الفصل 24 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
34
كلمة
4,679
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

اتسعت عيناه في صدمة بالغة، فراح يعبث بالهاتف في عصبية، ليرى مزيداً من صور جمعت "حسام" بـ "عبير" في شتى الأوضاع الغرامية الرومانسية. انتبهت "عبير" إليه، فقبضت حاجبيها مستغربة، ثم مدت يدها ولكمته على معصمه قائلة: "خالد! مالك؟ رفع عينيه عن الهاتف ونظر إليها في حدة بالغة، فازدادت حيرتها ودهشتها، ثم عادت تسأله: "إيه يا خالد! مالك؟

نهض من موضعه فجأة، فانتفضت على أثر عصبيته المفاجئة، بينما توجه نحوها مسرعاً، ثم رفع الهاتف إلى مستوى نظرها كي تتمعن صورتها المخزية. تسمرت عيناها على شاشة الهاتف، فتسارع وجيب قلبها، وراحت تلهث في وجل. عقلها توقف عن التفكير، لم تستطع تدارك الأمر. أفاقت من نوبة صدمتها على صوته المتهدج انفعالاً: "هو ده؟

ارتجف قلبها حين حولت نظرها إليه، شاهدت مزيجاً هائلاً من الغضب والعذاب بعينيه، فترقرق الدموع بعينيها، بينما عاد يسألها مزمجراً: "هو ده يا عبير؟ هو ده اللي سلمتيله نفسك؟ هو ده حبيبك؟ "كان." هتفت صارخة ودموعها تنساب بغزارة دفعة واحدة على وجنتيها، ثم تابعت بصوت ضعيف مرتجف:

"كان يا خالد.. البني آدم ده دمرني وأنا بكرهه.. كان أكبر غلطة في حياتي.. قد إيه بتمنى الزمن يرجع بيا شوية وأنا عمري ما كنت هعمل أي حاجة غلط من اللي عملتها." انتحبت بمرارة، ثم رفعت يدها وكفكت دموعها، ثم عادت تنظر إليه في سرعة متسائلة والدموع تبرق بعينيها الحمراوين: "بس انت جبت الصور دي منين؟ لم يجيبها، بل تركها مندفعاً صوب باب المنزل، فهرعت خلفه صائحة: "خالد.. خالد رايح فين؟ اقف كلمني لو سمحت هتروح فين؟

جذبته من ردائه الذي كاد أن يتمزق لشراستها وهي تصرخ به أن يعود، بكت لعلها تلين قلبه بدموعها، لكنه دفعها عنه بصرامة، ثم خرج من البيت، متوجهاً نحو سيارته. أمسك بالهاتف وهو يحاول بجهد أن يتذكر رقم أحد الأفراد المهمين بالشركة، ضرب الأرقام متمهلاً، ثم ضغط زر الاتصال. انتظر لثوانٍ بدت دهراً، حتى أجاب الطرف الآخر: "ألو! "مراد.. أنا خالد.. خالد نصار."

"أهلاً أهلاً يا خالد بيه.. والله ما مصدق نفسي مبسوط بمكالمتك أوي.. خير يا باشا في حاجة؟ باغته "خالد" بجدية بالغة: "عايز عنوان حسام ثابت يا مراد." "تقصد حسام شريف ثابت بتاعنا؟ "أيوه هو." اتسم صوت "مراد" بجدية مماثلة وهو يسأل بقلق: "خير يا خالد بيه؟ أنت عايزه في حاجة مهمة للدرجة دي؟! بصوت متهدج انفعالاً أجابه: "عايزه في حاجة مهمة أوي."

كانت ممدة على الفراش في هدوء، بينما تركها وحيدة للتو متوجهاً نحو الحمام. شدت الغطاء الأبيض على جسدها جيداً، فيما لاحت ابتسامة خفيفة على شفتيها وهي تتذكر تفاصيل اللحظات الفائتة. كان رقيقاً على غير العادة، وكانت طيعة، تتبع خطواته الخبيرة، كانت تتجاوب مع خلجاته بشغف، غمرها شعور هائل بالعطاء دون تردد.

