منذ الظهيرة، كانا يتنزهان أمام واجهة البحر المقابل للمنزل الحجري الذي سيسكناه لمدة أربعة أيام. كان الجو باردًا ولكنه ممتعًا. تمشيا إلى جانب بعضهما على الرمال متشابكي الأيدي. ومن وقت لآخر، كانا يتوقفان قليلاً لمشاهدة منظر خلاب أو طائر غريب الشكل. ولما بدأ الظلام يزحف، عادا إلى المنزل في الحال.
كانت "داليا" متعبة جراء رحلة السفر المرةقة والنزهة، حيث ناضلت في المشي على الأرض الوعرة. وفي الوقت نفسه، كانت فرحة بالاقتراب من "عز الدين" إلى ذلك الحد. وبينما كانت تحضر القهوة الساخنة لتقدمها إلى زوجها الذي اعتاد أن يشربها في ذلك الوقت، شعرت برغبة في أن تشكره. فقالت وهي تجلس باسترخاء على مقعد وثير قبالته بعد أن ناولته قدح القهوة: -كانت بداية حلوة. اليوم كان حلو قوي. آه لو يفضل كده على طول.
ابتسم "عز الدين" ابتسامة لم تصل إلى عينيه، ثم شرع في شرب القهوة الساخنة. فيما كانت "داليا" تراقب باسمة جوزة العنق عنده تصعد وتنزل في رقبته الصلبة ذات العروق البارزة.
وبعد أن مضى الوقت قليلاً، نهضت "داليا" متوجهة نحو المطبخ، وقامت بإعداد وجبة طعام لكليهما. ولما انتهيا من الطعام، تعاونا على تنظيف الطاولة. وتولت "داليا" تنظيف الصحون. ثم انضمت إليه، حيث جلسا أمام موقد النار بقاعة الجلوس المظلمة. انغمسا في الحديث معًا إلى درجة كبيرة وكأنهما لا يزالان في مرحلة التعارف. ثم فجأة، سألها "عز الدين": -احكي لي عن طفولتك. كانت عاملة إزاي؟ كنتي مبسوطة؟
لمعان ناعم أنار عينيها الشفافتين، وراحت تقص عليه بعضًا من سيرة حياتها: -بابا وماما الله يرحمهم كانوا متفاهمين وبيحبوا بعض قوي. دلعوني كتير وحبوني قوي. ماكنش ليهم غيري لحد ما تميت 5 سنين. بعد كده جت أختي ياسمين بس. توقفت فجأة. فقبض "عز الدين" حاجبيه وسألها محتارًا: -أيوه؟ بس إيه؟
أجفلت "داليا" وأراحت رأسها إلى مسند المقعد، ثم أغمضت عينيها، وكأنها تحاول أن تتخلص من شعور يرهقها. بدا وجهها شاحبًا فجأة، وارتسمت معالم الكآبة على وجهها لتؤكد له أن كليهما نهلا من مرارة الحزن في تلك المرحلة من العمر. ثم فتحت عينيها، وبحزن مرير أجابته: -مات بابا. بعد ما اتولدت ياسمين بشهر واحد. صمت "عز الدين" قليلاً، ثم عاد يسألها في اهتمام ولطف: -مات إزاي؟ قضمت "داليا" شفتها بقوة، ثم أجابته وقد بح صوتها:
-كان عيان. كان عنده كسور في الشرايين وقلبه كان تعبان. ثم تابعت، وهي تحدق أمامها في اللا شيء وكأنها ترى الآن أمام عينيها ما حدث منذ سنوات طويلة: -في يوم تعب قوي. فنزلنا معاه كلنا في الليل أنا وماما وياسمين اللي كانت لسه حتة لحمة حمرا. وقتها ولا مستشفى قطاع عام قبلت تسعفه، فروحنا لمستشفى تانية قطاع خاص. وبرضه ما قبلوش يسعفوه. -ليه؟ سألها مقطبًا، فأجابته والدموع تتلألأ بعينيها:
-كانوا عايزين مبلغ كبير يتدفع قبل ما ندخل. ماكنش معانا المبلغ ده وقتها. وماكناش عارفين نعمل إيه. فرجعنا البيت. وتاني يوم كان بابا مات. بس لو كان معانا المبلغ ده كان عاش. انتهت من سرد التفاصيل، ثم أحنت رأسها وراحت تنتحب بصمت. فنهض "عز الدين" من موضعه، وتقدم نحوها، فأمسك بكتفيها وأوقفها على قدميها. وبدون أن ينتظر، مال عليها وعانقها، ثم غمغم بخفوت:
-داليا، داليا، هو عمره خلص لحد كده. حتى لو كان دخل المستشفى ورجع البيت معاكوا وهو كويس، كان عمره هيخلص في نفس الميعاد برضه. ثم أبعدها عنه قليلاً، وأخذ وجهها بين راحتيه، ونظر بعمق في عينيها، بينما ترقرق الدموع حزينة في مآقيها، فقال وقد لانت نبرته كثيرًا، وهو يمسح بيده على شعرها: -مش انتي لوحدك اللي عيشتي ظروف قاسية يا داليا. أنا كمان عيشت ظروف يمكن أسوأ من ظروفك ميت مرة.
