضب من اصرار صديقتها:
"ليييه كل ده خااانك ؟!! ضربكككك ؟!!! أيه السبب فهد مثالى"
انتفضت واقفه تصرخ بغضب ماقته على صديقتها:
"مثااالى ليكيييي روحى خديييه و شوفي بيعمل إيه بنفسككككك …."
فرغت "فرح" فاهها بصدمه جليه تراقب صديقتها التى تقف و عينيها تقدح بألم و غضب واضح للعيان رُباااه ماذا فعل ذاك الفهد لتتحول هكذا من مجرد حديث ؟!!!
وقفت "فرح" تعتذر مسرعه و قد أدركت أنها نبشت بحرج عميق الأثر بتلك البريئه اقتربت منها بأعين دامعه تهمس لها:
"أسيف اسفه والله مااقصد اضايقك خلاص بلاش نتكلم عنه تانى اوعدك مش هتكلم تانى …"
هدأت تدريجياً تراقب حال تلك الرفيقه التى تطالعها بقلق واضح و حزن طاغى. و لأول مره تتجرع كأس رفيق الدرب الصالح.
***
اتجاهت "أسيف" إلى المرحاض بعد اتفاق مع صديقتها أن تتجهز للذهاب إلى عملها.
وقف حائراً خارج غرفه شقيقته و هو يطرق الباب للمره التى لا يعلم عددها لم يتمكن من رؤيتها منذ أمس حيث طلبت منه أن يتركها بمفردها لترتاح و هى تتجنب النظر إليه لكنه قلق للغايه!
زفر بارهاق ثم طرق الباب للمره الأخيره و دلف إلى الداخل لتتسع عينيه حيث يرى تلك الفتاه القصيره تتلوى بجسدها برقصات شبه بهلوانيه و هى تتحرك باتجاهه تعطيه ظهرها و تصم أذنيها بتلك السماعات.
فرغ فاهه لا يستطيع السيطره على ضحكاته و هو يشاهد هيأتها الغافله عن تواجده. اقتربت للغايه منه كاد أن يرفع يده و ينزع عنها سماعات أذنيها لكنها تعرقلت فجأة و صرخت برعب أن تسقط أرضاً.
مد ذراعه مسرعاً يسند جسدها لتتعلق تلقائياً برقبته شاهقه بعنف تكتم بقايا صرختها لتشتعل وجنتيها على الفور و يتلون وجهها بالأحمر القاني و لا زالت عينيها البنيه الجميله متسعه تحدق به بصدمه و عقلها لا يستعب أنه يضحك الآن هكذا أمامها و هى بأحضانه !!!!!!
حدقت به بوله واضح و قد طاحت تلك الضحكات الرجوليه بما تبقي من عقلها. بدأ صدرها يعلو و يهبط بتوتر و خجل فور أن بدأ هو يهدأ و يحاول نفض هيأتها الكوميدية عن عقله. توقفت ضحكاته أخيراً ينظر إليها أثناء استقامته بها فى حين أنها لا زالت تتشبث بعنقه و قد سيطرت الصدمه على خلاياها فلم تقوَ على استيعاب أى شيء سوى أنها باحضانه بالقرب من ذاك القلب القاسى الذى امتلك فؤادها بلا عناء. ابتلعت رمقها ثم راحت عينيها تتفقد ملامحه الرجوليه برويه و كأن ذاك الرجل ألقى تعويذه سحريه من نوع خاص ليمتلك حواسها.
رفع يده عن خصرها و قد توترت ملامحه حيث يرى ذاك اللهيب بعينيها الجميله. حمحم و كاد أن يرفع يده لإزاحة يديها المتشبثه بعنقه حين طالت فتره تواجد تلك الفاتنه بأحضانه عن اللازم!
انفتح باب المرحاض بنفس اللحظه و خرجت "أسيف" تجفف خصلاتها بالمنشفه الصغيره لتتسع عينيها حين وقعت على هذا المشهد الصادم!
أخيراً أفاقت تلك المُتيمه و انزلت يديها عنه و قد اشتعلت وجنتيها ناهيك عن اشتعال جسدها بذاك القرب المُهلك. رفعت عينيها لترى تلك النظرات المصدومه بأعين صديقتها خشت أن تفسر موقفها بشكل خاطئ و أنها تستغلها لتصيح و هى ترفع يديها أمام وجهها بلهجه دفاعيه:
"أنا كنت هقع والله ياأسيف و هو لحقنى .."
نظر إليها الأشقاء بصدمه من ذاك الخوف المبالغ به. حدق بها "تيم" بابتسامه هادئه ثم تدارك الوضع يقول بلطف متجهاً إلى شقيقته يقول بصوته المبحوح:
"آسف أنا قلقت عليكِ مكنتش اعرف ان عندك ضيوف …"
وضع تلك القبله الحانيه أعلى مقدمه رأسها ثم أزاح خصلاتها المبلله يحتضن وجهها بكفيه قائلاً بحنو بث تلك الطمأنينة و الدفئ بداخلها و أصاب تلك المتابعه بابتسامه صامته بالقشعريره:
"أنتِ بخير ! لسه زعلانه منى ؟! أنتِ متهونيش عليا أبدا ياأسيف مفيش حاجه ممكن تقلتني غير زعلك كده …"
لم تتحمل تلك النظرات من ذلك الرجل كم هو رائع. هى حزينه لشعورها أنه تآمر مع رجل آخر حتى إن كان لأجل مصلحتها لكنها تحبه. إنه شقيقها الرائع الحنون كما تصفه تلك الفرح المشجعه لها بنظراتها لإنهاء خصامها الغير عقلانى.
نظرت إليه ثوانٍ معدودة ثم اشرق وجهها الجميل بابتسامه بشوش و أحاطت خصره تدس جسدها الصغير باحضانه تقول بهدوء هامسه بأذنه:
"مقدرش أزعل منك ابداااا ياتيم أنا مليش غيرك …و مش هحب حد قدك …."
خرجت من أحضانه ترمق تلك الخجوله بطرف عينيها و قد اشتعلت برأسها فكره ما لتقول بصوت واضح:
"تيم ممكن اطلب منك طلب ؟!!"
رد باندهاش:
"طبعاً ياحبيبتي .."
أشارت إلى صديقتها بطرف عينيها و قالت بهدوء:
"ممكن توصل فرح المرسم أصل هاخد عربيتها اروح مشوار و عربيتى في التوكيل أنت عارف .."
لم يتثنَ له الرد عليها حين صدرت تلك الشهقه العفويه من تلك الفتاه الجميله مما جعله يشيح وجهه متبسماً بلطف.
رواية حصونه المهلكة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شيماء الجندي
جلست "فرح" منكمشة بجسدها داخل سيارته و ذاك التوتر اللعين يعبث بخلايا جسدها حيث مشهدها بأحضانه الذي يتكرر للمرة التي لا تعلم عددها.
نظرت ناحيته بطرف عينيها و هي تشعر باليأس الشديد حين وجدته يطالع هاتفه بيد و الأخرى أعلى المقود، موزعاً نظراته بين الطريق و بين هاتفه.
أسبلت عينيها بحزن عميق تفرك أصابعها لتتنهد قائلة بانزعاج طفيف:
- آسفة تعبتك...
التقطت أذنه نبرة الانزعاج الواضح ليعقد حاجبيه و يلقي نظرة عليها قائلاً باندهاش:
- لا مفيش تعب...
أجابته بإيماءة قصيرة من رأسها و ابتسامة مقتضبة، و عدلت من وضعيتها تطالع الطريق بصمت.
قاطعه هو باندهاش واضح و قال:
- فرح أنتِ متضايقة مني في حاجة؟!!
اتسعت عينيها و توترت ليتسلل ذاك اللون الأحمر إلى وجنتيها حيث بدت حائرة من تلك الملاحظة الواضحة. كيف تُجيبه الآن؟ لم يكن عليها أن تُظهر مقتها لتصرفه الطبيعي بتلك الطريقة أبداً.
ابتلعت ريقها تلملم خصلاتها و تهز رأسها بالسلب بصمت تام.
دفعه لزيادة اندهاشه معتقداً أنه فعل ما يغضبها و يجعلها ترفض الحديث دون شعور. ترك هاتفه جانباً و أوقف السيارة.
لترفع عينيها بصدمة من فعلته حيث ذاك الطريق الهادئ، فقط حركة السيارات المارة ما تشغله قليلاً.
أردف متجاهلاً صدمتها من فعلته، معتدلاً بجسده ليواجهها بصوته الرخيم قائلاً:
- فرح مالك؟!!
و كأن عقلها و قلبها ينتظرا تلك الكلمة لتنفجر باكية تخبئ وجهها بين يديها بوهن من ذاك الإحراج و الضغط الذي يمارسه عليها. ماذا تقول؟ أحبك؟ هل تصارحه بما تكنه بصدرها و تخسر صديقتها المقربة البريئة ناهيك عن كرامتها؟ هل تتوسل محبته؟ هل تترجى قلبه الأشبه بالصخر أن يرى ما بها؟ كيف لم يرَ ولهها به؟ كيف و كيف؟!!
أتسمع؟ أتسمع ذاك النبض الخائن الذي يصرخ بين جنبات فؤادي بحروف اسمك علك ترأف، علك تجيب توسلاته!!
لقد عاهدت نفسي مراراً ألا أشتهي تلك المحبة من قلبك مجدداً، لتأتي هامساً بأحرف اسمي من شفتيك و تتسلل تلك النبرة تدغدغ أحشائي و يرتعش بدني ضارباً بعهدي عرض الحائط. صرت كالطفل الذي يراقب النجوم ليلاً متمنياً ألا يأتي نهار جديد و يزيل ذاك البهاء...
صدمته للغاية و هي تحاول كتمان تلك الشهقات الصادرة من شفتيها الصغيرة.
"رُباه! هل خبأت نهر بعينيها لينفجر بتلك الطريقة من مجرد سؤال؟ كيف له أن يعمل لتهدئتها الآن؟!"
انتبه أخيراً إلى يدها التي تذهب إلى مقبض الباب ليُمسك يدها ضاغطاً على زر التحكم المجاور له يقول بصدمة:
- فيه إيه يا فرح إيه اللي حصلك؟!! أنا ضايقتك طيب؟!!
ارتفعت شهقاتها و نفذ صبرها معه لتصرخ باكية بوجهه بنبرة متألمة:
- لاااا مضايقتنيش انتتتتت مش فاهم ولااا هتفهممممم افتح البااااب ده خلينى انززززل بقاااا!
ماذا يفعل الآن؟ هل يطاوعها و يتركها بمنتصف طريق فارغ؟ لن تسمح رجولته بذلك. لكن هو يعلم ما بها تلك الجميلة حقاً. قد تسببت بأرق تفكيره و انشغال عقله. كيف له أن يوضح لها ما يشعر به!!
أحاط وجهها بكفيه على حين غرة و قد قرر التصرف معها كما يتصرف مع شقيقته. هي تماثله كثيراً علها تفهمه!!
اتسعت عينيها البريئة و توقفت شهقاتها حين فاجأها بإحاطة وجهها بين كفيه و إبهامه الذي يسير فوق خدها يمحي تلك الدمعات اللعينة التي تثير غضبه رغم أنه يراها لأول مرة.
تطلع إلى قسمات وجهها بهدوء يراقب ردة فعلها ليبلل شفتيه مقرراً البوح بما يقلقه و يشعر به معها محاولاً انتقاء ألفاظه حتى لا يجرح تلك الصغيرة:
- فرح أنا عارف شعورك ناحيتي بس أنا مش هنفعك. تجربتي الأولى لسه ليها أثر بيوجع فيا. أنا كده أبقى بخدعك. صعب أثق في أي حد و أنتِ جميلة و صغيرة و مليون واحد يتمنى ترتبطى بيه بس أنا صعب...
كيف له أن يتحدث بتلك القسوة! كيف له أن يزيد من إحراجها و كأنها تتوسل مشاعره هكذا؟!!
عقدت حاجبيها نادمة على لحظات انهيارها الحمقاء حيث أودت بنفسها إلى صدمة بالغة من كلماته التي أشعرتها بالخجل من عرض مشاعرها و انفضاح أمرها هكذا. إذا كان يعلم جيداً لقد كانت تظن أنه لا يدري لكنه ماكر للغاية...
عادت برأسها للخلف تسحبها من بين يديه ثم ابتعدت بجسدها عنه تردف بصوت مبحوح:
- ياريت توصلني أو تنزلني.....فقط!!
لم تجبه بكلمة واحدة و ماذا ينتظر. لقد أخطأ بما قاله و انتهى الأمر.
و حين صرخت بكم مستنكراً إهمالكم مكنونات صدري و مشاعري كان ذلك فقط من فرط محبتي. كنت أريد فقط عناق! عناق يزيل وجعي و يهون آلامي المبرحة لكن لجهلكم بي ثمناً يدفعه قلبي المكلوم و روحي المبعثرة!!!
***
جمعت "أسيف" خصلاتها جانباً تزفر بارهاق من تلك الأفكار التي لا تتركها و شأنها!
لقد اختلطت مشاعرها حين تذكرت الآن ذاك الطفل الصغير الباكي. لا تعلم لما لا تغيب صورته عنها! حسناً قد أخطأ الفهد الكبير لكن ماذا عن ذاك الصغير الذي يؤرق أحلامها؟ و أفكارها الآن!!!
لم تشعر بدخول ابن عمها إلا حين جلس أمامها يطرقع بأصابعه أمام عينيها يلفت انتباهها قائلاً بابتسامة بشوش:
- طردتيني امبارح من الأوضة و رغم إني اتمرمطت طول اليوم عشان أروح أقرب حمام في القصر الطويل العريض ده إلا إني مسامحك...
راقبت جلسته فوق المقعد بأريحية تامة بهدوء ثم تنهدت تقول بنفاذ صبر:
- نائل ابعد عني النهارده....
حدق بها بابتسامة هادئة و أردف ببرود:
- كان نفسي بس أصلك متوصي عليكِ من الراس الكبيرة..
عقدت حاجبيها تقول باندهاش:
- إيه الراس الكبيرة أنت بتقول إيه؟!!
حمحم يراقب ملامحها بتوتر قائلاً و لا زالت ابتسامته العريضة تزين وجهه:
- أقصد فهد وصاني أطمن إنك فطرتي...
انتقلت عدوى التوتر إلى ملامحها تسأله باقتضاب:
- هو قاعد في الجيم و باعِتك ليا؟!!
هز رأسه بالسلب و هو يقول بهدوء:
- لا هو اختفى من امبارح و مشوفتش وشه الحمدلله و يارب يطول، بس سابلي الوصايا العشر عليكِ و قال لي إنه هيطلع عين أهلي لو معملتش اللي قاله. قولت أسيب عين أهلي في حالها و أجي أنفذ اللي طلبه. ها إيه تاني؟!!
حدقت به بصدمة تردد باندهاش واضح احتل قسمات وجهها:
- اختفى؟ يعني راح فين ساب القصر قصدك؟!!
ابتسم بخبث و هو يرقص حاجبيه قائلاً بسخرية:
- جرا إيه يا سوفي، يروح انقرة يبقى فيه سكرة؟!! ماهو كان متلقح قدامك رايح جاي يرزعك آسف.. سامحيني.. حقك علياا، دلوقتي بتسألي عليه؟!!
عقدت حاجبيها تردف بغضب و حدة:
- إيه انقرة و سكرة دي؟!! أنا بسأل عشانك قاعد بقالك ساعة بترغي في أي كلام و معطلني و أقولك تقولي متوصي عليكِ و كلام فارغ!!!!
رفع حاجبيه بصدمة و هو ينظر لهدوء الأجواء حوله قائلاً باستنكار:
- معطلك إيه يا أسيف ده أنا مش شايف في إيدك فرشة سنان حتى مش رسم، قاعدالي على المكتب و سرحانة و تقولي معطلك؟!!
ضرب كفاً بالآخر يكمل بسخرية:
- اطلبيلنا فطار بدل الزهق ده و خلصينا عقبال ما أشوف حاجة أشربها.. فرح فين صحيح شوفتها مع الواد تيم الصبح، البت بسكوته ابعديها عن أخوكِ أنا ب..
قطع كلماته حين اندفعت "فرح" من الباب تلقي ما بيدها جانباً تداري وجهها بخصلاتها متجهة إلى المرحاض بخطوات أشبه بالركض تغلقه خلفها جيداً....
وقفت "أسيف" تقول بصدمة:
- فيه إيه!!
اتجهت إلى المرحاض و وقفت تقرع الباب بقلق تسمع رد ابن عمها قائلاً بسخرية:
- بركاتك يا عم تيم!!! البت فرفرت من توصيله أومال لو كنت طولت معاها شوية كانت رجعت ميتة..؟!!
تأوه حين تلقى تلك القطعة الخزفية الصغيرة الموضوعة للزينة من ابنة عمه في حين تزجره بنظرات شرسة قبل أن تفتح "فرح" الباب و تطل عليهم أخيراً بوجهها المرهق و ملامحها الشاحبة و قطرات المياه تتساقط منها بإهمال.
