نظرت"كاميليا"إلي وجه إبنها المكفهر ، فأغمضت عينيها بشدة ، ثم تابعت هذا الجزء بصوت مختلج ملؤه الآلم:
-مرت سنة ، و خلفت اخوك عز الدين .. هو اللي هون عليا الحياة شوية ، انشغلت بيه ، و رجعت احب ابوك تاني عشان خاطره .. كبر قدام عيني يوم و را يوم و سنة ورا سنة ، لحد ما تم 6 سنين .. بعد كده جيت انت كمان يا حبيبي ، و جت اختك عبير متأخر شوية هي كمان ، بعد 10 سنين ، كنت مبسوطة اوي بيكوا ، كنتوا مليين حياتي ، و كان اخوك عز الدين ده اكتر واحد فيكوا حبني و كان متعلق بيا ..
ثم صمتت قليلا ، و أضافت بخفوت:
-بعد ولادة عبير بسنة ، بدأت الأمور كلها تتغير ، بدأت ابص لنفسي اكتر ، كنت عارفة اني بحب التمثيل و موهوبة ، و بالصدفة في يوم قريت اعلان في مجلة ، كان في منتج بيدور علي وجوه جديدة ، فقلت ليه لأ ، ليه ماجربش اعمل الحاجة اللي بحبها و ماخرجش شوية من سجن ابوك .. و فعلا عملت كده ، دخلت الاختبارات و وقع الاختيار عليا و اخدت دور البطولة مش دور ثانوي ، ماكنش ينفع اتنازل لابوك اكتر من كده ، كنت عارفة انه هيرفض .. عشان كده سيبته و رفعت دعوة طلاق ، اتطلقت منه بعد فترة قصيرة .. بعترف اني اتصرفت بانانية لما مشيت و سيبتكوا ، و مافكرتش فيكوا ، و للحظة فكرت اسيب حياتي الجديدة اللي لاقيت فيها نفسي و ارجعلكوا تاني .. بس رجعت عن افكاري دي لما اتفاجئت ان ابوكوا فهمكوا اني خنته عشان كده سيبتكوا و مشيت .. وقتها كرهته اوي ، كرهته جدا و ماكنتش قادرة اقرب منكوا بسببه ، منعني عنكوا سنين ، و لما مات و حبيت انا ارجع اقربلكوا تاني ، اكتشفت ان الاوان فات من زمان ، شفت نسخة تانية من ابوك .. عز الدين صورة منه ، في الشكل و الطباع و القسوة ، شبهه في كل حاجة.
-مدام كاميليا .. ميعاد الدوا.
قالت الممرضة ذلك ، و هي تقترب من فراش السيدة ، حاملة بيديها كأسا من الماء ، و زجاجة حبوب صغيرة ، بينما جاهد"عمر"كي يستوعب ما قالته أمه توا ، فهمهم بإرتباك ، ثم نهض ، و ساعدها علي الإعتدال بفراشها ، فأعطتها الممرضة الحبة ، و ناولها"عمر"كأس الماء ، فإبتلعت"كاميليا"الحبة بصعوبة ، بينما قال"عمر"بخفوت و هو يربت علي كتفها بلطف:
-بالشفا يا ماما.
ثم إبتسم بتوتر ، و هو يتساءل في نفسه .. كيف و إلي أين ستؤول الأمور ؟؟ ...
*****************************************************************
علي الطرف الأخر ،
إنتظرت"عبير"حتي إتتهت محاضرة دكتور"أمجد"و بعد ما تأكدت من أن قاعة المدرجات فارغة ، نهضت ، و تقدمت صوبه ، بينما كان يجمع أغراضه بحقيبته السوداء ، فشعر بوجودها ، و رفع نظره إليها ، فأفتر ثغره عن إبتسامة عذبة ، ثم حياها برقة قائلا:
-صباح الخير ، اهلا يا عبير ازيك ؟؟
إبتسمت بتردد ، ثم بادلته التحية:
-صباح النور يا دكتور ، انا كويسة الحمدلله.
-يا رب دايما كويسة.
