قهقه "عمر" بمرح. ثم فجأة، تعالي صوت رنين هاتفه. فتناول الهاتف مسرعًا ليتجمد بمكانه في صدمة، وعيناه على اسم المتصل. ظل يحدق بشاشة الهاتف عابسًا حتى انقطع الاتصال. فانتبهت "ياسمين" إليه ولاحظت تعابير وجهه المكفهر. فلكزته على يده قائلة: "عمر! إيه مالك؟ فيه إيه؟ ثم سألته في فضول مترددة: "مين كان بيتصل بيك؟
عاد الرنين إلى الهاتف مرة أخرى. فتطلع "عمر" إليها دون أن ينبس بحرف. فرمقته "ياسمين" في استغراب مقطبة، وقررت أن تكتشف الأمر بنفسها. فأخذت الهاتف من يده وتطلعت إلى اسم المتصل. وكانت والدته، السيدة "كاميليا". توترت "ياسمين" ولم تعرف كيف تتصرف. فانقطع الاتصال مرة أخرى. فيما راحت تخاطبه بهدوء متسائلة: "ليه مردتش عليها يا عمر؟ حدجها "عمر" بقسوة. ثم أخيرًا نطق فقال منفعلاً: "ليه مردتش عليها؟
هو أنا مش حكيتلك كل اللي حصل قبل كده؟ أومأت "ياسمين" رأسها في اضطراب. ثم أجابته: "أيوه حكيتلي.. لكن أيًا كان اللي حصل، مايصحش اللي عملته ده. مايصحش أمك تكلمك ومتردش عليها يا عمر." علا صوته فجأة كسوط لاهب عندما قال: "أنا الوحيد في إخواتي اللي روحتلها برجلي وكنت بسأل عليها وبزورها باستمرار.. من سنة وقفت قصاد أخويا عشانها ودافعت عنها.. كنت فاكر إنها اتغيرت بجد.. بس هي بنفسها أكدتلي إني كنت غلطان."
صمت لثوانٍ. ثم تابع مزمجرًا: "دي ست أنانية مابتفكرش إلا في نفسها وكل كلمة قالها عز الدين عنها طلعت صح.. أنا اللي كنت عيل ومغفل." "عمر.. خد بالك أنت بتتكلم عن أمك." قالت "ياسمين" معاتبة. فاندفع قائلاً بغضب: "لأ دي مش أمي.. أنا أمي ماتت من ساعة ما سابتني أنا وإخواتي زمان." "يا عمر آا... "خلاص لو سمحتي." قاطعها "عمر" بحزم حانق. ثم تابع منهيًا الحديث: "أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده تاني أبدًا."
ثم هب واقفًا. ومضى في سبيله إلى خارج قاعة الجلوس. فتنهدت "ياسمين" وخرجت بانطباع أنه غادر لأسفه على تصرفه الحانق نتيجة إثارة ذكرياته المؤلمة. بينما شعرت هي بالأسف على تلك السيدة المنبوذة من أبنائها. ولكنها هزت كتفيها بقلة حيلة. ثم عادت تتابع دراستها. في الصباح التالي، وبينما كانت "داليا" تساعد "عز الدين" على ارتداء سترته، راحت تسأله: "كنت قولتلي امبارح بالليل إنك عامل لي مفاجأة الصبح!! صاح "عز الدين" متذكرًا:
"أيوه فعلًا." ثم التفت إليها وقال: "دلوقتي بعد ما أمشي، هتحضري شنطة فيها هدوم ليا ولكي يكفونا 4 أيام. وكمان ساعة مصطفى هيكون مستنيكي تحت. جهزي بسرعة عشان هايجيبك على الشركة. هكون أنا خلصت شوية شغل وبعد كده هنتحرك." فغرت "داليا" فاها. ونظرت إليه مشدوهة. ثم سألته: "هنروح فين؟ أجابها متذمرًا: "هو أنا مش قلتلك دي مفاجأة؟ هتعرفي لما نوصل." هزت "داليا" رأسها عابسة. ثم عادت تسأله: "طيب وعدنان؟ هنسيبه؟ "آه." "آه إزاي بس؟
مين هياخد باله منه؟ "معانا في البيت عمر وعبير وياسمين.. 3 أفراد مش هيعرفوا ياخدوا بالهم من طفل صغير؟ قطبت "داليا" حاجبيها غير راضية. وتمتمت: "لأ مش هقدر أسيبه.. ماقدرش أبعد عنه.. يعني إيه يصحى من النوم لا يلاقيني ولا يلاقيك؟ وبعدين ده ساعات بيصحى بالليل وبيعيط ومابيسكتش إلا في حضني.. لأ لأ.. مش هقدر أسيبه." "خلاص خليكي.. أنا غلطان." قال ذلك متهكمًا. وكاد يمضي إلى خارج الغرفة. فأمسكت بذراعه قائلة: "طيب استني."
