الفصل 22 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
30
كلمة
2,546
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 49%
حجم الخط: 18

أغرقت رأسها في الوسادة، لكنها أجفلت فجأة حين وخزها دبوس شعر رفيع في رأسها. تأففت بضيق و رفعت يدها المتراخية لتنتزع سائر الدبابيس من خصلات شعرها الحريرية. ثم تصلبت عضلاتها فجأة حين أتاها صوته العميق الذي انبعث من فوق رأسها مباشرة: -طبعاً لازم تضايقي. فتحت عينيها دفعة واحدة ثم حدقت به في صمت. كان قد عاد لتوه، لم تشعر بوجوده إلا الآن. رمقها في هدوء ثم تابع: -ما ينفعش تربطي شعرك بالطريقة دي وأنتي نايمة.

قال ذلك ثم اتجه نحو منضدة الزينة الرخامية والتقط فرشاة من فوقها. استوت تجلس بسرعة مستقيمة الظهر، عابسة الوجه. اقترب منها حيث جلس على الفراش إلى جانبها. بحركة غير متوقعة أمسك بكتفيها وأدارها. أدركت ما ينوي فعله فقالت بخفوت معترضة: -ما تتعبش نفسك، أنا أقدر أساعد نفسي. لكنه تجاهل كلماتها كما توقعت.

بإرتباك رجل يتعامل مع شيء غال ورقيق يتطلب عناية فائقة، أخذت أصابعه تجوس في شعرها الحريري وتنتزع الدبابيس الرفيعة واحدًا تلو الآخر. بعد لحظات سمعته يغمغم قائلاً: -أكيد محدش سرح لك شعرك قبل ما تنامي من سنين. أحست فجأة بلسعات برد وخوف شديد وهي تشعر بحركاته اللطيفة الحازمة. رأته يتناول الفرشاة من فوق الفراش. رضخت له بصمت حين بدأ يسرح شعرها برقة وبطء. أبقت رأسها محنيًا وهي ترغم نفسها على الاحتفاظ بهدوء أعصابها.

شيئًا فشيئًا، بدأت تستشعر أصابعه القوية وهي تتلكأ. في تلك اللحظة، بدت غرفة النوم الفسيحة أصغر من أن تتسع لحضور ذلك الرجل الذي تنبعث منه قوة هائلة. خافت من تصرفاته اللطيفة التي غالبًا ما تتحول إلى العنف في معظم الأوقات. فهو يستطيع بلحظة أن ينزع عنه قناع اللطف الزائف بالسهولة نفسها التي تسلخ بها الأفعى جلدها. أحست بيديه الصلبتين على كتفيها، تقبضان على جلدها البض بقوة. عندما أحست بأنفاسه الحارة تقترب ببطء من عنقها،

تململت من قبضته قائلة: -أنا كنت نايمة.. عايزة أكمل نومي من فضلك. سكن للحظات، ثم جذبها صوبه بتمهل حازم. قلصت عضلاتها لتقاوم قوته، ولكن دون فائدة. همست بيأس: -سيبني أنام لو سمحت. -ششش.. أهدي. همس لها بصوت خفيض. أغمضت عينيها وتخلت عن مقاومتها. أعادت رأسها إلى الوسادة. انحنى عليها وأردف قائلاً: -كده تقدري تنامي براحة أكتر.. تصبحي على خير. فتحت عينيها بصدمة. رفع نفسه عنها ونهض تاركًا إياها وحيدة بالفراش.

لمحت ابتسامته الخبيثة تطفو على شفتيه. استشاطت غيظًا. إنه يتلاعب بأعصابها، يتلاعب بعواطفها. ياله من شيطان خبيث. تنهدت بعمق، ثم استوت على الفراش مجددًا. نظر إليها مستغربًا ثم قال وهو يفك أزرار قميصه بعد أن حل ربطة عنقه: -إيه.. مش كنتي نايمة وعايزة تكملي نومك؟! احتل التهكم نبرة صوته. تجاهلت أسلوبه الاستفزازي وقالت بهدوء: -كنت عايزك في حاجة. -خير؟! سألها بإصغاء مقطبًا حاجبيه. أجابته: -كنت عايزة أنزل أشتري حاجات للبيبي.

حملق فيها لبرهة دون كلام، ثم أومأ رأسه متفهمًا وقال: -أنتي مش مضطرة تروحي في حتة، قوليلي بس انتي عايزة إيه وأنا هتصرف. -ماينفعش طبعاً.. أنا لازم أجيب كل حاجة بنفسي. -هتنزلي إزاي وأنتي حامل كده؟ ممكن الطفل يتأثر. أغمضت عينيها بألم وشعرت بوخز كلماته. أعرب عن خالص اهتمامه بطفله دونها. إذن سلامة الطفل عنده في المقام الأول. -ياسمين هتكون معايا. قالت بصوت مبحوح. هز رأسه عابسًا ثم سألها: -أنتي عايزة تشتري إيه بالظبط؟

