الفصل 4 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الرابع 4 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
45
كلمة
5,035
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

-مين كوكو دي؟ نظر "عمر" إلى أخيه مرتعدًا وهو يفكر كيف سيخرج من هذا المأزق الذي وضعته به شقيقته، بينما أدركت "عبير" حجم الكارثة التي ستحدث نتيجة إنفلات لسانها. وفي وسط تلك الأجواء المشحونة بالتوتر تصاعد رنين هاتف "عز الدين". أخرج هاتفه من جيب كنزته ليجد المتصل "خالد" فأجاب: -الو يا خالد! بينما استغل "عمر" الفرصة فقال وهو يفر راكضًا إلى غرفته: -طيب أنا طالع أنام، تصبحوا على خير.

فيما انسحبت "عبير" خلفه سريعًا، بينما أكمل "عز الدين" المكالمة: -في حاجة ولا إيه؟ أومال بتتصل ليه في الوقت ده؟ آه.. آه.. انت قولتلها كده يعني؟ متأكد إنها عارفة؟ طيب.. طيب يا خالد خلاص أنا هشوف الموضوع ده.. يلا سلام. أنهى "عز الدين" الاتصال ثم صعد الدرج وتوجه إلى حجرة شقيقته. طرق الباب ثم دلف بعدما أتاه صوتها سامحًا له بالدخول: -انتي مابترديش ليه على خالد لما بيكلمك؟

قال "عز الدين" ذلك بنبرة حادة موجهًا حديثه إلى شقيقته التي انتصبت جالسة على فراشها، بينما أجابت متعلثمة: -آآ أنا أنا.. اصلي كنت ككنت عازمة بنات صحابي النهارده على الغدا هنا وكنت مشغولة معاهم من الصبح ولسه شايفة الموبايل دلوقتي يا عز. أومأ رأسه متجهماً ثم سألها بجمود: -طب وبالنسبة لميعادكوا النهارده اللي على الأساس متفقين عليه من يومين.. إيه اللي خلاكي تطنشيه بقى؟ عشان صحابك! بتفضلي شوية بنات زي دول على خالد؟

ارتبكت فأقسمت كاذبة: -والله نسيت خالص نسيت بجد، ومع ذلك برضه أنا هتصل أعتذر له. -يبقى أحسن برضه. قال ذلك بقسوة ثم تابع محذرًا: -كلها فترة قصيرة وهتتجوزي خالد.. مش عايز ده يتكرر تاني يا عبير.. مش عايز أسمع شكوى من خالد عنك مرة تانية حتى لو كانت عن شيء تافه، مفهوم؟ أومأت رأسها في ارتباك بينما غادر أخيها غرفتها يتبعه ظله الغاضب، فتنفست الصعداء وهي تسب وتلعن وتحقد على "خالد".

بعد مرور شهر كامل على مكث "داليا" بعملها في شركة الـ "نصار" للنقل البحري، اعتادت على أشياء كثيرة منها تقلب مزاج رب عملها القاس المتغطرس. على الأقل استطاعت تحديد صفاته السيئة والطيبة، وعليها وجدت ثمة طرق سلسة للتعامل مع كل صفة، وتعلمت أيضًا متى تخوض في الحرب معه ومتى تنسحب. فلو بلغت المسألة حد كبريائها أو كرامتها تشد عتادها وتقف بوجهه. ولأنه كعادته يهوى فرض سيطرته ولأن الاستسلام قموسه محال، عندما تشعر بالكفاية في أي نزاع بينهما تنسحب سريعًا قبل أن يفقد أعصابه وبقايا تعقله مع الإناث.

