على الطرف الآخر كانت "عبير" تراقب أصابع الفجر الوردية. كان المنظر رائعاً، لكنها شاهدته بحسرة. تنهدت بثقل، ثم ابتعدت عن النافذة متوجهة نحو الفراش. تمددت تعبة، ولكن تعبها ليس جسدياً، بل سببه الضغط والاضطراب النفسي. فراشها مريح، والأغطية ناعمة، ومع ذلك فلا شيء باستطاعته تهدئة اضطراب أعصابها. كانت متقلصة الوجه، ومشوشة الأفكار. كانت تفكر بزواجها، وعلاقتها غير المستقرة بـ "خالد". لا يزال هناك حاجز يفصل بينهما، كما لا يزال "خالد" متحفظاً في معاملته لها. لم يمضيا يوماً واحداً كزوجين إطلاقاً. هربت دمعة حارة من عين "عبير"،
ثم راحت تتساءل في نفسها: ألم يقبل بهذا الزواج؟ أما كان يعاملها بلطف وما زال؟ إذن لماذا يضع الحواجز بينهما إلى الآن؟ هو يحبها، وذلك أمر لا شك فيه، لا أحد باستطاعته نفي ذلك. إذن لماذا يكبدها عناء الماضي؟ لماذا لا يستطيع النسيان؟ وماذا لو لم ينس؟ هل يمكن أن تستمر حياتهما على هذا النحو؟ وهل ستحل المعاملة الطيبة التي يقدمها إليها مكان الحب؟ لا، لا يمكن أن يستمروا هكذا.
لم تتوصل "عبير" إلى الشعور بالراحة المنشودة، وظلت تتقلب في فراشها يمنة ويسرة دون جدوى. ثم فجأة، احتلها ارتخاء متعب، وتدريجياً شعرت بثقل في جفنيها، وكادت تغفو، إلا أنها سمعت صوت محرك سيارة تصطف بمرفأ المنزل. فقفزت من موضعها واتجهت نحو النافذة من جديد. ولدهشتها رأت "خالد" وقد عاد. وفكرت: إذن هذا يعني أن العمل الذي ذهب من أجله برفقة شقيقها قد تم. ولكنها تساءلت: لماذا لم يتصل ويخبرها بموعد عودته؟
هل قرر أن يصبح جافاً معها تدريجياً؟ امتقع وجهها في حزن لتلك الأفكار، بينما سمعت بوضوح أصوات خطوات تمر أمام باب غرفتها. ابتسمت ساخرة وعرفَت فوراً أنه ذاهب ليرتاح بغرفته المستقلة. عادت "عبير" إلى الفراش مجدداً، ولكنها عزمت بإصرار على تنفيذ ما قفز برأسها توا. ***
في الصباح، استيقظت "داليا" عندما شعرت بيد صلبة تحيط بخصرها من الخلف، وبأنفاس حارة تصافح أذنها وعنقها. وفوراً تذكرت ما حدث في الليلة الماضية. فتحركت رأسها باضطراب على الوسادة لترى فيما لو كان "عز الدين" مستيقظاً.
ولكنه ما زال نائماً. إلا أنها اكتشفت أنه خلع قميصه أثناء نومه وألقاه بجانب الفراش. بينما لاحظت معالم الارتياح ظاهرة على وجهه، فقد اختفت خطوط الإعياء التي ظهرت حول عينيه في الليلة السابقة، كما عاد وجهه إلى وضعه الطبيعي مجدداً. تأملته "داليا" ملياً
وفكرت: وجوده إلى جوارها يشعرها بالأمان. وأدركت مدى الارتياح الذي تشعر به عندما يكون قريباً منها، والسهولة التي يمكن أن تنسى بها كل القسوة التي مارسها معها في السابق. فيما بدأت تتحرك في الفراش محاولة النهوض. ففتح عينيه فجأة، ومنحها ابتسامة دافئة ثم قال بخفوت: -صباح الخير يا داليا. ولكنها لم تجبه، بل رمقته في حنق ثم دفعت عنها ذراعه الملتف حول خصرها ونهضت. لم يأبه لتصرفها الأرعن هذا، وعوضاً عليه شد
عضلات كتفيه بتكاسل وقال: -أول ما خلص الشغل قطعت التذاكر أنا وخالد ورجعنا علطول. مارضتش أقولك قلت أعملهالك مفاجأة أحسن. وللمرة الثانية لم تجبه، فتابع هو متسائلاً: -عملتي إيه في غيابي؟ يا ترى عملتوا عيد ميلاد لعدنان؟ هزت "داليا" رأسها بعصبية، بينما انتصب نصف جالس على الفراش، وأصبحت لهجته حادة عندما قال: -إيه مالك؟ قررتي ماتتكلميش معايا ولا إيه؟ تطلعت إليه وعلامات الاستياء واضحة على وجهها، ثم أجابته في تهكم حانق:
-لأ إزاي؟ هو أنا أقدر؟ وبعدين ماتشغلش بالك انت بالأمور التافهة دي. أهم حاجة الشغل طبعاً مافيش أهم منه. -شكلك اتعلمتي حاجات كتير في غيابي. قال ذلك، ثم نهض واقترب منها. وقف أمامها، ووضع يده تحت ذقنها، رافعاً وجهها إليه. ثم راح يتأملها. وفجأة ظهرت على وجهه ابتسامة عريضة عندما رأى ما ارتسم على وجهها من علامات التمرد والتحفز. ثم تابع: -أعتقد هيبقي أفضل لو ما كبرناش الموضوع. الحاجات دي بقت قديمة أوي يا داليا. -قديمة!!