"أنا مستعجل ومش فاضي. قرري بسرعة." قال بنفاذ صبر. فتنهدت بثقل. ثم أومأت رأسها قائلة: "خلاص.. هنسيبه." "تمام.. يلا بقي اعملي اللي قوللتلك عليه بسرعة عشان نلحق نوصل بدري." قال ذلك. ثم تقدم نحو فراش ابنه الذي كان مستغرقًا في نوم عميق. ودنا منه. ثم قبل وجنته. ومسح على شعره. ثم التفت إليها مؤكدًا ما قاله مجددًا ورحل.
فأسرعت "داليا" وراحت تعد لهما الثياب وتضعهم بحقيبة سفر متوسطة. ثم دلفت إلى الحمام واغتسلت. ثم لفت المنشفة الكبيرة حول جسدها. وعادت إلى الغرفة. فوجدت "عدنان" وقد استيقظ لتوه. فاقتربت منه والماء يقطر من شعرها. كان جالسًا على فراشه. يفرك بعينيه. عندما خاطبته "داليا" بخفوت ولطف. وهي تداعب خصلات شعره العسلي الغزير. ثم تركته واتجهت نحو منضدة الزينة. جففت شعرها ومشطته وعقصته إلى الوراء. ومن ثم ارتدت ملابسها. وألقت على نفسها آخر نظرة. فشعرت بالرضا على مظهرها. فقد ارتدت تنورة من المخمل الأبيض. تعلوها كنزة قصيرة الأكمام وردية اللون.
انتهت من ترتيب نفسها بسرعة. إذ بدأ "عدنان" بالبكاء. فأسرعت إليه. وراحت تسأله وهي تمسح دموعه بأناملها: "إيه يا حبيبي مالك؟ مالك؟ نظر الصبي إلى أمه بوهن والدموع تملأ عينيه الخضراوين الواسعتين. فتنبهت "داليا" أن ابنها جائع. فقالت له وهي تلامس خصلات شعره الحريرية: "يا حبيبي.. أنت جعان؟ فهمهم "عدنان" وأومأ رأسه. فضحكت "داليا" ثم قالت: "طيب تعالي يا قلبي هاأكلك."
ثم أخذته بين ذراعيها وتركت الغرفة متوجهة إلى الأسفل. ودلفت به إلى قاعة المطبخ الفسيح الفارغ من الخدم في تلك الساعة. ثم أجلسته على طاولة عريضة أمامها. ثم راحت تعد له الجبن مع الخبز. لم تهتم "داليا" بتناول فطورها. بل اهتمت بإطعام "عدنان". ولما أنهى فطوره. أخذته إلى شقيقتها. وعندما أخبرتها "داليا" عن الخطة المفاجأة. أمطرتها "ياسمين" بوابل من الأسئلة: "يعني هتغيبوا عن البيت 4 أيام؟ "أيوه يا ياسمين."
"ممم.. وهتسيبوا معانا عدنان؟ "أيوه." "طيب هتروحوا فين؟ "لسه معرفش." أجابتها "داليا" في ضيق. ثم قالت وهي تتلمس وجه ابنها: "أنا لازم أمشي دلوقتي.. خدي بالك من عدنان ووصي عمر وعبير ياخدوا بالهم منه. أنا سايباه معاكي كويس يا ياسمين. عايزة أرجع ألاقيه كويس." طمأنتها "ياسمين" في مرح قائلة: "متقلقيش يا دودو.. الأستاذ عدنان في إيد أمينة بعون الله.. روحي أنتِ مع جوزك وانبسطي."
ثم غمزت بعينها مداعبة. فابتسمت "داليا" بخفة. ثم ودعت ابنها بقبلة على وجنته. ثم ذهبت إلى غرفتها وأحضرت حقيبة الملابس. ورحلت. وعندما ترجلت من السيارة أمام (مجموعة النصار للنقل البحري) . خاطبت "مصطفى" قائلة: "هتستنى يا مصطفى ولا هتمشي؟ أجابها "مصطفى" بأدب: "عز الدين بيه قالي أجيب حضرتك لحد هنا وأسيب المفتاح في العربية وأمشي."
ثم ترك المفتاح داخل السيارة بالفعل. وترجل منها. فشكرته "داليا" وأصرفته. ثم نظرت أمامها إلى تلك البناية الضخمة الشامخة. وتنفست بعمق وهي تتأمل المقر الرئيسي للشركة الذي يشغل برجًا من الأسمنت والزجاج. ارتفاعه 26 دورًا.