هدأت قليلاً وراحت تتأمل تعابير وجهه. فهز رأسه بشيء من العصبية، وقال: -خلاص. إحنا مش جايين نكتئب. تعالي. لم تتسن لـ"داليا" الوقت للاحتجاج. فأمسك "عز الدين" بذراعها وجذبها خلفه. فسألته بنبرة متهدجة: -على فين؟ لم يجيبها، بل قادها إلى حجرة النوم دون كلام. فيما مضت يداه تعزفان ألحانًا على منعطفات جسدها، حيث تبددت مخاوفها وذكرياتها في الليل الدافئ المظلم.
في الصباح التالي، ذهبت "عبير" إلى الجامعة. ولما أنهت محاضراتها، وكانت على وشك مغادرة قاعة المدرجات، استوقفها صوت: -عبير! توقفت، ثم استدارت مسرعة نحو مصدر الصوت، فابتسمت عندما التقت عيناها بعيني الدكتور "أمجد" الذي يدرس لها إحدى المواد: -نعم يا دكتور؟ -عايزك دقيقة لو سمحتي! قال وهو يجمع حاجياته من فوق الطاولة أمامه. فهزت "عبير" كتفيها، وتقدمت نحوه. كانت القاعة فارغة عندما عاد ينظر إليها من جديد، فقال وهو
يحدق بها بابتسامة خفيفة: -أولاً عايز أقولك حمدلله على سلامتك. كنت سمعت إنك مريضة قوي في أواخر السنة اللي فاتت عشان كده ما قدرتيش تدخلي الامتحانات. منحته "عبير" ابتسامة عذبة، ثم قالت تشكره: -متشكرة جدا يا دكتور على اهتمامك. الله يسلمك. -العفو يا عبير، لا شكر على واجب. بس أنا ملاحظ تغيير جذري حصلك السنة دي. قهقهت بخفة، ثم قالت: -طب أتمنى تكون لاحظت تغيير إيجابي مش سلبي. هز رأسه، وقال باسمًا:
-لا لا، إيجابي طبعًا. انتي بقيتي طالبة مجتهدة. وفي الحقيقة أنا مستغرب جدًا. انتي طول سنين الدراسة اللي فاتوا ما كنتيش كده. ثم صاح متذكرًا: -وأه نسيت أبارك لك صحيح. ألف مبروك يا عبير. -مبروك على إيه يا دكتور؟ سألته مقطبة، فأجابها: -على جوازك. سمعت برضه السنة اللي فاتت أيام الامتحانات إنك اتجوزتي ابن عمك. هزت رأسها مرارًا، وقالت: -كنت متجوزة فعلًا. -كنتي!! علق متسائلاً، فأجابته: -أيوه. قطب حاجبيه ذاهلاً، وسألها:
-معقول اتطلقتي بالسرعة دي يا عبير! ليه كده؟ ابتسمت بخفة، وأجابته: -النصيب. ثم تابعت ممازحة: -عقبالك انت يا دكتور، كل اللي في الدفعة نفسهم يشوفوك في القفص الذهبي. الدفعات السابقة ما لحقوش. فضحك بخفة، بينما راحت تضحك بمرح، وكان يتأملها باسمًا.
خرجت "ياسمين" من غرفتها حاملة الصبي بين ذراعيها. وما كادت تخطي بقدمها في اتجاه الدرج حتى أتاها صوت هاتفًا باسمها جعلها تقفز من موضعها مذعورة. فالتفتت بعنف إلى مصدر الصوت، لتجد "عمر" يقف في مواجهتها باسمًا. فعنفته عابسة: -إيه يا عمر ده! ثم انتبهت فجأة إلى صراخ "عدنان" الذي علا نتيجة فزعه من ظهور عمه المفاجئ: -كويس كده؟ هتفت "ياسمين" حانقة، ثم راحت تهدد "عدنان" وتخاطبه بخفوت ولطف حتى هدأ تمامًا. فحولت نظرها إلى "عمر"
وسألته: -فين عبير؟ -راحت الجامعة. عبست "ياسمين" قائلة: -اتأخرت قوي. -في إيه بس؟ سألها بهدوء، فأجابته متأففة: -لازم أروح الكلية دلوقتي عندي امتحان عملي. ثم صاحت فجأة: -طيب بص خده خليه معاك وابقى سلمه لعبير لما ترجع. ثم ناولته "عدنان" بسرعة، وكادت تفر من أمامه فاستوقفها مرة أخرى: -ياسمين استني. عادت تنظر إليه، وسألته بضيق: -عايز إيه يا عمر؟ بقولك عندي امتحان ومستعجلة. تلعثم قائلاً:
-كنت.. كنت عايز أقولك بس لو كنتي لسه زعلانة مني.. ماتزعليش. -زعلانة منك! هتفت مقطبة، ثم سألته: -وأنا هزعل منك ليه؟ -عشان آخر مرة اتكلمنا شديت معاكي و... -لا خالص يا عمر، أنا مش زعلانة أبدًا. قاطعته باسمة، وكاد يتكلم، ففرت من أمامه مسرعة. بينما تنهد بثقل، ثم انتبه فجأة إلى "عدنان" الذي راح يعبث بوجه عمه بأصابعه الصغيرة، محاولاً فقأ عينه: -إيه يا أستاذ براحة، ده وشي.
