الفصل 29 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
28
كلمة
1,174
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 64%
حجم الخط: 18

-هو ده البيت؟ قالت "ياسمين" ذلك متسائلة وهي تشير نحو تلك الفيلا الصغيرة، بينما أجابها "عمر" الذي كان يجلس بسيارته إلى جانبها: -أيوه هو. أدارت رأسها إليه ثم قالت: -طب يلا. إزداد "عمر" طريقة بتوتر، ثم انصاع لها وخرج من السيارة، فترجلت "ياسمين" بدورها وتقدمته متوجهة نحو باب المنزل.

طرقت الباب ثم ضغطت زر الجرس عدة مرات، حتى فتحت لهما الوصيفة الشابة بوجه ذابل اكتسحه الحزن، حتى إنها ما أن رأت رأس "عمر" الذي يطل من فوق كتف "ياسمين" هربت الدموع من عينيها وراحت تجهش بالبكاء، ثم خاطبته بعتاب: -كنت فين طول الفترة اللي فاتت يا عمر بيه؟ معقول ماكنتش تعرف اللي حصل للست كاميليا؟ ازدادت سرعة تنفسه، فشعرت به "ياسمين" وقالت موجهة كلامها إلى الوصيفة: -هي فين والدته لو سمحتي؟ هنا في البيت ولا لسه في المستشفى؟

أجابتها الفتاة وهي عاجزة السيطرة على دموعها: -لأ الهانم هنا في البيت، رجعت من المستشفى أول امبارح. أومأت "ياسمين" رأسها ثم طلبت منها أن ترشدهما إلى غرفة السيدة، فتولى "عمر" تلك المهمة وقادها إلى غرفة أمه بخطى ثقيلة، بينما ذهبت الوصيفة تعد لهما مشروبًا.

دخل "عمر" غرفة والدته، تتبعه "ياسمين" فيما اتضح لهما أن السيدة لم تكن وحيدة تمامًا، إذ كانت هناك فتاة عرفت "ياسمين" في الحال أنها ممرضة رافقت السيدة "كاميليا" إلى منزلها كي تعتني بها. وبينما كانت "ياسمين" تستفسر منها عن حالة المريضة، سحب "عمر" مقعدًا وجلس إلى جوار أمه، ثم اقترب من الفراش، حيث كانت السيدة "كاميليا" ضئيلة للغاية، شاحبة الوجه، وتائهة بتأثير المخدر الذي أعطي لها منذ قليل ليساعدها على النوم دون ألم.

وكانت أهدابها الطويلة ترسم خطين داكنين فوق وجنتيها، وشعرها الأسود الكثيف الناعم، منتشر على وسادتها البيضاء بفوضوية. رغم أن معالم الإعياء ظاهرة بشكل كبير على محياها، إلا أنها لا تزال "كاميليا فهمي" تلك المرأة الفاتنة، التي أدهشت الجميع بجمالها الأخاذ، وروعة أدائها الفني.

وبعد أن قضى "عمر" عدة دقائق في تأمل وجه أمه الذابل كالورد، كان السكون في الغرفة شاملاً، إذ كفت "ياسمين" عن استجواب الممرضة. وحينئذ التفتت "عمر" إليها، ثم راح يسألها والحزن يملأ عينيه: -مالها يا ياسمين؟ عندها إيه بالظبط؟ حالتها مستقرة؟ توترت "ياسمين" ولم تعرف كيف تجيبه، أو تشرح له الأمر، بينما اندفعت الممرضة فجأة قائلة: -من فضلكم ممكن تسيبوا الأوضة شوية؟ المدام نايمة دلوقتي تحت تأثير المخدر ومش هتصحى قبل 4 ساعات.

اغتنمت "ياسمين" الفرصة، فوافقت وأمسكت بيد "عمر" وقادته إلى خارج الغرفة، فضغط هو على مرفقها وأوقفها بالردهة المؤدية إلى الدرج، ثم عاد يسألها: -الممرضة قالتلك إيه يا ياسمين؟ هي هتبقى كويسة صح؟ قضمت "ياسمين" شفتها بقوة، ثم صمتت قليلاً، وتحت نظراته الملحة، أجابته بخفوت: -أمك.. هتموت يا عمر. صدمته الكلمة، ونظر إليها فاغرًا فاهه، فسارعت تشرح له:

-هي مريضة باللوكيميا، سرطان النخاع العظمي. بقالها 3 سنين وماكنتش تعرف لأنه مرض عضال محدش بيكتشفه إلا بعد فوات الأوان. هز رأسه رافضًا، ثم سألها: -أكيد في علاج صح؟ لو مش هنا يبقى بره آا.. -لأ يا عمر. قاطعته "ياسمين" بإشفاق، ثم تابعت: -سرطان النخاع العظمي مابيتعالجش لو فات عليه أكتر من سنة. أمك عندها فقر دم شديد ولما سألت الممرضة قالتلي الدكتور بتاعها متوقع إنها ممكن تفضل عايشة لشهر أو شهرين كحد أقصى.