راودتها الذكريات حول المكان. منذ أكثر من عام. عندما جاءت إلى هنا من أجل التوظيف. في ملابسها المتواضعة ومظهرها البسيط. عندما قابلت "عز الدين نصار" ولأول مرة. من هنا بدأت حياتها بالتغير الجذري. هنا حدثت نقطة التحول التي قلبت حياتها رأسًا على عقب. هنا تعلمت ما معنى الألم. والبكاء. والذل. والضعف. والغيرة. والكره. والحب. هنا بدأت تشعر بالحياة تضج بأعماقها. حيث كانت حياتها تمر على وتيرة روتينية بطيئة.
أفاقت "داليا" من شرودها. ثم رسمت على ملامحها معالم الجدية والحزم. ثم مضت متجهة إلى داخل الشركة. وما أن دخلت حتى جذبت إليها الأنظار. هؤلاء الموظفين كانوا زملاء لها في الماضي. أما الآن. فالوضع مختلف. أصبحت زوجة رئيسهم.
تلقت "داليا" نظرات فاحصة. وأخرى حاقدة. وسمعت بأذنها من يتهامس بشتى الأساليب. ولكنها ظلت تتقدم إلى الأمام بخطى ثابتة. واثقة. حتى وصلت إلى المصعد قاصدة برج السلطة. حيث يقع مكتب زوجها بالطابق الثالث والعشرين. وتنفست الصعداء عندما خرجت من المصعد. فسارت في اتجاه مكتب "عز الدين" على سجاد سميك يمتص صوت وقع الأقدام مهما علا. لكنها توقفت فجأة حين أتاها صوت أنثوي ناعم يمنعها من متابعة طريقها: "لو سمحتي.. حضرتك رايحة فين؟
التفتت "داليا" نحو مصدر الصوت. ثم تطلعت إلى تلك الفتاة التي احتلت مكان "إنجي" السكرتيرة الخاصة بمكتب "عز الدين". فحصتها "داليا" بعينين متهكمتين. فهي كانت حسناء. وانبهرت "داليا" بجمالها. حيث بدت شديدة الأناقة في ثياب اختيرت بعناية وذوق بالغين.
بينما لم تجبها "داليا" بل رمقتها بابتسامة باهتة. ثم توجهت نحو مكتب زوجها. حيث فتحت الباب ودلفت. بينما تبعتها الفتاة ثائرة. فانتبه "عز الدين" الذي كان يجلس خلف مكتبه منكباً على الأوراق كما عاهدته "داليا" إلى ما يحدث. فنهض من مقعده. وراح ينقل نظراته بين "داليا" العابسة. والسكريتيرة الغاضبة. ثم قال متسائلاً: "فيه إيه يا دينا؟ "يافندم المدام دي دخلت و... "خلاص يا دينا مفيش مشكلة دي مراتي."
قاطعها "عز الدين" بلطف حازم. فإضطربت الفتاة. وراحت تعتذر من "داليا" قائلة: "أنا آسفة جدًا والله ماكنتش أعرف.. حضرتك دخلتي من غير ما تقولي أي حاجة." "خلاص يا دينا حصل خير." قال "عز الدين" منهيًا الأمر. فاستأذنت الفتاة وانسحبت في هدوء. بينما دار "عز الدين" حول مكتبه حتى وصل إلى "داليا" التي ارتسم على وجهها تعابير العبس. والغيرة. فوقف أمامها. ثم تنهد قائلاً: "ياااه.." بقالك كتير مادخلتش عليا مكتبي يا آنسة.
تطلعت إليه "داليا" ثم ابتسمت رغما عنها جراء جملته الأخيرة، فأعجبتها اللعبة وراحت تلعبها معه: -أعمل إيه طيب يا فندم؟ مش حضرتك اللي فصلتني وحبستني في بيتك ومش بترضي تخرجني؟ قهقه "عز الدين" بصوت مرتفع، ثم حدثها بجدية قائلاً: -ربع ساعة هخلص الشغل اللي في إيدي ده وهنمشي. أومأت رأسها باسمة، فأمرها بهدوء قائلاً: -اقعدي. أطاعته بآلية، وجلست على مقعد وثير قرب المكتب، بينما عاد يجلس هو خلف مكتبه، ثم راح ينهي عمله بتركيز بالغ.
مرت عدة دقائق حتى انتهى أخيرًا، فنهض وتناول سترته من على ظهر الكرسي، ثم أسرع بارتدائها قائلاً: -يلا.