في ذروة مشاعرهما، وجدت "داليا" نقطة ضعفه. لقد تأكدت بما لا يقبل الشك، أنه إنسان دافئ، يتفاعل مع عواطفه وأحاسيسه كأي رجل عادي، وما تصرفاته القاسية وبروده وعدم اكتراثه سوى أقنعة يختفي خلفها الرجل الحقيقي بداخله، فيما لو حاولت تحدي رغباته وإراداته.

أحست من طريقته تلك المرة، أنها ليست مداعبات رجل يتمتع بوقته لفترة قصيرة فقط، بل هو أصر على منحها كنوز الظلام وثروات الليل الدفينة. لأول مرة شعرت بأنه يحبها ويريدها. لم ينقصه سوى الاعتراف. كانت لترى كل شيء كاملاً لولا أنه لا يزال متمسكاً بتمرده الذي منعه عن سكب كلمات الحب بأذنيها. ولكن لا بأس، فقد أبدى تحولاً رائعاً حين بدأ يترجم أحاسيسه لأفعال لا يعرف كيف يشكلها بلسانه إلى كلمات، أو لا يريد بمعني أوضح.

أفاقت من غيبوبتها الحالمة عندما خرج من الحمام مبتل الخطى، لافاً حول خصره منشفة وممسكاً بأخرى في يده يجفف بها شعره. وجهت نظرها إليه في صمت، بينما تعالي فجأة صوت رنين هاتفه، فاتجه نحو الطاولة قرب الفراش والتقط الهاتف، ليجد الرقم مجهولاً. قطب حاجبيه مستغرباً لكنه أجاب بالنهاية: "ألو! ليصل إلى سمعه صوت يبكي صارخاً: "الحق خالد يا عز." تعرف فوراً على صوت محدثه، إلا أنه تجاهل كل شيء مهتماً بأمر "خالد" فسأل بقلق حاد:

"ماله خالد؟ قصت عليه "عبير" كل ما حدث، فلم ينتظر أكثر وأغلق الخط معها. استخدم نفس طريقة "خالد" وأجرى الاتصال بموظفه "مراد" وطلب منه عنوان "حسام"، فأجاب "مراد" باستغراب بالغ: "هو إيه الحكاية انهاردة؟ مالكوا بـ حسام ثابت بس؟ ولكنه رضخ بالنهاية لطلب رب عمله، بينما سارع "عز الدين" إلى الخزانة بعد أن أغلق الخط معه. ارتدى ملابسه على عجل، فيما انتصبت "داليا" نصف جالسة على الفراش وسألته: "إيه في إيه؟ في حاجة حصلت؟

لم يجيبها، بل غادر الغرفة ثم القصر بأكمله مسرعاً، متجهاً إلى المكان حيث أرشده "مراد" وحيث يوجد "خالد" الآن. كان يقود سيارته بسرعة رهيبة، وكاد يصطدم بأكثر من سيارة بطريقه، حتى وصل أخيراً أمام البناية الحديثة. رأى من خلال زجاج سيارته، إلى جانب الطريق سيارة "خالد" المصفوفة بإهمال، فترجل من سيارته مسرعاً، ثم اندفع راكضاً نحو المنزل. صعد درجات السلم قفزاً حتى وصل إلى الطابق السادس، حيث ترامى إلى سمعه صوت نزاع حاد. اتجه نحو شقة "حسام" لاهثاً، ليرى "خالد" و "حسام" كل منهما راح يلطم الآخر ويضربه بكل ما أوتي من قوة.

لم يفطن أحد منهما إلى اقتراب الرجل الثالث الذي عمد بقوته إلى الفصل بينهما. نظر إليه "خالد" باستغراب بالغ وهو يلهث إعياءً ثم صاح منفعلًا: "انت إيه اللي جابك يا عز الدين؟ امشي."

قبض "عز الدين" على ذراعه بقوة مكبلاً حركته، بينما انسلت "حسام" من العراك الحاد مسرعاً، ثم توجه إلى غرفته ليحضر سلاحه. وما لبثا أن يلحقا به حتى عاد وهو يشير لهما بالسلاح مهدداً، واقفاً يتراقبان حركاته بحذر، إلى أن استدار ببطء حولهما وغادر بيته راكضاً، فركضا خلفه حتى وصلا إلى الأسفل. ومن دون سابق إنذار التفت "حسام" إليهم، ثم صوب السلاح بعشوائية نحوهم وأطلق إحدى الرصاصات مسرعاً.

