الفصل 3 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثالث 3 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
50
كلمة
4,529
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

اخترقت "داليا" فناء شركة "النصار" للنقل البحري، التي بنيت منذ زمن بعيد وتميزت بأروقتها النظيفة الملساء والمروج المحيطة بها. دهشت أيضاً لروعة المكاتب التي احتلتها الشركة. قابلت "داليا" العاملين في الممر الطويل بتواضع، ثم أخذت طريقها إلى المصعد. صعدت إلى الطابق الأول حيث يوجد مكتب رب العمل. كان كل شيء هادئاً في هذا الطابق، صمت تام. اقتربت "داليا" من حجرة مكتب "عز الدين" وكادت تطرق الباب، إلا أن صوتاً أنثوياً أوقفها.

"يا آنسة! على فين حضرتك؟ كان هذا صوت السكرتيرة الخاصة بمكتب "عز الدين". رفعت "داليا" يدها التي كادت تطرق الباب للتو، ثم التفتت نحو مصدر الصوت قائلة: "أنا جالي اتصال من شؤون العاملين هنا وبلغوني إني اتقبلت للتوظيف وإني عندي مقابلة تانية مع مستر عز الدين." هزت الفتاة رأسها بتفهم قائلة: "آه، طب ثواني هديله خبر."

أجلستها في غرفة انتظار أنيقة ريثما تبلغ "عز الدين" بحضورها. في هذه اللحظات، شعرت "داليا" بالتوتر الشديد وهي تسمع، في شيء من الخوف، دقات الساعة الزجاجية المثبتة في الحائط. كانت منذ يوم واحد فقط يائسة من فكرة حصولها على تلك الوظيفة، ولكن ها هي عادت مرة أخرى وفي انتظار استعداد "عز الدين" لمقابلتها. وبينما كانت مستغرقة في تأملاتها، قطعت السكرتيرة حبل أفكارها قائلة: "اتفضلي معايا يا آنسة.. مستر عز الدين منتظرك في مكتبه."

دعته لترافقها إلى مكتب "عز الدين" حيث توقفا أمام باب عاجي عريض. فتحته السكرتيرة وابتعدت مفسحة لها مجالاً للدخول إلى تلك الغرفة الواسعة ذات الأثاث الفاخر، والتي أجرت بها "داليا" المقابلة الشخصية في المرة السابقة.

أغلقت السكرتيرة الباب خلف "داليا" التي تقدمت ببطء، استياءً من مكتب "عز الدين" الذي كان منكباً على بعض الأوراق والملفات. فلم يرفع رأسه لتوه. مرت لحظة مشحونة بالتوتر، ثم رأته فجأة يوجه نظره إليها، حيث رمق قامتها المتوسطة بعينين متفحصتين.

ظلت "داليا" جامدة مكانها. كانت خجلة من النظر إليه. أحست بالدماء تجري حارة في وجنتيها تحت وطأة نظراته الفاحصة. ذلك الهدوء ضاعف عصبيتها وتوترها أكثر، فحدقته بنظرة خاطفة، حابسة أنفاسها. كان أنيق الملبس كعادته، يرتدي كنزة كشمير صوفية زرقاء اللون وبنطالاً كحلياً من الصوف الناعم. بينما شعر هو بمدى توترها، فابتسم بسخرية قائلاً: "تعالي اقعدي يا آنسة.. اتفضلي واقفة ليه؟

تقدمت "داليا" ثم جلست قبالته على مقعد قرب المكتب، ثم رفعت رأسها لتواجه نظراته الساخرة. شعرت بانزعاج من تلك النظرة الدائمة التي يوجهها إليها باستمرار. تساءلت في نفسها: هل مظهرها البريء أوحى له بضعفها كي يتصرف معها على هذا الأساس الساخر؟ بينما سمعته يسألها: "تشربي حاجة يا آنسة؟ كان حلقها جافاً أثر قلقها وتوترها، وتمنت لو يقدم لها شراباً بارداً، لكنها عدلت عن رأيها حيث قالت باسمة: "لا حضرتك، مش عايزة حاجة."