التقطت "داليا" حقيبتها، وسارت نحوه، بينما اصطحبها إلى الخارج بعد أن أطفأ أضواء المكتب. بقيت قريبة منه وهي تمشي إلى جانبه، فيما كان هو لا يتلفت يمنة ولا يسرة، وكان الموظفون يفرون من أمامه ليفسحوا له الطريق، بينما كان يمسك بيدها أمام الجميع حتى خرجا من الأبواب الرئيسية للشركة. قادها نحو السيارة، ثم استقلا معًا، وانطلقا في الطريق الفارغ بسرعة تحولت إلى سرعة قصوى حين بلغا الطريق الصحراوي.
تلك السرعة جعلت "داليا" تجفل مضطربة، فخرج صوتها مرتجفاً وهي تقول: -عز... عز الدين لو سمحت قلل السرعة شوية. ابتسم "عز الدين" بخفة، ثم قال: -أقللها ليه يا حبيبتي؟ الطريق فاضي قدامنا. -معلش عشان خاطري قللها شوية، عندنا طفل صغير لسه محتاجنا. قهقه "عز الدين" بصوت مرتفع، فيما لبى لها طلبها، بينما غاصت بمقعدها، وأغمضت عينيها في استرخاء. وبعد مرور ساعة ونصف دون كلام، لم تتحمل "داليا" الصمت فسألته: -هنروح فين بقى؟
نظر لها بطرف عينه، ثم أجابها وهو يركز اهتمامه على القيادة: -ساعة كمان وهتعرفي.. وبطلي أسئلة بقى. ولم يذكر شيئًا آخر في هذا الصدد وتركها تخمن ما تشاء عن هذه المفاجأة، بينما تنهدت بثقل. ولما يئست منه كفت عن التفكير فيها، ثم حولت نظرها إلى جانبها، حيث راحت تحدق عبر النافذة الزجاجية للسيارة في الفضاء الذي يحاصرهم. وأخيرًا مرت الساعة الأخرى، فشعرت بسرعة السيارة تقل تدريجيًا، فأدارت رأسها نحوه، فقال دون أن يلتفت إليها:
-وصلنا. وعند ذلك توقفت السيارة تمامًا عندما بلغت بوابة خشبية كبيرة متينة، على جانبيها أسوار حجرية عالية. بينما ترجل "عز الدين" أولاً لملاقاة أحدهم، فاتضح لها أن هناك من كان ينتظر محييهم.
كان رجلاً في أواسط العمر، يرتدي عمامة بيضاء، وجلبابًا من اللون الرمادي. راح يخاطب "عز الدين" بود وأدب، ثم أسلمه سلسلة مفاتيح ورحل بعد أن أوصد الباب الرئيسي للمكان. فأشار "عز الدين" إلى "داليا" بأن توافيه، فترجلت وتوجهت إليه وعلى وجهها علامات التساؤل وهي تتأمل ذلك المنزل الحجري في حضن الجبل: -إيه ده؟ إيه المكان ده؟ سألته "داليا"، فأحاط كتفها بذراعه ثم أجابها:
-إحنا دلوقتي على أرض قرب سينا بكام كيلو متر كده.. إيه رأيك في البيت ده؟ -حلو قوي. هتفت "داليا" مشدوهة بجمال المكان المحيط بها، فجذبها "عز الدين" من يدها وقادها إلى الداخل بعد أن فتح الباب. كان البيت من الداخل رائعًا، مفروشًا على الطراز الحديث. كان يضم غرفة جلوس تفضي إلى شرفة تطل على أجمل المناظر الطبيعية، حيث الصحراء والجبال والتلال والشمس والسحب الصافية.