تجمد "عز الدين" بأرضه، كما تسمر "خالد" بمكانه عند صوت إطلاق النار. خر "عز الدين" صريعاً وسرعان ما خضبت الدماء قميصه الأبيض. فأسرع "خالد" إليه، بينما فر "حسام" راكضاً وهو لا يرى أمامه من فرط التوتر الذي عصف بكيانه، ليلقى حتفه حين صدمته بعنف تلك السيارة على الطريق السريع، فسقط أرضاً، لتتلاشى أنفاسه، ولتفارقه روحه فوراً. لقد نال جزاءه، لقد نال ما يستحقه.

فيما ركع "خالد" أرضاً إلى جانب "عز الدين" الذي غاب عن وعيه بصورة سريعة، بينما اتسعت عينا "خالد" في ذعر عندما شاهد الدماء تتدفق بغزارة من الجرح العميق بصدره. هتف بخفوت ذاهلاً: "عز الدين!! كان جالساً نصف غافٍ بإسترخاء على فراشه، عندما دفعت باب غرفته ودلفت من دون استئذان صائحة: "عمر!! انتفض "عمر" بقوة على أثر دخولها المفاجئ، فانتصب واقفاً وسألها بقلق: "إيه يا داليا في حاجة؟

اقتربت منه "داليا" ببطء، ثم أخذت تسرد عليه ما حدث بصوت مرتجف شوبه القلق. وما أن انتهت حتى تفاجأ كلاهما بوصول "عبير" التي دلفت إليهم في حالة يرثى لها، وقد غطت الدموع وجهها. أشاح "عمر" بوجهه عنها ثم حدق أمامه في اللاشيء عابساً، بينما أمسكت "عبير" بذراع "داليا" ثم صاحت باكية: "عز.. عز الدين وخالد عنده يا داليا.. راحوله." هزت "داليا" رأسها متسائلة: "راحوا عند مين يا عبير؟ اتكلمي؟

قصت عليها "عبير" كل ما حدث بأعصاب منهارة، فلم يحتمل "عمر" أكثر، وأخرج هاتفه، ثم أجرى الاتصال بشقيقه، ولكن دون جدوى، لم يكن هناك رد. فانتقل إلى "خالد"، انتظر للحظات، حتى أجابه بلهجة متهدجة: "أيوه يا عمر." "خالد.. خالد عز الدين معاك؟ انتوا فين؟ سأله "عمر" متوجساً، فأجابه "خالد" في هدوء مرتبك: "أنا مع عز الدين في المستشفى يا عمر." "مستشفى! ليه يا خالد؟ ماله عز الدين؟

هتف "عمر" مذعوراً، فأطلقت "عبير" صرخة مبحوحة، بينما اتسعت عينا "داليا" في وجل، وراح قلبها ينبض بعنف، وسرعان ما تجمعت الدموع بعينيها لتهبط في ثوان غزيرة.

خلال دقائق، كانت متوجهة إلى المستشفى برفقة "عبير" و "عمر" الذي طمأنها أن زوجها لم يكن في حالة خطيرة كما أكد له "خالد". إلا أنها راحت تنتحب بصمت، في حين أن الأفكار السيئة ظلت تراودها وترعبها. من غير المعقول أن يخطف الموت "عز الدين" منها وهي في بداية السعادة. بل وهي تحمل طفله الذي لم يشهد الحياة بعد!