أومأ رأسه موافقاً ثم قال بلهجة حازمة، باسطاً يديه القويتين فوق مكتبه: "ماشي.. نتكلم في الشغل." "أيوه! أجابته بإصغاء، بينما قال: "بالنسبة لتفاصيل شغلك، هبعت آنسة إنجي توصلك مكتبك وهي هتشرحلك كل حاجة. أما بالنسبة للمرتب، فأنتي أكيد خدتي فكرة عنه في الإعلان، مش كده؟ أومأت رأسها بهدوء، بينما تابع بسخرية عينيه الذهبيتين:

"طيب.. شوفي بقى يا آنسة.. لازم تعرفي حاجة مهمة جداً.. الوظيفة اللي اتعينتي فيها دي أنا مشيت منها ناس كتير أوي لعدم الكفاءة اللازمة. بصراحة أنا راجل بحب شغلي يبقى مظبوط على أكمل وجه. ولازم تعرفي كمان إن لما وقع اختياري عليكي، كان تفكيري في كلامك عن الشغل هو السبب. حسيت إنك جادة في التعامل على عكس الباقيين اللي اتقدموا قبلك وبعدك. بس زي ما بيقولوا، التجربة خير برهان.. هاجربك وأتمنى فكرتي عنك تكون في محلها."

حاولت قدر إمكانها الاحتفاظ بمظهر هادئ، حين حدقت بعينيه بثقة قائلة: "أنا هثبت لحضرتك إني قد المسؤولية وإني أقدر أدبر أمري كويس أوي. وزي ما قلت لحضرتك قبل كده، أنا مش بعرف أتكلم كويس، إنما بعرف أشتغل كويس، وشغلي هو اللي هيتكلم بالنيابة عني إن شاء الله." هز رأسه متنهداً، ثم ضغط زر الجرس المتصل بمكتب سكرتيرته الخاصة قائلاً: "إنجي جاية دلوقتي وهتاخدك عشان توريكي مكتبك وتفهمك تفاصيل الشغل."

أومأت رأسها، فيما تمنت فجأة لو أنها تستطيع سحب طلب العمل. ليس لأنها لا تتقن مهنتها، أو تعجز عن التعامل معه، بل لخوفها من أمر أعمق وأشد تعقيداً. إنه شعور بالخوف فهمت معناه، لكنها رفضت استمرار التفكير في الأمر. دخلت السكرتيرة حجرة المكتب، فتوجه "عز الدين" إليها بالحديث قائلاً: "إنجي.. هتاخدي الآنسة... أاا... سارعت "داليا" معرفة: "داليا." فعاد يقول:

"هتاخدي الآنسة داليا لمكتبها.. توريها كل حاجة وتفهميها تفاصيل الشغل طبعاً، وأي سؤال ليها أكيد عندك الإجابة عليه، مش كده؟ "تمام يا فندم.. اتفضلي معايا يا آنسة." نهضت "داليا" استعداداً لموافاة السكرتيرة، بينما استوقفها "عز الدين" فجأة قائلاً: "استني يا آنسة، لو سمحتي."

فالتفتت إليه في تساؤل، فيما انتصب واقفاً واتجه نحوها. فحدق به في حيرة، بينما كانت عيناه تلمعان كعيني أسد متربص. وفي غطرسة وقحة، أخذ يدور حولها ناظراً إليها من كل زاوية، ثم أخيراً وقف أمامها وجهاً لوجه. "اتفضلي يا آنسة." قال ذلك، ماداً يده ببعض الأوراق النقدية. بينما تسمرت "داليا" في مكانها مندهشة بشكل كبير، ثم سألته: "إيه ده حضرتك؟ هز كتفيه ساخراً ثم قال: "فلوس!

