الفصل 21 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
34
كلمة
3,639
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

ركضت "داليا" مهرولة خارج محيط القصر، وهي تفر كالعمياء لتختفي عن متناوله تمامًا. كان الليل قد أرخى سدوله، لكن القمر أضاء لها مواطئ قدميها على الطريق أمامها. وهكذا مضت تعدو مهرولة، ولم تتوقف إلا مرة واحدة لكي تنزع حذاءها الضيق الذي كان يعرقل خطواتها لدي ركضها على الحصى المنتشر والمتداخل بين الرمال.

لم تدرك مدى حماقة هروبها إلا حين هطل عليها المطر الغزير وهي وحيدة تمامًا بالطريق. شعرت بشيء من الخوف يحثها على العودة، لكن جاء رد عقلها عنيفًا آمرًا إياها بمواصلة ما عزمت على تنفيذه. ثم فجأة، أصدر هاتفها نغمته الصاخبة معلنًا عن وصول رسالة جديدة. أخرجته من جيب كنزتها الصوفية بيد مرتعشة، ثم فتحت الرسالة. كان هو المرسل. رسالته وجيزة ومقتضبة، ومنها علمت "داليا" كم هو غاضب وخطير الآن. كانت

الرسالة مقتصرة على كلمتين: "انتي فين؟ بعد أن قرأت الرسالة، فكرت مذعورة بأنه محتمل جدًا وصوله إليها بأي لحظة. شعرت أنه سيلحق بها خلال لحظات وهي ما زالت على بعد مسافة قصيرة من القصر. تحاملت على نفسها واندفعت راكضة من جديد. كانت تزداد قوة كلما تذكرت تلك الرسالة التي وصلتها من "جومانة" منذ قليل، والتي كانت تحتوي على صورة لها مع "عز الدين" في وضع مخزٍ، حيث كانا يتبادلان القُبل بحرارة.

ثم فجأة، لم تستطع أن ترى شيئًا، إذ غمرت الدموع عينيها. فتعثرت قدمها لتنكفأ أرضًا على وجهها، تلطخت ثيابها بالوحل كما تلطخت بشرتها أيضًا. لم تستطع الحراك، إذ أن البرودة التي شعرت بها جراء الجو الماطر والعاصفة المهيبة جمدت الدماء بعروقها، حيث تصلب جسدها بهلع. أطلقت نشيجًا مختنقًا وأخذت تتضرع إلى الله بأن لا يتمكن "عز الدين" من العثور عليها.

وكأن أبواب السماء فُتحت توا لتلبية دعائها، إذ أنها سمعت صوت إحدى السيارات مقبلة نحوها. ارتعد جسدها بضعف فهي توقعت أنه وصل إليها. كان المطر قد توقف عن الهطول، بينما أدارت رأسها بضعف شديد. ثم انتظرت حتى اتضحت الرؤية، فوجدت امرأة في أواسط العمر منحنية عليها باهتمام شديد. قالت المرأة وهي تمسح الشعر المبلل عن وجه "داليا": -لا حول ولا قوة إلا بالله.. انتي كويسة يا حبيبتي؟ مالك إيه اللي حصل؟ انتي هنا ولا إيه حكايتك بالضبط؟

فشلت "داليا" في إخراج كلمة واحدة من حنجرتها، فأرخت رأسها تعبة. فيما أمسكت بها المرأة دون تفكير وساعدتها بجهد كبير إلى أن وقفت على قدميها. فسارت بها حتى وصلا إلى السيارة، فأجلستها بالمقعد الخلفي. ثم استدارت وأخذت مكانها على المقعد الأمامي خلف المقود، ثم شغلت المحرك قائلة: -ماتقلقيش.. هوديكي المستشفى.

أغمضت "داليا" عينيها بضعف ثم ألقت برأسها إلى الخلف. توالت رعشاتها وشعرت بأن الحمى أصابتها. أخذت تنتحب بصمت إلى أن توقفت السيارة بصورة تدريجية بعد مدة قصيرة. عجزت عن فتح عينيها، لكنها جاهدت وفتحتها قليلاً، فرأت لجنة أمنية من خلال زجاج السيارة الأمامي. عادت تغمض عينيها بوهن من جديد وهي عاجزة تمامًا عن الحراك. فيما سمعت حديث رجل الشرطة مشوش، لم تستطع تمييز جملة واحدة.