قطب "عدنان" حاجبيه، وزم شفتيه في استياء. فابتسم "عمر" قائلاً: -طب خلاص يا عم، ماتزعلش أوي كده. تيجي ننزل نلعب سوا بالكورة. إنفرج ثغر الصبي بإبتسامة عريضة لمداعبة عمه، فقبله عمر ثم قال: -يلا يا سيدي. ثم أخذه يلاعبه بحديقة القصر. غادرا في الصباح الباكر.
بعد أن قضيا أربعة أيام بقلب الصحراء، شعرت داليا بالأسف لإنتهاء المدة، كما شعرت بالسرور العارم أيضا لإنها ستري إبنها بعد أطول فترة غياب قضتها بعيدا عنه. كم إفتقدته، و كم تتوق إلي ضمه بين ذراعيه. رائحته لا تزال بأنفها. تبتسم كلما تذكرت إبتساماته، و ضحكاته، و حتي التمتمة الغير مفهومة التي يصدرها، و التي تستطيع داليا وحدها فهمها. كل شيء يخص إبنها، تفتقده.
و لما وصلا أخيرا إلي القصر، و عبرا بالسيارة البوابة الكبيرة، إرتسمت علي وجه داليا إبتسامة عريضة مفعمة بالشوق لرؤية عدنان. بينما عمر وعبير يقفان بالمسبح أمام بعضهما، و يتقاذفان عدنان الذي وضعا حوله طوق من البلاستيك المضغوط بالهواء. فكان الطفل بأمان تماما، كما أنه راح يطلق صياح الفرح، و أحيانا صراخ الخوف. فيما راح عمر يقهقه بصوت مرتفع عندما تمسك عدنان بشعره محاولا التسلق علي كتفيه خاشيا الوقوع في الماء.
لتظهر داليا في تلك اللحظة يتبعها عز الدين: -ابني! هتفت داليا صائحة، فأنتبهوا الثلاثة إليها، إلا أن عدنان راح يصرخ بفرح عندما شاهد والديه، كما راح يضرب المياه بيديه طالبا الذهاب عند أمه. بينما أخذ عمر الصبي بين ذراعيه، و أشار لأخيه و زوجته قائلا: -أهلا.. حمدلله علي السلامة. أخيرا وصلتوا. -بقي كده يا عمر؟ بتعمل في الولد كده؟ طلعه لو سمحت اديهولي.
قالت داليا ذلك منفعلة، فضحك عمر بقوة، بينما خرجت عبير من حوض السباحة و إتجهت نحو داليا ثم ربتت علي كتفها باسمة و قالت: -اهدي بس يا داليا ماتخافيش كده. ده ابن اخونا بردو اكيد مش هنأذيه. احنا كنا بنلاعبه من الصبح و كان بيعيط عليكوا و مش راضي يسكت فقلنا نعمله حاجة جديدة عشان يبطل عياط بس. -الجو برد عليه. هتفت مقطبة، بينما تدخل عز الدين باسما: -سيبيهم يا داليا.. خليهم يقووا قلبه شوية.
-انا ابني قلبه قوي من غير حاجة علي فكرة.
قالت داليا حانقة، ثم مدت يديها إلي عمر الذي ناولها الصبي ضاحكا، بينما أخذته داليا بين ذراعيها و مضت به إلي الداخل و هي تضمه و تقبل وجناته و تخاطبه هامسة. فهز عز الدين رأسه باسما ثم تبعها، فيما شعرت عبير بالبرد فلحقت بهما إلي الداخل في الحال. بينما راح عمر يجفف جسده بمنشفته، ثم وضع علي كتفيه إزاره. و عندما إستدار ليلحق بالباقية، إصطدم بـ ياسمين التي وقفت في مواجهته عابسة الملامح. فرمقها عمر في تساؤل قائلا: -ياسمين!
في حاجة؟ لم تجبه، بل ناولته مجلة صحفية، فتصفحها متنقلا بنظره بها، حتي وقعت عيناه علي خبر جمد الدماء بعروقه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!