و عندما وصلت أمام الغرفة ، ما كادت تدير المقبض ، حتى إنفتح الباب بعنف ، و ظهر عز الدين من وراءه ، و بحركة عصبية حرك يده في شعره ، ثم قال بلهجة عاصفة: -كنتي فين ؟؟ نظرت إليه في حنق مقطبة ، و لم تجبه ، بل شددت ذراعيها حول عدنان النائم في سلام بين أحضانها ، ثم تجاوزته ، حيث مرت به غير مكترثة ، و ما كادت تخطو خطوة أخرى ، فقد قبض على رسغها بقوة ، و جذبها إليه بعنف صائحا: -انتي ماسمعتنيش و لا ايه ؟ كنتي فين انطقي ؟؟
ترنحت بفعل حركاته العنيفة ، و إن لم يكن يمسك بها لكانت سقطت أرضا في الحال ، بينما إزدردت ريقها بتوتر ، و توردت وجنتاها بدفقة غضب كبحتها سريعا ، ثم أخيرا أجابته و هي تمقت الخوف الذي زحف إلى صوتها: -كنت عند الدكتور. ثم تملصت من قبضته ، قائلة بإقتضاب: -الولد هيقع مني ، سيبني لو سمحت خليني أنيمه في سريره.
تجنبت النظر إليه ، خشية رؤية نظراته العنيفة ، بينما إنتظر لوهلة ، ثم أفلتها ، فتنفست الصعداء ، و إتجهت بالصبي نحو فراشه ، ثم وضعته في هدوء ، و بسطت فوقه غطاءه الصوفي. و عندما إلتفتت خلفها ، وجدت عز الدين يقف أمام الفراش ، و قد أودع راحتيه في جيبيه ، فنظرت إليه في إرتياب ، بينما بدا متجهما ، غاضبا إلى أقصى حد ، و عازما على نزع إجابات أسئلته منها بأي طريقة. -تعالي.
هتف عز الدين بنبرة حادة ، و لكنها خافتة ، فيما ترددت داليا للحظة ، ثم تقدمت نحوه بخطي ثقيلة ، حتى و صلت إليه ، فضاقت عيناه قليلا مما جعل عروقها تنبض بالخوف ، بينما إلتقت نظراتهما ، فسألها بصوت هاديء يختبيء بطياته غضب هائل: -قولتيلي كنتي عند الدكتور .. ليه ؟؟ أجابته بخفوت ، و قد تجمدت تعابير وجهها: -عدنان كان سخن اوي، درجة حرارته كانت عالية ، فخدته للدكتور علطول. أومأ رأسه مهمهما ، ثم عاد يسألها محتدا:
-و ماتصلتيش بيا ليه قبل ما تخرجي من الييت ؟ ازاي تخرجي منغير اذني ؟؟ توهجت عينا داليا في غضب بتلك اللحظة ، ثم أجابته متهكمة ، و قد علا صوتها رغما عنها: -اتصلت و سكيرتيرتك قالتلي انك في اجتماع مهم ، كنت عايزني اعمل ايه يعني ؟ استني لما ابني يموت عشان اخد اذنك ؟؟ رفع حاجبيه ذاهلا من طريقتها ، بينما إنتبهت إلي ما قالته ، فعادت تقول بتلعثم محاولة تعزيز موقفها:
-ماكنتش اقدر استني علي الولد كتير ، كان لازم الدكتور يشوفه بسرعة. ثم أضافت بإختصار ، و الآلم يجرح صوتها: -انا كنت خايفة عليه .. و مافكرتش في حاجة تانية. -مش هحسبك علي كلام اتقال في لحظة انفعال. هتف بصوت جاف ، ثم إنحني برأسه قليلا صوبها ، و غمغم بدون أن يطرف له جفن: -بس خدي بالك المرة الجاية من كلامك .. اوعي تتخطي حدودك مرة تانية.
ثم تركها ، و غادر الغرفة بأكملها ، فتقلص حلقها بآلم حارق ، و شعرت بالحريق يمتد نزولا إلي قلبها المعذب.
الأن و في تلك اللحظة ، أخذت تسترجع ما حدث صباح اليوم ، ها قد عادت المدعوة جومانة خطاب مرة أخرى ، تنهدت بأسي و هي تغوص في بحر من الشكوك ، و التساؤلات ، و فكرت .. لا يعقل أن تآت تلك المرأة لتعكر صفو حياتهم مجددا ، لا يعقل أن تنال منها ، و تعمل على إستمالة زوجها ، و لكن مهما كان الأمر ، و مهما كانت نيتها ، لن تسمح لها بإلحاق أي ضرر بأسرتها. في الصباح التالي ...