-عايزة أشتري هدوم وسرير صغير وحاجات تانية كتير. -سرير صغير!! هتف بدهشة، ثم تابع: -ليه؟ ده البيت ما فيهوش أكتر من الأوض، وأكيد هيكون له أوضة خاصة. -أنا عارفة إن هيكون له أوضة خاصة بس مش قبل سنتين.. ماينفعش أسيبه يفارقني أبداً حتى وهو نايم إلا بعد ما يتم سنتين على الأقل. في تلك اللحظة ابتسم "عز الدين" رغماً عنه ثم قال: -أنا شايف إنك بتستعملي الصيغة المذكرة وإنتي بتتكلمي عن الطفل.. عرفتي منين إنه ولد؟ أجفلت خجلة،

ثم أجابت: -إحساسي.. إحساسي بيقولي إنه ولد. قهقه "عز الدين" بخفة قائلاً: -عموماً ده شيء هيسعدني جداً.. يا ريت يكون ولد. ثم تابع بجدية: -بس برضه ماينفعش تتحركي أو تنتقلي لأي مكان برا البيت وخصوصاً وإنتي في الشهور الأولى.. زي ما قلت لك قولي لي انتي عايزة إيه وأنا هجيب كل حاجة. تأففت بضيق. تعالى فجأة رنين هاتفه الصاخب فتجاهله حتى انقطع. توقف عن نزع ملابسه بعد أن استشف امتعاضها الدفين. اقترب منها وسألها: -إيه.. مالك؟

في حاجة مضايقاكي؟ -قد إيه أنت لطيف وبتهتم بمشاعري. قالت ساخرة، ثم تابعت بجمود: -ما فيش حاجة. رفع "عز الدين" حاجبيه مستغربًا. فهم من تعابير وجهها واحمرار وجنتيها وعينيها الجارحتين أنها غاضبة. سألها مرة أخرى بنبرة أكثر حدة: -في إيه؟ مالك؟ حولت نظرها إليه، ثم اندفع الكلام من فمها بحنق: -أنا ممكن أقبل تصرفاتك أياً كانت، ممكن للأسف أتحمل أي حاجة عشان ابني.. لكن مش ممكن أقبل إنك تلعب بمشاعري وتخلي ناس تشاركك في كده.

قال بهدوء غاضب: -أنا ما بعرفش أحل الألغاز من صغري.. يا ريت توضحي أكتر. عضت على شفتها بقوة، وسكنت لبرهة. تناولت هاتفه من الطاولة قرب الفراش وعبثت فيه قليلًا. ناولته إياه كي يتمعن صورته المثيرة مع "جومانة" وهما يتبادلان القبل بحرارة. تجمد وجهه لبرهة، ثم سألها: -جبتي منين الصورة دي؟ أجابته بمرارة ساخرة: -الخط اللي اتبعتت منه كان برايفت.. بس مش محتاجة ذكاء.. أكيد اللي بعتها حد من الشخصين اللي موجودين فيها.

عند ذلك تطلع إليها ورمقها بقسوة، ثم ألقى هاتفه على الفراش قائلاً بلا اكتراث: -عادة ما بحبش أشرح ولا أبرر مواقفي.. عشان كده امشي ورا إحساسك. قال ذلك ثم استدار ومضى بعيدًا عنها. أشاحت بوجهها عنه واستلقت في هدوء ودموعها تهبط في صمت. عادت إلى المنزل برفقته. طوال الطريق كانت صامتة، لم تحدثه قط إلا عندما يوجه لها سؤالًا. اتبع معها أسلوبه القديم، حيث تصرف معها بلطف بالغ في كل شيء يخصها.

أدرك "خالد" أن "عبير" تعد كنزه الثمين وروحه الساكنة بجسده. سامحها لأنه يحبها، ولأنها ندمت وكادت تفقد حياتها لولاه. أوصلها إلى غرفتها، وساعدها على الاستلقاء. دثرها جيدًا ودنى نحوها ليطبع قبلة على جبهتها. عاد ينظر إليها، ثم سألها بلطف وهو يمسح بيده على شعرها بحنان: -مش عايزة أي حاجة أعملها لك قبل ما تنامي؟ هزت رأسها نفيًا والنعاس يحتل ملامحها الهادئة الشاحبة. تنهد بعمق، وطبع قبلة عميقة على وجنتها.

ارتفع بجسده وأطفأ أنوار الحجرة لكي تنعم بنوم هادئ. خرج بعد أن أغلق الباب من خلفه في هدوء. كان واقفًا في شرفته، يحدق في شرود بالسماء الحالكة. كان الليل هادئًا، والسماء مرصعة بالنجوم التي تلألأت على مدى أبعاد لا نهائية. خرج من تأمله الحالم فجأة حين انبعث من الأسفل صوت الحصى المطحون إلى سمعه. صوب نظره إلى مصدر الصوت. كان الإشعاع الخافت المنبعث من القمر يعطيه ضوءًا كافيًا ليرى ما يحدث.