تُمسك المنشفة بيدها المرتخية بجانبها وضعت يدها أعلى باطنها تقول بصوت مبحوح:
- أسيف معلش كلمي روان تيجي تاخدني أنا شكلي أكلت حاجة غلط تعبتني..
اندهشت "أسيف" تراقبها بشك قائلة بحزن:
- أنتِ كنتِ تمام الصبح، أنتِ اتكلمتي مع تيم؟!! طيب لما شافك كده إزاي ما أخدكيش المستشفى تعالي نروح نشوف ليه حصل كده و...
قاطعتها بهدوء تجفف وجهها قائلة بانهاك شديد و وهن:
- لا يا أسيف أنا تعبت بعد ما نزلت من العربية قولت أتمشى شوية بس واضح الشمس تعبتني. كلمي روان من فضلك، مش محتاجة مستشفى عشان خاطري ما تتعبنيش..
أطاعتها "أسيف" و اتجهت إلى هاتفها تسمع همس ابن عمها قائلاً بتساؤل:
- مين روان دي؟!! دكتورة؟!!
هزت رأسها بالسلب قائلة بهدوء و هي ترفع الهاتف لأذنها:
- لا دي بنت خالتها.. واسكت شوية بقاا
تنهد يتجه إلى المطبخ صائحاً بصوت مرتفع:
- أعملك حاجة سخنة يا فرح؟!!
أغلقت "أسيف" المكالمة تصرخ به:
- وطّي صوتك يا نائل.. أروح الصيدلية أجيبلك حاجة يا فرح؟ متسبنيش قلقانة كده؟!
أغمضت الأخرى عينيها تهمس بصوت مبحوح متألم:
- لا يا أسيف شوية و هبقى تمام.....
كنت أود أن أشاركك صديقي بتلك الصفعات التي يكيلها القدر ليّ، لكنى أخشى... أخشى أن تمل حديثي و تكل من آهاتي المكتومة، فلا تلومنني كتماني و لا تلومنني إرهاقي إن أردت اللوم على أحد لتذهب إلى ذاك القدر المخادع و اصفعه نيابة عني مخبراً إياه أني لا أُهزم أبداااا...
***
وقف ذلك الرجل الأشيب يفرك لحيته يبتسم بلطافة لمحدثه الأجنبي مُنهياً اجتماع عملهم بهدوء منتظراً انصراف ذاك الوفد ثم التفت إلى "تيم" يقول له:
- أومال فين فهد؟!!
تنهد "تيم" يقول بهدوء و صوت صارم قليلاً:
- فهد هيبقي معانا في الاجتماع الجاي لأن العقود هتتمضي زي ما أنت عارف و امضته مهمة..
ليتنهد المدعو "فارس" و يقول بهدوء:
- آه طبعاً أنا اندهشت إنه مش متواجد معانا في اتفاق زي ده و الحفلة السنوية هتعملوها و لا إيه أصل مفيش دعوات وصلت لحد دلوقتي أوعوا تنسوني أزعل أوي...
ابتسم "تيم" له يقول بهدوء ناظراً إلى هاتفه بترقب و كأنه ينتظر مكالمة أحدهم:
- لا متقلقش أنت على رأس القائمة يا فارس باشا..
ابتسم له الآخر و قد ترآى له انشغاله قائلاً:
- طيب أنا مش هعطلك هستني الدعوة متنساش...
صافحه بهدوء منطلقاً إلى الخارج تاركاً إياه ليطلب شقيقته فوراً.
تنهد يستمع إلى صوتها الهادئ تُجيبه باندهاش:
- خير ياتيم في حاجة؟!!
عقد حاجبيه يردف باندهاش:
- حاجة عشان اتصل بيكِ يا أسيف؟!!
وصلته الإجابة:
- لا يا حبيبي مش قصدي بس أصل مشغولة مع فرح هخلص و أكلمك..
وقف على الفور عاقداً حاجبيه يقول بصوت غاضب:
- ليه مالها فرح؟!! اشتكت مني ولا إيه؟!!
أتاه صوت شقيقته المندهش:
- اشتكت إيه ياتيم و أنت عملت إيه يعني هي اللي طلبت منك تنزلي تتمشي و تعبت خالص و طلبنا روان جايه تاخدها عشان رفضت تروح مستشفيات..
دلو مياه مثلج انسكب فوق ذاك الرجل الذي فرغ فاهه لا يفقه ما تقوله شقيقته لكنه أردف بهدوء و هو يلملم أشياءه قائلاً:
- أنا جايلك يا أسيف مش هينفع كده...
ثم أغلق و لم ينتظر ردها متجهاً إلى الخارج يهمس من بين أنفاسه الغاضبة:
- الله يسامحك يا ندى...
***
عودة إلى المرسم..
دلفت "روان" تقول بحماس و صوت ضاحك يشع بهجة:
- مساءكمممم لذيذ...
رفع "نائل" وجهه يقول بضحكة قصيرة:
- ده إيه المساء القمر ده.. معاك نائل شريك أسيف هنا.. اتفضلي أقدر أساعدك؟!!
عقدت حاجبيها و نظرت تجاه "أسيف" الجالسة تحتضن ابنة خالتها تهز رأسها بيأس من أفعاله لتصرخ "روان" و تدفعه بصدره بقوة تُزيحه من طريقها ليتأوه بوجع.
تغاضت هي عنه قائلة بقلق:
- فرح؟!!!! جرالك إيه؟!!!
أجابتها "أسيف" بهدوء:
- اهدي يا روان هي بقت أحسن شوية تعبت من الشمس بتقول..
جلست على الجانب الآخر ترد عليها بقلق:
- طيب و بعدين يا أسيف ناخدها مستشفى..؟!!
ردت الأخرى بتنهيدة حارة تقول:
- من بدري مش راضية يا روان و تعبتني.. على العموم تيم قال إنه جاي و..
صمتت حين خرجت صديقتها من أحضانها تقول بانزعاج طفيف:
- يا جماعة قولت أنا بخير بس محتاجة أرتاح في البيت هتوصليني ولا إيه يا روان؟!!
صاح "نائل" قائلاً بحماس:
- حلو أوى تعالي أوصلك أنتِ و روان..
أشارت "روان" إليه باستنكار تقول:
- مين الحشري ده يا أسيف؟!!
رد عليها بابتسامة سمجة يسبق ابن عمه:
- أنا نائل لسه اتعرفت عليكِ من شوية قبل ما آخد بوكس في صدري منك..
ابتسمت بسماجة مماثلة تقول ببرود:
- أهلاً يا نائل ممكن تسكت بقاا شوية..
كاد أن يجيبها لكن اندفع "تيم" للداخل لتقف "فرح" مسرعة تقول بهدوء في حين تنسحب جاذبة يد ابنة خالتها تستند إليها بوهن:
- أنا همشي يا أسيف و اطمني روان معايا حصل حاجة هتكلم باباها يجيلنا.. يلا يا روان..
انسحبت و لم تنتظر إجابة أحد تاركة الجميع بحالة يرثى لها كلا منهم بأفكاره المُرْهِقة للعقول....
عليك الاعتياد أن التجربة السيئة ما هي إلا تهذيب لنفسك و وجدانك لتتجنبها فيما بعد و ليس لتغرق داخل أوجاعها!
رواية حصونه المهلكة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شيماء الجندي
مر أسبوع اختفي به "فهد" وقد اقتربت الحفلة السنوية الخاصة بـ"آل البراري".
وقف "تيم" يُردّف بغضب وهو يراقب ملامح عمه المكفهرة:
- و الحل إيه؟ فارس الرواي صابر علينا ومش بيتكلم على عقوده طيب وغيره في مليون إمضاء متعطلة والباشا اختفى مع نفسه كده..
دلفت "أسيف" إلى الداخل ترافقها صديقتها "فرح" التي أبعدت أنظارها عنه على الفور حين لمحته بالبهو.
لاحظها في حين يستمع إلى صوت "سمر" المُهدّئة تقول برفق:
- يا حبيبي اهدي مش كده أكيد في سبب ربنا يستر وميكونش حصله حاجة...
تساءلت "أسيف" أثناء توجهها إلى شقيقها تقبله أعلى صدغه وقد بدا القلق واضحًا بنبرتها:
- بتتكلموا على مين؟!!
صاح "نائل" مرحبًا بها يقول مبتهجًا:
- وحشاني والله يا سوفي محدش بقى يشوفك كتير يعني.. ازيك يا فرح و روني عاملة إيه؟!
عقدت "فرح" حاجبيها تقول باندهاش:
- الحمدلله يا نائل أنا بخير بس مين روني؟!
قاطعت "سمر" حديث ابن أخيها واتجهت مرحبة بتلك الفتاة تُجيب سؤال ابن أخيها المعلّق:
- فهد يا أسيف اختفى وملهوش أثر خالص.. عاملة إيه يا فرح؟!
ردت عليها بهدوء وابتسامة ودية وهي تستمع إلى صديقتها التي تقول بهدوء:
- طيب وانتوا بتزعقوا ليه بلغوا عن اختفاؤه وخلاص..
لم تنتظر أن ترى تلك الدهشة المُرتسمة على وجوه الجميع حتى الجد الذي راقبها بوجه مشدوه.
استدارت بجسدها تهمس إلى صديقتها أن تتجه معها للأعلى تاركة إياهم بهدوء تام!!!
حدق "تيم" بأثرها لحظات ثم اعتدل واقفًا يقول بتحذير لابن عمه:
- تعرف يا نائل لو كنت عارف مكانه ومخبي علينا هعمل فيك إيه؟!!!
ليصيح "مراد" بغضب بابنه:
- ده أنا أسود عيشتك فيها يا نائل الكلب، إياااك تهزر في دي!
اتسعت أعينه ليقف قائلًا بصدمة مشيرًا لنفسه:
- يا عم أنا ابنك طيب هما محدش رباهم وبيفترُوا عليا أنت تمشي وراهم لiiiiيه، شايفة الظلم يا عمتوو؟!!
ربتت العمّة على كتفه بحزن وهي تقول لأخيها بعتاب طفيف:
- فيه إيه يا مراد ما هو لو عارف مش هيسكت ويسيبنا كده! صح يا حبيبي؟!!
ليرد عليها وهو يهز رأسه بالإيجاب قائلًا بحزن:
- اه يا عمتو أنا غلباااان وهما مستقويين عليا عشان أنا أصغر واحد فيهم ده يقول حاجة التاني يقول عكسها واتضرب أنا من الاتنين دي مبقتش عيشة دي أنا طالع لسوفي وفروحة...
كاد أن يتجه للأعلى ليوقفه "تيم" من ياقته وهو يقول باستنكار:
- طالع فين يلاااا؟!! بنات قاعدة مع بعض رايح تعمل إيه بينهم..
أمسك "نائل" ذراعه يهمس له بابتسامة خبيثة:
- طالع أطبطب عليها.. البنت غلبانة ومحتاجة احتواء برضه.. اللي هيجنني اتخانقت فيها ازاي من أول مرة أنت إيه يا أخي المادة الخام للنكد؟!
عقد حاجبيه يجيبه بهمس غاضب:
- نكد إيه وبنت مين؟ اتلممم..
ابتسم الآخر بسخرية وهمس له:
- عليا أنا أنت فاكرني أسيف الغلبانة البنت كانت منهارة مش تعبانة واضحة أوي يعني أختك بس بتثق فيك وفاكراه ملاك وأنت شيطان..
اتسعت عيني "تيم" يرد عليه بصدمة:
- أنا شيطان!
تركه "نائل" وهو يشيح بيده بملل أمام العائلة كلها التي اندهشت لما يحدث بين الأبناء، أو بمعنى أدق لهم!!
-***-
ما أن صعدت إلى جناحها برفقة صديقتها ألقت ما يشغل يديها فوق الأريكة وهرعت إلى المرحاض تقول بصوت واضح:
- فرح اطلبي الأكل يطلع هنا لينا هاخد شاور واطلع..
ولم تنتظر إجابة أغلقت الباب مسرعة لتتنهد "فرح" وتقول بحزن هامسة لحالها وهي تخطو إلى الهاتف تنفذ مطلبها:
- حالك يحير يا أسيف أكتر مني...
بالداخل وقفت داخل كابينة الاستحمام فور أن نزعت ملابسها تغمض عينيها تحاول السيطرة على تلك الأفكار التي لا تتركها منذ اختفاؤه!!
لما عالجها إذًا؟! هل شعوره بالذنب حيالها؟! أو حيال أفعاله معها؟! ماذا يريد منها؟! أين كلماته بالمحبة إذًا؟! هل كان يخدعها لتتم علاجها؟!
زفرت بغضب تهمس بخفوت:
- مش هخلص منك بقى..
أنهت جلسة استحمامها تلف جسدها بالمنشفة وتخرج إلى صديقتها التي ألقت جسدها فوق الفراش تنتظر خروجها بارهاق واضح.
اتجهت بصمت إلى غرفة الملابس ترتدي قميص نوم صغير باللون النبيذي ثم أحاطت جسدها بالروب الخاص به وعادت إلى صديقتها تقول بصوت مبحوح متحشرج:
- فرح أنتِ نمتي؟!
اعتدلت الأخرى ترفع حاجبها الأيسر قائلة بهدوء:
- ينفع أنام كنتِ بتعيطي ليه؟!! متوقعتش ردك ده يا أسيف ومش حابة أضغط عليكِ بس مش جايز حصل له حاجة فعلاً؟!! حادثة أو..
ثم قطعت كلماتها تتابع ملامح صديقتها التي تحولت فجأة تحثها على الاستمرار في كلماتها مُبتلعة رمقها بتوتر هامسة لها وهي تجلس أعلى الفراش بجانبها:
- أو إيه؟!! لو كانت حادثة كان أكيد هيروح مستشفى ويبلغونا ده شخصية معروفة..
ابتسمت "فرح" تربت على خصلاتها بلطف قائلة بهدوء:
- طيب ما أنتِ مهتمة اهوه؟!! أسيف أنا وعدتك إني مش هناقشك تاني في موضوعه بس متخليش أي حاجة مهما كانت تغير أسيف الملاك اللي كلنا حبناها...
ثم قبلت خصلاتها واستقامت واقفة تتجه إلى الطعام لتعقد "أسيف" حاجبيها قائلة بتساؤل:
- صحيح يا فرح أنتِ مكنتيش عايزة تيجي معايا النهاردة ليه؟!! هو تيم قالك حاجة ضايقتك؟! حساكِ مش حابة تتعاملي معاه...
تسمّرت بمكانها تكتم تلك الدمعات التي كادت تتسلل من عينيها ثم قالت بهدوء ظاهر:
- لا يا أسيف كل الحكاية أنتِ عارفة مشاعري ناحيته وأنا حسيت إني هعلّق نفسي على الفاضي قولت أختصر عشان ما يحسش بحاجة تيم ذكي جدًا وهيفهم من غير ما تكلم..
تحشرج صوتها بنهاية الحديث وابتلعت تلك الغصّة بحلقها بحزن وهي تجلب طاولة الطعام ناحيتهم وتبتسم لها بلطف وتبدأ بتناول لقمات صغيرة تدعوها إلى بدء الطعام بعد ذلك اليوم المرهق لكلتهما...
-***-
هبطت "فرح" إلى الأسفل وكادت أن تستقل السيارة ليصلها السائق كما قالت صديقتها لكنها تفاجأت به يفتح باب السيارة الأمامي لها بدعوة صريحة للركوب بجانبه.
هل سوف يتكرم ويعيد تجربتها إيصالها؟!!
حدقت به لحظات وكادت أن ترفض لكنه قال بهدوء:
- فرح من فضلك اركبي ونتفاهم لما نخرج من هنا..
زفرت بارهاق ثم استقلت السيارة كما أراد وجلس هو أيضًا خلف المقود ليقلع خارج ذلك القصر المهيب..
مر الوقت بصمت تام يغلف الأجواء إلى أن حمحم قائلًا:
- آسف على اللي حصل مني آخر مرة.. مكنتش أعرف أنك هتنهاري كده..
عقدت حاجبيها بغضب واعتبرته غرورًا منه لتعتدل صائحة به بغضب وانفعال شديد:
- انهار ده إيه؟!!! أنت مين فهمك أن اللي قولته ده صح أصلاً؟! أنا سكت ليك عشان خاطر أسيف بسسس، واللي حصل ده من الشمس لما اتمشيت فيهااا....
اتسعت عينيه ورفع يده بهدوء يحاول تهدئة الوضع قائلًا بتوتر فور انفجارها هكذا:
- تمام تمام أنا فهمت غلط وأنتِ مفيش أي حاجة منك ناحيتي وبعتذر عن ده آسف.. اهدي من فضلك..
كم هو سيئ! يُهَدّئها كالأطفال وهي على يقين أنه لم يقتنع بما قالته للتو..
كيف له أن يصدقها وهي بنفسها لا تصدق ما قالته له.... لقد أحرقتها وحدها تلك النيران صديقتها كانت على صواب هو لا يصلح لها أبدًا..