كان ظهراً بارداً من أيام ديسمبر، حيث أشعة الشمس الخفيفة المنبثقة من نوافذ شركة الـ "نصار" تتراقص في أرجاء غرفة الاجتماعات التي وضعت بها طاولة طويلة التف حولها عملاء وموظفون يترأسهم "عز الدين"، الذي أصرف "داليا" إلى مكتبها لعدم حاجته لها ببقية الاجتماع. اجتازت "داليا" الردهة المؤدية إلى مكتبها ثم التقت بزميلها "عماد" فتوقفت قليلاً وابتسمت له تحييه. رد لها التحية قائلاً: -أهلاً يا داليا.. إيه الاجتماع خلص ولا إيه؟

-لا يا سيدي لسه ما خلصش، أنا اللي دوري خلص لحد كده. أجابته "داليا" ثم تابعت سيرها إلى مكتبها فلحق بها قائلاً: -شكل الباشا بتاعنا مزاجه زفت النهارده. جلست "داليا" خلف مكتبها ثم قالت موافقة: -آه عندك حق، مزاجه زفت أوي.. لاحظت كده أوي بالذات لما شاف الآنسة اللي اسمها.. آه جومانا خطاب. قال "عماد" على الفور: -آه هي آنسة جومانا خطاب دي أكتر ست بيحترمها مستر عز الدين شوية. -طب إيه اللي حصل يعني؟ مش طايقها دلوقتي كده ليه؟

دي المفروض أهم عميلة في الشركة. -أصلها كانت عايزة تدبسه في جواز بعلاقة يعني وكده. تضرّجت وجنتا "داليا" بحمرة الخجل، ولكنها تابعت سؤالها: -طب وانت عرفت الحكاية دي إزاي؟ أجابها بصوت خفيض:

-رانيا عزيز دي أكبر رغّاية في الدنيا كلها، تبقي عميلة برضه عندنا في الشركة، ده غير إنها انتيمت جومانا كمان. عايز أقولك إن الخبر مابيباتش في بؤها يوم، عشان كده جومانا استغلتها وحكتلها التفاصيل بهدف إن الأخبار تنتشر عنها هي وعز الدين بعد ما قطع علاقته الودية بيها نهائي لما اكتشف لعبتها اللي كانت عايزة توقعه بيها في شبكة الجواز. مسكينة هي أساساً كانت فاكرة إنها تقدر تعمل اللي ماقدرتش ولا واحدة قبلها تعمله.

-جايز سلوكها ماكنش عاجبه يا عماد، وبعدين هو أكيد مش هيعيش باقي عمره راهب، لازم هيتجوز لو ماكنتش هي هتبقى غيرها. هز "عماد" رأسه بقوة مؤكداً: -لالالالا مستحيل.. عز الدين نصار! مش ممكن. سألته "داليا" مستغربة: -هو إيه ده اللي مستحيل ومش ممكن؟ -مستحيل عز الدين نصار هيتجوز دي حاجة أكيد مستحيل تحصل. قال ذلك ثم سألها: -عمرك شفتي حد نط من الدور الـ 50 ونزل سليم؟ فأجابت: -لأ! -عمرك شفتي إنسان ماشي على وش الماية مثلاً؟ -لأ!

-آهو فكرة إن عز الدين نصار ممكن يتجوز دي زيها زي الأفكار المستحيلة دي. -يسلاااام! وليه ده كله يعني؟ تنهد "عماد" قائلاً: -ياااه.. دي حكاية طويلة أوي وتقريبًا كل الناس عرفاها. -شوقتني.. حكاية إيه دي؟ صمت "عماد" لبرهة وكأنه يفكر ثم قال: -هحكيلك.. بس أوعي تتكلمي مع حد خالص في الموضوع ده.. تسمعي مني وبعدها كأنك ماسمعتيش أي حاجة، ماشي؟ -ليه كل ده بس؟ هو انت هتقولي سر الخريطة؟