كم كانت دهشته عندما تبين له أنها هي من خرجت للتو من البيت مهرولة. نظر بساعة يده بسرعة فوجدها الثانية صباحًا. تساءل في نفسه.. ماذا يحدث؟ لماذا قد تخرج من المنزل في تلك الساعة المتأخرة؟ حتماً هناك خطب ما، ولكن لا يمكنه تركها. لن يسمح لها بالذهاب وحدها إلى أي مكان في هذا الوقت. بسرعة اندفع راكضًا ليلحق بها. عندما خرج من المنزل، وصل إلى البوابة التي أعاد الحارس غلقها للتو فسأله عابسًا: -أنت.. مين اللي خرج دلوقتي؟

انتفض الحارس على أثر صوته، ثم استدار إليه وأجابه: -دي الآنسة ياسمين يا عمر بيه. صر على أسنانه بحنق ثم قال غاضبًا: -إزاي تخليها تخرج دلوقتي؟ هز الحارس رأسه بارتباك ثم أجابه: -وهمنعها إزاي بس حضرتك؟ رمقه "عمر" بعداء سافر ثم قال بعنف من بين أسنانه: -طيب افتح الباب.. افتح. -حاضر حاضر. أطاعه الحارس بأدب، ثم فتح البوابة الضخمة على مصراعيها. اندفع "عمر" إلى الخارج مهرولًا وهو يبحث عن أثر "ياسمين".

أخذ يحدق في الظلام الفارغ من حوله حتى رأى شبح ظلها يلوح من بعيد. اندفع راكضًا بسرعة فائقة ليدركها. على الطرف الآخر، كانت تركض بالطريق مسرعة على أمل أن تعثر على سيارة أجرة بذلك المكان المهجور المنقطع والمعزول عن المدينة. شعرت بالضيق لذلك، فعليها أن تكون بالمشفى خلال عشرين دقيقة على الأقل. بالنسبة لوضعها هذا، لن تصل إلا قبل حلول النهار على الأقل. وقفت إلى جانب الطريق السريع منتظرة، تتأمل مرور سيارة أجرة.

البرد والظلام يلفانها. لا تعلم ماذا عساها أن تفعل. كيف ستصل إلى المشفى الآن؟ هل ستترك الأطباء وهم في حاجة لها؟ هل ستترك المريض دون إسعافه؟ ضربت الأرض بقدمها. اندفعت نحوها سيارة عادية، بها شابان في أوائل العمر. ظلت جامدة بمكانها، لم تعط لهما أدنى اهتمام. إلا أنهما توقفا بالسيارة إلى جانب الطريق ونزلا. أقبلا نحوها. بسرعة مضت بعيدًا عنهم، ولكنهم مشوا وراءها حتى أدركوها. أمسك أحدهم بمعصمها قائلاً:

-إيه يا جميل.. مين اللي سابك لوحدك في مكان مقطوع زي ده؟ بينما قال الآخر: -أكيد واحد ما عندوش نظر.. ده أنتي قمر يالهوي. تدفقت الدماء بشرايينها بغضب، ثم صاحت بهما بعنف وهي تدفعهم عنها بجهد: -ابعد انت وهو أحسن لكم.. شيل إيدك يا حيوان.. سيبني. قهقه أحدهم بقوة قائلاً: -نسيبك إزاي بس؟ طب إحنا عندنا نظر ماينفعش نسيب القمر ده لوحده النجوم تاكل وشنا. -ابعدوا عني. هتفت بعنف، ثم هددت قائلة: -ابعدوا وإلا... -وإلا إيه؟

أنا عايزة أعرف ممكن تعملي إيه في حتة مقطوعة زي دي يا قطة؟ وقبل أن تجيبه، كانت هناك أيادٍ خفية أمسكت به وأطاحته بعيدًا عنها هو وصديقه. أفاقت "ياسمين" من صدمتها حين وقف "عمر" أمامها حيث خبأها خلف ظهره مواجهًا الشابين. لم تصدق أنه هنا، وكانت ممتنة حقًا لوصوله المفاجئ. اندفعا نحوه الشابان وجذباه من ثيابه بعنف. أطلقت "ياسمين" صرخة ذعر وهي تقف بمكانها عاجزة عن فعل أي شيء. تلقى "عمر" لكمات عنيفة بوجهه وجسده.

لم يجد سبيلًا سوى الرد بالمثل مع عدم ترك مكانه. لم يكن خائفًا في تلك اللحظة، بل كان على أتم الاستعداد لخسارة حياته من أجل حمايتها. فكرت "ياسمين" بذعر احتمال وجود سلاح أبيض معهما، مما يعني حصول "عمر" على إصابات مؤكدة قد تصل إلى عاهات مستديمة، أو حتى الموت. انتفضت بعنف وهزت رأسها بقوة. أسرعت راكضة باتجاه القصر كي تجلب نجدة من هناك. "عمر" متماسك لأخر نفس.

وقف يقاتلهم بشجاعة دون خوف، رغم أنهما أبرحاه ضربًا قاسيًا لكونهما اثنان وهو بمفرده. لكنه تحمل بصلابة. سرعان ما خارت قواه واختل توازنه. وقبل أن يسقط أرضًا وتكثر السكاكين على رقبته، كانت "ياسمين" قد عادت ومعها ثلاثة رجال من حرس القصر. تولى الرجال أمر الشابين. هرعت "ياسمين" على "عمر" تتفحص جراحه السطحية سريعًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...