أشاحت وجهها بعيدًا عنه بصمت مخزٍ.. نادمة على كل لحظة فضحتها عينيها أمامه قد تعرت وكُشف أمرها.. وقُضي الأمر....
أفاقت على صوته الهادئ يقول بحزن بالغ:
- فرح أنتِ غالية عليا أوي... أنا حقيقي معرفش ازاي اتصرفت كده لكن للأسف تقدري تقولي صدمتي في ندى خلتني أتصرف بتهور شوية محبش إني أخسرك أنتِ بالذات... وبصراحة أنا قولت كده لما خوفت..
اتسعت عينيها وهمست بصدمة:
- خوفت؟!!
ابتلع رمقه وقال بتوتر وأعين زائغة بينها وبين الطريق:
- أنا خوفت من مشاعري أنا ناحيتك يا فرح... وللأسف كنت متخيل كده هنهي أي حاجة بس طلعت غلطان..
اتسعت عينيها ترمش عدّة مرات بصدمة وذهول مما يقوله هل هي تتوهم ما تسمعه الآن أم أنها أخطأت السمع، رُبَّاه ماذا يقول ذاك الوسيم؟!!
-***-
استيقظت فزعة بمنتصف الليل تدفع الغطاء عن جسدها حين شعرت بجسدها يحترق إثر ذاك الحلم المدهش الذي لم يكن بطله أحد سواه!!
تكاد الأفكار تقتلها ماذا يحدث لها؟!!
عضت على شفتيها بقوة كادت تُدميها وهي تلملم خصلاتها على جانب واحد تعود للخلف داخل الفراش تستند إلى الوسائد وتضع يدها أعلى قلبها مصدومة من استمرار اضطراب نبضات قلبها إلى الآن...
مُرهِق ذاك الرجل ماذا يريد منها!
اتسعت عينيها حين تعالت الطرقات فوق باب الغرفة لتُسرع إليها تحمد ربها أن شقيقها يقظ إلى الآن وأتى إليها يستطلع أمرها!
فتحت الباب لتفرغ فاهها وهي تراه أمامها لم ينتظر فرصة صدمتها اندفع إلى الداخل يضع يده أعلى شفتيها يُغلق الباب جيدًا ويدير المفتاح به وهي بحالة صدمة تامة من عودته، بل من عودته بتلك الساعة، بل من وقفته الآن بغرفتهااا بتلك الساعة المتأخرة من الليل؟!!!!!
بدأت عينيه تهبط ببطء على ملامحها ثم مفاتنها الظاهرة من تلك القطعة النبيذية القصيرة للغاية!
رُبَّاه هل تزداد فتنتها بمرور الوقت؟!
ازدَرَد رمقه وعينيه تتحول إلى لونها القاتم لتشتعل تلك الحرارة المعتادة من دفء قُربها المُهلك.
ارتفعت يده الأخرى يحيط بخصرها بقوة لتتسع عينيها بصدمة وذهول حين هبط بشفتيه فجأة يقتحم عُذرية تلك الشفاه المُهلكة المُرتعشة بآن واحد، رفعت يديها تدفعه من كتفيه وتصيح بغضب مجرّد أن فكّ أسر شفتيها:
- أنت اتجننت؟!!! إيه اللي بتعمله دااااااا عملت فيا كل المصايب وجاي تكمل علياااا
أسند رأسه عنوة إلى رأسها يجزّ على أسنانه بقوة محاولًا تمالك أعصابه لتخرج الكلمات بغضب من بين شفتيه قائلًا:
- إيه المصيبة أن مراتي توحشني؟!
زجَرَتْه بنظرات مشتعلة وهي تتلوّى بجسدها بعنف صائحة بغضب:
- وحشاني أي.. إيه؟! مراتك؟!! أنت اتجننت فعلاً بقى..
سَكَنَ جسدها الصغير بأحضانه تحدق داخل عينيه تحاول أن تتبيّن مدى صدق كلماته أو بمعنى أدق هذا الهراء الذي تفوَّه به ويؤكده الآن قائلًا بهدوء وهو يعود إلى الخلف بجسده ولا زال يأسرها بأحضانه مُخرجًا تلك الورقة يلوح بها أمام عينيها:
- أنا متجننتش يا أسيف! والدليل إني متجننتش إني مطلقتش من الأساس!! أنا مش مجنون عشان أضحّي بيكِ..
نزعت الورقة من بين أصابعه تحدق بها بصدمة حسناً ذلك عقد طلاقها منه إذًا ماذا يريد رفعت عينيها المصدومة له ليقول محمحمًا:
- من الآخر العقد مزوَّر يا أسيف أنا مطلقتش أنا بعت العقد ده على هنا وأنا عارف إن نائل هيستلمه ويوصله ليكم.. لكن طلاق محصلش وكنت متأكد إن تيم مشغول معاكِ وكل اللي يهمه أنه يخلّصك مني فكان لازم أعمل كده...
مع كل كلمة تصرخ عينيها بذهول مستنكرة أفعاله وكلماته تصيح به:
- أنت إيه؟! شيطااان؟!! بتلعب بينا كلنا بين إيديك؟!!! ازاي تعمل فيا كده أنا مبقتش أصدقككك و..
أسَكَتَها متناولًا شفتيها يُقبّلها بنهم وصبر نافذ يهمس لها من بين قُبلاته بارهاق وأعين دامعة:
- كفااايه يا أسيف أرجوكِ..
أنا عملت كل ده عشان بحبك، كان لازم تتعالجي وكان لازم أخضع لرغبتك لحد ما تهدي!
بدأت شفتاه تتسلل إلى ملامحها وأنفاسه تزداد حرارة، تكاد تهلك من فرط أفعاله وجسدها الخائن يستجيب لكلماته حين همس لها:
- والله عملت كل ده عشان بحبك، أنا عمري ما نفذت رغبة حد غيرك، عمري ما عملت كده غير عشانك أنتِ..
كفايا عليها، ارتفعت وتيرة أنفاسها تحاول الابتعاد عن أحضانه قائلة بغضب وهمس رافضة فرض سيطرته عليها مرة أخرى:
- ده.. ده مش مبرر.. أبعد عني بقى...
تركها أخيراً... يغمض عينيه بإرهاق شديد وتلك الدمعات الخائنة تحارب داخل عينيه للهطول، فتح رماديته ثم تركها واتجه إلى الفراش يجلس فوقه منهك القوى يقول:
- أنا تعبت، بقالي شهور بصلح غلطات أيام، عارف إني غلطت في حقك و عارف إنه صعب عليكِ تسامحي، بس قوليلي أعمل إيه تاني... مفيش في إيدي غير حاجة واحدة باقية وتبقي عارفة عن فهد كل حاجة يا أسيف..
فتح هاتفه ثم طرق عليه عدة طرقات خفيفة بأنامله يقول بصوت مرهق:
- الرقم اللي بعته ده الباسوورد بتاع خزنة فوق.. اطلعي شوفيها.. ودي آخر خطوة وأوعدك بعدها مش هتعرضلك أبدا، هختفي من حياتكم كلكم... لكن لو قابلتيني تاني هعتبر دي إشارة منك إنك مسمحاني...
نهض فجأة وعينيه تحدق بها لحظات قبل أن ينطلق خارج غرفتها تاركاً إياها بحالة من الحيرة والغضب والذهول لا مثيل لها!! هي زوجته!! على ذمته ولم يُطلق سراحها!!!
أمسكت هاتفه وانطلقت إلى الأعلى مسرعة، هي فقط تريد أن تعرف نهاية ذاك الطريق معه.. فعلت ما قاله.. وياليتها لم تفعل.. أخرجت ذاك الصندوق الصغير وتلك الفلاشة في حين أنها تنتفض خوفاً أن ترى ما رأته بالمرة السابقة، لترتسم أمارات الصدمة بوضوح على وجهها تُطالع تلك الأوراق المطوية بترتيب ونظام، إنها رسائل أمه له؟!!
بدأت تقرأ ودموعها تهطل من فرط شفقتها على تلك العلاقة بين الأم وابنها.. لقد تركت نصائحها برسائل له! هل يهتدي طريقه هكذا!! هل يحيا حياته بنصائح ورقية؟! هل يرى أمه بتلك الأوراق؟!!!! لم تكن بحاجة أن تُخمن محتوى تلك الأداة الصغيرة.. بالطبع فيديو قاسي كسابقه. أغمضت عينيها بإرهاق لتقف فجأة متذكرة أنها بغرفته وتحمل ذاك الصندوق وتهبط إلى غرفتها تقضي ليلتها ببكاء مرير مع كل كلمة تقرأها..
صباح جديد مشرق على المدينة الساحرة عروس البحر الأبيض المتوسط، دلفت "أسيف" إلى مرسمها لا تصدق ما رأته أمس، لم تقوَ على مواجهة شقيقها كيف تقول له أنه خُدع من ذاك الفهد الماكر المخادع....
أمسك هاتفه يعقد حاجبيه محدقاً بها بتلك الهيئة المثيرة المستفزة لأي رجل... تلك الكنزه القصيرة بالكاد تصل إلى خاصرتها تفصل منحنيات جسدها أشعرته بالغضب الشديد واندفاع الدماء إلى عروقه بقوة بالغة..
أغلق هاتفه يركل المنضدة بغضب أفزع ذاك النائم بسلام ليفيق وهو يصرخ بخوف:
- إيه.. إيه الجيم بيقع.. هموت ولا إيه..
سقط أرضاً يحاول الوقوف وابن عمه يرمقه بنظرات مشتعلة صامتة ليرفع عينيه إلى ذاك السقف ثم حدق به بنظرات ناعسة قائلاً بتأفف:
- يا عم الله يخربيت معرفتك السودة على دماغك، أنت حد مسلطك عليا مش قولتلي اتخدع من شوية ومسمعش حسك، هو أنا اتكلمت وأنا نايم وعصبتك ولا إيه؟!!!!!
أمسكه "فهد" من تلابيبه يوقفه بغضب ويهزه بعنف هادراً:
- أنت معندكش دممم أنا مش عارف أرجعها ليااا وأنت نايم هنااا وفرحان بنفسك؟!!
اتسعت عينيه يقول بذهول واستنكار:
- إيه ده هو أنا المفروض منامش عشان هي مخصماك؟!! ده إيه العلاقة الزفت على دماغك دي يا أخي خلي عندك كرامة...
هزه بعنف يصرخ به:
- زفت على دماغ مين يلااا؟!! مين ده اللي معندوش كرامة؟!!!!
هز رأسه بالسلب بخوف وهو يرى اشتعال رماديته بغضب يكاد يحرقه ليهمس بصوت مبحوح:
- أنا... أنا معنديش كرامة يا عم.. وكل الزفت على دماغي اهدي يا رايق وأنا هلاقيلك حل وحياة ربنا بس اهدي..
زفر بغضب ثم انتظر لحظات ليفك أسره قائلاً بغضب:
- شوف هتعمل إيه بقى أنا زهقت من الحبسة هنا، وهخربيتك لو اتعاملت بغباء...
هز رأسه بالإيجاب وهو يقول معدلاً من هندامه:
- هفكر.. بس أنت هدي أعصابك وعضلاتك الله يهديك..
ثم انطلق خارجاً بسرعة من أمامه حتى لا يثير حنقه وعنفه مرة أخرى.
-***-
أدارت المفتاح ودلفت إلى الداخل تبحث عنه بعينيها بتوتر وهي لا تعلم إن كانت على صواب بتلك الخطوة أم أنها تتخبط بسبل مختلفة مع ذاك الرجل الذي لم ينفك عن إدهاشها، لقد شغل عقلها بأعينه الصارخة ببكاء الأطفال لا تصدق أنه يستمد قوته من صندوق صغير مملوء برسائل أمه المتوفاة!!! هل يُعقل؟!!
شردت وهي تخطو للداخل لتتعثر بتلك المنضدة الصغيرة وكادت تنقلب على وجهها لكن من سوء حظها كان يتمدد فوق الأريكة مغمضاً عينيه فتحها على وسعها حين شهقت وفلتت منها صرخة صغيرة مصحوبة بآه مكتومة لترتفع يديه تلقائياً إلى خصرها ويقف منتفضاً مستغلاً تلك المسافة الصغيرة بينهم يدفع المنضدة الخشبية بقدمه بعيداً عنهما كل ذلك وهي تراقبه بصدمة هل كان نائماً بتلك الساعة؟!! لم يحل الليل عليهم ماذا يفعل؟!! هل ترك الأعمال على عاتق الجميع ويغط بسباته العميق هنا!!!
الماكر المخادع استغل صدمتها وشرودها ودفع جسدها برقه بالغة إلى الحائط وهو يبتسم بمكر دافناً شفتيه بين شحمة أذنها وعنقها وأنفاسه الحارة تلفح رقبتها بطغيان بالغ.....
شهقت بعنف حين وجدت نفسها مكبلة بأحضانه وشفتيه تسير بلطف بالغ أعلى نحرها تحرق جلدها الرقيق ذاك الشعور الذي ذهب بها لعالمه الخاص جعل أحشائها تتلوى عضت على شفتيها تحاول استجماع قوتها ورفع يديها إلى صدره القوي لتصحيح وضعيتها أو للفر من أمامه أيهما أقرب لكنه لف أنامله حول معصميها حين أدرك حركتها الخفيفة ثم أحاط خصرها بقوة يدس يده الأخرى أسفل تلك الكنزه القصيرة التي أثارت غضبه منذ الصباح وصعد بشفتيه إلى شفتيها يرتوي منهما بنهم شديد ممتصاً رحيقها إلى جوفه مما جعل أنفاسهم تتهدج معاً..
أغمضت عينيها تشعر بشفتيه تسير بروية ولطف حازم فوق ملامح وجهها وكأنه يصك ملكيته عليها حيث بدأت يده العابثة تداعب بشرتها بخفة انهارت قواها أمامه ليبتسم ويفك قيد يديها الصغيرة لتصبح محاطة بين ذراعيه المفتولة بلا أدنى مقاومة مما جعله يتمادى بشفتيه في حين يسحبها بخطوات خفيفة بعيداً عن الحائط ليصل بها إلى الأريكة يميل بها فوقها بنعومة يهمس بأذنها:
- وحشتيني أوي يا بيبي....
فتحت عينيها تحدق به بصدمة كيف لها أن تستسلم هكذا وتهدم حصونها أمامه؟!! لكنه لم يمنحها فرصة الإندهاش حيث عادت شفتيه إلى شفتيها ويدة تثبت وجهها بنفاذ صبر واضح تركته تحاول منع أنفاسها من الاختناق إثر كتمان أنفاسها هكذا بأحضانه تشعر أنها بعالم وردي هادئ لأول مرة بين ذراعيه، لكنها لن تمنحه ذاك العفو الآن، أمسكت يده التي بدأت تتمادى أعلى بشرتها بشدة تكاد تفقدها صوابها لتهمس بصوت مبحوح متوتر:
- أنا مش هكمل معاك..
استطاعت أن تُخرجه من حالة انتشائه ببضع حروف متوترة للغاية وقفت حركة يده وشفتيه ثم فتح عينيه يحدق بها باندهاش عاقداً حاجبيه يردف بصدمة:
- بس احنا اتفقنا! لو جيتي هنا يبقى خلاص سامحتيني..
عضت على شفتيها بخجل تحاول الخروج من بين ذراعيه علها تقوى على مواجهة أسلوبه الجديد الذي ينتهجه معها راقب ملامحها بجمود وأعين متوترة من قرارها القادم رافضاً تماماً خروجها من أحضانه ليحيط جسدها جيداً ثم يجلس معتدلاً جاذباً إياها أعلى ساقه لتتسع عينيها ويبدأ جبينها بالتعرق من أفعاله الحميمة المبالغ بها معها!!
أغمضت عينيها تقول بصوت خافت ونبرة الحزن تغلف كلماتها:
- أنا فعلاً سامحتك بس مش هقدر أكمل معاك كزوج يا فهد من فضلك طلقني بجد المرة دي أنا وأنت مش هننفع لبعض لازم تفهم ده أنت ابن عمي وأنا مش شايفاك غير كده...
حدق بها بهدوء ثم فك قيدها تدريجياً لتقف مبتعدة عنه بسرعة وهي تتجه إلى حقيبتها الصغيرة تحملها وتعادل من هندامها بأصابع مرتعشة ليوقف معتدلاً يقول بهدوء مغلفاً نبرته بصرامة خفيفة:
- أسيف أنا مش هطلقك أبداً إلا في حالة واحدة! إني أموت لازم أموت عشان تضمني إني هبعد عنك تماماً أنا أناني في حبك ومش هسيبك...
زفرت بإرهاق تشعر أنها لن تفلح بالحوار أبداً مع ذاك الفهد العنيد لتقول بغضب وهي تتجه للخارج:
- وأنا هضطر أرفع عليك قضية خلع يا فهد أنا مش هعرف أكمل معاك..