-الموضوع ده حساس جدًا بالنسبة لـ عز الدين.. الكل عارف آه بس محدش بيجرؤ يتكلم ويحكي في اللي فات تاني وبالذات هنا. أومأت "داليا" رأسها تحثه على الحديث قائلة: -ماشي يا سيدي احكي بقي وأنا مش هتكلم. بينما سألها: -تسمعي عن كاميليا فهمي؟ رددت "داليا" الاسم في شرود: -كاميليا فهمي! ثم هبت قائلة: -آه عارفاها.. الممثلة. -آه هي دي بقى يا ستي تبقي والدة عز الدين نصار. اتسعت عيناها بذهول قائلة: -إيه ده بجد؟

أومأ رأسه مؤكداً كلامه، فيما كان ينظر إليها قائلاً بجدية بالغة: -أيوه بجد.. بس الحقيقة إنه مش بيعتبرها أمه، بالعكس ده بيكرهها جدًا من صغره، تقريبًا متبري منها، حتى اسمها مش بيطيق يسمعه. -يا خبر! ليه؟ ليه كل ده؟ ثم نظرت إليه بعينين حزينتين مذهولتين وكأنها تستجديه أن ينفي ذلك، ولكن أكد بقوله:

-كل اللي قلتهولك ده حصل فعلاً.. الحكاية بدأت من زمان من يجي 16 سنة كده، أيام ما كان لسه عايش فريد بيه والد عز الدين. ساعتها مدام كاميليا كانت صغيرة أوي وحلوة أوي، كانت برضه مهووسة بالتمثيل وبتحلم بالشهرة. مشيت بقى في الموضوع ده من ورا جوزها لحد ما اتعرفت على منتج كبير تقريبًا.. اضطرت وقتها إنها تتنازل عن حاجات كتير أوي عشان تحقق الشهرة اللي كانت بتحلم بيها، وفجأة في يوم كانت سايبة البيت وراحت عشان تعيش معاه. فريد بيه

كان عاقل ساعتها، لو كان اتهور كانوا ولاده الـ 3 هيضيعوا من بعده خصوصًا إنهم كانوا صغيرين ومالهمش حد أكبرهم، عز الدين وقتها كان عمره 17 سنة تقريبًا، وطبعًا شهد على كل اللي حصل ده، ومن ساعتها وهو بيكرهها. تقدري تقولي عقدته في الصنف كله، مابقاش عنده ثقة في أي ست، عمره ما حب إطلاقًا، لكن حياته ماكنتش نضيفة يعني، طول السنين من مميزاته إنه محبوب أوي خصوصًا من الستات، فلما كانت بتجيله الفرص ماكنش بيضيع وقت، كان بيستمتع

بوقته يعني.. وبس يا ستي، هي دي كل الحكاية.

توقف "عماد" لحظة طويلة، ثم نظر إلى وجهها ليرى تأثير كلماته عليها. بدت هادئة مندهشة جدًا، ثم قالت بعد صمت طويل: -مصدومة.. بجد مش عارفة أقول إيه! بس على الأقل بعد الكلام ده قدرت أفهمه شوية. هزت رأسها ثم تابعت: -شكله معقد فعلاً!

انهمكت "داليا" في عملها خلال الأيام التالية مستخدمة أجمل مكتب شاهدته في حياتها، ولكنها فكرت.. أن جمال المكتب لا يضاهي أبدًا جمال من منحها إياه. كانت دائمة التفكير فيه، لم يفارق ذهنها أبدًا، أخذت تتساءل في نفسها.. هل يعيش هذه الحياة منذ فترة طويلة حقًا؟ أحقًا لم يذق طعم الحب في صباه أو شبابه؟ كيف استطاع أن يحصن نفسه ضد النساء بل ضد الوقوع في الحب طيلة هذه السنوات؟ كيف وهو المحبوب الذي تلتف حوله جميع الجميلات؟