"أيوه، ما أنا عارفة إنها فلوس.. بس آخد فلوس ليه وأنا لسه ما اشتغلتش؟ أجابها بهدوء بارد: "المبلغ ده مش ليكي شخصياً يا آنسة.. انتي دلوقتي واجهة الشركة، يعني لازمك هدوم وحاجات تانية كتير لازم تكوني شيك قدام العملاء ومظهرك مناسب.. انتي بتمثليني أنا وشركتي.. فاهمة؟ حدق ملياً بوجهها الذي تضرج بحمرة الخجل، فقد أصاب منها وتراً حساساً. بينما نظرت إليه مباشرة بعينين ملؤهما الكبرياء والرفض، ثم قالت:

"أنا مش محتاجة للمبلغ ده حضرتك.. وبالنسبة لمظهري، فأنا شايفة إنه مناسب جداً، ده أولاً. ثانياً، أنا جاية هنا عشان أشتغل مش عشان أعمل Fashion show!

رفع حاجبه بذهول، فكان ردها هذا هو آخر ما توقع سماعه من أنثى تحديداً. حتماً لو كانت فتاة أخرى مكانها، لكانت قبلت المبلغ بكل سرور وترحيب. بينما أحست "داليا" بموجة عارمة من الغضب تجتاحها، فقد جرحت مشاعرها بذلك العرض التافه، وخاصة أمام سكرتيرته الخاصة. شعرت بالوهن يغلي بصدرها، ولكنها تمسكت برباطة جأشها أمامه. "طيب.. أنا محترم وجهة نظرك." قال ذلك بلطف هذه المرة، ثم تابع:

"بس زي ما قلتلك، انتي واجهة الشركة بتمثليها وبتمثليني كمان، فلازم تقبلي المبلغ ده عشان تقدري تحسني من مظهرك شوية." ها جرح آخر.. أغمضت عينيها بألم، ثم قالت معترضة، وقد زادت مشاعر التحدي والكبرياء في نفسها: "آسفة.. مش هقدر أقبل من حضرتك أي مبلغ غير مرتب." "و بعدين؟ بات صوته أكثر حدة، وحركاته أكثر قوة، ثم تابع بغضب:

"اسمعي يا آنسة.. أنا مش فاضي للشد والجذب ده، أنا ورايا شغل. وقلتلك إن المبلغ ده مش ليكي شخصياً.. ده عشان الشغل. أهم حاجة عندي لما تيجي شركتي، تبقي في مظهر مناسب. برا شركتي بقى لو لبستي إيه، شيء ما يخصنيش، فاهماني؟

شعرت "داليا" بالرعب يملأ أوصالها من عينيه الحادتين الغاضبتين. لم تعد قادرة على تحديه أكثر من ذلك، فقد كان صوته مليئاً بالعنف، ونفسه مليئة بالإرادة والتصميم. وبدا وكأنه ممزق من المماطلة والرفض اللذين تمارسهما بحقه. وقبل أن تتفوه بحرف، أمسك يدها ووضع النقود بها، مطبقاً كفها عليها، ثم قال بلهجة آمرة وهو يتجه إلى مكتبه: "ودلوقتي اتفضلي مع إنجي على مكتبك، ويا ريت تبدأي الشغل فوراً، في شغل كتير متعطل."

لم يعطها فرصة للرد عليه أو الاحتجاج، إذ أنه جلس معتدلاً وبدأ بفتح بعض الملفات فوق مكتبه، بينما كان الغضب يملأ شرايينها. فها هي بطبيعتها الضعيفة البسيطة أمام الرجل الذي يملك كل شيء. وبكل الحنق الذي تخزنته في نفسها، أطبقت بكفها على النقود في شدة، ثم استدارت دامعة العينين ورافقت السكرتيرة إلى مكتبها..! ***

وقف أمام المرآة وأخذ يحدق بوجهه جيداً. لم يختفِ أثر الكدمات بعد. تأفف لهذا، ثم انحنى إلى طاولة صغيرة والتقط هاتفه وسلسلة مفاتيحه الذهبية. ألقى نظرة أخيرة على نفسه مفعمة بالحسرة على مظهره وملامحه الجذابة التي باتت قاسية.

غادر غرفته واجتاز الرواق العلوي بخطوات واسعة، ثم هبط الدرج بخفة وتابع سيره حتى وصل إلى ساحة المدخل أمام المنزل مباشرة، حيث كانت سيارة مرسيدس بيضاء تلمع تحت أشعة الشمس الذهبية. فيما صعد هو إلى السيارة ثم أقلع بهدوء وروية، حتى توقف قليلاً أمام بوابتي القصر الكبيرتين، فانفتحت له الأبواب سريعاً. ثم فجأة، وعند خروجه من البوابة، اعترضته سيارة تشبه سيارته ولكن لونها مختلف.