بلحظة وجدته أمامها يسد عليها الطريق ويحيط خصرها بذراعيه يجذبها لصدره يهمس أمام شفتيها:
- مش هتعرفي... أنا مش شايف أي ممانعة جواكِ من علاقتنا يا أسيف أنا استنيت شهور وعندي استعداد أستناكِ سنين وأنتِ قولتي أنك خلاص سامحتيني مستاهلش محاولة واحدة منك؟!
ابتعلت رمقها حين وجدته يدفن رأسه بعنقها يمرمغ شفتيه وطرف أنفه بخصلاتها لتتهدج أنفاسها بعنف ويتخدر جسدها مرة أخرى كيف له أن يفعل بها كل ذلك؟! عضت على شفتيها تقاوم تلك الدمعات التي تشعرها أنها مشتتة قد تكون أشفقت على ذاك الطفل وذلك ما أتى بها من الأساس لكن إكمال طريقها معه محال، لقد رأت تلك القسوة تكاد تهلكها إن لم يلحق بها شقيقها لكانت في عداد الموتى!
كادت أن تفتح فمها وتتحدث لكنه فاجأها بأطراف أنامله التي سارت أعلى شفتيها لتصمت عن الحديث وترتعش شفتيها العذراء أسفل أنامله الخبيرة الحانية، مخادع يلعب بجميع الأوراق، أنوثتها، رحمتها، شفقتها على ذاك الطفل الصغير، وأخيراً تلك المشاعر المبهمة داخلها...
مؤلم ذاك العشق، أهبك روحي وما أملك وأنا جاهل لمكنوناتك وثنايا روحك، فاتنتي هلا نظرتي إلى ذاك العبث بداخلي؟!! هلا تطلعتي إلى عيني، إلى تلك الروح المبعثرة!! هلا وضعت أناملك أعلى صدري علها يهدأ ويطمئن!! أتعلمين تلك النبضات التي صارت تهمس لكِ كم أعشقك!
إنها حرب أخوضها كل يوم معكِ وأخرج منها مهزوم أمام عينيكِ، أخرج منها طفل صغير يخشى الرحيل بمفرده إلى تلك الطرقات المظلمة، هلا أنرتي تلك العتمة داخلي!! علها تنتهي تلك الغوغاء بأحضانك أنتِ.. أنتِ فقط....
رواية حصونه المهلكة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شيماء الجندي
وقفت بمنتصف غرفتها تراقب حركته بأعين متسعة.
إذ وجدته يتجه إلى فراشها يتسطح فوقه بروية وبرود أذهلتها.
لتفرك عينيها النعسانة بصدمة.
ويرفع هو رأسه عن الوسادة بابتسامة واضحة يقول بهدوء:
- سوري يا بيبي صحيتك بس محبتش أدخل من غير إذنك، واقفة بعيد ليه تعالي كملي نومك؟!!
حدقت به ببلاهة تهمس بصدمة جلية احتلت ملامحها الرقيقة:
- أجي فين؟!! أنت بتعمل إيه هنا؟!!
لم تتلقَ منه إجابة لسؤالها المطروح حيث استقام فوق الفراش يحل أزرار قميصه.
بلحظات كان جزعه العلوي عاري تمامًا وألقى بقميصه إلى طرف الفراش.
يعود يفترش بجسده فراشها الوثير ويبتسم براحة قائلاً بهدوء في حين يمط عضلات جسده ويتثاءب ثم استنشق الغطاء بجانبه وبدأت حالة الإنتشاء تسيطر عليه:
- ريحتك تجنن يا بيبي السرير مريح أوي..
عقدت حاجبيها وقد طار النوم من عينيها واتجهت إليه بغضب تقول بصوتها المتحشرج المستنكر:
- بيبي في عينك امشي اطلع برا..
هبطت رماديته على ملامحها ثم تدريجيًا بدأت تسير على ما ظهر من مفاتنها بجرأة شديدة دفعت الدماء إلى وجنتيها.
لتبحث بعينيها عن الرداء الخاص بها علها تخفي جسدها من تلك العينين المتبجحة بها تتفقدها بإعجاب خالص..
وقعت عينيها أخيرًا عليه على الطرف الآخر من فراشها لتتجه إليه مسرعة أسفل نظراته الجريئة.
رأى يدها تمتد إلى الرداء ليمد يده إلى طرفه يسحبه منها بخفة.
دفعتها حركته للعناد وتشبثت به بهدف أن تأخذه عنه ليستغل تمسكها به ويجذبها من يدها بقوة أسقطتها فوق الفراش.
ليعتليها مبتلعًا شقتها بجوفه أمسك يديها التي بدأت تقاومه وشفتيه العابثة تهبط إلى نحرها.
وتتحول قبلاته من الهدوء الحازم أعلى بشرتها الرقيقة إلى نعومة ونهم شديد وكأنه حصل للتو على وجبته الشهية.
ومع هبوط شفتيه واقتحامه الغير منصف لبشرتها الحليبية هبطت أنامله تتفقد جسدها بلطف بالغ ونعومة شديدة وجزعه العاري يتلامس مع ما ظهر منها ليقشعر بدنيهما معًا..
ارتفعت حرارة جسدها للغاية مع أفعاله حيث بدت غير متمكنة من استجماع شتات أمرها.
بدأت أنامله تعبث بخصلاتها ونحرها وشفتيه تتمادى شيئًا فشيئ إلى أن دق الباب.
لتفزع وتدفع جسده وحدقتيها تتسع بصدمة شديدة من استسلام أنثوي مخجل.
تراجع عنها يلهث مغمضًا عينيه بقوة لترفع صوتها المتحشرج بتساؤل عن الطارق وهي تسحب جسدها وتغطي ما كشفته يديه العابثة منه.
كادت تتجه إلى الباب لكنه أوقفها عاقدًا حاجبيه ممسكًا بيدها بقوة يهدر بأنفاس متهدجة وصوت أجش:
- أنتِ رايحة فين كده؟!!
أشار بعينيه إلى قميصها القصير ثم تناول الرداء الخاص بها وأحاط كتفيها به يقترب منها هامسًا لها:
- دخلي إيديكِ..
ابتعلت رمقها تلقيه بنظرات مشتعلة مشحونة بالغضب الناري تكاد تحرقه ثم أمسكت منه طرف الرداء بغضب تتجه إلى الباب أثناء غلقها إياه حول خصرها.
لتتسمر بمحلها حين استمعت إلى صوت أخيها يقول بهدوء:
- أسيف نمتي؟!
اتسعت عينها والتفت حول نفسها تنظر إليه بهلع تهمس له وتدفع جسده تجاه غرفة الملابس ليسير معها بطواعية تامة:
- اعمل إيه دلوقتي؟!! أنت متسلط عليا ومش هترتاح غير لما تيم يكرهني..
أمسك يدها التي تدفعه وجذبها إلى أحضانه يهمس لها باندهاش:
- أنتِ مقولتيش ليه أنك لسه مراتي؟!!
عقدت حاجبيها بغضب تقول بانفعال غلف نبرتها:
- لا طبعًا هقوله لما تطلقني وأخلص منك، أقوله إزاي يعني إنك كداب وضحكت علينا كلنا..
غض الطرف عن وصفها له ونعتها إياه بالكاذب هو من الأساس لا يريد أي نقاشات معها ليهتف ويشير إلى قميصه أعلى فراشها:
- لو شاف ده هتحصل كارثة مش كده؟!!
ثم تركها وعاود إلى الفراش يسحبه متجهًا إلى غرفة الملابس بهدوء شديد..
يهمس لحاله بغضب:
- مش بيفتكرها غير وأنا هنا...
أسرعت إلى الباب تفتحه وترتب خصلاتها أعلى نحرها المزين ببصمات خاصة منه..
حدقت بأخيها بأعين زائغة ليدلف إليها يتشدق بهدوء قائلاً:
- إيه يا أسيف بقالك أسبوع مش بشوفك خالص يا حبيبتي ونايمة بدري كده ليه؟!
أغلقت الباب واتجهت معه إلى الأريكة تجلس فوقها بإرهاق ليتبعها هو أيضًا ثم يجذبها إلى أحضانه يربت على ظهرها بلطف متسائلاً:
- مالك يا قلب أخوكِ! حصل حاجة جديدة؟!
أغمضت عينيها وهمست بهدوء:
- جديدة زي إيه؟!
مط شفتيه للأمام بجهل وأردف قائلاً بلطف وهو يدسها بأحضانه:
- يعني زي أي جديد، أقولك الجديد عندي أنا؟!!
هزت رأسها بالإيجاب واعتدلت لتخرج من أحضانه تطالعه باهتمام بالغ قائلة بهدوء:
- ياريت قول..
نظر إليها لحظات ثم قال متنهدًا:
- فهد ظهر بس رفض يمضي عقود فارس الرواي وأنا زهقت منه ومش عايز أدخل في نقاش جديد معاه هو ليه نظره في الشغل بس المرة دي مش عاجباني.
فارس استحملنا جامد الفترة اللي فاتت وبعت ليه دعوة في حفلة بكرة وأكيد هيتكلم على عقوده المتأخرة..
اجفلت حين تحدث عنه وبللت شفتيها تقول بصوت متحشرج:
- مش أنت بتقول ليه نظره في شغله خلاص يمكن يطلع صح.. وبعدين الحفلة حاجة والشغل حاجة يعني هو جاي يقضي وقت لطيف مش يتكلم في شغل ولو اتكلم هو هيناقشه..
نظر إليها لحظات وانفرجت شفتاه بابتسامة بشوش يقول بلطف مداعبًا وجنتيها يقرصها بخفة:
- أنا فرحان بيكِ وبتفكيرك أوي يا قلب أخوكِ..
انتقلت لها عدوى التبسم واستمعت إليه يقول مكملاً حديثه يحمحم بتوتر طفيف:
- أحم.. كنت عاوز أخد رأيك في حاجة تانية.. تخص فرح..
ضيقت عينيها تهمس باندهاش:
- فرح!
هز رأسه بالإيجاب يقول بنبرة هادئة يخالجها توتر طفيف:
- أه كنت محتاج مدير مكتب جديد الفترة دي وفكرت فيها يعني لو تعرضي عليها أنتِ هيبقى أفضل...
ابتسمت بهدوء تقول بعبث وتهز رأسها بالإيجاب بخفة:
- أممم أفضل... طيب وأنت متعرضش عليها ليه أنت صاحب الشغل وأنت اللي عاوز مساعدتها..
لوى فمه بابتسامة هادئة يقول بحرج أثناء فرك خصلاته:
- أصلها مش بترد عليا... أصل أحم يعني حصل بينا تاتش كده وأنا بوظت الدنيا..
عقدت حاجبيها بدهشة ليتنهد ويبدأ يقص عليها ما حدث بالأسبوع الماضي..
-***-
جلست "ندى" فوق الفراش تحدق بالفراغ تتحدث هاتفيًا مع طبيبها الذي غادر البلاد "يزيد".
تنهدت بإرهاق حين وصل الحديث إلى زوجها السابق لتقول:
- لا طبعًا يا يزيد أنا مش حاسة بأي حاجة دلوقتي ناحية تيم.. مش عارفة ليه مشاعري بقت فاترة كده ناحيته حتى لما شوفته مع فرح صاحبه أسيف بيوصلها محستش إني غيرانة مثلاً أو عاوزة أتخانق فيها زي الأول مفيش حاجة تعباني غير أنه مش هيسامحني أبدًا.
تيم مكنش يستاهل اللي حصل معاه حتى ابنه مقدرتش أحافظ عليه..
رفزت أنفاسها بحرارة ودمعت عينيها حين بدأت تلك الذكرى تندفع لعقلها ليأتيها رده الهادئ يقول:
- شوفي يا ندى احنا اتفقنا أنك مش بتتحاسبي على اللي فات أنتِ بتتحاسبي على اللي بتعمليه وأنتِ واعية ومدركة.. أما مسألة تيم فده مكنش حب يا ندى وأنتِ بنفسك قولتي ده.. أنتِ كنتِ عاوزة علاقة تيم بأسيف ولما لقيتي ده مش موجود حاولتي تاخديه بطريقة غلط مش كدا؟!
تنهدت وهي تقول بهدوء:
- عندك حق بس أنا عاوزة أقوله كل ده يا يزيد على الأقل يفهم إني اتعالجت ومش عاوزة بينا أي حاجة غير إنه يفضل ابن عمي ويسامحني.. وأسيف أنا بجد مش عارفة أتكلم معاها إزاي.. أول مرة أخاف يا يزيد كده.. بس أنا مش حابة أحرج نفسي معاها.. عشان كده أنا بقول لما أرجع من السفر يكون ارتاحوا والأمور استقرت شوية وأكلمها..
صمتت لحظات تستمع إليه يقول بتساؤل:
- طيب إيه رأيك لو تروحي تتكلمي معاها قبل السفر، عشان تبقي مرتاحة أكتر خصوصًا إنك ناوية تكملي دراسة هناك، فكري في ده لحد بكرة، بالمناسبة أكرم كلمني الصبح سأل عليكِ.. كلمك؟!!
تنهدت بحزن وقالت بهدوء:
- أنا محترمة أكرم أوي بس شايفاه بيلمح لعلاقة يا يزيد وأنا ناوية أسافر مش حابة أظلمه معايا.. كفاية اللي حصل.
تفهمها جيدًا وأردف بهدوء مماثل لها:
- طيب أنا مش هعطلك هسيبك تنامي عشان حفلة بكرة، نتكلم في الموضوع ده بعدين..
أنهت معه المحادثة ثم اتجهت إلى المرحاض لتحصل على حمام دافئ منعش لجسدها يزيل عنها تلك الأفكار العابثة.
-***-
داخل غرفة الملابس الخاصة بزوجته..
وقف يطالع تلك القنينة المميزة يستنشق رائحتها بانتشاء شديد، يشعر برائحتها الجميلة العبقة تتسلل إلى خلاياه تضاعف رغبته بالاندفاع الآن للخارج والصراخ بأخيها أنها لا زالت زوجته تخصه من حقه هو أن يهمس لها بما يؤرقه.
أغمض عينيه بإرهاق وابتسم بشرود وهو يعود بعقله إلى لحظاته الفريدة مع أمه حيث تلك اللحظات التي يبثها سره وما يخفيه.
كم يتمنى أن تعود الآن ليقص عليها بعضًا من أوجاعه كما يفعل ابن عمه الآن بأحضان حبيبته، يغار من أخيها!! هل يصل معها إلى تلك الدرجة؟! هل تمكنت من قلبه ليقف الآن مختبئًا بغرفة ملابسها يستنشق عبير رائحة الورود الخاصة بها خوفًا على مشاعرها؟! إرضاءً لرغبتها؟! فهد يفعل ذلك لامرأة دون أمه؟!!
زفر بصوت خفيض يرهف السمع إلى شكوى ابن عمه من المدعوة "فرح" صديقتها، عقد حاجبيه يبتسم لحظات قبل أن يخرج هاتفه من جيب بنطاله ويعبث به ثوانٍ مستدعيًا منقذه بتلك اللحظات العصيبة...
أمسك "نائل" هاتفه يطالع الرسالة النصية القصيرة التي وصلت للتو من ابن عمه الأكبر ليزفر قائلًا بصدمة وأعين متسعة ويهرول إلى غرفتها:
- الله يخربيت دي عيلة.. الواد حالف يتضرب من تيم، والتاني عنده قرون استشعار لأي حد يقرب من أخته خصوصًا لو فهد..
نظر إلى هاتفه الذي أنار برسالة جديدة ليهتف بتذمر:
- حتى في طلب المساعدة محدش رباه.. بيشتم وهو محتاجني الحيوان...
وصل إلى غرفة ابن عمه وطرق الباب بهدوء ليفتح له ابن عمه عاقدًا حاجبيه يردف باندهاش متسائلًا:
- خير حمامك باظ تاني؟!!
تطلع إليه بصمت يبتلع رمقه ناظرًا تجاه ابن عمه التي ظهرت للتو ولوح لها ببهجة:
- حبيبة قلبي يا مجمعة الحبايب دايمااا خليه يدخلني يا أسيف بدل التحقيق ده...
اندهش "تيم" من تجاهله إياه وأردف بغضب طفيف يزيحه من كتفه بعيدًا عن الباب وكاد يغلقه:
- ولااا بقولك إيه مش طلبك نهائي غور من وشي..
وضع يده أعلى الباب يزيحه بعكس الاتجاه وهو يحشر جسده للداخل قائلاً بغضب غير مبرر:
- يا عم أوعي بقااا دخلني بدل ما أدخل بعد شوية على صوتك وأنت لامم القصر ومصحي النايمين فضحتونا يا همج...
أجابه بغضب:
- أنتتت اتجننت يلااا نلم إيه؟!!!
شهقت "أسيف" حين وصلت إليها الكلمات هو أتى ليصرف أخيها.
عقدت حاجبيها بحزن تشعر بأنها تخدعه بلا مبرر لتصيح بغضب:
- لا متجننش أنا هقولك يا تيم..