وكيف هو قادر على التصرف بإنسانية وحرارة عاديتين؟ -أنا بقالي مدة بصراحة وأنا هموت وأتعرف عليكي يا آنسة داليا وأخيرًا جت الفرصة. كان هذا صوت "عمر" الذي اقتحم مكتب "داليا" فجأة، ثم انحنى أمامها قليلاً وهي تجلس وراء مكتبها تعمل بجد ونشاط. أخذ ينظر إلى أوراقها بسرعة ثم حول نظراته إلى عنقها الجميل وتمتم قائلاً: -مكتبي جميل أوي.. زيك. حبست "داليا" أنفاسها بقوة ثم قالت في ثبات جامد:

-على ذوقك يا أستاذ عمر، والحقيقة إني اتشرفت بمعرفة حضرتك كتير، بس أنا حاليًا مشغولة أوي زي ما انت شايف ومحتاجة أخلص شغلي بسرعة. ابتسم بخفة قائلاً: -عايزة تقوليلي أمشي يعني؟ ثم هز كتفيه ضاحكًا وجلس قبالتها في مقعد مريح قرب المكتب، وبدت على وجهه فورًا ملامح المشاغبة والدلال، ثم تمتم قائلاً:

-أحلى حاجة عملهالي أخويا هنا إنه مش بيديني شغل معقد، فبالتالي بخلص بسرعة كل اللي ورايا وأنا دلوقتي فاضي، وزي ما قلتلك كان نفسي أتعرف عليكي من مدة. تجهم وجه "داليا" حيث قالت بنبرة حادة: -أرجوك لو سمحت.. أنا مش فاضية للكلام ده ومش بحب أتعرف على حد ولا أطور علاقات هنا خارج حدود العمل، وبالنسبة لي حضرتك واحد من أصحاب الشركة ليك عندي كل الاحترام والتقدير وبس.

-ياااه.. انتي قاسية أوي يا آنسة داليا.. كنت فاكر إن قلبك رقيق زي بشرتك الحلوة دي. -أرجوك كفاية! خاطبته "داليا" بحدة ظاهرة وتوتر واضح ثم تابعت: -حضرتك حاسس بالملل ومش لاقي حاجة تعملها أحسن من إنك تيجي هنا وتقولي كلام مايصحش أبدًا يتقال. ثم نظرت بصدمة إلى تلك الأوراق التي أمامها قائلة: -شفت دلوقتي خلتني أعمل إيه؟ ارتكبت عدة أخطاء في الكتابة لا يمكن تصحيحها بدون تشويه الورقة بكاملها. نظرت إليه غاضبة وقالت:

-امشي.. لو سمحت! -ماكنتش أعرف إني ممل أوي كده، بس أعمل إيه طيب لو أنا شايفك بنت حلوة ولطيفة ومش قادر أقوم وأسيبك؟ انتي تجنني بصراحة. ثم حدق بوجهها باسمًا وقال: -واو يا آنسة.. بقالي كتير ماشفتش بنت خدودها بتحمر زيك كده، بيتهيألي لو جبت عود كبريت وحطيته على خدك هيولع! صرّت على أسنانها قائلة:

-أنا اللي هولع فعلاً يا أستاذ لو مامشيتش حضرتك دلوقتي حالا.. أرجوك روح اتسلى في مكان تاني، أنا عندي شغل للزم يخلص في وقت محدد، مستر عز الدين طالب الشغل ده بنفسه. هب "عمر" واقفًا ثم قال: -لااا خلاص خلاص، حقك عليا يا ستي طالما الشغل ضروري ولـ عز كمان أنا همشي حاضر ومش هزعجك.. بس هشوفك تاني. ثم ابتسم بخفة وغادر المكتب على الفور، بينما تأففت "داليا" بضيق وغضب ثم عادت إلى عملها.

كان "خالد" قد اشترى سوارًا ذهبيًا لـ "عبير" بمناسبة عيد مولدها، ثم قدمه إليها بحب حين كانا يجلسان قبالة بعضهما بحديقة القصر تحت سماء الليل المرصعة بالنجوم التي تلألأت على مدى أبعاد متفرقة.