كما ضم أيضًا مطبخًا صغيرًا مجهزًا بكل الأدوات، والأطعمة، والمشروبات، وغرفة نوم كبيرة جيدة التهوية، تطل على البحر، وحمام غاية في الاتساع والنظافة. أحست "داليا" أنها سقطت في حلم وردي جميل، إذ أن تلك المفاجأة كانت بعيدة كل البعد عن خيالها. ثم فجأة التفتت إلى "عز الدين" ثم اقتربت منه، وطوقت عنقه بذراعيها قائلة وهي تبتسم بحب: -أنت عارف؟ دي أحلى مفاجأة أنت عملتها لي. فابتسم بدوره وأجابها:
-من فترة فكرت ولقيت إني اتجوزتك من غير ما أعملك فرح ومن غير حتى ما أعملك شهر عسل في أي مكان بعيد عن البيت.. فقلت فرصة آخد إجازة وأجيبك نقضي هنا كام يوم. ثم صمت قليلاً، وسألها: -بجد عجبك المكان؟ -قوي قوي. أجابته ثم راحت تعانقه بقوة، فلف ذراعيه حولها، وقوى قبضته عليها مزيدًا من عنف ضمه، بينما ضغطت وجهها على كتفه وهي تقول: -بس لو كان عدنان معانا.. يا حبيبي يا ترى عامل إيه دلوقتي؟ ثم أسرعت تقول وهي تبتعد عنه قليلاً
لتواجهه: -فيه هنا شبكة؟ عايزة أتصل بالبيت أطمن عليه. هز "عز الدين" رأسه آسفًا، وقال: -للأسف مافيش شبكة هنا.. ودي بالنسبة لي أحلى حاجة. أنا مش بحب التليفونات أو بمعنى أوضح ما بقتش أحبها من كتر الإزعاج اللي بتسببه لي. ثم تنهد متابعًا: -طيب.. أنا هدخل آخد دش.. تكوني حضرتي أي حاجة ناكلها لأني جعان جدًا بصراحة. منحته "داليا" ابتسامة عذبة، ثم أومأت رأسها موافقة.
عندما غادرت "ياسمين" المنزل متوجهة إلى المشفى، أسلمت "عدنان" إلى "عبير" لتهتم به ريثما تعود. فرحبّت "عبير" بحرارة، ومن الجيد أن الصبي إلى الآن لم يشعر بالغربة لغياب والديه. فيما اغتنمت "عبير" الفرصة وراحت تمرح معه بعض الوقت مستمتعة، حيث أخذته وتوجهت به إلى حديقة القصر، وبدأت تؤرجحه تلاعبه وتتلطفه، فتارة تحاول أن تجعله يمشي على قدميه، وتارة يسقط على الحشائش الخضراء فيطلق "عدنان" صيحات الفرح.
ولما وصل "خالد" فجأة، ورأى "عبير" و"عدنان" يلعبان بمرح وفرح، أخذ يقترب منهما بخطى بطيئة وثقيلة وهو غير قادر على إزاحة نظره عن هذا المشهد، بل كان يبدو مسحورًا ومندهشًا، مثل واحة بقلب الصحراء. وفجأة انتبهت إليه "عبير"، ولكي تخفي اضطرابها، انهمكت للحظة بـ"عدنان" المتعلق بعنقها، ثم اقتربت منه حاملة "عدنان" بين ذراعيها. وبصورة غير متوقعة، راح قلبها يخفق بسرعة، ثم رفعت رأسها نحو "خالد" دون خوف، وحيته في هدوء قائلة:
-أهلاً يا خالد.. إزيك؟ رمقها بنظرة مطولة قبل أن يجيبها: -كويس يا عبير.. إنتي إزيك؟ أومأت رأسها، ثم أجابته: -الحمد لله تمام. وساد الصمت للحظات، فقطعته قائلة وهي تشعر بالتوتر: -عز الدين وداليا مش موجودين في البيت وهيغيبوا حوالي 4 أيام. -أيوه عارف.. أخوكي قالي. أومأت رأسها، ثم قضمت شفتها، واستأذنت منه قائلة: -طيب البيت بيتك طبعًا.. أنا لازم آخد عدنان دلوقتي آكله عشان ده ميعاد غداه.. عن إذنك.
وبينما كانت تمر بمحاذاته، أمسك بمعصمها قائلاً: -أنا جاي عشان أتكلم معاكي شوية. -بعدين يا خالد لو سمحت.. بقولك هغدي عدنان أنا اللي باخد بالي منه في الوقت ده خالته ياسمين في شغلها دلوقتي ولسه ماجتش. ثم تملصت من قبضته محاولة الفكاك، بينما كان يريد ألا يتركها تذهب. لكنه رضخ مستسلمًا بالنهاية، فتحررت من قبضته وتوجهت بالصبي إلى داخل المنزل، بينما يتابعها "خالد" بعينيه مقطبًا، إلى أن توارت بعيدًا عن نظره.
حاول الاتصال بها عدة مرات، ولكنها لم تجب، فألقى بهاتفه على الفراش في ضيق. ثم راح يذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا. هو يعلم أنها غاضبة منه بسبب آخر محادثة بينهما، ولكنّه وقتها لم يستطع أن يكبح انفعالاته، وفي الوقت ذاته كان لابد أن يصغي لها، فهي لم تقل شيئًا خاطئًا. تنهد بثقل، ثم قرر أن يخرج من غرفته الفسيحة التي ضاقت على أفقه. وبينما كان يمر أمام الغرف، سمع صوت بكاء أحدهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!