صرخ بها "نائل" بأعين متسعة:
- اسكتتتتتييييي مش لاااازم كرسي الاعتراف دلوقتي حرام عليكييييي..
رفع "تيم" حاجبه الأيسر باندهاش يعتدل ليوجه نظراته إلى شقيقته المتوترة تحاول إخفاء حزنها تنظر إلى غرفة الملابس التي انفتحت للتو وخرج منها ذاك المختبئ!
ليصيح "نائل" ولازال يحتفظ باتساع عينيه لكن تلك المرة بابن عمه:
- الله يخربيتك أنت طلعتتت ليييبه، أنتوا حد مسلطكم علياااااا هي الأوضة دي مسحورة ولا عليها لعنة ربنا ياخدكمممم.. بقولكم إيييه اختصار كده للأحداث الجاية..
اتجه إلى باب الجناح يفتحه على مصراعيه صارخًا بصوت شديد الارتفاع:
- يا عمتووووو... يا باباااااااااا... يا جدووووووو...
الحقوااا تيم قفش فهد مع أسيييييييف ....
صاح به أخيراً ذاك الصامت يصرخ به:
- ايه قفش دي يا حيوان أنت ايه اللي بتعمله ده ..
اتجه إليه "تيم" بغضب عاقداً حاجبيه، يرى عمته و عمه يدلفان إلى الغرفة للتو ...
أسرعت إليه "أسيف" تقول بخوف حيث ترى انقلاب واضح بالأجواء و ملامح أخيها تُبشر بهلاك قادم:
- تيم اسمعني عشان خاطري أنا خوفت أقولك و في نفس الوقت مش عايزة أخبي عليك لكن بلاش خناق و ضرب أنا أعصابي تعبت من كداااا ..
هدر أخيراً الفهد المتربص بمحله فى حين يقبض بقوة على قميصه القابع بين أصابعه إلي الآن قائلاً بغضب طفيف:
- ياريت نتكلم لوحدنا شوية يا تيم، بعدها تقدر تتصرف زي ما أنت عايز، أنا اللي جيت ليها زي ما أنت شايف ده مش ذنبها و مكناش عايزين يحصل خلاف عشان كده استنيت جوا و طلبت من الحيوان ده يساعدنا ..
أردف "نائل" و هو يشير إلى حاله:
- أنا الحيوان ده ؟!! مقبولة منك يا أبو نسب ..
صاح "تيم" بغضب:
- اخرس أنت خالص ..
ليبتسم له بهدوء ملوحاً بيده و هو يقول بتهكم:
- قال يعني سكوتي هيحل مشاكلكم، ياريت كنت بقيت أخرس و ارتحت منكم ..
لم يُجِبْه "تيم" و التفت إلى شقيقته الواقفة تنكس رأسها بحزن بالغ صامتة ثم أغمض عينيه لحظات يتجه إليها يدسّها بأحضانه و يربت على خصلاتها بلطف بالغ يقول بغضب شديد إلى ذاك الواقف يراقبها بهدوء و لمعه حزن طفيفة التقطها بعينيه:
- أنت فاكر إني ممكن ألوم أختي عشان خايفة على زعلي أنا متأكد من كلامك و إنها متقصدش تخبي عني ..
اتجهت إليهم العمة تربت على كتف "تيم" قائلة بهدوء:
- و احنا عارفين يا حبيبي إنك عاقل اقعدوا يا تيم و شوف عاوز منك إيه و سيب أسيف تريح شوية بكرة عندنا يوم طويل أنت عارف و جدك و عمك و بنت عمك مسافرين مش عاوزين خلافات اليومين دول في القصر ..
تنهد بهدوء ثم طبع قبلة هادئة فوق خصلاتها يخرجها من أحضانه قائلاً بلطف بالغ:
- تصبحي على خير يا حبيبتي ..
أنهى ذاك الاجتماع بهدوء يلقي نظرة سريعة عليه يتابع انصرافه و هو عاري الجسد من غرفة شقيقته تبعه العم المصدوم و العمة ليخرج خلفهم تاركاً "نائل" يتجه إليها قائلاً فى حين يهندم ملابسه باعتزاز:
- شوفتي خرجتهم كلهمممم ازاي ..
لم تستطع مقاومة ابتسامتها على ذاك الرجل بقلب طفل أحياناً تشعر أنه هدية لأجل لحظاتها السيئة بالرغم من سخافة ما يفعله إلا أنه يتولى أمر تلطيف الأجواء من حولها دائماً، ابتسم لها و قال و هو يحمحم بتوتر طفيف:
- ايوه كده اضحكي و أنتِ قمر و ضحكتك قمر .. احم احم بقولك إيه يا سوفي كنت عاوز منك خدمة صغيرة كده ..
عقدت حاجبيها ثم عقدت ذراعيها أسفل صدرها تقول باندهاش:
- خير يا نائل ؟!!
اتجه إليها ينظر تجاه الباب قائلاً بتوتر:
- بصراحة كده أنا معجب بروان صاحبتك بس مش عارف أقولها إزاي ممكن تعملي في ابن عمك حبيب قلبك خدمة و تعزميها بكرة مع فرح على الحفلة ؟!
ابتسمت إليه و إلى ذاك النقاء الذي يشع من نبرته و هزت رأسها بالسلب تضحك قائلة له:
- طيب و متوتر كده ليه حاضر هعزمها .. بس أنت بلاش سخافة تطفش البنت بيها و ترجع تعيط ..
هز رأسه بالسلب مسرعاً يقول بنبرته المرحة:
- والله أنت أجدع واحدة في القصر ده، أنا هروح أجمع معلومات عنها بقى و أنتِ متنسيش أخوكِ بكلمتين حلوين عندها ..
ارتفعت ضحكاتها و قد صرف ذهنها قليلاً بشكل متعمد عن التفكير بمحادثة أخيها الآن مع زوجها ..
ليبتسم لها و لوح بيده تاركاً الغرفة يتنهد هامساً لحاله:
- يارب روان تطلع بنفس براءتك كده مش هتعب معاها أبدا ..
اتجهت "أسيف" إلى الفراش لا تصدق أن الأمر مر بسلام و لم يحدث اشتباك فيما بينهم لأول مرة تحترمه بتصرفه الهادئ المراعي لها، كانت تعتقد أنه خرج ليستغل تلك اللحظة و يعلنها زوجته رغم أنف الجميع لكنه داهم أفكارها بنبل أخلاقه الذي يتبين لها للوهلة الأولى، لأول مرة ترى حصنه حولها بأفعاله ليس كلماته فقط ..
تقلبت فوق الفراش لتتسع عينيها بصدمة حين اندفعت رائحته المميزة إلى أنفها لحظات تحاول دفع أفكارها تجاه أفعاله بذاك الأسبوع و مواقفه المختلفة معها الممزوجة بمحاولات صريحة و تصريحات واضحة منه أنه له لن يتركها شاءت أم أبت زفرت بحزن ثم أغلقت جفنيها شيئاً فشيئاً تذهب بنوم عميق ....
رواية حصونه المهلكة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم شيماء الجندي
"حق!"
"كل ساقٍ سيسقي بما سقي!"
إنه يوم الاحتفال السنوي الحافل لدى "آل البراري" حيث تدب الحركة بالقصر المهيب منذ بداية اليوم إلى نهايته. لكن كانت "أسيف" في عالم آخر، حيث استيقظت صباحاً قبل أن يأتي المسؤولون عن التنظيمات ويبدأ الضجيج.
أنهت حمامها، ترتدي طقم رياضي مكون من بنطال يصل إلى ركبتيها وتيشيرت يصل إلى خصرها، مطبوع عليه شعار إحدى الماركات الشهيرة. ثم خرجت إلى الحديقة الخاصة بالقصر وبدأت بممارسة رياضة صباحية خفيفة، علها تصرف ذهنها عن تلك الكوابيس التي راودتها ليلتها المرهقة للغاية. حيث لم تحظ بساعات نومها الكافية المريحة، إنما حصلت على ليلة قاسية بعض الشيء تتخللها أحلام متضاربة لا تتذكر منها شيئاً. أرجعت ذلك إلى ما حدث مساءً، حيث تلك المواجهة التي حدثت فيما بينه وبين شقيقها. تُرى ماذا قال ذاك الفهد لشقيقها؟ هل اعترف له بما فعله؟ لما تتعقد الأمور هكذا كلما شعرت أن كل شيء على ما يرام! كانت تضع تلك السماعات بأذنيها وتركض، تُغمض عينيها وتفتحها، تهز رأسها بالسلب وكأنها تنفض تلك الأفكار اللعينة عن رأسها.
أبطأت من حركتها تدريجياً ثم وقفت تلتقط أنفاسها بإرهاق شديد، تضع يدها أعلى صدرها وتفتح قنينة المياه، ترفعها إلى شفتيها لترتشف منها. شهقت بعنف حين سمعت صوته اللاهث خلفها يقول زافراً أنفاسه:
- يااه، برافو إنك قدرتي تجري كل ده. صاحية بدري أوي ليه؟
اتسعت عينيها بصدمة، تحدق به ببلاهة. لما استيقظ باكراً هكذا؟ بل لما يُشيد حصونه من حولها بتلك الطريقة؟ ماذا يريد منها؟ عقدت حاجبيها وصاحت به بغضب وقد فقدت سيطرتها على ما تبقى من أعصاب لديها:
- أنت قلت إيه لتيم امبارح؟ وإيه اللي مصحيك بدري كده؟ أنا مش فاهمة، عايز توصل لإيه؟
مد أنامله إلى أذنها ينزع سماعتها بهدوء، وهو يردف عاقداً حاجبيه وقد بدت نبرته مرهقة بعض الشيء:
- أولاً، أنا اتفاهمت مع أخوكِ واطمنتِك بدون ما أسبب لكِ أي مشاكل. ثانياً، أنا حقيقي المرة دي مش نازل وراكِ، أنا من بدري بجري وكنت واقف جنب الشجرة دي باخد بريك، وأنتِ غالباً كنتِ مغمضة أو سرحانة، ما أخدتيش بالك مني.
هبطت عينيها على جسده، تطالع التصاق ملابسه المبللة قليلاً بجسده، ترسم تفاصيل جزعه العلوي بتجسيم واضح مُهلك. نفضت رأسها تشعر ببعض الخجل من اتهامها له باتباعها، وهو بالفعل من الواضح على ملابسه أنه قضى وقت لا بأس به بممارسة رياضته. بللت شفتيها وهمست باعتذار:
- اها، على العموم سوري (آسفة). مش قصدي أقول كده، أنا بس توقعت كله نايم دلوقتي.
ابتسم لها بهدوء، يهز رأسه بالإيجاب قائلاً بلطف:
- أنا متأكد إنك متقصدش يا أسيف.
صمت لحظات وعيناه تسير على ملامحها بلطف، ثم أجلى حنجرته متحدثاً بتلقائية، ينظر إلى ساعته يده:
- أنا منمتش من امبارح، ليلتي كلها كانت كوابيس. أتمنى ميبقاش ده نفس سبب صحيانك بدري كده. أنتِ المفروض معاكِ ساعة ونص كمان عشان تصحي.
أجابته بتلقائية تهمس وتلك العفوية تقطر من حروفها:
- كوابيس ليه؟ مش أنت اتعالجت؟ يعني أقصد باباك لسه ب...
قاطعها يهز رأسه بالسلب وقد شرد بعيداً يقول بهدوء:
- لا لا، دي حاجات ملهاش علاقة ببعض كده.
ثم مد شفتيه وهز كتفيه بابتسامة صغيرة أعلى ثغره قائلاً:
- تقدري تقولي إرهاق، أو أفكار وهمية. مش عارف، لكن لقيت نفسي فايق.
عقدت حاجبيها بدهشة من كلماته. لما ذاك الشعور داخلها بالانقباض؟ هل يحلم هو أيضاً مثلها؟ كيف له أن يماثلها بتلك الأحلام؟ رمشت بتوتر حين طرقع بأصابعه أمام عينيها يلفت انتباهها لتواجده، لتُغير مجرى الحديث على الفور قائلة بتساؤل:
- هو أنت قلت لتيم إني لسه مراتك؟
تلك الكلمة أحيت نبضه داخله. رغم عفويتها، إلا أنها بالطبع لا تعلم مدى تأثيرها عليه بتلك الهمسة الصغيرة. ابتسم بمكر وأردف محاولاً التغلب على نبرته المتوترة قليلاً وقد التوى ثغره بابتسامة لعوب:
- أنتِ عاوزاني أقول ولا أسكت؟
نظرت إليه رافعة حاجبها الأيمن بغضب واضح تقول:
- أنت مش هتتغير أبداً. أنا غلطانة إني سألتك.
كادت تمر من جانبه منصرفة للداخل، لكنه مد ذراعه يجذبها إليه من خصرها، يهمس لها بلطف معتذراً بخفوت ويتلمس خصلاتها متنهداً بحزن:
- آسف! أنا حبيت أغير مودك، مقصدش. أيوه، قلت.
اتسعت عينيها غافلة أنها بأحضانِه. وهمست بصدمة واضحة وصوت متحشرج:
- وهو قال إيه؟
أخفى تلك الابتسامة التي تكاد تطفو فوق شفتيه. إنها لم تقل جملتها المعتادة أنه عليه أن يطلق سراحها، بل تسأله لأول مرة عن رد فعل شقيقها. ليجيبها وهو يقربها من أحضانه مستغلاً غفلتها:
- كان هيقتلني بس. سيبك من كل ده وقوليلي هتلبسي إيه في الحفلة؟
عقدت حاجبيها بغضب، تعود إلى وعيها مدركة وضعها بأحضانِه، لتزيحه من صدره وتقول بغضب:
- أوعي كده. وأنت مالك أصلاً.
رفع حاجبه يردف بسخرية:
- يعني تقدري تقولي جوزك.
تأففت بنفاذ صبر وصاحت بغضب:
- متقولش جوزي دي! وبعدين أنا طلبت أوردر أنا وفرح بس لسه موصلش. اوعى بقاااا.
أطلق سراحها أخيراً، ثم أمسك قارورة المياه الخاصة بها وفتحها، يرفعها إلى فمه يرتشف منها بهدوء. لتطالعه بطرف عينيها بتوتر طفيف، لا تعلم من أين أتى ذاك القلق، لكنها حقاً ولأول مرة معه تريد أن تطول تلك اللحظات. قد يشعرها ذلك بالغضب من حالها، لكنها رغبة داخلية تنبع من أعماقها.
أسرعت تفر هاربة من أمامه بخطوات أشبه بالركض، لا تصدق ما آلت إليه أفكارها معه. ليبتسم متلاعباً بقارورة المياه الخاصة بها بيديه، ثم اختفت ابتسامته مع اختفاء أثرها. ليعقد حاجبيه زافراً أنفاسه بحزن، وقد تراكمت أفكاره المتوترة من كوابيس أمس مرة أخرى بعقله. منذ متى والأحلام تشغل عقله هكذا؟ لكن ماذا إن كانت هي بطلة أحلامه!
***
زفرت "فرح" بحزن تطالع اسمه يزين شاشة هاتفها، لتنتفض حين صاحت ابنة خالتها توبخها:
- ده أنتِ غريبة والله. يعني الواد هو اللي عمال يتصل وأنتِ منفضة؟ إيه الاستعباط ده؟ أومال لو ما كنتيش عينك ورمت من العياط يا نكد هانم انتيييي.
لوت شفتيها وصرخت بوجهها، تمسك المنديل تمسح به أنفها كطفلة صغيرة وتمسح دموعها بطرف بلوزتها:
- بسسس بقاااا انتييي شغالة عليا جلد ذات ليه؟ قولتلك بيعمل كده عشان أبعد عنه.
عااااا...
- ابعد عنه.
عااا... تبعدي إيه ياهبلة انتييي؟ دا الولا عمال يرن يرن من ساعتها عشان يصالحك على كلمتين قالهم وقت عصبية بقاا؟ ده راجل يتنفضله. ياريت كان ليا أناااا.
انفجرت باكية أكثر، لتتأفف "روان" وتردف بحزن متجهة إليها تجاورها فوق الأريكة تحتضنها بحنان:
- خلاص بقا متزعليش. ماهو يا فروحة الواد برضه معذور، طالع من تجربة زي الزفت وأنتِ عارفة كده كويس. وأنا وأسيف نصحناكِ وأنتِ مشيتي بدماغك لحد ما وقعتي على وشك في غرامه. يقوم لما ربنااا ينصفك ويبدأ يشوفك تختفي أسبوع ومش معبراه ولا حتى تردي على المكالمات؟ وبعدين تعالي هنااا، لما فيه حفلة النهاردة وأسيف عزمتنا، هتستخبي منه إزاي في قصره؟
عقدت حاجبيها ونظرت إليها بتفكير لحظات، تُدير كلماتها بعقلها، ليقرع الباب فتصرخ "روان" وتزيحها بعيداً عنها قائلة:
- شوفتي؟ نسيت البواب خااالص.