وبعد مرور عدة دقائق قليلة جدًا، شعرت فجأة بيدين تحملانها من السيارة بلطف حازم. فتحت عينيها بجهد لتكتشف أنه أدركها أخيرًا. مهما فعلت، لن تفلح محاولاتها في الهرب منه أبدًا. شعورها بالصدمة والخوف ألجم لسانها الثقيل، فتأوهت بخفوت وألقت رأسها على صدره الصلب، حيث استنشقت عطره الرجولي الذي كان له التأثير الأكبر في تهدئة أعصابها قليلاً. بينما وقف للحظات، سمعته يشكر الشرطي الذي أجابه بلطف:

-دي أقل حاجة ممكن أعملها يا عز الدين بيه.. حمدلله على سلامة المدام. سمعت "داليا" صوت "عز الدين" وهو يشكر الشرطي مرة أخرى على اهتمامه بالأمر. وعندما سار بها باتجاه السيارة، دفنت رأسها في صدره متعبة ومنهكة القوى. "اللعنة"، خاطبت نفسها. لا تزال تشعر بالدفء داخل أحضانه، كيف؟ ولكن رغم ذلك، لم تنطفئ نيران الغيرة والغضب المتأججة بصدرها تجاهه. -مجنونة! غبية.

همس في أذنها بحنق وهو يضعها في المقعد الأمامي من سيارته، ثم أضاف مزمجراً: -عايزاني أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ لم تجد جواباً، بل اكتفت بالاستلقاء في مقعدها صامتة. وطوال الطريق إلى القصر، لم تكن تسمع سوى صوت تنفسه الغاضب. وعندما حملها مرة أخرى لدي وصولهم إلى القصر، استسلمت إليه بشعور المهزوم الضعيف الذي لا يملك حولاً ولا قوة. بينما هرعت "ياسمين" مهرولة من الداخل باتجاه شقيقتها قائلة في وجل: -داليا.. إيه اللي حصلك يا حبيبتي؟

ومالك متبهدلة كده ليه؟ إيه اللي خرجك أصلاً وإنتي تعبانة؟ لم تستطع "داليا" الرد على شقيقتها، فأجاب عنها "عز الدين" في هدوء قائلاً: -ماتقلقيش يا ياسمين، هتبقى كويسة. وفي غضون دقائق معدودة، كانت ممدة على الفراش عاجزة، خائفة، متوترة من عودتها إليه وقلقة من مواجهته. وقف "عز الدين" إلى جانبها، بينما جلست "ياسمين" قربها ثم تحسست جبهتها قائلة: -يا خبر.. إنتي حرارتك عالية قوي.. إيه اللي إنتي عملتيه في نفسك ده بس؟

يعني لو كان حصل أي حاجة للبيبي كنتي هتتبسطي؟ ارتعد جسدها بقوة جراء قول شقيقتها، فتحولت نظرها إليها في صدمة متسائلة: -بيبي!! -أيوه يا داليا.. إنتي حامل وبتصرفك ده كان ممكن تفقدي طفلك.. أنا مش فاهمة إيه اللي خلاكي تعملي كده بس! ليه سبتي البيت فجأة؟ صمتت "داليا" ذاهلة، بينما هتف "عز الدين" بصوته العميق: -طيب، أنا هاسيبكوا مع بعض شوية. حولت "ياسمين" نظرها إليه قائلة:

-تمام، أنا هساعدها تغير هدومها وهديها علاج مخفض للحرارة. أومأ "عز الدين" رأسه عابساً، ثم مضى تاركاً الغرفة بأكملها بعد أن أغلق الباب من خلفه. فتنهدت "ياسمين" بعمق ثم التفتت إلى شقيقتها ومسحت على شعرها قائلة: -إيه يا داليا.. إيه اللي حصل يا حبيبتي؟ ليه سبتي البيت بالطريقة دي وإنتي تعبانة كده؟ هزت "داليا" رأسها بضعف ثم نطقت بصعوبة قائلة: -ياسمين.. لو سمحتي أنا مش قادرة أتكلم دلوقتي خالص. زمت "ياسمين"

شفتيها بقلة حيلة ثم قالت:

-ماشي يا داليا.. براحتك.. بس واضح إن في شيء خطير حصل وهو اللي دفعك للتصرف ده.. أنا مش عايزة أعرف إيه اللي حصل، لكن عايزة أيكي إنتي تعرفي إن أنا جنبك دايماً.. عشان كده لو حصل معاكي أي حاجة تانية بعد كده ضايقتك بالشكل ده، ارجوكي ماتكرريش اللي عملتيه النهارده تاني وتعالي اتكلمي معايا.. شاركيني يا حبيبتي، أنا اختك ومش هضرك.. أي مشكلة هنحلها إحنا الاتنين.. بدل ما يبقى رأي واحد وقرار واحد، يبقى رأينا إحنا الاتنين وقرارنا إحنا الاتنين.. على الأقل عشان ماتقلقينيش عليكي زي ما عملتي النهاردة.