كان السير كثيفاً طيلة الطريق، وأكثر من مرة شعرت "داليا" برغبة عارمة لإطلاق صوتها بالصراخ ضد كل السائقين ورجال المرور لكنها لم تفعل، فقط ظلت صامتة، حتى وصلوا أخيراً إلى المستشفى. وحالما توقف "عمر" بالسيارة حتى اندفعت "داليا" إلى الداخل. أسرعت إلى مكتب الاستعلامات للاستفسار عن مكان وجود زوجها، لكنها لمحت "خالد" يقف بنصف الممر الطويل أمامها، فهرعت نحوه وهي ترتجف ذعراً، ثم سألته: "عز.. عز الدين.. فين عز الدين؟

هدأها "خالد" قائلاً: "اهدي يا داليا.. جت سليمة وهو بخير الحمد لله." هزت "داليا" رأسها بمرارة باكية وهي تنظر إليه غير مصدقة، فعاد يؤكد لها صحة كلامه: "والله هو بقى كويس الدكتور طمني ماتقلقيش." عند ذلك، وصلت "عبير" يتبعها "عمر" فتساءلت في شتات مضطربة: "أخويا.. أخويا فين؟ حصله حاجة؟ ثم انفجرت باكية، فأجابها "خالد" في هدوء: "عز الدين كويس يا عبير.. ماتقلقيش." "أنا السبب.. لو جراله حاجة مش هسامح نفسي أبداً."

قالت ثم أخذت تجهش ببكاء مرير، بينما تساءل "عمر" بدوره: "إيه اللي حصل يا خالد؟ مين اللي عمل فيه كده؟ أجابه "خالد" بصرامة: "اللي عمل كده خد جزاءه خلاص يا عمر." مضت عدة دقائق، قبل أن يطل عليهم رجل في أواسط العمر، فهرع "خالد" عليه متسائلاً: "ها يا دكتور.. عز الدين عامل إيه دلوقتي؟ تنهد الطبيب وهو يرفع النظارة عن عينيه قائلاً:

"أعتقد إنكم لازم تشكروا ربنا سبحانه وتعالى إنه أنقذه.. الرصاصة كانت بعيدة عن قلبه بسنتيمترات قليلة جدا.. هو كويس دلوقتي الحمد لله لكن أنا عايزه يقعد معانا هنا تحت الملاحظة يومين تلاتة بالكتير." اندفعت "داليا" متسائلة بلهفة: "ينفع أدخل أشوفه يا دكتور؟ أومأ الطبيب رأسه تأدباً، ثم قال: "دقيقة واحدة مش أكتر وبعدين هننقله لغرفة خاصة."

خفق قلب "داليا" بشدة عندما شاهدت "عز الدين" مطروحاً على طاولة الجراحة، وصدره محاطاً بالضمادات الطبية. لم تستطع أن تحبس شهقة ألم وهي تشاهد زوجها القوي الصلب، الذي صمد أمام الحياة طيلة حياته، الآن ضعيف بهذا الشكل. لم تكن تتصور أن "عز الدين" الشامخ الممشوق القوام، طريح الفراش وجريحاً. مدت يدها، وتلمست وجهه هامسة: "عز الدين!!

عاد "عمر" برفقة "خالد" و "عبير" إلى القصر، بعد أن تركوا "داليا" بالمستشفى بعد أن فشلت كل محاولاتهم في إقناعها بالعودة إلى البيت، لكنها أصرت بقوة أن تبقى إلى جوار زوجها.

حالما اطمأن "خالد" على سلامة "عبير" مع شقيقها، تركها معه وذهب إلى قسم الشرطة كي يدلي بأقواله كما طُلب منه عندما وصل بـ "عز الدين" إلى المستشفى. ترك "عمر" شقيقته وجال بإرجاء المنزل باحثاً عن أثر "ياسمين" حتى وجدها تقف بمنتصف الحديقة إلى جانب أحواض الزهور، على الطرف الآخر.

كانت "ياسمين" تقف بالمكان حيث كان نسيم الليل عابقاً برائحة زهر الليمون، والورود الجميلة على أنواعها. تأملت السماء الصافية وآلاف النجوم التي تسطع فيها، ثم فجأة وصلت إلى أنفها رائحة تبغ محترق قبل وصوله هو إليها. استدارت مسرعة ثم سألته: "عمر! انت كنت فين؟ كلكوا كنتوا فين؟ أنا رجعت مالقتش ولا واحد في البيت! كنتوا فين؟ وفين داليا؟ تنهد "عمر" بثقل، وقد بدا عليه الإرهاق، لكنه قص عليها كل ما حدث بالنهاية. "يا خبر!!