هتفت مستنكرة، ثم تابعت: -أول عيد لابنك مايستحقش إننا نحتفل بيه سوا؟ ما انت رجعت في نفس اليوم اهو. ماكنتش عارف تقدم يوم رجوعك؟ ماكنتش عارف تيجي أول امبارح أو امبارح؟ أنا حاسة إنك قصدت ترجع في الوقت ده. عاد "عز الدين" برأسه إلى الوراء ثم قهقه بقوة، وعاد ينظر إليها، وأمسك بيدها. وقبل أن تتحرك من مكانها، جذبها إليه بيده الأخرى، ثم داعب خصلة من شعرها الكستنائي ترنحت فوق جبينها، وقال: -انتي عاطفية وخيالك واسع أوي يا داليا.
ثم تابع بجدية، ولكن كان يبتسم فظهرت أسنانه الناصعة المتناسقة: -شوفي يا حبيبتي. أنا عمري ما حبيت السفر برا، وعمري ما سافرت إلا عشان الشغل فالبتالي أول ما بخلص شغلي في أي مكان برا مابستناش يوم كمان. بقطع التذكرة وبرجع علطول. وأكيد ماكنتش مرتب خالص للتأخير اللي حصل ده. ثم أضاف بلهجة حادة: -زي ما أنا مش مضطر أقدم لك أعذار دلوقتي.
إنفلتت منها ضحكة بسبب أسلوبه كبحتها في الحال، بينما لانت ملامحه من جديد، فراح يعانقها بخفة ورقة. مزق شعور العاطفة أعماقها، إذ لم تكن مستعدة لعناقه، لكنها استجابت له، بينما راح يضمها إليه أكثر وهو يحيطها بذراعيه، ثم همس في أذنها: -تعرفي إنك وحشتيني أوي؟ -بجد!! قالت ذلك بجمود مضطرب، ثم دفعته وتحررت من قبضته، وتابعت: -عشان كده غيبت المدة دي كلها صح؟
ثم أخذت تتراجع إلى الوراء ببطء، بينما اقترب منها قائلاً بحدة وعيناه تشعان سحراً عهدته من قبل: -جري إيه بقى؟ مش هنخلص؟ ثم تابع بصرامة: -مش عايزك تفتحي الموضوع ده تاني خلاص، مفهوم؟ ثم قبض على ذراعها وجذبها نحوه، وداعبت أنامله وجنتيها. شعرت بالخطر فقالت بخفوت مختلجة: -عدنان نام امبارح بدري، وممكن يصحى دلوقتي.