ذهب عمر لزيارة أمه ، و كان يظن أنه سوف يجدها نائمة تحت تأثير المخدر كالمرة السابقة ، و لكنها تنبأت بقدومه ، فتحملت الآلم لأجل رؤيته. -ماصدقتش نفسي .. لما قمر قالتلي انك جيت. قالت السيدة كاميليا ذلك تخاطب عمر و هي مستندة بظهرها على وسادة فراشها الوثير ، ثم تابعت باسمة و عيناها تكاد تغمضان من الأرق ، و الإعياء اللذين إستبدا بها: -بس زعلت اوي اني ماشوفتكش يا حبيبي .. قولي .. ايه اخبارك ؟ كويس ؟ و اخواتك عاملين ايه ؟؟
إبتسم عمر الذي كان يجلس على حافة الفراش إلى جانبها ، ثم أجابها بلطف: -انا تمام يا ماما .. و عز و عبير كويسين كمان. راح يحدثها عن شقيقته أولا: -عبير اتجوزت خالد اخيرا. -بجد ؟؟ -اه بقالهم سنة و كام شهر متجوزين اهو. إبتسمت كاميليا بخفة ، ثم إدردت ريقها بصعوبة ، و سألته ملهوفة: -و اخوك عز الدين .. اخباره ايه ؟؟ -عز الدين اتجوز هو كمان.
أجابها عمر ثم قهقه ضاحكا عندما رأى ما إرتسم على وجهها من علامات التعجب ، و الإستغراب الشديد ، بينما نظرت إليه غير مصدقة ، فهز رأسه مؤكدا صدق قوله ، و قال: -عز اتجوز بقاله سنتين تقريبا من بنت كويسة جدا جدا ، انا شايف انها بتحبه اوي ، و الواضح انهم متفاهمين نوعا ما ، يعني مافيش مشاكل كبيرة بينهم. ثم أضاف باسما: -و بقي عندهم طفل جميل ، عمره سنة. إبتسمت السيدة بآلم ، ثم عادت تسأله: -اسمه ايه يا عمر ؟؟ -عدنان.
حدقت أمامها في اللاشيء ، و رددت الإسم مدحرجة إياه في فمها ببطء ، كما لو أنها تتذوق رنته ، ثم وجهت نظرها إليه مجددا ، و قالت باسمة: -كلكوا على حرف العين ؟؟ ثم أطلقت ضحكة خفيفة ، و قالت: -تعرف اني انا اللي اخترت اسم اخوك ؟ انا اللي سميته عز الدين .. و بعد كده لما جيت انت و جت بعدك اختك ، ابوك هو اللي اختارلكوا اساميكوا. صمتت قليلا لدي ذكرها زوجها والد أبنائها ، ثم تحلت بالشجاعة ، و إندفعت تخبر إبنها
بعض الأمور عن الماضي: -انا ماخنتش ابوك يا عمر. رمقها عمر مقطبا ، فتنهدت و الدموع تتلألأ بعينيها الزرقاوين ، ثم بدأت تسرد عليه تفاصيل القصة الأصلية:
-قابلته من 35 سنة بعد موت ابويا و امي .. فريد .. فريد نصار ، كان عندي حوالي 20 سنة وقتها ، كنت صغيرة ، و احلي بكتير من دلوقتي كمان ، بس كنت مجرد بنت فقيرة ، رأسمالي الوحيد كان جمالي .. و في يوم كنت من ضمن ناس معزومين في فرح كبير ، في مكان من الاماكن اللي محدش بيدخلها بسهولة ، او بمعني اصح ، الطبقة العالية بس هما اللي مسموحلهم يدخلوها .. المهم شفت ابوك لاول مرة هناك ، و عجبته طبعا ، اتكلمنا شوية و ماسبنيش امشي الا لما
خد مني عنواني و حدد ميعاد عشان نشوف بعض تاني .. و فعلا ، قابلته تاني و تالت و رابع ، فلاقيته في مرة بيطلب ايدي للجواز ، وافقت عليه طبعا ، هو كان فرصة بالنسبة لي ، فرصة ماكنتش اقدر احلم بيها ، مانكرش اني حبيته ، حبيته اوي كمان .. في الاول كنت مبسوطة بحياتي الجديدة معاه ، كان موفرلي كل حاجة ، اي حاجة كنت بطلبها كنت بلاقيها ، بس في المقابل كان حابسني جوا قصره ، كان عازلني عن الناس ، الهدوم و الفساتين و المجوهرات اللي
كنت فرحانة بيهم ، ماكنتش عارفة البس منهم حاجة ، بدأت احس انه بيمتلكني مش بيحبني ، كل حاجة كان بيعملها و كل تصرفاته كانت بتأكدلي ده ، كلامه و نظراته و لمساته كلها تملك مش حب.