كانت تود لو تلقي السوار بوجهه لولا أنها تذكرت غضب أخيها الجامح الذي يحرق بحممه الأخضر واليابس إذا أثاره أحدهم، فأبعدت عن رأسها هذه الأفكار وقبلت هدية "خالد" على مضض، ثم نهضت وشكرته بحرارة زائفة، حيث وضعت ذراعيها حول عنقه وقبلته على وجنته سريعًا ثم عادت تجلس بمكانها. سعادته في تلك اللحظة جراء ما فعلته دفعته إلى القول: -بيرو.. إيه رأيك يا حبيبتي لو نتجوز أول الشهر الجاي؟

أنا مش شايف إن في أي سبب للتأجيل أكتر من كده، بقي كل حاجة جاهزة، البيت وكل حاجة، مش ناقص غيرك انتي يا روحي. ارتعشت في ارتباك ثم قالت متعلثمة: -آآ إيه يا خالد.. انت مستعجل كده ليه؟ وبعدين احنا محددين الميعاد بعد سنة لما أخلص كليتي، لسه بدري. -يا حبيبتي ما انتي ممكن تكملي دراسة وإحنا متجوزين برضه، مافيش مشكلة. زادتها كلماته ارتباكًا فقالت منفعلة:

-وبعدين بقى يا خالد من فضلك اقفل على الموضوع ده دلوقتي خالص، وما تفتحهوش قدام عز الدين، أوعى أحسن ده ما يصدق وممكن يسمع كلامك. -طب وما له يا حبيبتي.. ده أنا بحلم باليوم ده يا بيرو.. أنا استنيتك كتير بقالي 10 سنين متخيلة؟ بعد الأيام يا عمري ونفسي تفوت بسرعة بقى. تجهمت "عبير" ثم قالت محاولة إخفاء سخريتها: -يسلاااام! بتحبني أوي؟ عايز تفهمني إن عمرك ما عرفت غيري مثلاً! حتى لو قلت لأ أنا مش هصدق طبعًا. -عبير! هتف بدهشة،

بينما سألته بتهكم: -إيه؟ قلت حاجة غلط؟ يعني انت عمرك ما انجذبت لأي واحدة حلوة مثلاً.. جاوب بصراحة عادي أنا مش هزعل منك خالص صدقني. زادت دهشته ثم قال: -أنا عمري ما فكرت في واحدة غيرك يا عبير.. بس بجد أدهشتيني! انتي شايفة إن لو خونتك أو لو حبيت واحدة تانية غيرك دي عادي؟ ممكن تقبلي بكده؟ -آه عادي.. إيه المشكلة؟ الحاجات دي مش بالإرادة، ممكن في لحظة تجذبك واحدة وتلاقي نفسك معاها وبتحبها. -يسلاااام!

طب ويا ترى الكلام ده ساري على الراجل بس؟ -لأ عادي، وعلى الست كمان. -بجد! يعني انتي مثلاً من الممكن أو من السهل إن راجل غيري يجذبك؟ أوقعها بمأزق فأجابته بسرعة في ارتباك: -انت بتاخد الأمور كلها بجد! إحنا بنتناقش. أومأ رأسه موافقًا: -صح بنتناقش.. بس مستغرب لتكون دي في الحقيقة وجهة نظرك يا عبير! تجاهلت الموضوع برمته قائلة: -بقولك إيه.. كفاية مناقشة بقى لحد كده. ثم قالت لتجذب انتباهه:

-أحلى حاجة إنك أول واحد افتكر عيد ميلادي، لأ وجبتلي هدية حلوة كمان. نجحت محاولتها في التمويه عن النقاش، حين برقت عيناه بابتسامة عشق، ثم مد يده وأمسك يدها الملقاة على الطاولة الصغيرة التي كانت تفصل بينهما، ثم طبع عليها قبلتين. -طيب.. أنا لازم أمشي دلوقتي بقى عشان الوقت اتأخر.. بس عايز أقولك إن أنا برتب ليوم إجازة كده هاخدك فيه وأخرجك في أي حتة بمناسبة عيد ميلادك.