توالت الصدمات على عقل "عمر" فحطمت صموده، وشعر بالدموع تتجمع بمآقيه، وأدرك بذعر ما معنى هذا الكلام. ستفارقه أمه الحنونة، التي أغدقت عليه وحده حنانها وعطفها من دون أشقائه. اضطربت أنفاسه، ثم هبطت دموعه غزيرة، فتأثرت "ياسمين" واقتربت منه، ثم مدت يدها ورتبت على كتفه بحنو، وراحت تواسيه بلطف. كان "عز الدين" منهمكًا في مباشرة أعماله، عندما دلف إليه "خالد" مقطبًا، عابس الوجه، فرفع "عز الدين" بصره عن الأوراق، ونظر إليه:

-خد.. دي شيكات للبنك عايزة تتِمضي، وده ورق مستحقات العاملين اللي طلعوا معاش السنة دي، عايز أمضي بردو. قال "خالد" ذلك وهو يناوله بعض المجلدات والملفات، بينما لاحظ "عز الدين" مزاجه السيء، فصمت قليلاً، ثم دعاه للجلوس قائلاً: -اقعد يا خالد.. عايز أتكلم معاك شوية. هز "خالد" رأسه عابسًا، وقال: -مش فاضي يا عز، ورايا شغل كتير. -الشغل يستنى.. اقعد. قال "عز الدين" في هدوء حازم، فحاول "خالد" الاعتراض مجددًا، فأخمد "عز الدين"

اعتراضه بقوله: -أنا صاحب الشغل وبقولك اقعد. جلس "خالد" على مضض، ولم ينظر إليه، فسأله "عز الدين": -إيه بقى! مالك؟ -مالي يعني إيه مش فاهم؟ هز "عز الدين" كتفيه، وأجابه: -بقالك فترة مش مظبوط. ثم اتبع أسلوبه الماكر، وسأله: -متضايق من حاجة؟ تأفف "خالد" في ضيق، وقال: -أنا مش متضايق من حاجة يا عز الدين، قصر انت بس وقول عايز إيه عشان أروح أكمل شغلي. -طب مالك منفعل كده ليه يا خالد؟

سأله بهدوء، فتضاعفت عصبية "خالد" الذي نجح في كبح جام غضبه بأعجوبة، وقال: -مش منفعل ولا حاجة. ابتسم "عز الدين" بخفة، ثم تنهد وقال: -طيب ما تيجي تروح معايا وتقضي اليوم معانا في البيت، بقالك كتير ماجيتش. رفض "خالد" بجفاف قائلاً: -لأ. أومأ "عز الدين" رأسه مرارًا، فيما كان يعاينه بتسلية، ثم عاد يقول: -طيب مش هتيجي تاخد عبير بقى؟ أجابه "خالد" مقطبًا: -لما تطلب هي ترجع البيت، هبقى أجي آخدها.

ثم هب واقفًا، وغادر المكتب مسرعًا، بينما ابتسم "عز الدين" ثم عاد إلى مباشرة أعماله مجددًا. -وانتي عاملة إيه في الدراسة بقى؟ قالت "ريم" ذلك وهي تخاطب "عبير" هاتفيًا، فأجابتها "عبير" بنبرة مسرورة: -الحمد لله تمام أوي لحد دلوقتي، ادعيلي انتي بس. -إن شاء الله يا حبيبتي ربنا هيوفقك وهتتخرجي على خير وبامتياز كمان. -يا رب يا ريم. قالت "عبير" باسمة، فانتظرت "ريم" ثوانٍ، ثم سألتها: -لسه مارجعتيش بيتك بردو يا عبير؟

زفرت "عبير" في انزعاج، وقالت: -ريم أنا مش شرحتلك الوضع قبل كده؟ -اصل يا عبير آا... -خلاص بقى. قاطعتها "عبير" بلطف حازم، فتنهدت "ريم" ثم قالت: -ماشي يا ستي.. براحتك. ثم سألتها: -المهم قوليلي، الدفعة الجديدة في كلية وإيه والناس اللي هناك كلهم بيتعاملوا معاكي إزاي؟ -كلهم لطف أوي والله يا ريم. -والدكاترة إيه أخبارهم؟ كويسين معاكي؟ -آه كويسين، وبشهادة دكتور أمجد بقيت طالبة متفوقة. قالت "عبير" ضاحكة، فباغتها "ريم" مسرعة:

-دكتور أمجد صحيح فكرتيني.. ده كان واخد رقمك مني السنة اللي فاتت أيام الامتحانات. -أخد رقمي مني؟ هتفت "عبير" مقطبة، ثم سألتها: -ليه؟ -اصل أنا اللي بررت غيابك واعتذارك عن الامتحانات، يعني قلت إنك تعبانة أوي وكده ومش هتقدري تمتحني، فهو طلب مني رقمك عشان يتصل يسأل عليكي. انتهت "ريم" من سرد التفاصيل، ثم سألتها: -هو ماكلمكيش ولا إيه؟ -لأ. أجابتها "عبير" مقطبة، وهي تفكر في استغراب بفعل الدكتور "أمجد".

عادت "داليا" بابنها إلى المنزل بعد أن اطمئنت عليه، وجلبت له الأدوية اللازمة التي كتبها الطبيب الذي وضع له أيضًا خطة علاج، بعد أن قام بالكشف عليه، واتضح أنه يعاني التهابات الحلق التي أدت إلى ارتفاع درجة حرارته. وصلت "داليا" بالصبي إلى المنزل نحو غروب الشمس، وقد تأخرت هكذا بسبب أزمة المرور في الذهاب إلى قلب المدينة والعودة منها مجددًا.

وعندما وصلت أمام غرفتها، ما كادت تدير المقبض، حتى انفتح باب الغرفة بعنف، وظهر "عز الدين" من ورائه، وبعصبية حرك يده في شعره، وقال بلهجة عاصفة: -كنتي فين؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...