رفع نظارته الشمسية عن عينيه ليتفاجأ برؤية صديقته التي ترجلت بسرعة من سيارتها واقتربت منه باسمة، بينما تمتم بغضب: "يادي النهار اللي مش فايت.. جاية تهبب إيه دي؟ "عمر.. حبيبي.. إزيك يا بيبي عامل إيه؟ قالتها الفتاة عندما وصلت إليه، بينما حدثها بحنق عبر شباك سيارته: "إيه اللي جابك يا يارا؟ عايزة إيه؟ "الله يا عمر! بقي دي مقابلة تقابلني بيها؟

وأنا اللي دوست على كرامتي ونسيت عمايلك فيا وقلت أجي أشوفك وأطمن عليك، تقوم تقابلني كده! "وليه يا ستي تدوسي على كرامتك عشان واحد ندل زيي؟ لأ، انتي كرامتك غالية، وعشان كده بقى خدي بعضك واتكلي من هنا، يلا." شهقت بصدمة قائلة: "انت بتطردني يا عمر؟ أومأ رأسه قائلاً: "آه بطردك، وبصراحة مش عايز أشوف وشك تاني ومن غير سلام."

قال جملته الأخيرة بتهكم، ثم أدار عجلة القيادة وانطلق بسيارته سريعاً حتى قطع مسافة طويلة، ثم توقف أخيراً أمام فيلا بسيطة تحيط بها الأشجار الكثيفة. ترجل من سيارته وألقى التحية على البواب المسن، ثم مضى في سبيله إلى الداخل. على أعتاب المنزل، طرق الباب لتفتح له إحدى الخادمات باسمة، بينما أنزل نظارته قليلاً بحركة رشيقة من إصبعه، وتفرس فيها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها بوقاحة وبساطة، حتى سمعها تقول مرحبة:

"أهلاً أهلاً يا عمر بيه.. اتفضل ادخل." تقدم "عمر" إلى الأمام وعيناه لا تزال تتفحصانها جيداً. "الست كاميليا قاعدة في الهول الكبير بتشرب قهوتها." قالت ذلك باسمة، ثم سألته: "تحب أجيب لك قهوة برضو ولا عايز حاجة تانية؟ "أي حاجة يا قمر.. مش قمر بردو؟ ابتسمت الفتاة مصطنعة الخجل ثم قالت: "أيوه." "اسم على مسمى وربنا."

اتسعت ابتسامتها لتضحك بإغراء، ثم توجهت نحو المطبخ تتبختر في خطاها. بينما أخذ "عمر" طريقه إلى حيث أرشدته. دخل إلى قاعة الجلوس ثم توجه بسرعة نحو امرأة جلست بأناقتها المعهودة على أريكة مغطاة بالصوف الأحمر. لا يمكن تقدير عمرها بأكثر من أربعين عاماً.

تلك هي الممثلة الشهيرة التي تدعى "كاميليا فهمي". لا تزال تنبض بالحيوية والجمال، بشرتها بيضاء ناعمة جداً، وعيناها زرقاوتان لا أثر للتعب فيهما، وشفتاها قرمزيتان تضجان حياة وإغراء ودعوة. اقترب منها "عمر" ثم دنا نحوها قائلاً بحرارة وهو يقبلها على جبينها: "مامي.. وحشتيني." ابتسمت الممثلة القديرة بنعومة وهي تداعب وجه ابنها الذي يحمل شبهاً كبيراً لوجهها، ثم قالت: "يا روحي.. انت وحشتني أكتر يا حبيبي.. بس أنا زعلانة منك."