قال "خالد" ذلك ثم وقف استعدادًا للرحيل، بينما وقفت "عبير" في مواجهته وأصطنعت ابتسامة، فيما اقترب منها وقبلها على وجنتها بحرارة، تمالكت نفسها حتى لا تبتعد عنه، ثم تنفست الصعداء ما إن غادر وتركها. يا داليا إحنا كده هنروح في داهية.. لو الورق ده ما امضاش في أسرع وقت كلنا هنروح فيها، ده ريسك كبير أوي على الشركة. قال ذلك أحد الموظفين الذين اجتمعوا دفعة واحدة داخل مكتب "داليا"، بينما تساءلت:

-طب يا جماعة محدش معاه رقم مستر عز الدين؟ أجابها موظف كان يقف على مقربة منها: -محدش هنا في الشركة معاه رقمه خالص. -طب فين الأستاذ خالد ابن عمه والأستاذ عمر، فين؟ فأجابها "عماد": -خالد بيه واخد إجازة النهارده، أما الأستاذ عمر ده بقى ماشي بهواه، ييجي وقت ما يحب ويمشي وقت ما يحب. ثم تابع بحنق: -الحكاية دي أول مرة تحصل في الشركة، أول مرة يسيبوها كلهم سايبة كده، أنا مش فاهم إيه اللي حصل!! تابعت "داليا" سؤالها قائلة:

-يعني إيه؟ محدش معاه رقم أي حد منهم! مش ممكن! ثم فجأة هب "عماد" قائلاً: -أيوه أيوه.. أنا معايا.. معايا رقم خالد بيه. فسارعت "داليا" قائلة: -طب هاتيه هاتيه بسرعة. ثم دونته على هاتفها وأجرت الاتصال به، ليأتي صوت "خالد" بعد لحظات: -الو! -أيوه مستر خالد؟ -أيوه أنا مين معايا؟ -أنا داليا.. داليا عبد المجيد حضرتك السكرتيرة العام للشركة. -آه آه آه.. أهلاً يا داليا، إيه خير في حاجة؟ -في حاجات حضرتك.

-إيه يا داليا في إيه اتكلمي؟ -ورق الـ 3 شحنات اللي واقفين في المينا لسه ماتضماش حضرتك، ومستر عز الدين مش موجود، والورق ده مهم جدًا ولازم يتمضي فورًا، لو ماتبعتش منه نسخة للفرع اللي في باريس مش هيبعتوا البضاعة والجمارك هتحجز عليها والفلوس كمان هتروح علينا، إحنا مابقاش معانا وقت كده، خطر يافندم. بدا القلق على صوت "خالد" حين قال:

-أيوه يا داليا أيوه.. بس للأسف أنا مكاني بعيد عن الشركة دلوقتي، ده غير إن عز الدين تعبان بقاله كام يوم ومستريح في البيت مابيخرجش، فمعلش يا داليا لو سمحتي لازم تروحي تمضيه على الورق ده بسرعة وترجعي تبعتي منه نسخة علطول لفرع الشركة. -أنا! أنا أروح أمضيه؟ قصد حضرتك في البيت يعني؟ سألت "داليا" بدهشة فأجابها:

-آه يا داليا، معلش أرجوكي، بقولك هو تعبان أوي والله ومش هيقدر يروح في أي حتة، وبعدين الموضوع مش هياخد أكتر من نص ساعة. أجابته متعلثمة في تردد: -آآ أيوه حضرتك فاهمة.. بس.. بس أنا ماعرفش السكة. فقال على الفور: -هاتي ورقة وقلم واكتبي العنوان.