نظرت كاميليا إلى وجه إبنها المكفهر ، فأغمضت عينيها بشدة ، ثم تابعت هذا الجزء بصوت مختلج ملؤه الآلم:
-مرت سنة ، و خلفت اخوك عز الدين .. هو اللي هون عليا الحياة شوية ، انشغلت بيه ، و رجعت احب ابوك تاني عشان خاطره .. كبر قدام عيني يوم و را يوم و سنة ورا سنة ، لحد ما تم 6 سنين .. بعد كده جيت انت كمان يا حبيبي ، و جت اختك عبير متأخر شوية هي كمان ، بعد 10 سنين ، كنت مبسوطة اوي بيكوا ، كنتوا مليين حياتي ، و كان اخوك عز الدين ده اكتر واحد فيكوا حبني و كان متعلق بيا. ثم صمتت قليلا ، و أضافت بخفوت:
-بعد ولادة عبير بسنة ، بدأت الأمور كلها تتغير ، بدأت ابص لنفسي اكتر ، كنت عارفة اني بحب التمثيل و موهوبة ، و بالصدفة في يوم قريت اعلان في مجلة ، كان في منتج بيدور على وجوه جديدة ، فقلت ليه لأ ، ليه ماجربش اعمل الحاجة اللي بحبها و ماخرجش شوية من سجن ابوك .. و فعلا عملت كده ، دخلت الاختبارات و وقع الاختيار عليا و اخدت دور البطولة مش دور ثانوي ، ماكنش ينفع اتنازل لابوك اكتر من كده ، كنت عارفة انه هيرفض .. عشان كده سيبته
و رفعت دعوة طلاق ، اتطلقت منه بعد فترة قصيرة .. بعترف اني اتصرفت بانانية لما مشيت و سيبتكوا ، و مافكرتش فيكوا ، و للحظة فكرت اسيب حياتي الجديدة اللي لاقيت فيها نفسي و ارجعلكوا تاني .. بس رجعت عن افكاري دي لما اتفاجئت ان ابوكوا فهمكوا اني خنته عشان كده سيبتكوا و مشيت .. وقتها كرهته اوي ، كرهته جدا و ماكنتش قادرة اقرب منكوا بسببه ، منعني عنكوا سنين ، و لما مات و حبيت انا ارجع اقربلكوا تاني ، اكتشفت ان الاوان فات من
زمان ، شفت نسخة تانية من ابوك .. عز الدين صورة منه ، في الشكل و الطباع و القسوة ، شبهه في كل حاجة.
-مدام كاميليا .. ميعاد الدوا. قالت الممرضة ذلك ، و هي تقترب من فراش السيدة ، حاملة بيديها كأسا من الماء ، و زجاجة حبوب صغيرة ، بينما جاهد عمر كي يستوعب ما قالته أمه توا ، فهمهم بإرتباك ، ثم نهض ، و ساعدها على الإعتدال بفراشها ، فأعطتها الممرضة الحبة ، و ناولها عمر كأس الماء ، فإبتلعت كاميليا الحبة بصعوبة ، بينما قال عمر بخفوت و هو يربت على كتفها بلطف: -بالشفا يا ماما.