أسرعت إلى الباب تفتحه لتتسع عينيها بصدمة وتغلقه مرة أخرى مسرعة. تسمع صوته المميز يقول لابن عمه:
- ينهااار أسود على الكسفة. شوفت؟ قولتلك هيفرحوا بوجودي أوي.
هرعت إليها تهمس لها برعب:
- يلااااهوي القمر بتاعك واقف براا ومعاه الواد القمر قريبه.
عقدت "فرح" حاجبيها تهمس باندهاش:
- قريبه؟ قصدك فهد؟
هزت رأسها بالسلب، تصيح بها لتجذبها إلى الردهة الصغيرة تلكزها بغضب قائلة:
- عندك حق، ما هو كلهم قمرات. لا أقصد الواد البلطجي في نفسه ده.
صاحت "فرح" بصدمة:
- نااائل! لحظة، تيممم براااا.
ضربت "روان" كفها بجبهتها تجز على أسنانها قائلة:
- صبرني ياارب. أومال توقعتي فهد على أساس إيه؟ أيوه برااا وادخلى اغسلي وشك وحطي أي حاجة عليه وغيري القرف اللي كله دموع ونيلة، وأنا هستقبله. بلاااش تخوفي الواد كفاية إنه جايلك.
ثم أغلقت الباب عليها وأسرعت تفتح باب الشقة، تعتذر بخجل حين وجدتهم يرسمان ابتسامة متوترة على شفتيهم، وذاك المستفز يكتم ضحكاته عليها، لتفتح الباب جيداً قائلة بترحيب:
- اتفضلوا. أسفه بس أصل المفاجأة خضتني وكده.
ابتسم لها "نائل" يقول بمرح:
- اه، وخضتنا احنا كمان بصراحة. عليكِ زرعة باب في وش ضيوفك تجنن.
ازداد احمرار وجنتيها، ليلكزه "تيم" بجانبه قائلاً باعتذار:
- أسف إني جيت بدري كده ومن غير معاد. بس أسيف كانت قالتلي إنها هتبعت السواق ياخدكم، وهو اتشغل، فقولت آجي أنا وأقوم بدوري. بعد إذنكم طبعاً.
صاحت "فرح" بغضب من كلماته وقد ظهرت الآن وهي على حالتها المهملة، حيث خصلاتها المبعثرة بإهمال وعينيها المنتفخة الحمراء، شفتيها وأنفاها اللتان تشتعل حمرتهما للغاية، بأعينِه:
- أنت جاي توصلنا و عمال تتصل عشان كدااا بس؟
اتسعت أعين الجميع من ذاك المنظر المضحك التي بدت عليه، حيث هندامها غير المرتب بالمرة كالطفل الصغير، ليقول "نائل" بأعينِه متسعة واستنكار:
- سلام قول من رب رحيم، مين دي؟
لكزه "تيم" بغضب، ليتأوه وهما يستمعان إلى ابنة خالتها تقول في حين تخفي وجهها منهم بيدها:
- منك لله يافرح. مفضوحة صحيح.
تقدم منها بهدوء يقول بلطف يجز على أسنانه ليخفي تلك الابتسامة اللعينة:
- لا مش جاي عشان كده بس. كنت بحاول أوصلك عشان أعزمك على فطار برا، لكن أنتِ رفضتي اتصالاتي. قولت اطلع بنفسي.
حدقت بعينيه لحظات تهمس بصدمة تُشير لحالها:
- تعزمني أنا؟
ثم عقدت حاجبيها تقول بغضب تتدارك نفسها:
- بس أنا مش عاوزة عزومات.
لوت ابنة خالتها شفتيها تشير لها بالسلب من خلف "تيم"، ليهمس لها "نائل" من خلف أذنها:
- ابن عمي اللي بتغفليه ده، خلي بالك.
اتسعت عينيها وقد نست أمره بالفعل، لتستدير هامسة بحرج تقول:
- طبعاً لو حلفتلك إن الحركة دي مش مقصودة زي حركة الباب، مش هتصدق.
ليبتسم لها قائلاً بمرح:
- لا متقلقيش، هصدقك. أنا سهل يتضحك عليا أوي، خلي بالك.
ابتسمت بخجل تشيح بوجهها عنه، ليتفرس بملامحها بابتسامة ويهمس لها:
- بقولك إيه، هي البلكونة دي بتبص على الشارع صح؟
عقدت حاجبيها من سؤاله، ليُكمل غامزاً بإحدى عينيه ناحية ابن عمه:
- يعني الإحساس نعمة في المواقف دي، وأنا أحب أبقى خفيف على الناس. فلو تفرجيني البلكونة مساحتها قد ايه، هيفرحوا أوي بينا، وأنا كمان هفرح وهتبقي خدتي ثواب فرحة الناس دي كلها.
لم تستطع كتمان ضحكتها، لتنفجر بها تلفت أنظار الجميع لها، لتسمعه يقول بمرح حين ألقاه ابن عمه بنظرة نارية:
- واضح إن مش فرح بس اللي مفضوحة، دي العيلة كلها كده.
أسرعت إلى الشرفة تكتم ضحكاتها، ليتبعها مبتسماً تاركاً ابن عمه مع تلك الفتاة التي أغلقت فجأة جميع السبل بوجهه.
***
وقفت حائرة تحدق بذاك الرداء المتروك أعلى فراشها بنظرات مستنكرة مصدومة، ثم رمشت عدة مرات تنظر مرة أخرى إلى ذاك الرداء النبيذي الممزوج باللون الأسود من ناحية الكتف والخصر، بأكمام من الشيفون الرقيق للغاية.
هي لم تطلب ذاك الرداء، ولا تحتاج للتفكير بالطبع، هو من تدخل بالأمر، ينتقي لها الرداء بمنتهى الثقة. زفرت بارهاق واتجهت إلى هاتفها تعبث به، لتعقد حاجبيها حين وقعت عينيها على تلك الرسالة الغريبة.
بنفس التوقيت بغرفة "ندى".
ابتسمت ببهجة تطالع هدية أخيها الخاصة. وهو واقف يبتسم لها بلطف، يراقب بهجتها بفرحة داخلية. كم تبدو رائعة حين تعافت وأصبحت هادئة الطباع هكذا. اتجهت إليه تقف أمامه بتردد طفيف يخالجها شعور الخجل من أفعالها الجنونية السابقة. لحظات صامتة فيما بينهم تفهمها على الفور، ليجذبها إلى أحضانه رابتاً على ظهرها بلطف بالغ، لتهمس له بحزن:
- آسفة، أنا ضايقتك كتير حتى في فترة علاجي. عارفة إنك استحملتني كتير أوي. متزعلش مني يا فهد، أنا ريلي (بجد) بحاول أصلح اللي عملته.
تنهد مبتسماً بلطف يقول بصوته الرخيم الهادئ:
- أنا مش زعلان منك يا ندى. مش عاوز منك غير إنك تكوني حاسبة خطواتك صح وبترتبي ليها. أنا وافقت على سفرك لما لقيتك عاوزة تكملي تعليمك برا، وده هيفيدك. لكن لو حاسة إنك محتاجة تبقي هنا، أنا هبقى متطمن أكتر وأنتِ جنبي.
خرجت من أحضانه تلقيه بنظرات دامعة تشع بهجة قائلة بهدوء:
- لا، أنا حابة أشوف حاجة مختلفة وأجربها. هو... أنا... آآ يعني لو روحت لأسيف دلوقتي أكلمها تفتكر هتقبل؟
تنهد بحرارة يقول بهدوء يخالطه حزن طفيف:
- مش عارف يا ندى، بس أنا أفضل إنك تسوي أمورك قبل ما تمشي عشان ترتاحي. جربي، أنتِ مش خسرانة.
اعتدل بوقفته، ثم ربت على خصلاتها مقبلاً جبهتها يقول بهدوء:
- هسيبك عشان تجهزي.
لتقف لحظات محلها قبل أن تنطلق خلفه محددة وجهتها غرفة ابنة العم الصديقة البريئة، التي عضت أناملها ندماً من خسارتها.
عودة إلى غرفة "أسيف".
رفعت الهاتف إلى أذنها تقول باندهاش:
- أنت بتقول إيه يا نائل؟ مش فاهمة منك حاجة. يعني انتوا دلوقتي عند فرح وروان؟ طيب وتيم عاوز إمضتي دلوقتي؟
صمتت تستمع إليه لتقول بهدوء:
- لا خلاص، مش عاوزة حاجة. سيبهم سوا. أنا كده كده هبدأ أجهز للحفلة، وهستنى طبعاً الراجل اللي قال عليه تيم، مش هو تبع فارس الراوي برضه؟ خلاص تمام، هستنى المكالمة.
ثم أغلقت، تعلقت أنظارها بذاك الرداء الجميل بحزن بالغ، لا تعلم ما دهاها منذ بداية اليوم. تلك القبضة تشتد فوق قلبها. رسالة صغيرة من أخيها أنه سوف يحضر صديقتها بنفسه أقلقتها بدون مبرر. أفاقت على تلك الطرقات الخفيفة فوق الباب، لترفع صوتها تسمح للطارق بالدخول. لحظات ليلبي دعوتها، حيث ظهرت أمام عينيها صديقتها السابقة وابنة العم. لم يكن توقيت مناسب لها، لكنها رفعت خصلاتها خلف أذنها تهتف مسرعة وكأنها تخشى تراجعها:
- أنا عارفة إنه مش وقته، وعارفة إن علاقتنا مش ممكن ترجع زي الأول. أنا خذلاني ليكِ كان كبير وصعب تنسيه. عارفة إن كل كلمة بقولها دلوقتي ملهاش أي قيمة عندك، بس أنا مش عايزة أمشي وعلاقتنا كده. إحنا ولاد عم، وأنا عرفت معنى العلاقات متأخر يا أسيف. أي عذر ليا ملهوش معنى عندك، حتى لو كان مرضي. أنا لحد دقايق كنت خايفة أجيلك وفهد هو اللي شجعني ويزيد امبارح.
التقطت أنفاسها ثم أكملت وتلك الدموع تهدد بالهطول:
- زي ما أنتِ مش قادرة تنسي، أنا كمان مش ناسيه أي موقف أذيتك فيه من غير ما تعملي حاجة. بس أنا اكتشفت إن العيلة كلها طبيعي تخاف عليكِ أكتر مني. أنا نفسي استغليت براءتك. وجاية وأنا بجد مش عاوزه منك غير إنك تسامحيني، وأوعدك إني مش هضايقك تاني أبداً.
ثم هربت مسرعة، هربت قبل أن تجيبها من الأساس. لم تكن بمزاج جيد لتلك المحادثات، ومن الأفضل هروبها من أمامها بعد أن أعادت عليها ذكرياتها السيئة للغاية.
استقامت بملل تتجه إلى غرفة الملابس، لكن ذاك الرنين المرتفع لهاتفها أوقفها مرة أخرى، لتتجه عائدة إلى هاتفها تطالع ذلك الرقم غير المسجل بدهشة. ليضرب بعقلها أمر الإمضاء الخاص بها الذي طلبها أخيها على أحد العقود، موضحاً أنه نسي الأمر بالأمس. لتجيبه بوجل طفيف، تستمع إلى بضع كلمات منه لتهتف باندهاش:
- في المجموعة دلوقتي؟ لا تيم قال إن العقد هيجي هنا. فهم غلط؟
صمتت لحظات بحيرة، ثم تنهدت تقول بارهاق:
- لا لا تمام، ساعة بالكتير وأكون هناك. تقدر تنتظر في مكتب تيم.
ثم أغلقت هاتفها تُسرع إلى ملابسها، ترتدي أول ما وقعت عينيها عليه من بنطال وكنزة بيضاء اللون، وأمسكت هاتفها ومفاتيحها الخاصة، تهرع إلى مجموعات "آل البراري"، ناسيه تماماً أن يوم الاحتفال السنوي هو يوم إجازة للمجموعات.
اتسعت عينيه حيث يراها تهرع إلى سيارتها المصفوفة بالخارج وتركبها تنطلق إلى خارج القصر بسرعة غير معقولة! ليرفع هاتفه يحادثها، لكنها أغلقت الخط بشكل متعمد. ليعقد حاجبيه ويتجه إلى الخارج مُعيداً الكرة مرة أخرى، لكنها المرة أغلقت هاتفها تماماااا.
دب القلق أوصاله، ليهاتف ابن عمه على الفور ويهتف مقاطعاً صوته المرح قائلاً بصرامة:
- نائل، هو حصل حاجة عندكم؟ أسيف جيالكم ليه؟
اتسعت عينيه بصدمة وهو يردف:
- يعني إيه مش جاية وانتوا في السكة؟ أومال هي راحت فين بتجري كده؟ طبعاً، متأكد. معرفش. قفلت الفون؟ قول لأخوها كده. عقد إيه اللي المفروض تستناه؟
جز على أسنانه بغضب وهو يهز رأسه بارهاق:
- وانتوا بتاخدوا إمضة أسيف ليييه قبل ما أنا أوافق؟ هي خناقة؟ أنا مش مرتاح للراجل ده ولسه بشوف إيه حكايته وإيه طلع منين فجأة. يعني هي راحت فين دلوقتي؟ اسأل فرح، أكيد عارفة لو وراها مشوار.
أسرع إلى سيارته وهو يحادثه، ليستقلها متجهاً خلفها عله يستطيع تتبع أثرها. يشعر بتلك القبضة تعتصر صدره وكابوس ليلته يتجدد الآن، ليعقد حاجبيه حين أتاه اتصال هاتفي بوضع الانتظار، ليغلق مع ابن عمه فور أن أخبره أن لا أحد يعلم شيئاً عن وجهتها، وأن أخاها بنفسه أصابه القلق. أجاب الاتصال بتوتر، ليأتيه ما يخشاه، حيث اندلع ذاك الصوت القاسي الغاضب يقول بضحكة ساخرة:
- فهد، حبيب قلبي. تعرف حد قبل كده قال لي إننا بنحس باللي بنكرههم؟ وأنت يا أخي الوحيد اللي حسيت بيااا. البونبوناية بتاعتكم وقعت في الفخ، وخلاص كلها دقايق وتبقى معايا. اه صحيح، كانوا بلغوني إنها لسه بنوتة. مش عيب عليك ياااراجل، مش حلوة في حقك دي.
اندفعت الدماء إلى عروقه ليهدر بصوت مرتفع وهو يقبض على المقود بعنف:
- ياااابن ال***** عايز إيه منهاا يااا ***** لو قربت من أسيف خطوة واحدة أنا هدفنككككك أنا مش تيمممم وربنا أحرقك مكااانك.
ليأتيه صوته البارد المستفز له ولأعصابه المشتعلة:
- يوووه يا فهد، شكلهم ضحكوا عليا لما قالولي إنك مبقتش عصبي أوڤر. اااه، ولا ده أوبشن لحبيبة القلب بس؟ بس تصدق، ليكم حق تخافوا عليها كلكم. البنت قمر أوي. أنا مستني رجالي بفارغ الصبر عليها.
صرخ يهدر بعنف وغضب وقد برزت عروقه يكاد ينزع المقود من محله:
- بقولككككك ملكش دعوة بيهاااا يااا ***** ياابن ال **** و رحمة أمي لو طولتك ما هرحمك.
ارتفعت ضحكات الآخر الصاخبة وهو يقول بشراسة:
- عيب يا فهد ياحبيبي تشتم الأكبر منك كده، ولا أنت عشان ماما ملحقتش تعلمك العيب هتقرفنا احنا؟ على العموم، أنا أجدع منك وهقولك القمر بتاعنا رايحة فين دلوقتي. القمر طالعة على شركاتكم ياسيدي. شوفت بقاا أنا طيب إزاي. اااه، الشركات في خلال نص ساعة من دلوقتي هتبقى رماد ياحبيب قلبي، يعني يا تلحقها يا تودعها وهي وسط النار بتتحرق قصاد عينيك. سلام ياحبيبي.
ألقى الهاتف يسرع بقيادته محدداً وجهته إليها وهو يشعر بقلبه ينتفض برعب، ليصرخ بجزع:
- ياااااارب، متخدهاااش منيييي ارجوووووك.
يكاد يفقد عقله، سوف ينتهي أمرها بسببه. لا يعلم ماهية ذاك الرجل، لكن من الواضح أنه يمقته. طالما تسبب لها بالأوجاع، طالما دفعت ثمن براءتها، وها هي تدفع مرة أخرى. لما يحدث له ذلك؟ هو لم يعشق سواها، لم تتمكن امرأة من ذاك القلب المتمرد سوى تلك البريئة الجميلة التي تذهب الآن بعيداً عنه ملوحة بيدها.
جذب خصلاته بعنف يزيد من سرعة السيارة، صارخاً لحاله:
- غبيييي، كااان لازم أمنعهااا. يااااارب بقااااا المرة دي بسسس ارجوووك ارجوووك رجعها ليااااا.