"زعلانة مني ليه بس يا مامي؟ "بقالك قد إيه مسألتش عليا؟ قال معتذراً: "معلش سامحيني. عارف إني قصرت معاكي الفترة اللي فاتت، بس كان غصب عني. انتي عارفة إني بجيلك من ورا عز.. ولما جاله شغل برا وسافر، كنت مخطط إني أجي أقعد معاكي كام يوم والله، بس حصلت ظروف بقى كده، وكنت قاعد في البيت بقالي يومين بسببها." سألته باهتمام: "ظروف إيه دي يا حبيبي؟ صمت قليلاً ثم نزع نظارته عن عينيه، فشهقت أمه بهلع وصدمة قائلة: "يا خبر!

إيه اللي في وشك ده؟ مين اللي عمل فيك كده؟ تحسس وجهه ثم أجابها: "ماتقلقيش أوي كده يا مامي.. دي كانت خناقة بسيطة في الجامعة وأنا قدامك أهو كويس." قالت بصوت حزين وهي تتأمل ملامحه: "كويس إيه بس! ده وشك كان وسيم أوي زي أخوك عز الدين.. دلوقتي ملامحك بقت قاسية شوية.. انت عاجبك اللي عملته في نفسك ده؟ "خلاص بقى يا كوكو ماتكبريش الموضوع، ما أنا زي الفل قدامك أهو، وكلها كام يوم ووشي يرجع زي ما كان." نظرت إليه في عتاب. فقال:

"خلاص بقى يا مامي، أنا جاي أقضي يوم حلو معاكي.. مش كده بقى ابتسمي عشان يبان جمال عينيكي." فابتسمت أمه رغماً عنها قائلة: "ماشي يا مجرم، كل بعقلي حلاوة كل." ثم سألته: "المهم قولي.. أختك عبير عاملة إيه؟ "زي القردة، هتعمل إيه يعني." ضحكت بنعومة ثم تابعت سؤالها: "قولتلها إني عايزة أشوفها؟ أومأ رأسه قائلاً: "آه يا مامي، قولتلها.. بس... "بس إيه؟ سألته بإرتقاب، بينما تردد قليلاً قبل أن يقول:

"أصلها خايفة من عز.. انتي عارفة هو بيمنعنا عنك إزاي.. بس وعد، طالما عايزة تشوفيها، أنا هجبهالك لحد عندك قريب." أومأت رأسها، ثم تابعت سؤالها: "طب وأخوك عز الدين.. عامل إيه؟ نظر "عمر" إلى وجه أمه الذي امتلأ بالحزن فجأة، ثم قال في محاولة للتخفيف عنها: "قرد هو التاني.. أنا مش عارف، بس انتي بتسألي ليه على عيال مالهمش لازمة زي دول؟ خليكي معايا أنا يا كوكو.. أنا حبيبك اللي بيدلعك يا قطة."

نجحت محاولته، حيث ابتسمت أمه بعفوية. بينما قال: "بقولك إيه.. أنا جعان. طابخين إيه النهارده ولا نطلب دليفري؟ أجابته ضاحكة: "حالا يا حبيبي هقولهم يحضروا الغدا." ثم هتفت باسم أحد الخدم وأعطت أوامرها بإعداد مائدة الطعام... *** "داليا! هتفت "ياسمين" وهي تنادي على شقيقتها، مستغربة لتوجهها من باب المنزل إلى باب حجرتها مباشرة. وقبل أن تلحق بها "ياسمين"، أوقفتها قائلة: "ياسمين من فضلك سيبيني لوحدي دلوقتي وما تدخليش علي خالص."

قالت ذلك، ثم أغلقت الباب خلفها. بدلت ملابسها سريعاً، فارتدت قميصاً خفيفاً من القطن الأبيض بدون أكمام، ثم توجهت نحو مرآتها وحدقت بوجهها. رأت نفسها جميلة نوعاً ما، غير أنها كانت معتادة على التعبير الصريح عن إعجاب الرجال بها، تتلقاه دون حرج أو غرور منذ كانت في الثامنة عشرة من عمرها، وبعد أن تحولت من تلك الفتاة الصغيرة المكتنزة إلى تلك المرأة الجذابة ذات القوام الجميل والأنوثة الصارخة رغم بساطتها.