بينما تجاهلها كلياً، وعلى الرغم من نعومة أنامله التي تفوق الوصف، فقد شعرت بصلابة لمساته، مؤكدة عزمه على نيل ما يريد. فلم تدر ماذا تفعل، ولكنها سارعت إلى القول: -حد شافك وانت راجع امبارح؟ قطب حاجبيه متذكراً وهو يتراجع محققاً أملها، ثم قال: -آه طبعاً. مصطفى اللي واقف على بوابة القصر وزميله. غير كده البيت كله كان هادي لا صوت ولا ضوء. استغلت ابتعاده عنها وقفزت بعيداً عنه وهي تقول:
-أعتقد الكل هيتفاجئوا برجوعك. أنا هدخل آخد دش وانت انزل فاجئهم بنفسك. رمقها بابتسامة ساخرة، ثم سألها: -تحبي آجي أساعدك؟ -لأ. أجابته وصفعت باب الحمام وراءها، وأدارت المفتاح في القفل خشية أن يتبعها. ثم استندت إلى الباب لبرهة والإبتسامة تملأ وجهها. ***
استيقظت "ياسمين" والآلام تمزق عنقها وكتفها على صوت المنبه الذي أنذرها ببدء الاستعداد لترك فراشها. لكن الدفء الذي سيطر عليها وهي تتمدد تحت الغطاء الثقيل جعلها تفكر في البرد الذي ستتلقاه في حال خروجها من الغرفة. لكنها نفضت الكسل عن جسدها، وأبعدت الغطاء عن قدميها، ثم أمسكت بالمنبه حيث جثم فوق منضدة قرب فراشها. فحملته بين راحتيها وتفرست به عن كثب. أشار العقرب إلى الساعة التاسعة والنصف. تلعثمت أنفاسها باضطراب، فقد تأخرت
كثيراً في النوم، رغم أن اليوم عطلتها، ولكنها تفضل الاستيقاظ باكراً. غير أن الخمول الذي أصابها في تلك الأيام بفضل الموجة الباردة التي عمت الأجواء في الخارج، حيث جعلتها تلتزم فراشها رغماً عنها، بالرغم من وجود جهاز التكييف الذي أدفأ غرفتها بالقدر المناسب، ولكنها كانت تعاني موجات البرد لدى خروجها من غرفتها الدافئة.
ثم فجأة قفزت برأسها فكرة، عزمت على تنفيذها، ولكنها اتجهت إلى الحمام أولاً، حيث اغتسلت ونظفت أسنانها. ثم خرجت وارتدت ملابسها الثقيلة وتوجهت إلى الخارج لتفتش عن "عمر". وصلت إلى غرفته، فطرقَت بابه. ليأتي صوته سامحاً بالدخول لمن يطرق. بينما دفعت الباب ودلفت إليه، فوجدته يجلس بمقعد مرفق بطاولة صغيرة احتلت مكاناً بسيطاً بغرفته الفسيحة. وعندما اقتربت منه، اكتشفت أنه جالس منهمكاً في دراسته. فقد عاد "عمر" إلى دراسته من جديد، كما وعده شقيقه في العام الماضي، وقد تغيرت صفات "عمر" تدريجياً من أفضل إلى الأفضل، مما أسعد "ياسمين" وأرضاها، فهي لها الفضل الأكبر في تحسنه، حيث شجعته وعاونته ووقفت إلى جانبه.
-صباح الورد يا سو.. وحشتيني يا حبيبتي. حياها "عمر" بنظرات متيمة، فأجفلت "ياسمين" خجلة، ولكنها ردت له التحية باسمة: -صباح الخير يا عمر. ايه صاحي بدري كده عشان تذاكر؟ داعبها عمر بنظراته الفاتنة قبل أن يجيبها: -طبعا يا روحي .. أنا لازم أعمل كل اللي تقوليلي عليه. ثم تابع ممازحا: -شفتي أنا شاطر إزاي؟ أطلقت ضحكة قصيرة قبل أن تقول: -شاطر يا عموري .. بس قوم دلوقتي تعالي معايا. -على فين؟ سألها بجدية، فألحت: -قوم بس.
هز عمر كتفيه، ثم نهض وتبعها حتى أوصلته إلى بهو القصر الفسيح. وقف قبالتها واضعاً يديه على جانبي وسطه متسائلاً: -إيه الحكاية يا ياسمين؟ ابتسمت ياسمين ثم أجابته وهي تشير نحو الموقد الذي تواجد بآخر القاعة الكبيرة: -عايزاك تساعدني نولع النار في الدفاية دي. رفع عمر حاجبيه مندهشاً، ثم سألها: -ليه يعني؟ فأجابته ببساطة:
-أولاً الجو برد قوي برا الأوض وممكن أي حد فينا ياخد برد ويتعب وتتنقل العدوى لينا كلنا، ده غير إن فيه طفل معانا ولو أخد برد هيتعب قوي. ثانياً الدفاية شكلها حلو ولما النار تولع فيها المنظر هيبقى جميل جداً خصوصاً بالليل. فغرت من حديثها، ثم رمقته في تساؤل باسمة، ولدهشتها العظيمة رأت عمر يهز رأسه ولكن بعلامات الرفض، ثم سمعته يقول: -ما ينفعش يا ياسمين. -ليه؟ سألته بخيبة، فأجابها بلطف:
-لازم حد يطلع على سطح البيت وينضفها من فوق الأول عشان الشحم اللي فيها. لم تفهم ما ضرورة هذا الإجراء، ولكنها تجاهلت كلامه قائلة: -تعالي بس نولعها والخشب بتاعها موجود أهو .. يلا بقى.