رن هاتفه مرة أخرى برقم شقيقها، ليجيبه على الفور بصوته المتحشرج صارخاً به:
- فرحاااان بنفسكككك دلوقت أهوه. الحيواااان اللي عاوزها تمضيله هيقتلهااااا ياااغبييى. أنا رايح الشركة. قال لي في خلال نص ساااعة هيولع فيهاااا.
وصل أخيراً، لكن المكان هادئ تماماً. سيارتها تقف أمامه، ليرتجل ونبضات قلبه تكاد تصل عنان السماء. يمسك هاتفه بخوف يبحث بعينيه عنها، لكن السيارة فارغة تماماً.
اتسعت عينيه حين انطلقت صرخة منها باسمه! تستنجد به! لكن أين؟ دار حول نفسه وعينيه تتفقد المكان، يصرخ باسمها بعنف بالغ، يركض إلى مصدر تلك الصرخات حيث المخازن الخلفية التي تم بناؤها حديثاً.
اتسعت عينيه حين وقعت عليها أخيراً مُكبّلة بتلك الحبال أرضاً، ودموعها تهطل بعنف تصرخ باسمه. ليهرع إليها يفك أسر تلك الحبال عنها. باغته أحدهم بضربه عنيفة بمعدن ما فوق ظهره ليسقط جسده فوقها من المفاجأة. لحظات وارتج المكان بعدد لا بأس به من الرجال. لم يتمكن من الاعتدال وصد الهجمات، إذ بدأ الرجال بالنيل منه بضربات متفرقة قاسية بأنحاء جسده، وهي تراقبه صارخة باسمه إلى أن شعرت أنها تفقد صوتها. لكنه سوف يسقط صريعاً بين أيدي ذاك العدد الكبير من الرجال الأشداء. سحبه اثنان بعيداً، لكنه لم يصرف عينيه عنها رغم تلك الدماء التي غطت جسده من فرط عنف هؤلاء وضرباتهم القاسية فوق جسده. بالرغم من قوة بنيانه، إلا أنه لم يستطع مجابهة أربعة عشر رجلاً. بالطبع، ومن يمكنه مجابهة ذاك العدد بمفرده. أخيراً ظهر ذاك القذر يتجه إليه واقفاً يضحك بانتشاء واضح، يردد ببرود في حين يراقب ملامحه المُدماة وهندامه المشعث المُلطخ بدماؤه التي تسيل من أنحاء جسده وعينيه عليها هي! هي فقط! يراقب صرخاتها الباكية بأعين دامعة عاجزة. و اااه من عجز الرجال:
- طبعاً أنت محتاج تعرف أنا بعمل معاك كده ليه. الحقيقة يا فهد أنا مش بعمل معاك، أنا بعمل مع أبوك القذر تار قديم بينا وهو مات قبل ما يخلصه. خد بنت خالتي وعلقها بيه وبفلوسه، وهي كانت هتتجنن على أبوها. اااه، أنا أبقى ابن خالة مرات أبوك الأولى واللي قتلتوها، وأبوك راح عاش حياته واتجوز بعدها، وهي ماتت وروحها في واحد بس، ابوها.
ثم أشار إلى "أسيف" التي تنتفض من فرط صرخاتها وبكائها. الآن هو فقط يحاول، يحاول أن يتغلب على تلك الآلام المُبرحة والقيام، لكن مُحال. هو يشعر بتلك الكسور بأنحاء جسده. لكن ما دفع الدماء بجسده بقوة وجعله يصرخ بعنف شديد حين اقترب ذاك المُدنس منها يتلمس جسدها وهي تزحف صارخة بعيداً عنه، ليُمسك بتلك القطعة الحديدية ويُغمض عينيه مجبراً جسده على الاعتدال مستغلاً فارق المسافة الصغير، يغرسها بساقه الممتدة ناحيته مما دفعه للصراخ والابتعاد عنها على الفور. يُشهر سلاحه، يصرخ بألم ليقترب هو منها يغطيها بجسده مُلقياً ثقله عليها:
- يااابن ال*** مش هتخرج منها حى.
ثم انطلقت تلك الرصاصات لتخترق ظهره، لتنطلق معها صرخاتها العنيفة الملتاعة باسمه:
- لاااااا فههههههد... فههههههههههههد...
لكن ما من مجيب، ليكون آخر ما تستمع إليه منه بأذنها:
- ربنا رجع حقك يا أسيف. بس.. أنااا حبيتك.. قولتلك.. مش هتخ..لصي منيي.. إلا بموتى..
اندفعت صرخاتها وبكائها المرير بشهقات مرتفعة للغاية، تصرخ وتنوح باسمه، كم تمنت أن تراه محلها حين عذبها. لكنها نادمة أشد الندم على تحقق تلك الأمنية الآن بتلك البشاعة. كل ساقٍ سيسقى بما سقى!
الحياة ليست عادلة بالمرة. من ينتظر المثالية لن يجدها. نحن بشر والكمال لله فقط.
رواية حصونه المهلكة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم شيماء الجندي
الفصل التاسع والعشرون "فرصة !" " الأخير ج2 " جلس "تيم" فوق المقعد الخاص بالمشفى و هو يدس جسد شقيقته التى أصابتها حاله انهيار فور تلك اللحظات الثقيلة داخل أحضانه ، لا زالت تنتفض ببكاء و شهقات مرتفعه تهمس بكلمات مُبهمه لا زالت بأسوأ حالاتها على الإطلاق إلى الآن لم يفهم تفسيراً لذاك المشهد الدامى الذى صعقه بل و صعق الجميع ابن العم مُلقى فوق جسد شقيقته ينزف الدماء من جميع أنحاء جسده و ذاك المُدنس يحاول الهرب لتنطلق خلفه أفراد الشرطه تلحق به ، و يظل ذاك المشهد الصادم كما هو بعقولهم ...
عوده بالأحداث لساعات قليلة منصرمه ...
ترجل ابناء العم من السيارات يهرولان إلى مصدر صوت الطلقات الناريه و صرخات "أسيف" تكاد تصم الآذان انتشرت أفراد الحراسة الخاصه و الشرطه بالمكان و بلحظات تحول المكان إلى ساحه قتال حيث بدأ الرجال بمحاولات الهرب المعتادة بتلك الحالات هرع "تيم" إلى شقيقته الملقاة أرضاً أسفل جسد ابن عمه لتصعقه الصدمه حين رأى ابن عمه الغارق بالدماء يحيط جسدها أسفله مُلقياً رأسه فوق صدرها و هى تصرخ بصوت ملتاع بإسمه تحرك إليها بعد أن استغرق الأمر لحظات يراقب المشهد هو و ابن عمه بأعين دامعه هبط أرضاً بجانبها يفك أسر تلك القيود عنها و هى تصرخ بذاك الساكن فوقها بلا هوادة تطالعه بأعين متسعه بارتعاب بالغ :
- فهههههد !!!! فههههههد أرجوك اووعى .. تيمممم الحقه ارجووووك ...
مجرد أن فك أسر يديها دفعتها إلى رأسه ترفعها و تطالع ملامحه الغارقة بدماءه ببكاء حار ثم تشبثت فجأة بقميصه الغارق بدمائه حين اتجه أفراد الأسعاف إليهم ليرفعوا جسده عنها لنقله إلى المشفى جذبها شقيقها إلى أحضانه يحاول إيقاف حركاتها الهستيريه و صرخاتها المتتالية أثناء مقاومتها إياه بعنف لفك أسرها أسرع إليها "نائل" يجثو بجانبها يقول بصوته الباكى :
- أسيف اهدي لااازم ننقله المستشفى عشان يلحقوه ..
صرخت بهم بكلمات غير مفهومه تتابع جسده الذى تسطح بسكون فوق الفراش المتحرك الصغير ، ثم بدأت تحاول الاستقامه بجسدها بإصرار غريب تقول بغضب :
- اوعااا ، عاوزه اركب معاااه اوعااااااا ....
لم يكن توقيت صائب للاندهاش فك "تيم" أسرها لتقف مهروله إلى السياره قبل إغلاقها تدلف إليها ثم تختفى داخلها معه ..
الوقت الحالي ....
صمتت فجأة عن البكاء أخيراً و بعد ساعات متواصله من الإنهيار التام لدرجه جعلته يرتعب عليها ثم خرجت من أحضانه تنظر إلى كنزتها البيضاء الصغيره المُلطخه بدمائه و تلك الدموع تسيل من عينيها بلا توقف تهمس أخيراً بكلمات واضحه لشقيقها و ابن عمها الجالس بالمقعد الصغير بجانبها :
- مكنش قصدى مردش عليه ، لو كنت رديت مكنش حصله كده .... أنا السبب ياتيم ..
كان من الصعب تفسير كلماتها ببادئ الأمر خاصه حين أصبحت نبرتها خافته و صوتها مبحوح إثر تلك الصرخات المتتاليه و البكاء المرير ..
لم يفهم أحدهم كلماتها اللوامه المعاتبه لحالها حيث تعمدت تجلد ذاتها بكلمات واضحه تشير إلى حالها باتهام صريح لتتابع همسها قائله بخوف واضح تنتطق به عينيها قبل شفتيها :
-هيعيش ؟!!!
كتم "نائل" دمعاته و أشاح بوجهه بعيداً حتى لا تسوء حالتها ليحتضن أخيها وجهها و يهمس لها بقوه :
- ان شاء الله هيقوم متخافيش .. فهد مش ضعيف و الاسعاف قال نبضه كان متواجد لحد ما وصلوا بيه هنا و هنا اسعفوه على طول .. مش مهم يأخروا بس هيخرج عايش ، ربنا مش هيسيبه ...
انطلقت الدموع و الشهقات مره أخري منها تستسلم لأحضان أخيها التى طوقتها بلوعه يربت علي جسدها و دموعه تسيل بهدوء تام يشير لإبن عمه بعينيه ناحيه الغرفه عله يستطيع أن يستقصى عن حالته خلف ذاك الباب المُغلق منذ وقت طويل ...
استقام "نائل" بنفس اللحظات التى انفتح بها الباب على مصرعيه و التى أتت بها العمه و العم و الجد و الفتيات بهروله من نهايه الردهه و قد وصلهم الخبر منذ وقت قصير عن طريق وسائل الإعلام حيث أوقف "تيم" إحدى السيارات الأجره لتصل الفتيات إلى القصر مُعلنا أنه طرأ عمل هام و لم يظن أن الأمور سوف تصل لتلك البشاعه ..
خرجت من أحضان أخيها تهرع ناحيه الطبيب بأعين متسعه و جسد يرتجف لفت انتباه الطبيب على الفور ليردف بنبره هادئه عله يمتص رعبها الواضح :
- اطمنواا ، الحمدلله الرصاصتين بعيد تماماً عن الأعضاء الحيوية للجسم ..
لم تنتظر حديثه لتقول بنبره متلهفه باكيه :
-يعني عايش ؟!!
ابتسم لها ابتسامه قصيره يهز رأسه لهم بالإيجاب قائلاً :
- أيوه الحمدلله و كمان الرصاصه جت فى الكتف و التانيه كانت خربوش واضح ان اللى ضرب النار مكنش متمكن من السلاح الحمدلله ، بس للأسف الكسور اللى فى جسمه كتير و فى منهم هيحتاج علاج طبيعي فتره ...
لم تستمع إلى ما تبقى من حديثه حيث سمحت الآن لجسدها الصغير بالأنهيار لتسقط مُغشياً عليها بأحضان أخيها الواقف يحتضنها بقوه متوقعاً منها ذلك لقد مرت بلحظات عصبيه لم تخلُ من البكاء و الشهقات و الرعب المُسيطر على جميع خلاياها .....
رمشت بعينيها عده مرات تعود إلى الواقع مره أخرى حيث تشعر برأسها ثقيل للغايه لا تتمكن من الاعتدال لتعقد حاجبيها بغضب طفيف و تلك المشاهد الأخيرة تندفع لذاكرتها واحده تلو الأخرى لتهمس بصوتها المتحشرج العالى نسبياً :
- فهد !! تيممم !!
شعرت بظل أخيها أخيراً يحجب عنها الرؤيه لتفتح رماديتيها جيداً تستوضح صورته المهزوزه و تقول بقلق :
-فهد !
تنهد "تيم" و هبط بجزعه مُقبلاً خصلاتها بحنو قائلاً بلطفه المعتاد معها :
- متقلقيش ياحبيبتي ريحى إحنا كلنا هنا معاه و هو لسه مفاقش !!
همست بأعين دامعه مُنهكه تردد كلمته بخوف :
- مفاقش ؟!! ازا..
قاطعها يربت على خصلاتها و يقول بحنو :
- لا يا قلبى أنتِ فهمتي إيه .. ده طبيعي الدكتور قال من المخدر و تأثير العملية عليه متقلقيش حالته مستقرة ..
عقدت حاجبيها و لأول مره ترمقه بعدم تصديق و اقتناع استوعبه على الفور ليبتسم لها قائلاً بلطف :
- عاوزه تشوفيه ؟!!
هزت رأسها بالإيجاب بتوتر طفيف بنظراتها ليبتسم لها قائلاً بلطف :
- حاضر أول الدكتور ما يدخل و يشوفك أوعدك هوديكِ هناك هو أصلا فى نفس الدور ده ، غمضى عينيكِ و ارتاحي شويه ياقلب أخوكِ و البنات هنا معاكِ ...
نظرت حيث أشار برأسه كيف لم تلاحظ وقوف صديقتيها و ابنه عمها معهم إلى الآن تكاد تُجزم أنها بعالم آخر لأول مره تُريده بمحض إرادتها الكامله ، تريد أن تراه بل و تتلمسه حياً أمام عينيها ليطمئن فؤادها ، انسلت الدموع من مُقلتيها بإنهاك و مشهد أغلاقه لعينيه و ارتماء رأسه فوق صدرها يثم بثه بعقلها .. كلماته التى كانت بمثابة وداع تتكرر الآن بأذنيها أغمضت عينيها بإرهاق تشعر بيد صديقتها تربت على خصلاتها بلطف ثم تميل تهمس لها بكلمات مُطمئنه اعتادتها منها ...
أظن أنكم أوهمتم أنفسكم أنى أحب العُزله و الوِحده المُفرطه لكن لا أخفى عليكم سراً ، كنت أنتظر .. كنت أريد يدك صديقى لتربت على ظهرى بحنو تخبرني أن كل شيئ على ما يرام و أن صمتى معبراً عما يجيش بصدرى المكلوم يكفيك صمتى و يكفينى مداواتك ليسكن قلبي بين أضلعى دون مجهود ، و سرت معك الأمور كما خُطط لها ....
#حصونه_المُهلكه #شيماء_الجندى
-***-
ابتسم "نائل" يُزيل تلك الدمعه الشارده أثناء جلوسه بمفرده فور مغادره غرفه ابنه عمه المكلومه ، اتجه إلى الغرفه الخاصه بزوجها و ابن العم الذي أظهر بسالته بذاك الحادث المروع ، لقد كاد يُزهق روحه فداء لها و لشرفه ، طالما كان يراه رجل صارم أحب براءه ابنه العم ليس إلا لكنه أظهر للجميع مدى عمق مشاعره بتصرفات و ليس كلمات حب زائفة و وعود خائنة ...
توقف عن الحركه حين أمسكت "روان" طرف قميصه تقول بتذمر واضح :
- إيه يابنى خطوتك سريعه كده و مش بترد علياا ..
دس يده بخصلاته بهدوء بتنهد بحرارة مُعتدلاً يكمل سيره و هى تجاوره يقول باعتذار :
- آسف مأخدتش بالى ...
نظرت إليه بحزن بطرف عينيها ثم قالت بلطف و هى تلكزه بذراعه بخفه :
- مالك كده الحمدلله أنهم بخير شكلك نكد مش زي ما فكرتك ..
عقد حاجبيه و هو يحتفظ بملامحه الحزينه قائلاً بخشونه حيث لم يكن بمزاج جيد للممازحه :
- نكد ايه ابن عمى اتكسر و مراته بنت عمى منهارة المفروض اعمل ايه ..
اشعرها بالحرج لترفع خصلاتها الكثه القصيره خلف أذنها و تسير بصمت وتوتر ، وقف فجأة متأففاً يقول باعتذار :
- آسف مقصدش اتكلم كده بس و أنا متضايق بحب أكون لوحدي لأنى ببقي بايخ شويه ..
ابتسمت و قد تغيرت ملامحها فجأه تقول بمشاكسه :
- أنت بايخ على طول ..
رمقها بنظره متأففه ثم اعتدل يُكمل سيره قائلاً بغضب :
- أنا غلطان انى كلمتك ...
ضحكت بخفوت و سارت بجانبه تقول بمزاح خفيف :
- خلاص بقاا متبقاش قماص كده هتعدي إن شاء الله و هيبقي تمام .. و بعدين على فكره مراته دي صاحبتي و أزعل عليها أكتر منك كمان ...