دونت "داليا" العنوان بورقة صغيرة ثم أسرعت وغادرت الشركة، استوقفت سيارة أجرة وأخبرت السائق بالعنوان، استغرقت دقائق حتى أدّى بالسيارة طريقًا جانبيًا يكسوه الغبار إلى بوابتي حديد كبيرتين. ترجلت "داليا" من السيارة وطلبت من السائق أن ينتظرها، ثم اتجهت نحو بوابة ذلك القصر الفاخر الذي قرأت على لافتته "قصر فريد نصار". اعترضها حارس البوابة قائلاً: -نعم حضرتك! عايزة مين؟

ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تلمح بعيني الحارس تعبير الفضول والتساؤل، ثم قالت: -أنا جاية أقابل الأستاذ عز الدين نصار. -لو كان عندك ميعاد مع عز الدين بيه كان بلغنا قبل وصولك.. أنا آسف بس ماقدرش أدخلك. صمتت لثوان ثم قالت تستجديه: -من فضلك.. أنا لازم أقابله حالا، أنا بشتغل عنده في الشركة وجايبة معايا ورق مهم لازم يمضيه بسرعة وإلا هتحصل كارثة كبيرة في الشغل. هز رأسه بإصرار صارم قائلاً:

-آسف يا آنسة، هي مش وكالة من غير بواب، أنا شغلتي هنا حراسة البوابة دي، ما أخلي حد يدخل أو يخرج بدون أوامر عز الدين بيه. فقالت تترجاه: -لو سمحت.. طيب ادخل قوله إنّي هنا.. قوله بس داليا عبد المجيد السكرتيرة. هز رأسه بعند وإصرار، فتأففت "داليا" بضيق، ثم فجأة قفزت برأسها فكرة، أخرجت هاتفها وأجرت الاتصال بـ "خالد" فأجاب بعد لحظات: -أيوه يا داليا عملتي إيه؟

-يا خالد بيه أنا وصلت قدام القصر أهو حضرتك بس الحارس مش راضي يدخلني. -طب هاتيه هاتيه. ناولت "داليا" الهاتف للحارس الذي نظر لها بضيق حانق قائلاً: -اتفضل معاك الأستاذ خالد نصار. أخذ الحارس الهاتف من يدها ثم أجاب على المنتظر: -الو! .. أيوه يا خالد بيه.. بس عز الدين بيه ما أدانيش خبر إن في حد جاي يزوره.. أدخلها يعني؟ .. مافيش مشكلة حضرتك متأكد؟ .. حاضر.. حاضر يا خالد بيه تحت أمرك.

ثم أعاد الهاتف إلى "داليا" وفتح لها البوابتين، فمرت عبرهما فيما أوصدهما الحارس بعد دخولها. وقفت قليلاً قبل أن تتابع طريقها وشعرت بيديها ترتجفان، فكان هذا المكان بمثابة عالم آخر بالنسبة لها. تقدمت إلى الأمام وأكملت سيرها في هذا الممر الحجري الطويل حيث أشعة الشمس تداعب بشرتها وتلك الأشجار الكثيفة أيضًا المنتشرة هنا وهناك، والتي رأت من خلالها على بعد خطوات طويلة منها المنزل الرئيسي بهندسته الهولندية الجميلة وبنائه الضخم، مما أثار دهشتها. لم تكن تتوقع أن يكون منزل رب عملها صاحب الوجه الصارم والغضب الجامح بهذا الجمال الفائق، تصورت أن يكون منزله يتمتع بجمال وحشي ولكن هذا الجمال.. رقيق!