تنفست بعمق ، و هي ترمقه بنظرة ثاقبة ، فلاحظ نظرتها ، ثم سألها باسما في توتر:
-في حاجة يا عبير ؟ يا تري في حاجة في المحاضرة مش فاهماها ؟؟
هزت رأسها نفيا ، فتغضن جبينه بعبسة إستغراب ، و إستوضحها بنبرة جدية هادئة:
-طيب خير ؟ محتاجة مني حاجة ؟؟
إزدردت ريقها ، ثم إنتظرت لثوان ، و سألته مضطربة:
-هو حضرتك .. صحيح خدت رقمي من ريم .. ايام الامتحانات ؟؟
تجمدت قسمات وجهه فجأة عندما طرحت عليه السؤال ، فسارعت تخفف من حدة التوتر الذي غلف الأجواء ، فقالت:
-انا كنت بسأل بس طالما حضرتك خدته عشان تتصل و تطمن عليا ، ليه ماتصلتش ؟؟
منحها إبتسامة مترددة ، ثم أجابها بلهجة جاهد في أن تبدو طبيعية:
-وقتها سمعت انك بقيتي كويسة ، فقلت مافيش داعي ازعجك.
أطلقت ضحكة مصطنعة ، ثم قالت:
-لا لا يا دكتور ازعاج ازاي بس ! انا كنت هتبسط اوي بمكالمة حضرتك.
خيم عليهما جو التوتر من جديد ، فهمهمت"عبير"ثم إستأذنت منه قائلة:
-طيب عن اذن حضرتك بقي ، انا لازم امشي .. سلام.
ثم غادرت القاعة و هي تتنفس الصعداء ...
*******************************************************************
-و عدنان حبيبي عامل ايه دلوقتي ؟؟
قالت"ياسمين"ذلك في حنان متسائلة و هي تخاطب شقيقتها ، بينما كانت"داليا"تباشر عملها بالمطبخ ، حيث كانت تطهو طعام العشاء .. :
-كويس الحمدلله بقي احسن.
أجابتها"داليا"بإبتسامة خفيفة ، فعادت"ياسمين"تسألها:
-هو فين صحيح ؟؟
-نايم .. اكلته و اديته الدوا ، و بعدين نايمته.
أومأت"ياسمين"رأسها باسمة ، فنظرت إليها شقيقتها فجأة ، و سألتها:
-هو انتي كنتي فين امبارح يا ياسمين ؟ مش امبارح كان يوم اجازتك بردو ؟؟
أجابت"ياسمين"مرتبكة:
-اه يا داليا امبارح كان يوم اجازتي.
-طيب كنتي فين ؟ صحيت من النوم ما لاقتكيش !!
قضمت"ياسمين"شفتها بقوة ، و لم تجد مفر ، و لأنها إعتادت الصدق ، و تمقت الكذب ، أخبرت شقيقتها بالأمر كله .. :
-لا حول و لا قوة الا بالله.
هتفت"داليا"مصدومة ، ثم تابعت متسائلة:
-يعني بجد المرض ده مالوش علاج ؟؟
زمت"ياسمين"شفتيها بأسف قائلة:
-لأ للأسف مالوش علاج.
تنهدت"داليا"بإشفاق ، ثم عادت تسألها مستغربة:
-بس بردو انا مش فاهمة حاجة .. انتي رحتي ليه مع عمر عند مامته؟ ابتسمت ياسمين ثم أجابتها بلطف مضطرب: - يا داليا قلتلك كانوا متخاصمين، وأنا اللي أقنعته يروحلها بالعافية بعد ما شفت الخبر في المجلة. وبعدين يرضيكي يعني الست تبقى في المحنة دي لوحدها؟ تأملت داليا الوضع، فاقتنعت بكلام شقيقتها، بل وقالت أيضاً: - عندك حق، عشان كده أنا بفكر آخد عدنان وأروح لها. - فكرة كويسة جدًا والله. هتفت ياسمين باسمة، فتلاشى حماس داليا حين قالت: - بس في مشكلة. - إيه هي؟ - هقول لعز الدين أنا رايحة فين؟ فكرت ياسمين لبرهة، ثم اقترحت: - قوليله هتاخدي عدنان للاستشارة عند الدكتور. ابتسمت داليا بخفة، وأومأت رأسها، وقد أعجبتها الفكرة: - طيب هروح امتى وإزاي؟ سألت شقيقتها مستوضحة، فأجابتها: - بكرة كويس، وأنا ممكن أجي معاكي، إيه رأيك؟ تنفست داليا بعمق، ثم أومأت رأسها موافقة. في الصباح التالي... وبينما كانت داليا تساعد عز الدين على ارتداء ملابسه كي يذهب إلى العمل، احتالت عليه حيث قالت له كاذبة أنها ستذهب مع شقيقتها بـ "عدنان" إلى الطبيب من أجل الاطمئنان عليه، فوافق في الحال بحسن نية، فأسرعت هي، وارتدت ملابسها، بعد أن غسلت عدنان وألبسته وأطعمته. ثم أخذته بين ذراعيها، وغادرت الغرفة، متجهة إلى ساحة القصر، حيث عمر وياسمين كانا بانتظارها، وما أن استقلت بابنها في المقعد الخلفي من سيارة عمر، حتى انطلق هو بسرعة متوسطة بناءً على طلب داليا. وصلوا أخيرًا إلى بيت السيدة كاميليا فهمي. أعجبت داليا بمنزلها البسيط، والرائع بنفس الوقت، كما أنها أغرمت بالديكور الداخلي، وعندما صعدت إلى الدور العلوي برفقة عمر وياسمين اللذين تقدماها حتى غرفة النوم، وجدت الغرفة فخمة الأثاث، وعلى الفراش الفارغ غطاء مزين بباقات من الأزهار الرائعة، مع وسائد ذات وجوه خضراء سندسية تناسب فخامة الغرفة الواسعة، وعلى جانبي الفراش كان هناك مقعدان جميلان في مقدمتهما، وألوانهما. أما التحف الخاصة بالسيدة الفاتنة، فقد تناثرت في أنحاء الغرفة مشيعة جوًا من الفوضى المحببة، هذا بالإضافة إلى صورها المعلقة على الجدران في كل مكان بالبيت، والتي تحكي تاريخ حياتها الفنية الناجحة، والرائعة. - أهلًا بيكم، اتفضلوا. التفتت داليا نحو مصدر الصوت، فوجدت السيدة تجلس على مقعد وثير قرب شرفة غرفتها، فابتسمت كاميليا بخفة، ودعتهم للجلوس إلى جوارها، فتقدمت منها داليا وهي تحمل عدنان بين ذراعيها، ثم جلست قبالتها على أريكة صوفية سوداء، فجلست ياسمين إلى جانب شقيقتها، بينما جلس عمر بمقعد إلى جانب أمه. أمعنت داليا النظر بوجه المرأة الحسناء الجالسة أمامها، رغم مرضها الذي أهلكها تمامًا، إلا أنها لا تزال محتفظة برونقها الجذاب، وبينما كانت داليا تتأملها مليًا، وجهت كاميليا نظرها إلى الصبي الصغير القابع بحضن أمه، فابتسمت بحنان وهي تتأمله عن كثب، رأت من خلال ملامحه شقاوة أبيه، وجده، ذلك العرق الدساس، ذلك النسل المتجبر، والفريد من نوعه لن ينتهي أبدًا. أطلقت كاميليا ضحكة رنانة، ثم قالت موجهة حديثها إلى داليا وهي لا تزال تتأمل الصبي: - تعرفي يا داليا، ابنك شبه أبوه بالظبط، صورة طبق الأصل منه لما كان طفل في سنه. ثم هزت رأسها، وقالت والدموع تتلألأ بمأقيها: - يا ربي بجد مش مصدقة، شبهه بجد، بس هو واخد عينيكي انتي. ثم سألتها: - ممكن أشيله؟ أومأت داليا رأسها مؤكدة، ثم نهضت، ووضعت الصغير على قدمي جدته، التي راحت تبتسم له وتلاطفه: - ألف سلامة على حضرتك، إن شاء الله المحنة دي هتعدي وهتبقي كويسة. قالت داليا ذلك باسمة، فبادلتها كاميليا الابتسامة بمثلها، ثم نظرت إليها، وانتظرت لثوان، ثم قالت فجأة: - أنا عايزة أشوف عز الدين. كان السكون شاملاً في تلك اللحظة، حتى عدنان الذي كان يطلق صياحه الطفولي المستمر، صمت، فتبادلوا الجميع النظرات في صمت مطبق، حتى قطعت داليا الصمت قائلة بتوتر: - يا مدام كاميليا، هو ما اتغيرش خالص. أومأت كاميليا رأسها بتفهم قائلة: - أنا عارفة انتي تقصدي إيه، بس هو مهما كان ابني وأنا أمه، لازم أشوفه قبل ما أموت. - أعتقد إنها فكرة مش كويسة! قالت ياسمين ذلك بتردد، فعبست كاميليا حاجبيها بوهن قائلة: - يعني إيه؟ مش هشوفه؟ كان الحديث صادقًا ومؤثرًا، كما كانت يدا كاميليا ترتجفان بصورة دائمة، بينما اندفعت داليا فجأة قائلة بتصميم: - هتشوفيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!