هتفت "ياسمين" بانفعال صادق، ثم عادت تسأله: "طب هو كويس دلوقتي يا عمر؟ أجابها بابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه: "الحمد لله بقى كويس." "الحمد لله.. طيب أنا هروح أكلم داليا أطمن عليها." وكادت تخطو بعيداً عنها، لكنه قبض على رسغها وأعادها لتقف في مواجهته مجدداً، فتملصت من قبضته بعصبية، ثم سألته عابسة: "في إيه يا عمر؟ قلتلك هروح أكلم داليا.. سيبني." "لأ." هتف بصرامة، فرمقته بدهشة بالغة، فتابع بجمود:

"مش قبل ما نخلص كلامنا يا ياسمين." تأففت بضيق قائلة: "كلام إيه بس مش وقته." "لأ ده وقته.. انتي بتتهربي مني ومش مريحاني." "طيب انت عايز إيه دلوقتي؟ "عايزك يا ياسمين.. عايز أتوزجك.. عايز أكمل باقي عمري معاكي.. عايزك تحبيني قد ما بحبك." قال ذلك بحنان، وقد اقترب منها أكثر، فشاهدت بريق عينيه كالصاروخ، ثم قالت مرتبكة:

"يا عمر العلاقات مش لعبة.. وأنا مش هقدر ارتبط بيك لمجرد إحساسك إنك بتحبني.. في حاجات تانية أهم لازم تتوجد عشان العلاقة تدوم وتنجح." قبض على كتفيها بقوة، ثم بدأ يحدثها بلهجة حنونة بثت الخيال بنفسها: "مش هاسيبك.. مش هتوهي مني أبداً حتى لو اضطريت إني أحبسك هنا في القصر." صمتت قليلاً، ثم ابتسمت قائلة:

"عمر.. انت مشاعرك فعلاً بقت رقيقة مؤخراً.. ومانكرش إني بدأت أتشد لك لكن ده مش كفاية.. وأنا أصلاً مش هقدر أكمل حياتي هنا في القصر.. أنا ليا خطط مختلفة لمستقبلي." "قلتلك إني مش ممكن أسيبك يا ياسمين.. مش ممكن.. وبعدين أي خطة كنتي راسمها لمستقبلك تقدري تحققيها وإحنا مع بعض." نظرت إليه وهي لا تكاد تصدق ما تسمعه، فتابع:

"اتجوزيني بس.. أنا عارف إني كنت إنسان مستهتر ومش مسؤول بس زي ما قلتلك انتي غيرتيني.. ومش لازم تسيبيني بعد ما وصلت للنتيجة دي بسببك.. لو وافقتي على جوازنا أوعدك إني هبذل كل جهدي عشان ماديكيش فرصة واحدة للندم على قرارك." كلامه ألجم لسانها، وانفعلت مشاعرها بحيث أنها جعلت استعمال عقلها أمراً مستحيلاً، فسألته: "لازم آخد قراري دلوقتي؟ "أيوه وحالاً."

قالها بجدية، وبدون أن يضحك أو حتى يبتسم، لكنها صمتت أمام ضغوط مشاعرها، فهز رأسه عابساً ثم قال: "ياسمين انتي لازم تتجوزيني.. لازم تتجوزيني قبل ما تقضي على حياتي." رفعت حاجبيها ذاهلة لاتهامه، فأومأ رأسه قائلاً:

"أول مرة اتقابلنا حصلت بينا خناقة نتيجتها إني اتفصلت من الكلية وقعدت أتعالج فترة في البيت.. ده غير اللي حصلي على إيد أخويا واللي حصلي من كام يوم لما جريت وراكي في نص الليل وأنقذتك من اللي كنتي فيه.. ببساطة يا ياسمين أنا عندي اقتناع تام إن كل مشاكلي هتتحل بمجرد ما اتجوزك.. ها بقي قولتي إيه؟ انتي لسه مش مصدقة إني بحبك بجد؟ فاكراني بخدعك؟ هزت رأسها قائلة:

"مصدقاك يا عمر.. لكن مش مصدقة الوضع اللي أنا فيه.. ليه أنا بالذات؟ تنهد بعمق، ثم أجابها: "لأنك أول واحدة حطتيني في مواجهة مع نفسي كذا مرة لحد ما نجحتي إنك تغيريني.. ولأنك مختلفة جداً عن غيرك.. مش بتهتمي بالألقاب ولا بالمراكز ولا بالفلوس.. ولأنك محتاجة دايماً لحد ينقذك.. ولو ركزتي مش هتلاقي أنسب مني للمهمات اللي زي دي." قهقهت بخفة من جملته الأخيرة، فابتسم بدوره، ثم سألها بنبرة معذبة: "إيه قرارك بقي؟

تورّدت وجنتاها بشدة، ثم أجفلت خجلة، لكنها عادت تنظر إليه قائلة: "هديك فرصة تقنعني يا عمر." انفرجت أساريره بابتسامة واسعة، فغمز بعينه مرحاً وقال: "ماتقلقيش يا سو.. هتقتنعي بسرعة يا حبيبتي." لكزته على كتفه بخفة معاتبة، فيما رفع يدها إلى شفتيه، وطبع عليها قبلتين، ثم نظر إلى عينيها قائلاً: "بحبك."

بعد مرور عدة أيام، عاد "عز الدين" إلى منزله بعد أن تعافى تماماً إلا فقط من جرح صدره الذي يتطلب عناية بالغة. لم يحاول صد "عبير" عنه حين ارتمت بأحضانة باكية فور عودته، ولكنه أيضاً لم يحاول أن يبادلها شعورها على الأقل الآن.

تناول الجميع العشاء تلك الليلة وسط أجواء من الفرحة الغامرة لعودة سيد المنزل سالماً، فقد سمح "عز الدين" لجميع الخدم بالقصر أن يتناولوا طعام العشاء معه وأسرته على مائدة طعام واحدة. لقد كان السرور يملأ الأجواء بشدة، فعمر لم يتوقف طوال السهرة عن الكلام المرح وإطلاق النكات وكأنه يحاول التعويض عن اليومين الماضيين. في هذه الأثناء، كانت "داليا" تتأمل الجميع بهدوء وكأن التعب والقلق استهلكا كل قوتها.

لا شيء يهم الآن طالما عاد "عز الدين" إلى منزله سالماً، وها هو على رأس الطاولة يوزع ابتساماته في كل اتجاه. فتساءلت في نفسها.. تراه يعلم كم كانت قلقة عليه؟ عندما انسحبا أخيراً إلى غرفتهما، ساعدت "داليا" زوجها في تبديل ملابسه، ثم قادته إلى الفراش ومددته في هدوء. جلست إلى جواره متسائلة: "مش عايز مني أي حاجة تانية؟ منحها ابتسامة خفيفة، ثم أجابها بلهجة هادئة صادقة: "عايزك ترتاحي.. انتي تعبتي معايا أوي اليومين دول."

دمعت عينيها رغماً عنها، فقالت: "ماتقولش كده.. الحمد لله إنك رجعت البيت." "بتحبيني يا داليا؟ تفاجأت بسؤاله، لكنها أومأت رأسها وأجابته: "آه.. بحبك.. بحبك أوي." ثم رفعت يدها ومررتها على وجهه، وكانت أحاسيسها العميقة تنعكس في عينيها المشعتين، فانزلقت دمعة حارة من عينها، ثم قالت بعد جهد: "الحياة مستحيلة من غيرك.. سواء كنت قاسي وعنيف أو لأ." "ومش محتملة معايا بردو.. أنا كده يا داليا." "أنا عارفة.. بس بحبك.. أعمل إيه؟!

أحاط وجهها بيديه، ثم قال: "تعالي في حضني." قالت بحذر مرتبكة: "ممكن تتألم لسه جرحك ما خفش." قال وهو يضمها إلى صدره بحنان ورفق: "تعالي هنا." ثم همس بأذنها: "أنا كمان بحبك يا داليا." اتسعت عينيها ذهولاً، فسألته وهي لا تزال بأحضانة: "بجد بتحبني؟