ثم إبتسم بتوتر ، و هو يتساءل في نفسه .. كيف و إلى أين ستؤول الأمور ؟؟ على الطرف الآخر ، انتظرت عبير حتى انتهت محاضرة دكتور أمجد ، و بعد ما تأكدت من أن قاعة المدرجات فارغة ، نهضت ، و تقدمت صوبه ، بينما كان يجمع أغراضه بحقيبته السوداء ، فشعر بوجودها ، و رفع نظره إليها ، فأفتر ثغره عن إبتسامة عذبة ، ثم حياها برقة قائلا: -صباح الخير ، اهلا يا عبير ازيك ؟؟ إبتسمت بتردد ، ثم بادلته التحية:
-صباح النور يا دكتور ، انا كويسة الحمدلله. -يا رب دايما كويسة. تنفست بعمق ، و هي ترمقه بنظرة ثاقبة ، فلاحظ نظرتها ، ثم سألها باسما في توتر: -في حاجة يا عبير ؟ يا تري في حاجة في المحاضرة مش فاهماها ؟؟ هزت رأسها نفيا ، فتغضن جبينه بعبسة إستغراب ، و إستوضحها بنبرة جدية هادئة: -طيب خير ؟ محتاجة مني حاجة ؟؟ إزدردت ريقها ، ثم إنتظرت لثوان ، و سألته مضطربة: -هو حضرتك .. صحيح خدت رقمي من ريم .. أيام الامتحانات ؟؟
تجمدت قسمات وجهه فجأة عندما طرحت عليه السؤال ، فسارعت تخفف من حدة التوتر الذي غلف الأجواء ، فقالت: -انا كنت بسأل بس طالما حضرتك خدته عشان تتصل و تطمن عليا ، ليه ماتصلتش ؟؟ منحها إبتسامة مترددة ، ثم أجابها بلهجة جاهد في أن تبدو طبيعية: -وقتها سمعت انك بقيتي كويسة ، فقلت مافيش داعي ازعجك. أطلقت ضحكة مصطنعة ، ثم قالت: -لا لا يا دكتور ازعاج ازاي بس ! انا كنت هتبسط اوي بمكالمة حضرتك. خيم عليهما جو التوتر من جديد ، فهمهمت
عبير ثم إستأذنت منه قائلة: -طيب عن اذن حضرتك بقي ، انا لازم امشي .. سلام. ثم غادرت القاعة و هي تتنفس الصعداء. -و عدنان حبيبي عامل ايه دلوقتي ؟؟ قالت ياسمين ذلك في حنان متسائلة و هي تخاطب شقيقتها ، بينما كانت داليا تباشر عملها بالمطبخ ، حيث كانت تطهو طعام العشاء .. -كويس الحمدلله بقي أحسن. أجابتها داليا بإبتسامة خفيفة ، فعادت ياسمين تسألها: -هو فين صحيح ؟؟ -نايم .. اكلته و اديته الدوا ، و بعدين نايمته.
أومأت ياسمين رأسها باسمة ، فنظرت إليها شقيقتها فجأة ، و سألتها: -هو انتي كنتي فين امبارح يا ياسمين ؟ مش امبارح كان يوم اجازتك بردو ؟؟ أجابت ياسمين مرتبكة: -اه يا داليا امبارح كان يوم اجازتي. -طيب كنتي فين ؟ صحيت من النوم ما لاقتكيش !! قضمت ياسمين شفتها بقوة ، و لم تجد مفر ، و لأنها إعتادت الصدق ، و تمقت الكذب ، أخبرت شقيقتها بالأمر كله. -لا حول و لا قوة إلا بالله. هتفت داليا مصدومة ، ثم تابعت متسائلة:
-يعني بجد المرض ده مالوش علاج ؟؟ زمت ياسمين شفتيها بأسف قائلة: -لأ للأسف مالوش علاج. تنهدت داليا بإشفاق ، ثم عادت تسألها مستغربة: -بس بردو انا مش فاهمة حاجة .. انتي روحتي ليه مع عمر عند مامته ؟؟ إبتسمت ياسمين ثم أجابتها بلطف مضطرب: -يا داليا قلتلك كانوا متخاصمين ، و انا اللي اقنعته يروحلها بالعافية بعد ما شفت الخبر في المجلة .. و بعدين يرضيكي يعني الست تبقي في المحنة دي لوحدها ؟؟
تأملت داليا الوضع ، فإقتنعت بكلام شقيقتها ، بل و قالت أيضا: -عندك حق .. عشان كده انا بفكر اخد عدنان و اروحلها. -فكرة كويسة جدا و الله. هتفت ياسمين باسمة ، فتلاشى حماس داليا حين قالت: -بس في مشكلة. -ايه هي ؟؟ -هقول لعز الدين انا رايحة فين ؟؟ فكرت ياسمين لبرهة ، ثم إقترحت: -قوليله هتاخدي عدنان للاستشارة عند الدكتور. إبتسمت داليا بخفة ، و أومأت رأسها ، و قد أعجبتها الفكرة. -طيب هروح امتي و ازاي ؟؟ سألت شقيقتها مستوضحة ،
فأجابتها: -بكرة كويس ، و انا ممكن اجي معاكي .. ايه رأيك ؟؟ تنفست داليا بعمق ، ثم أومأت رأسها موافقة. في الصباح التالي ... و بينما كانت داليا تساعد عز الدين على إرتداء ملابسه كي يذهب إلى العمل إحتالت عليه حيث قالت له كاذبة أنها ستذهب مع شقيقتها بـ عدنان إلى الطبيب من أجل الإطمئنان عليه ، فوافق في الحال بحسن نية ، فأسرعت هي ، و أرتدت ملابسها ، بعد أن غسلت عدنان و ألبسته ، و أطعمته.