تابعت "داليا" طريقها في الرواق المؤدي للمنزل حتى وصلت أمام الباب أخيرًا. ضغطت زر الجرس عدة مرات لتفتح لها إحدى الخادمات. ابتسمت لها "داليا" بتوتر قائلة: -آآ أهلاً.. ممكن أقابل أستاذ عز الدين من فضلك؟ -مين حضرتك؟ سألتها الخادمة مستفسرة، فصمتت "داليا" لثوان وقررت إعادة الاتصال بـ "خالد" مرة أخرى عوضًا عن التوضيح والشد والجذب: -إيه يا داليا في إيه ناني؟ أجابها "خالد" بضيق، فقالت:

-معلش حضرتك بس أنا واقفة دلوقتي قدام باب البيت مع واحدة تقريبًا بتشتغل هنا وهي بتسألني أنا مين.. ممكن حضرتك تقولها أنا مين. قالت آخر كلماتها بإرهاق ضجر، فسمعت موجات ضحك "خالد" الذي ضحك من قلبه قائلاً: -هههه طيب يا داليا هاتيها. أنهت الخادمة الاتصال مع "خالد" الذي شرح لها الأمر، ثم رافقت "داليا" إلى الطابق العلوي من القصر حيث توجد الغرف وقالت: -أوضة البيه اللي في الوش دي أخر الطرقة.. وعن إذنك بقى عشان ورايا شغل.

انسحبت الخادمة في هدوء، بينما وجدت "داليا" نفسها تقف وحيدة وسط ذلك الهدوء العظيم. نظرت حولها لتجد أن كل شبر بهذا المكان رائع حقًا. كان الطابق العلوي عبارة عن بهو طويل وصالون بنفس الوقت، جدرانه مزينة باللوحات الخشبية المرسومة وجميعها تمثل مشاهد للطبيعة، غير أن البلاط الرخامي من تحتها مغلف بالسجاد العجمي الفاخر ذي الألوان القاتمة والتي تنسجم ألوانه مع ألوان الجدران. أفاقت من تأملاتها سريعًا متذكرة سبب مجيئها، فاجتازت

ذلك البهو بخطوات سريعة مضطربة متوترة. استطاعت "داليا" أن تبلغ الغرفة بسهولة تبعًا لإرشادات الخادمة، طرقت الباب مرة اثنتين وثلاث ولكن ليس هناك من مستجيب، فأدارت المقبض وهي تشعر بالخوف والقلق وكم أنبتت نفسها لمجيئها هنا وتمنت لو كانت رفضت.

خطت "داليا" داخل الغرفة بتمهل ونظرها مثبت أرضًا، تركت الباب مفتوحًا ثم رفعت وجهها ببطء. كان أثاث الغرفة من الخشب القاتم والألوان القاتمة كما توقعت، غرفته من الجمال الوحشي كشخصيته. فيما أدفأ جهاز التكييف الغرفة بالقدر المناسب، تقدمت "داليا" ببطء من ذاك الرجل الذي يرقد بذلك الفراش الضخم والذي بلغ طوله سبعة أقدام. وصلت إليه حيث وقفت إلى جانبه، غير أنه تحرك قليلاً بقلق. أحست نحوه بالعطف حينما وجدته نائمًا في استسلام تام وقد تغطى جزئيًا فقط بملاءة حريرية ولحافين وقد تصبب العرق من جبينه وصدره الصلب العاري.

كانت الإضاءة خافتة قليلاً ولم تعرف "داليا" كيف تتصرف، فتوجهت نحو النوافذ وأزاحت الستائر جانبًا ثم تطلعت إليه في فراشه فوجدته بالنور الذي غمره أكثر وسامة وجاذبية، وخفق قلبها حتى كاد يقفز من بين ضلوعها، فكان من المستحيل أن تصدق أن هذا الطفل المسالم والمستسلم للنوم والمرض بفراشه هو نفسه ذلك المتعجرف المتغطرس والقاس!

بينما أزعجه الضوء الخافت الذي سرت أشعته إلى الغرفة، فـتأوه فجأة ثم تململ بفراشه في ضيق قبل أن يفتح عينيه، وعندما رآها أمامه حملق فيها غير مصدق ثم...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...