تنهدت "داليا" بثقل ثم أومأت رأسها موافقة. فمنحتها شقيقتها ابتسامة بسيطة، ثم نهضت وساعدتها على الوقوف. أخذتها "ياسمين" إلى الحمام ثم ساعدتها على تبديل ملابسها، وهي تقول: -إنتي بقى ماشوفتيش عز الدين بتاعك ده كان عامل إزاي لما اكتشف إنك مش موجودة في البيت كله.. كان فاضله شوية ويتحول على الكل بمجرد ما كان بيتخيل إن ممكن يكون حصلك حاجة وحشة لا قدر الله. كانت "داليا" أكثر إرهاقًا من أن ترد على مداعبة "ياسمين"

التي تابعت بصدق: -كان قلقان عليكي أوي.. ماسبش حد إلا وسأله عليكي وبهدل الناس الواقفين على البوابة بصراحة.. قلب الدنيا لحد ما جاتله مكالمة عنك، فجري عليكي بسرعة.. صحيح، إنتي كنتي فين؟ تجاهلت "داليا" سؤالها، بينما صمتت "ياسمين" من أجل راحة شقيقتها. ثم عادت بها إلى الغرفة، وعندما استقرت "داليا" بالفراش في هدوء، تحسست "ياسمين" جبينها ثم قالت: -لأ، حرارتك انخفضت الحمدلله.. مش هتحتاجي لدوا.. أحسن.

دخل "عز الدين" في تلك اللحظة قائلاً: -تقدري تتفضلي إنتي دلوقتي يا ياسمين.. أنا هاخد بالي منها. ألقت "ياسمين" نظرة أخيرة على شقيقتها ثم نهضت منسحبة في هدوء. بينما اقترب "عز الدين" منها قائلاً بوجوم: -إزيك دلوقتي؟ ازدردت ريقها في توتر قائلة: -كويسة.. طول ما إنت بعيد عني. لم يعلق على كلامها، بل قال باقتضاب: -طب قبل ما أفقد أعصابي، يا ريت تقوليلي سبتي البيت من غير إذني ليه؟ وكنتي رايحة على فين؟

ثم جلس إلى جانبها على طرف الفراش، فتمتمت بإرهاق: -مهتم أوي يعني! بلاش نضحك على بعض وبلاش تمثل إنك قلقان عليا. -داليا! هتف بحدة ثم تابع: -جاوبي على قد السؤال.. سبتي البيت من غير إذني ليه؟ وكنتي رايحة على فين؟ -زي ما قلتلك قبل كده.. مابقتش طايقاك ومش عايزة أعيش معاك. قالت محاولة استفزازه، فنجحت محاولتها حيث قبض على ذراعيها بعنف قائلاً بنعومة شرسة: -ماتخلينيش أتخلى عن هدوئي وأجاوبيني أحسن لك. أجابته متألمة:

-إنت قاسي.. قلبك أسود ومابتحبش إلا نفسك. أغمض عينيه بقوة محاولاً ضبط انفعالاته، بينما تابعت: -إنت عايز مني إيه تاني؟ مش خلاص أخدت اللي إنت عايزه؟ ليه بتربطني بيك أكتر؟ كانت قد بدأت تتحدث دون وعي وقد استولى عليها الإرهاق، فأضافت: -بكرهك.. إنت عمرك ما احترمتني حتى.. بالعكس دايمًا بتوجه لي إهانات. تنهد بثقل ثم قال: -أنا مابحبش أهينك يا داليا.. إنتي اللي بتضطريني بتصرفاتك. سالت دموعها ثم هزت رأسها بمرارة قائلة:

-إنت قصدت تهيني.. قصدت تذلني.. وأنا كنت دايما بسكت عشان... صمتت فجأة، ثم أغمضت عينيها وقالت بنعاس: -إنت ليه قاعد معايا هنا؟ روح.. روح لجومانة.. هي مناسبة ليك أكتر مني وعلى الأقل إنت بتحبها ومش بتكرهها زي ما بتكرهيني. تنهد قائلاً: -أنا مش بكرهك يا داليا. فتحت عينيها ونظرت ناعسة إلى وجهه الغامض، ثم رفعت يدها تتحسس لحيته الخفيفة ثم همست: -بحبك.