ثم أخذته بين ذراعيها ، و غادرت الغرفة ، متجهة إلى ساحة القصر ، حيث عمر و ياسمين كانا بإنتظارها ، و ما أن إستقلت بإبنها في المقعد الخلفي من سيارة عمر حتى إنطلق هو بسرعة متوسطة بناء على طلب داليا. وصلوا أخيرا إلى بيت السيدة كاميليا فهمي.
أعجبت داليا بمنزلها البسيط ، و الرائع بنفس الوقت ، كما أنها أغرمت بالديكور الداخلي ، و عندما صعدت إلى الدور العلوي برفقة عمر و ياسمين اللذين تقدماها حتى غرفة النوم ، وجدت الغرفة فخمة الأثاث ، و على الفراش الفارغ غطاء مزين بباقات من الأزهار الرائعة ، مع وسائد ذات وجوه خضراء سندسية تناسب فخامة الغرفة الواسعة ، و على جانبي الفراش ، كان هناك مقعدان جميلان في قِدمهما ، و ألوانهما ، أما التحف الخاصة بالسيدة الفاتنة ، فقد تناثرت في أنحاء الغرفة مشيعة جوا من الفوضى المحببة ، هذا بالإضافة إلى صورها المعلقة على الجدران في كل مكان بالبيت ، و التي تحكي تاريخ حياتها الفنية الناجحة ، و الرائعة.
-اهلا بيكوا .. اتفضلوا. إلتفتت داليا نحو مصدر الصوت ، فوجدت السيدة تجلس على مقعد وثير قرب شرفة غرفتها ، فإبتسمت كاميليا بخفة ، و دعتهم للجلوس إلى جوارها ، فتقدمت منها داليا و هي تحمل عدنان بين ذراعيها ، ثم جلست قبالتها على أريكة صوفية سوداء ، فجلست ياسمين إلى جانب شقيقتها ، بينما جلس عمر بمقعد إلى جانب أمه.
أمعنت داليا النظر بوجه المرأة الحسناء الجالسة أمامها ، رغم مرضها الذي أهلكها تماما ، إلا انها لا زالت محتفظة برونقها الحذاب ، و بينما كانت داليا تتأملها مليا ، وجهت كاميليا نظرها إلى الصبي الصغير القابع بحضن أمه ، فإبتسمت بحنان و هي تتأمله عن كثب ، رأت من خلال ملامحه شقاوة أبيه ، و جده ، ذلك العرق الدساس ، ذلك النسل المتجبر ، و الفريد من نوعه لن ينتهي أبدا. أطلقت كاميليا ضحكة رنانة ، ثم قالت موجهة حديثها إلى داليا
و هي لا تزال تتأمل الصبي: -تعرفي يا داليا .. ابنك شبه ابوه بالظبط ، صورة طبق الأصل منه لما كان طفل في سنه. ثم هزت رأسها ، و قالت و الدموع تتلألأ بمأقيها: -يا ربي بجد مش مصدقة .. شبهه بجد ، بس هو واخد عينيكي انتي. ثم سألتها: -ممكن اشيله ؟؟ أومأت داليا رأسها مؤكدة ، ثم نهضت ، و وضعت الصفير على قدمي جدته ، التي راحت تبتسم له و تلاطفه. -الف سلامة على حضرتك .. ان شاء الله المحنة دي هتعدي و هتبقي كويسة.
قالت داليا ذلك باسمة ، فبادلتها كاميليا الإبتسامة بمثلها ، ثم نظرت إليها ، و إنتظرت لثوان ، ثم قالت فجأة: -انا عايزة اشوف عز الدين. كان السكون شاملا في تلك اللحظة ، حتى عدنان الذي كان يطلق صياحه الطفولي المستمر ، صمت ، فتبادلوا الجميع النظرات في صمت مطبق ، حتى قطعت داليا الصمت قائلة بتوتر: -يا مدام كاميليا .. هو ماتغيريش خالص. أومأت كاميليا رأسها بتفهم قائلة:
-انا عارفة انتي تقصدي ايه .. بس هو مهما كان ابني و انا امه ، لازم اشوفه قبل ما اموت. -اعتقد انها فكرة مش كويسة !! قالت ياسمين ذلك بتردد ، فقبضت كاميليا حاجبيها بوهن قائلة: -يعني ايه ؟ مش هشوفه ؟؟ كان الحديث صادق و مؤثرا ، كما كانت يدا كاميليا ترتجفان بصورة دائمة ، بينما إندفعت داليا فجأة قائلة بتصميم: -هتشوفيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!