لكن هذا الرجل، رب عملها الكامل الرجولة، المعتد بنفسه، سخر منها، تصرف معها وكأنها نكرة، وكأنها فتاة صغيرة أو غلام لا يثير فيه أي رغبة. لم يضايقها هذا كله بقدر ما شعرت بالقهر عندما أعطاها المال من أجل شراء بعض الملابس وأدوات التجميل. كادت تبكي، ولكنها منعت نفسها بقوة وحزم. عليها أن تقوم بإنقاذ نفسها فيما بعد. فإلى متى ستظل ضعيفة، واهنة، مغلوبة على أمرها؟

تنهدت بثقل، ثم سارت نحو فراشها وأسترخت عليه. لم تنم كثيراً، أو هكذا خيل إليها. وما أن استيقظت في وقت لاحق، حتى هبت من فراشها مذعورة وقلبها يخفق بشدة غريبة. رفعت يدها لتغطي وجهها، وكأنها تهرب من واقعها الأليم ومن مسؤوليتها التي أثقلتها. بينما نحيبها يملأ الغرفة بنشيج متقطع، اختلطت فيه الدموع بالتنهدات والآهات. أحست وكأنها على شفا الانهيار العصبي.

رفعت رأسها عن راحتيها قبل ثوانٍ قليلة من فتح باب غرفتها. وعندما انتصبت جالسة في فراشها وجسدها مشدود كوتر قاس، دلفت شقيقتها فزعة، ثم اقتربت منها بسرعة وخاطبتها بقلق ولطف: "داليا! مالك يا حبيبتي؟ في إيه؟ أجابتها "داليا" بصوت ضعيف متقطع: "مافيش حاجة يا ياسمين.. أنا كويسة." فاقتربت منها أكثر قائلة: "لأ، شكلك مش كويسة خالص.. قوليلي يا داليا مالك؟ "قلتلك مافيش حاجة يا ياسمين." أجابتها بضعف واهنة، ثم سألتها:

"هي الساعة كام دلوقتي؟ "12 بعد نص الليل تقريباً." صرخت باستغراب: "مش معقول! قربت "ياسمين" ساعة يدها من وجه شقيقتها لتؤكد لها الوقت، فهزت رأسها قائلة: "بيتهيألي إني نمت دقايق مش ساعات." ثم فجأة ارتجفت دون إرادة، وانهمرت الدموع الغزيرة على وجنتيها الشاحبتين الناعمتين. فصاحت أختها قلقة: "لأ.. لأ، انتي فيكي حاجة مش طبيعية يا داليا، قوليلي في إيه من فضلك.. في حاجة حصلت في الشغل النهارده؟ ده كان أول يوم ليكي، حد ضايقك؟

سألتها بإلحاح، فقصت عليها "داليا" كل ما حدث. "طب وإنتي إيه اللي مضايقك في كده يا داليا؟ ما هو قال لك إن المبلغ ده مش ليكي شخصياً، إنما لشيء يخص الشغل. وبعدين يا ستي، لو الموضوع مضايقك أوي كده، اعتبريهم سلفة ورديهم من أول مرتب ليكي." "أنا اتجرحت أوي من التصرف ده يا ياسمين." قالت بصوت حاد، ثم تابعت: "كان هاين عليا أسحب ورقي وأسيب الوظيفة وأرميله فلوسه وأمشي." ابتسمت "ياسمين" ثم قالت تهدئها:

"يا داليا يا حبيبتي، أنا عارفة إن عندك عزة نفس وكرامة، بس هنا الموضوع مختلف عن النقطتين دول.. ده شغل يا حبيبتي، وزي ما بيقولوا، الشغل شغل. وأي بني آدم ذكي بيعرف يستغل الفرص في شغله أوي. وهو مش هيحسن عليكي، هو زي ما قالك، انتي واجهة الشركة، يعني طرف مهم ولازم تكوني في نفس المستوى اللي هو فيه، لأنك بتمثليه فعلاً قدام العملاء زي ما قالك. بصراحة، هو ما غلطش، انتي بس اللي حساسة زيادة عن اللزوم." ثم صمتت قليلاً وأضافت:

"ومع ذلك يا ستي، زي ما قلتلك، لو الموضوع مضايقك أوي، اعتبري المبلغ سلفة ورديه من أول مرتب ليكي." أومأت "داليا" رأسها تعبة، فيما تركتها شقيقتها لتستريح بعد أن أطمأنت عليها تماماً. رتبت "داليا" الوسادة تحت رأسها وأراحت جسدها المنهك. وبعد قليل، بدأت أجنحة النوم تحوم فوق عينيها، وهي غير قادرة على إبعادها عن ذهنها. ستكون معجزة حقاً إذا استطاعت أن تهرب منه، ولكنها اعتادت منذ صغرها على الانتصار في معاركها الحاسمة.