لمست أناملها تفاحة آدم خاصته، ثم انزلقت إلى صدره قبل أن تسقط إلى جانبها وقد غرقت تمامًا في النوم. بينما زفر بقوة وهو يصارع مشاعره المتأججة بداخله، ثم دثرها جيدًا ومسح شفتيها بأصبعه هامساً: -وأنا كمان بحبك يا داليا. -طب وبعدين؟ وجهت "ريم" سؤالها إلى "عبير" وهي تخاطبها عبر الهاتف، فأجابتها "عبير": -مافيش جديد صدقيني.. بس من وقتها بقي يعاملني كويس شوية.. فاهمة؟ -فاهمة فاهمة.. في تطور يا بيرو وده معناه إنه لسا بيحبك.

-لسا بيحبني؟ تفتكري يا ريم؟ -أكيد.. اومال تفسري إيه خوفه وقلقه عليكي؟ هزت "عبير" كتفيها قائلة: -ممكن أكون صعبت عليه.. بس مافتكرش إنه لسا بيحبني يا ريم.. ومافتكرش برضو إنه بيكرهني لأنه لو كان بيكرهني عمره ما كان قبل يتجوزني بعد ما عرف كل حاجة. -طب ما إنتي رديتي على نفسك أهو يا بيرو.. هو برضو لو ما كانش بيحبك ما كانش قبل يتجوزك بعد ما عرف كل حاجة. أجابتها بحيرة: -بس هو قالي إنه اتجوزني عشان يحميني من عز الدين.

-بصي يا عبير.. هو واخد موقف زيه زي إخواتك بس لأنه بيحبك من زمان وأنا أكتر واحدة شاهدة على كده.. بيعاملك دلوقتي بلطف رغم كل اللي حصل، فطبيعي وعادي لو لاقيتيه جاف معاكي في معظم الأوقات.. بس الأكيد إنه بيحبك.. اصبري شوية والأمور كلها هتبقى تمام.. ده أول واحد هيفتح دراعته وياخدك في حضنه يا عبير وتقولي ريم قالت.

تنهدت "عبير" مفكرة، وبعد أن أنهت الاتصال مع صديقتها سمعت طرقًا على باب الغرفة، فأذنت بالدخول لينفتح الباب ويظهر "خالد". -صباح الخير. حياها عابساً، فابتسمت ببساطة وحيته بدورها. -عايزك دقيقتين تحت. أومأت رأسها باسمة، فانسحب في هدوء، بينما نهضت من فراشها ثم لحقت به على الفور. كان يجلس فوق مقعد وثير بقاعة الجلوس الصغيرة حين رآها، فحدق فيها لبرهة دعاها للجلوس في هدوء قائلاً: -اقعدي.

جلست قبالته والتوتر يعصف بها فتساءلت.. تري ما الأمر؟ بينما مد جسده إلى الأمام ثم تنهد قائلاً: -أنا هكلم عز الدين دلوقتي.. مش هقدر أخليكي تروحيله الفترة دي.. بس هحاول أخليه يكلمك. ابتسمت بتوتر ثم أومأت رأسها تحثه على فعل ذلك، فأمسك بهاتفه ثم أجرى الاتصال بـ "عز الدين" بعد أن فتح مكبر الصوت، ليأتي صوت "عز الدين" الصارم بعد لحظات: -أيوه يا خالد. فنطق "خالد" وهو يرمش بشيء من الاضطراب: -إزيك يا عز عامل إيه؟

-تمام الحمدلله.. إيه خير في حاجة؟ ازدرد "خالد" ريقه بتوتر قائلاً: -عـ.. عبير كانت عايزة تكلمك. مرت لحظات مشحونة بالترقب من قبل "عبير" وبالتوتر من قبل "خالد" ليقطع "عز الدين" الصمت حين صاح بغضب مزمجراً: -عبير ماتت.

ثم أغلق الخط، فخيم الصمت على الأجواء المتوترة، بينما شارفت "عبير" على البكاء. فهبت واقفة ثم ركضت مسرعة إلى الأعلى، ووقفت هناك في منتصف الغرفة تتذكر كلام أخيها. تمنت في تلك اللحظة أن تخر صريعة ويتحقق كلام "عز الدين" بفنائها. حرارة تجتاحها، تمنت لو أنها لم تطلب من "خالد" أبدًا أن يصل بينها وبين أخويها، ليتها لم تطلب.

تجمدت بمكانها كصنم خالٍ من الروح، ولم تكترث لنداء "خالد" الذي دلف لتوه. بينما تقدم نحوها بخطي واسعة ثم أمسك بذراعها وأدارها إليه لتواجهه، ليتجمد وتتلاشى الكلمات على شفتيه. هالته دموعها ونظرة الانكسار بعينيها، فأعتق ذراعها لتترنح بين ذراعيه، وتلقي رأسها على صدره. اضطربت أنفاسه لوهلة، بينما نطق بنبرة مرتجفة: -عبير ماتت!!