لم يستطع عمر إخماد شعلة الحماس بعينيها، فاستسلم لطلبها رغم قلقه، ثم راح يساعدها في إشعال الموقد، بينما كان خيالها يدور وهي في ذروة إنهماكها في هذا العمل حول الجو الدافئ الذي ستضفيه النار على القاعة، فيما تناول عمر قطع الحطب وصفها في الموقد بترتيب، ثم أضرم النار فيها، بينما تبتسم ياسمين بفرح. وما كادا يبتعدا بضع خطوات، حتى سمعا صوتاً غريباً ينبعث من الموقد الذي ما لبث أن انفجر مرسلاً دخاناً أسود كثيفاً، انتشر في القاعة وغطى كل شيء، بما في ذلك ياسمين وعمر بطبقة كثيفة من السخام الأسود.
-يا خبر!! صرخت ياسمين في اضطراب ذاهلة وهي تتراجع إلى الوراء لتتقي مزيداً من السخام، بينما نظرت إلى عمر وكان قد أصبح أسود اللون من رأسه إلى أخمص قدميه. تبادلا النظرات، فانفجر عمر ضاحكاً من الشكل الذي بدت عليه ياسمين، بينما لم تعد تتمالك أعصابها، فانفجرت ضاحكة هي أيضاً عندما تأملت عمر. بقيا على تلك الحالة عدة دقائق، حتى تكلم عمر أخيراً، فقال وهو يحاول كبح ضحكاته: -مش قلتلك بلاش.
ولكن سرعان ما عم السكون عليهما، إذ دق جرس الباب فجأة، لتأتي إحدى الخادمات وتفتح، وإذا بالطارق عبير. مضت عبير مسرعة لدي انفتاح الباب، وتوجهت نحو الدرج ولم تتوقف للحظة. نظرت ياسمين إلى عمر الذي نهض وساعدها على الوقوف. مرت دقائق وهما يقفان إلى جانب بعضهما دون كلام. ومن ثم ما لبثت ياسمين أن تتكلم حتى جاء صوت عز الدين الذاهل قائلاً: -إيه ده؟ إيه اللي حصل؟ التفتا إليه في سرعة، بينما اتسعت عينا عمر بدهشة قبل أن يقول:
-إيه ده أنت؟ رجعت امتى؟ أجابه عز الدين: -امبارح بالليل. ثم عاد يسأله ماذا حل بالمكان، فشرح له عمر الأمر، ثم أخبره بوصول عبير. -جت لوحدها؟ سأله عز الدين مقطباً، فأجابه: -أيوه وجايبة شنطة هدومها. -هي فين؟ -طلعت فوق. أومأ عز الدين رأسه، ثم انسحب عائداً إلى الطابق العلوي، بينما تنهد عمر ثم داعب ياسمين بقوله: -هطلع أنقع نفسي في الماية يمكن أنضف. أطلقت ياسمين ضحكة كبيرة فتأملها عمر باسماً.
بعد أن وضعت حقيبتها فوق فراشها، ألقت بثقلها فوق مقعد وثير بجانب الشرفة، ثم راحت تحدق في اللاشيء والدموع تتلألأ بعينيها، إلى أن سمعت طرقاً على باب حجرتها. عملت على ضبط نفسها سريعاً، ثم خرج صوتها طبيعياً وهي تأذن بالدخول لمن يطرق بابها، فوجدت أخيها بقامته الشامخة يدخل إلى الحجرة ويتقدم نحوها. فلا شعورياً نهضت واقفة، ولكن أشار لها بأن تجلس، فامتثلت لأمره، بينما جلس هو على مقعد قبالتها، ثم انتظر لثوان وقال:
-إزيك يا عبير؟ -الحمد لله يا عز .. كويسة. أجابته وهي تحدق براحتيها المبللتين بالعرق، فيما سألها بهدوء: -جاية لوحدك؟ -آه. -خالد مجاش معاكي يعني؟ -لأ. أومأ رأسه مراراً، ثم تابع سؤاله وهو يشير إلى حقيبة ملابسها: -طب جاية بشنطة هدومك ليه يا عبير؟ صمتت لثوان، ثم أجابته بإصرار: -أنا عايزة أتطلق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!