وعندما دقت بمنزلهم ساعة حجرة الجلوس التي تردد صدا صوتها بالإرجاء معلنة حلول الواحدة صباحاً، كانت "داليا" قد أخلدت إلى نوم عميق... *** أسدل الليل ستارة فوق قصر "النصار".

في الداخل، وقف "عز الدين" أمام الستيريو وأدار بعض الموسيقى الخافتة والحالمة. ثم تقدم من الأريكة التي توسطت حجرة مكتبه وأسترخى عليها بثقله، واضعاً يديه خلف رأسه، وأغمض عينيه يستمتع بموسيقى "شوبان". كان يفكر بهدوء في أمور عديدة. بدا شكله غير مرتب، وقد تدلت خصلة من شعره الغزير الناعم فوق جبهته. كان هادئاً مرتاح البال، حتى قفزت صورته فجأة برأسه. كم تعجب كثيراً اليوم!

تساءل في نفسه: هل يمكن أن يتنازلن النساء عن أي مال مقدم لهن بهذه السهولة؟ بل بهذه الصرامة والقوة التي استخدمتها تلك الفتاة التي تدعى "داليا"؟

ما زال لا يصدق، ولن يصدق. فكلهن في نظره سواء. وكيف لا، وقد أصابته والدته في الصميم، حيث قتلت بداخله كل مشاعر الشفقة والعطف على أي أنثى. ثم فجأة، طرد صورة وجهها الجميل البريء من ذهنه، في حين سمع صوت سيارة تصطف بالمرآب المنزلي قرب نافذة المكتب. استنتج أنه شقيقه قد وصل لتوه، فنهض من موضعه وحمل أسطوانة الموسيقى ووضعها في غلافها، ثم خرج من مكتبه لموافاة شقيقه.

دلف "عمر" إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل. وعندما كان يقف "عز الدين" بركن مظلم من البهو المؤدي للدرج، هتف بقسوة: "عمر." استدار "عمر" قبل أن يصعد درجات الدرج نحو الزاوية المظلمة التي انبعث منها الصوت. فيما اقترب "عز الدين" قليلاً حتى سطع ضوء الثريات المعلقة بالجدران على وجهه الغاضب الذي تعلوه مسحة قسوة مفزعة. تنهد "عمر" بضيق ما أن رآه، ثم قال: "نعم يا عز؟ "كنت فين؟ سأله بهدوء غاضب، بينما أجاب "عمر":

"يعني انت صاحي مستنيني لحد دلوقتي عشان تسألني السؤال ده؟ فهمهم "عز الدين" قائلاً: "هممم.. واضح يا عمر إنك ماسمعتش كلامي كويس إمبارح لما قلتلك يا تيجي تشتغل معايا في الشركة، يا مالكش مكان في البيت هنا." تأفف "عمر" قائلاً: "لأ سمعت يا عز، واطمن، أنا جاي بكرة الشركة.. النهاردة بس كان عندي مشوار مهم وما حبيتش آجله." "مشوار إيه ده إن شاء الله؟ "مشوار وخلاص يا عز." "مساء التجمعات." كان هذا صوت "عبير" التي انضمت إليهم فجأة،

ثم تابعت: "إيه خير؟ متجمعين في تص الليل كده ليه؟ ثم نظرت إلى "عمر" وسألته: "و انتي يا عموري لسه راجع دلوقتي؟ هي كوكو كانت ماسكة فيك ولا إيه؟ اتسعت حدقتا "عمر" في فزع وغضب، بينما قطب "عز الدين" حاجبيه مستغرباً، ثم قال: ...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...