أصر "عز الدين" على أن تلازم "داليا" الفراش حتى يصبح الجنين في مأمن من أي خطر قد يتعرض إليه. وكم كانت دهشتها أنه مهتم لأمر طفلهما. رغم أنها عارضت في البداية استمرارية مكوثها بالغرفة والفراش، لكنها استسلمت تمامًا في النهاية لرعاية شقيقتها و"فاطمة" إذ أن "عز الدين" أطلق عليهن أوامر صارمة بالعناية بها.

كانت تبتسم رغماً عنها في معظم الأوقات عندما تتذكر كلام شقيقتها عنه، فقد عرفت منها كيف جن جنونه عندما غادرت القصر دون أن يعرف طريقاً لها. كما كانت تشعر بالغضب وبالغيرة القاتلة عندما تتراءى لها صورته المخزية مع "جومانة". لولا أنها أصبحت تحمل طفله بأحشائها لكانت صممت بقوة على مفارقته مهما كلف الأمر. لكن بات الأمر صعباً الآن. صحيح أنها سعيدة لكونها حملت بطفله، فهو الرجل الذي تحب، هو حبيبها رغم كل شيء، ولكنها حزينة أيضاً لأنها تدرك تماماً بأنه لن يتغير أبداً. سيبقى هو كما هو، ذلك الرجل القاسي المتغطرس والطاغية.

والذي آلمها في تلك اللحظة، تفكيرها في أن علاقته بـ "جومانة" سوف تظل قائمة. تدفقت الدماء في شرايينها وهي تحس بأنها طُعنت في صميم كرامتها ومشاعرها. لقد أذعنت لكافة طلباته ورغباته، ورغم ذلك جرحها. في حين كانت تغفر له. ولكن مهما كان الأمر، سواء دفعتها الأقدار إلى هذا الطريق أو أن حظها العاثر هو الذي أوصلها إلى هنا، فإنها تواجه رجلاً غريباً في ماضيه وحاضره. تساءلت بألم عميق.. ما دامت "جومانة" تثيره وترضيه إلى ذلك الحد، لماذا إذن لم يكتفِ بها أو يطلبها للزواج؟

تحول فجأة ألمها إلى نوع من اللوم والعتاب الداخلي الناتج عن شعورها بالخجل الذاتي. كان عليها أن لا تصل إلى هذا الحد، بل كان عليها أن لا تمنحه حتى ولو دقيقة واحدة من وقتها منذ أن طلبها بطريقة غير شرعية. كان عليها أن تنسى أمره منذ ذلك الحين. كان عليها أن تقسو على قلبها وأن تتوقف عن حبه. لطالما اعتبرت نفسها دائمًا فتاة ذات إرادة وشخصية قوية، ولكن أثبت لها العكس عندما التقت به.

ولكن رغم كل شيء.. ليس هناك شيء يمكن أن يزيل من ذهنها صورته مع "جومانة" في مشهد القبلة الساخنة.

عاد إلى المنزل باكراً، توقع أن يجدها بالمطبخ تعد وجبة العشاء كعادتها، ولكن لم يجدها في أي مكان بالطابق الأسفل. فتنهد بثقل ثم حل ربطة عنقه بضيق وصعد إلى غرفته كي يبدل ملابسه. ثم ذهب إلى غرفتها بعد تردد، فهو اعتاد على رؤيتها لدي عودته من العمل في كل يوم. طرق باب الغرفة عدة مرات و لكنها لم تجب، فاستنتج أنها ربما تكون نائمة، فاستدار المقبض ثم دفع الباب بحذر. وكم كانت دهشته حين رأى الغرفة خاوية.

عند ذلك دلف وجال هنا وهناك باحثاً عنها، حتى وصل إلى الحمام، فطرق الباب ولم يحصل على إجابة، فحاول أن يفتحه ولكن مغلق من الداخل. ساوره القلق فأخذ يطرق الباب بقوة وهو يهتف بقلق متسائلاً: -عبير!

ظل ينادي باسمها دون فائدة، فعصف القلق به، ولم يجد سوى أن يدفع الباب بجسده حتى يُفتح، وبالفعل دفعه عدة مرات حتى نجح الأمر، ليقف مصدوماً حين وقعت عيناه على جسدها المنسدح أرضاً وعلى ذاك السيل الدامي المتدفق من شق عميق بمعصمها الأيمن. هرع عليها والرعب يعصف بكافة خلايا جسده ثم جثى على ركبتيه إلى جانبها وأمسك بذراعيها صارخاً: -عبييييير...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...