زفر أنفاسه بارهاق ثم توقف أمام غرفه ابن عمه مباشره و قال بحزن :
- أنتِ مشوفتيش منظره و هو غرقان في دمه و مغطيها بجسمه ، و على حسب كلام واحد من رجاله الحيوان اللى اتمسكوا انه عمل كده لما فارس حاول يتحرش بيها و أخد الطلقتين بعدها ، احنا كلنا كنا فاكرينه ندمان و عاوز يصلح غلطه أو من براءتها محبش يخسرها لكن اللى حصل غير كل أفكارى عنه و خلاني أحس بالذنب ناحيه أفكاري كلها ، فهد غلط و كان محتاج فرصه تانيه مننا كلنا ، و رغم انه عارف إن كلنا هنتعاطف مع أسيف و نرفض رجوعها ليه استحمل الفتره اللى فاتت كلها عشان يعالجها ، و دي كمان فسرتها أنه عاوزها ليه و قولت يمكن عالجها عشان تحبه أو بيدور على أمه في براءه أسيف لكن حقيقي غير كل أفكارى و كان هيروح فيها أحنا لازم نضحى بنفسنا عشان ناخد فرص تانيه فى عقول الناس ؟!! فهد لو مكانش عمل كده كنت أنا هفضل بأفكاري عنه و تيم و كل العيله حتى أسيف ... احنا بنبقي كلنا غلطات و نمسك فى اللى اتعرفت غلطاته كأننا ملايكه مش بنغلط حقيقى أنا حاسس بقرف من نفسى أوى ابن عمى كان بيصارع الموت و متخلاش عنها دفع تمن غلطه أبوه و أمه منكرش انى كنت متعاطف مع أسيف أكتر منه بس أنا اكتشفت أن اللى كان محتاج تعاطف هو فهد ، فهد اللى وقف قصاد نفسه و اعترف أنه مريض نفسى و محتاج علاج و راح و اتعالج و لما خلص علاجه كمان استلم علاج اللى حبها و استحمل نظرات مننا سخيفه و مني أنا نفسي فى البدايه ، استحمل معامله تيم اللى عمرى ما شوفته بيعاملها لحد ، استحمل رفض أسيف و كلامها و انفجارها فيه أكتر من مره ، و فى الآخر كان هيموت عشانها .. مش فهد اللى محتاج علاج نفوسنا هى اللى محتاجه علاج عشان مانشوفش غلطات الناس كده و أن كل واحد فينا محتاج فرصه تانيه احنا بنتعامل اننا إله بنبقي القاضي و الجلاد ... كل اللى بص لفهد أنه ملهوش فرص كان غلطان فهد كان ممكن يرجع أسوأ من الأول من أول رفض ليه لكن هو حقيقى اشجع واحد فينا و أفضل مننا كلنا دلوقت ..
نحن بشر نُخطئ و نُصيب فأحذر نظراتك و همساتك أيها السيد المُبجل الحياة ليست عادله و ما تُعيبه اليوم بأحدهم يأتي إليك غداً مهرولا يرتمى بأحضانك لتكون محط الأعين و الأنظار ...
#حصونه_المُهلكه #شيماء_الجندى
صمت أخيراً يلتقط أنفاسه بعنف و قد حضرت أغلب أفراد العائلة التى كانت بطريقها إلى الابن المُصاب يراقبن الابن المرح بأنظار متسعه ، آخر ما كان يتوقعه أحد هو انفجاره بتلك الكلمات الصائبة الموزونه للغايه ، سار "تيم" ناحيته ثم توقف أمامه وهو يراقب تلك الدموع التي تسيل فوق ذقنه المشذبه بهدوء مناقض تماماً لحاله صاحبها ، احتضنه بقوة صامتاً و راح يربت على كتفه و خصلاته بحزم خفيف ظلا هكذا لحظات قبل أن يستقيم "تيم" معتدلاً يتجه إلى غرفه ابن عمه بدموعه الحبيسه ...
راقبت "ندى" ما يحدث بملامح صامته فقط دموعها التى تهطل كانت خير جواب على ذاك الوجع داخلها ، اقتربت منها العمه تهمس لها بهدوء :
- ندي تعالي معايا الكافيتيريا نطلب قهوة أو حاجه نشربها ..
انصاعت لها بهدوء تام و انصرفت معها إلى هناك علها تهدأ قليلاً من تلك الصدمات المتتالية بالرغم من تواجد الفتيات معها و دعمها منذ تلقي الخبر و بالرغم من عدم معرفتها الجيده بهم إلا أنهن لم يتركاها للحظه سوى حين انصرفت مع العمه ...
جلست العمه و ابنه أخيها يتناولن المشروب الساخن بارهاق واضح على ملامحهم لتعقد العمه حاجبيها حين وجدت شاب ثلاثينى يقترب من الجانب يلوح لابنه أخيها المصدومه لحظات و كان ماثل أمامهم يقول بصوت متوتر قليلاً :
- ندى !! أنا لسه شايف الأخبار ، كنت في ميتينج و كلنا اتصدمنا لما سمعنا ؟!! هو عامل ايه دلوقت ..
رمشت عده مرات ثم نظرت إلى عمتها التى تتساءل بنظراتها عن صله ذاك الرجل بها ! لتقول بتوتر طفيف :
- عمتو ده أكرم رسلان .. أكرم دى عمتو !!!
لاحت ابتسامه خفيفه ترحيبية بالضيف المفاجئ على وجه العمه ثم قالت فى حين تستقيم بجلستها بهدوء مرحبه به :
- أهلاً و سهلاً يابني ! اتفضل ارتاح أنا هروح أشوف مراد عدى على الحسابات ولا لسه ..
ثم غادرت متجاهله عن عمد نظرات ابنه الأخ الممانعة لتركها تنهدت "ندى" بحزن حين استمعت إلى رده المهذب على عمتها ثم تلبيه الدعوه و الجلوس ليقول فور جلوسه :
- ليه مابلغتنيش ياندى ؟! آسف إني جيت منغير مااستأذن بس أنا قلقت عليكم .. و عليكِ أنتِ تحديدا ..
حدقت به بصمت لحظات ثم سرعان مانفجرت مره أخرى ببكاء مرير جعله بحاله صدمه حيث يراها بتلك الحالة من الانهيار لأول مرة منذ أن تعرف عليها !!!
-***-
تركت "فرح" ابنه خالتها و اتجهت إليه فهو فور خروجه من عند ابن عمه بعد أوامر من الطبيب جلس أعلي المقعد أمام غرفه شقيقته بانهاك واضح !!
سارت عينيها العاشقه على ملامحه الرجوليه الحزينه المهمومه لينتقل إليها عدوى الحزن و تتجه إليه علي الفور تجاوره بجلسته تتطالع هيئته المشعثه تقول بهدوء :
- متقلقش هيبقي بخير .. الحمدلله الدكاتره كلهم قالوا حالته مستقره جدا و شويه و هيبدأ يفوق من المخدر !!
نظر إليها بحزن شديد ثم إلى قميصه الذى يحمل آثار دماء ابن العم إلى الآن ليُغمض عينيه يقول بوجع :
-مكنتش اتخيل انه ممكن يعمل كده ، نائل عنده حق أنا مقدرتش أنسى اللى عمله فى أسيف و مراعتش أبدا انه اتعالج بنفسه و انه كان مريض ، بس دى أسيف يافرح كنت هسامح ازاي بس ..
انسلت دمعات خائنة من مقلتيها لتمد يدها الصغيره إلى يده تحتضنها بحنو بالغ تهمس له بحزن :
- و هو استحمل عشان عارف أنك بتعمل كده حب فى أسيف يا تيم متحملش نفسك فوق طاقتها مش مهم اللى فات يا تيم أنت لسه فى ايدك فرصه تقوله أنك سامحته ربنا عمل كده عشان النفوس كلها تصفى و لأنه يستاهل فرصه تانى ...
حدق بها بابتسامه هادئه وعينيه تسير على ملامحها بهدوء تام دفعها أن تنكس رأسها بخجل شديد و ابتسامه خفيفة ثم وقفت متوترة تقول بصوت مرتجف قليلاً :
- اناا هجيبلك قميص غير ده من الهدوم اللى جت و هدخل أشوف أسيف ..
ثم هربت مسرعه يتابعها بهدوء يهز رأسه بابتسامه صغيره لازمته بعض الوقت ..
كان "نائل" يتابع المشهد من بعيد ليهمس أخيراً و قد عادت إليه نبرته المازحه بعض الشيئ :
- يعني كان لازم ابن عمي يشوف الموت عشان بنت خالتك تخف تقل على الواد ؟!!
رفعت "روان" حاجبها الأيسر تقول باندهاش من تحوله فجأة فى حين أنها تخشى الحديث بجانبه منذ وقت حتى لا تُثير غضبه لينظر إليها باندهاش لصمتها يقول بابتسامه بشوش :
- مصدومه من الكلام صح .. اصل انا نسيت اقولك احنا عيله بنت كلب مجنونه كلها من أكبر واحد لأصغر واحد عشان كده حاولي تتعايشى معانا ...
حدقت به بذهول و قالت بصدمه :
- أنت اكيد بتهزر ده أنت كنت بتعيط و منكد عليا بقالك ساعه ...
رفع حاجبه يجيبها باندهاش :
- الله ماقولتلك عيلتنا بنت كلب أنتِ غاويه اشتم فيهم .. و بعدين تعالى هنا شاايفه بنت خالتك مظبطه الواد ازاى مش شايفانى قميصى معفن و ريحتى طلعت بقالي ساعه قصادك ..
اجابته بصدمه :
- مش فاهمه اعمل ايه و بعدين أنت ايه البرود ده قاعد تهزر و ابن عمك و بنت عمك فى الحاله دي ؟!!
نظر إليها بسخريه ثم قال يشيح برأسه :
- الله مش عيطت شويه و خلصنا ، و الواد حالته استقرت و طلعت اللى جوا قلبى ، ابشر على الواد و اكمل عياط ، دلوقت يصحى إن شاء الله فهد زى الزومبي حتى الرصاص مقتلوش ..
رفعت حاجبها تصيح به باستنكار :
- ياساتر بتحسد ابن عمك يااابني ادم و أنا اقول يعينى الواد بيحصل فيه كل ده ليه طلعت أنت اللى حاسده !!
أشار إلى نفسه باستنكار لكلماتها و قال بصدمه :
- انااا بحسده و هو ده حد يحسده ده فكراه ضحيه بجد ؟! ده بلطجييي ... بقولك ايه أنا قايم اغير هدومى خليكِ أنتِ هنا عيطي يااختي ...
-***-
مرت الساعات ثقيله على الجميع و كلا منهم بعالم حيث جلس العم و العمه بعد أن اصرا على صرف الجد إلى المنزل ليرتاح قليلاً و هما ينتاقشا بصوت خفيض هادئ يهمس مراد بحزن :
- و بعدين ياسمر شويه عيال و حياتهم باظت بالشكل ده حقيقي ما يفعله الآباء يدفع ثمنه الأبناء دايما ...
أغمضت عينيها وهي تعود بجسدها للخلف تمسح دموعها بأناملها وتهمس له بصوت متحشرج :
- الله يرحمه أخوك موت مراته و دمر ابنه و بنته بعمايله و احنا غلطنا بسكوتنا كان لازم نتوقع أن قعده فهد مع أبوه و هو مريض هتخرجه أسوأ من كده ..
هز رأسه بالإيجاب بخزى يقول بحزن بالغ :
- و فهد كمان قوى على رأى نائل تخيلى لو كان أضعف من كده أو مش معترف بمرضه زى ندى و أبوه ، شوفتي تعبنا مع ندي إزاى ؟!!
أيدته تلوم حالها بحزن :
- أيوه ! كلنا غلطنا كان لازم نتعامل بحذر مع البنتين بس أحنا كنا شايفين ندى قويه و قولت أسيف دايما محتاجه دعم عنها .. كل الغلطات بتطلع من الأهل الأول يا مراد لو كنا نجحنا فى المساواة بين ندى و أسيف كانت ندى هتبقى سويه و أسيف كمان مكنتش هتبقي ضعيفه حمايه تيم الزياده ليها و خوفه عليها المبالغ فيه كان غلط كان لازم يعلمها مواجهة العالم و انه عالم سيئ براءه أسيف فيه غلط ..
تنهد يفرك وجهه بارهاق ثم حل رابطه عنقه يقول باختناق :
- عندك حق كلنا غلطنا و اللى دفع التمن كان هيروح مننا الحمدلله انها جت على قد كده نخرج من هنا على خير بس و كل أمورنا هتتحسن ...
توقفت الكلمات على شفتيه حين لمح ابنه أخيه تفتح باب غرفتها و "فرح" تجاورها تُمسك ذراعها تحسُباً لأى شيئ ، رباه هل تلك جميلتهم !! لقد شحبت ملامحها و كأنها جسد بلا روح تسير بشرود ليقف متجهاً إليها على الفور يتبعه ابنه فور أن لاحظها ، احتضنها العم يسندها بهدوء و يهمس لها بلطف :
- أسيف أنتِ بخير ؟!!
لم تجيبه بينما راحت تطالع بعيونها من حولها تتفقد وجود شقيقها ليبتسم لها "نائل" مُشيراً إلى غرفه بنهايه الممر يقول :
- لو بتدورى على تيم هو فى أوضه فهد بقاله فتره ، بس لازم تستني شويه لأن الظابط لسه سائل عليكِ و محتاجين ياخدوا اقولك عشان اللى حصل ده ..
عقدت حاجبيها بحزن و عدم استيعاب ليبتسم لها بلطف قائلاً :
- طيب تعالى ندخلهم و بعدها ارجعى كده كده الظابط معاه مكالمه تقريباً ...
هزت رأسها أخيراً بالإيجاب ليصطحبها عمه بهدوء إلى هناك بالفعل ..
دلفت إلى الغرفه بهدوء تغلق الباب خلفها استقام أخيها واقفاً حين رآها و اتجه إليها يراقب تعبيراتها الواجمه حين وقعت عينيها على جسده المُسطح بالفراش يتصل بالأجهزة و تلك الكدمات الناتجة عن ذاك العنف الذى تعرض له تغطى جميع أنحاء ما ظهر من جزعه العلوى و ملامحه هبطت دموعها على الفور تسير نحوه بخطوات متوتره و سيطرت عليها حاله من عدم التصديق لقد كان يقف أمامها صباحاً يمارس طقوس مشاكسته لها كيف يصل بهم الأمر لهكذا ؟!
وصلت أخيراً إليه لتسمع صوت إغلاق الباب بهدوء من الواضح أن أخيها ترك لها مساحه من الخصوصية معه !
استمعت إلى همس خفيف صادر عن شفتيه لتتسع عينيها حين وجدته يرسم ابتسامه مرهقه على وجهه المليئ بالكدمات يهمس مره أخرى بصوته المتحشرج مما جعلها تهبط على الفور لمستوي رأسه تضع أذنها بجانب شفتيه ليكرر كلماته المازحه :
- بتعيطى ليه يابيبى لسه عايش ..
اندفعت الدموع من مقلتيها و تلك الابتسامه ترتسم على شفتيها لتحيط وجهه بحذر و لطف بكفيها الصغيرين و تحاول السيطره على أنفاسها المتهدجه بصعوبه تلصق جبينها بجبينه بخفه تحدق لحظات برماديتيه المُنهكه هامسه أمام شفتيه بسعادة يخالطها بكاء عدم التصديق :
- حمدلله على السلامه ياقلب البيبى !!!
لم تُعطيه فرصه لاستيعاب ما قالته للتو فى حين أنه يحاول من الأساس استيعاب عودته للحياه مره أخرى هو أفاق منذ قليل و تحدث قليلاً إلي ابن عمه الذى لأول مره يمدح صنيعه و يثنى عليه بكلمات لم يستعب أغلبها بسبب حالته لكن ما اشعره بالصدمه حقاً حين هبطت بشفتيها تلتهم شفتيه بخجل بالغ استشعره منها جيداً و ذلك دفعه للتبسم لاعناً تلك الجروح و القيود التى تمنعه عن دسها بأحضانه و هى تداهمه بشفتيها البريئه المتوترة لأول مرة ثم دست وجهها بخجل بالغ بعنقه .. صدمته بل كانت أشد الصدمات عليه تلك الفعله الجريئة من فتاته البريئة !!!!!
لكل منا حصونه المُهلِكه التي يصنعها بنا أحدهم بكلمه .. ذكري .. موقف لا يُنسى و لا يُغتفر تلك الحصون قد تهوى بنا من قمه الهاويه إن لم نضع لها حداً و نتركها تقود مشاعرنا و أفكارنا بلا هوادة و الهلاك الحقيقي يحدث حين تدفعنا تلك الحصون أحياناً لأفعال لا تمُت لأخلاقنا بِصِلة ، و لكل منا رفيق درب يهدم تلك الحصون ليُعيد تأهيل قلوبنا المُنهكه و أرواحنا الغارقه ... فهنيئاً لمن قابل الرفيق و هنيئاً لمن صنع رفيقه من بقايا تلك الحصون المُهلكه !!!!
إلي اللقاء بالجزء القادم إن شاء الله ...