"جداً.. من يوم ما وقعت عيني عليكي.. ماكنتش قادر أصدق إني حبيتك.. حاولت أتخلص من الفكرة دي بطرق كتير لكن كنت بفشل لحد ما قررت أعرض عليكي الجواز العرفي.. قلت بكده ممكن الأمور تبقى أسهل عليا من ناحية هتكوني ليا زي ما كنت عايز ومن الناحية التانية هبطل أحبك.. بس اتفاجئت برفضك.. ساعتها ماكنتش عارف أعمل إيه.. فضلت أفكر كتير لحد ما وصلت لقرار إني هدور وراكي وأعرف كل حاجة عنك عشان أجبرك تنفذي كل اللي أنا عايزه.. اشتريت بيتك

واستغليت إنك استقلتي من الشركة.. كلفت واحد من الرجالة اللي شغالين عندي بمراقبتك.. كان في نيتي إني أعرض عليكي الجواز العرفي تاني وكنت واثق إنك مش هتقدري ترفضي المرة دي.. لكن لما وصلني خبر إن المكان اللي كنتي قاعدة فيه انتي وأختك مشبوه جريت عليكي بسرعة وأنا مش فاهم إيه سبب لهفتي.. فسرتها بأني مش عايز حد غيري يقربلك لحد ما وصلت وشفت صاحب المكان بيحاول يعتدي عليكي.. وقتها اتأكدت إني بحبك فعلاً الشعور اللي حسيت بيه ألغى

تفكيري فلاقيت نفسي بعدها بعرض عليكي الجواز الرسمي.. لحد ما حاولت تهربي مني كنت متخيل إني هقدر استغنى عنك في أي وقت بس كنت غلطان.. اتعلقت بيكي أكتر وحبيتك أكتر وخصوصاً لما سمعت بخبر الحمل.. فرحت جداً وعاهدت نفسي من يومها إني عمري ما هفرط فيكي أبداً.. هخليكي تحت عنيا طول الوقت ومش هكرر اللي حصل زمان مع أبويا.. هكون أناني في حبك بحيث إنك ممكن تتخنق في وقت من حبي ليكي وغيرتي عليكي.. أنا عايزك تسامحيني يا داليا.. وعايزك

تتأكدي إني بحبك أكتر بكتير من حبك ليا."

انتظرت لثوان قبل أن ترفع رأسها وتنظر بعمق في عينيه، ثم سألته بخفوت: "طيب وجومانا؟ "جومانا! جومانا إيه دي اللي بتسأليني عنها؟ دي مجرد واحدة زي أي واحدة عرفتها قبل كده.. كان في بينا علاقة بس انتهت ومن قبل ما اتجوزك كمان." علقت ببطء: "بس الخاتم اللي جت ترجعه والصورة إل... فقاطعها مسرعاً:

"الصورة دي قديمة يا داليا.. والخاتم كان هدية منها ليا.. قبلته بس رجعتهالها تاني بعد ما اتجوزتك.. أنا عارف إنك اتضايقتي بس كان عندي أمل إنك ممكن ماتصدقيش أو تكدبيها." أغورقت عينيها بالدموع، وقالت:

"ساعتها ماكنتش قادرة أفكر خالص.. دايماً كانت نظرتي ليك إنك راجل مغامر مابتحبش الستات بس بتحب تقضي معظم وقتك معاهم.. بس أنا كنت عايزك ليا لوحدي.. خصوصاً بعد جوازنا.. ستات كتير اتلموا حواليك ومنهم جومانا كنت بموت وأنا بتخيلك مع كل واحدة شوية.. في نفس الوقت ماكنتش بتحمل معاملتك المهينة ليا." ضمه بحنان إلى صدره وهو يقول:

"أنا آسف.. بس صدقيني بعد جوازنا كنت بحاول على قد ما أقدر إني آخد بالي من تصرفاتي معاكي.. بس انتي كنتي بتستفزيني ساعات وأنا من النوع اللي مابيقدرش يسيطر على أعصابه كتير." منحته ابتسامة دافئة، ثم همست: "بحبك." ابتسم بدوره قائلاً: "قربي مني أكتر وقوليها تاني.. ماسمعتش كويس." التقطت عيناه الذهبيتان عينيها الخضراوين في عناق حار يحمل في طياته كل معاني الحب والأمل والمستقبل، فعادت تهمس قرب أذنه بصوتها الدافئ:

"بحبك.. بحبك يا عز...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...