الفصل 38 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
29
كلمة
1,314
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 84%
حجم الخط: 18

في صباح اليوم التالي، استيقظ عز الدين بعد أن قضى الليل على أريكة مكتبه. أخذ حمامًا وحلق لحيته التي نمت كثيرًا، لكنه رفض تناول الطعام طوال اليوم. كان يعاني صداعًا رهيبًا، وظل هكذا لمدة يومين، ثم بدا أحسن حالًا وأكل قليلاً في الإفطار، حيث انعزل بنفسه عن بقية أفراد الأسرة.

وفي المساء، بدت عليه علامات تؤكد رجوعه لحالته الطبيعية، مما أراح داليا التي كانت تتحين الفرص لإلقاء نظرة فاحصة عليه. عاد أخيرًا إلى عمله وبدا أنه شفي تمامًا.

فيما كان قلق داليا على مرض عز الدين قد أنساها الكثير من الأمور، لكنها الآن تذكرت كل شيء بتعقيداته. كانت قد أرادت من قبل لمئة مرة أو أكثر أن تتحدث معه عن تلك المرأة التي كان لها دور هام في حياته، وعندئذ لابد أنه سيضطر إلى التعليق على هذا، أو على الأقل يشرح الوضع. لكن الشجاعة خانتها، فهو لا يزال غاضبًا ولا سبيل إلى رده عن غضبه إلا إذا فعل هو ذلك بنفسه.

كان كل يوم يمر يزيدها توترًا، لتوقعها أن تكون علاقته بجومانة قد توطدت من جديد. -ده اللي أنا كنت خايفة منه، وحذرتك يا عبير. قالت ريم ذلك تخاطب عبير هاتفيًا، ثم تابعت في لوم: -للأسف ما سمعتيش كلامي، أهي اللعبة كلها اتقلبت عليكي. -خالد اتغير أوي يا ريم. هتفت عبير باكية، ثم أضافت بنبرة متهدجة: -مش مصدقة إنه بيعاملني بالطريقة القاسية دي! عمري ما شفته كده يا ريم. ثم ازدادت همهمات بكائها. فتأثرت ريم لتعاسة صديقتها،

ثم راحت تهدئها قائلة: -طب خلاص يا عبير اهدي، إن شاء الله كله هيبقي كويس، ماتقلقيش، بس اهدي انتي دلوقتي عشان خاطري. وبالفعل، استطاعت عبير أن تهدأ قليلاً. بينما قالت ريم في تردد: -بس أرجع وأقول انتي اللي غلطانة، اتصرفتي بطيش كالعادة وهو أصلًا استحمل منك كتير وكان على آخره، فعمل فيكي كده. ثم تابعت في لطف: -معلش بقى حاولي تستحملي شوية وهو أكيد هيهدى من ناحيتك بعد فترة.

-أنا بقيت بكرهه أوي يا ريم، ده بيتعمد يهيني طول الوقت بالكلام والنظرات، معاملته ليا كلها إهانة وقسوة. ثم ازدردت ريقها بصعوبة، وقالت في حزم: -مش هينفع أفضل معاه، عمري ما هاسامحه أبدًا. ثم أضافت في ألم: -ده أنا كنت بدأت أحبه، والله كنت بحبه. -ولسه بتحبيه يا عبير. هتفت ريم بقوة، ثم تابعت في لطف: -بس انتي لسه زعلانة منه. قولتلك معلش استحملي شوية وهو هايرجع زي الأول صدقيني. ابتسمت عبير في مرارة، ثم قالت ساخرة:

-هايرجع زي الأول! بقولك مابقاش بيحبني، بيعاملني أسوأ معاملة، مش عارفة أشرحلك إزاي تاني! -أنا عارفة يا عبير، لكن انتي لازم تعذريه. ماتنسيش إنك غلطتي في حقه كتير. يعني تخيلي كده لو كل اللي جرى قبل كده ماكنش حصل، مش كنتي هاتعيشي معاه عادي؟ مش كانت حياتكوا هتبقى هادية؟ وكان هو هيفضل يحبك أكتر وأكتر؟ تأملت عبير كلامها متحسرة، ثم قالت: -واللي حصل العكس يا ريم! -كله هيبقي كويس صدقيني، بس انتي حاولي تكسبيه تاني واستحملي.

ثم صاحت متسائلة: -وإ صحيح بالنسبة لكليتك! هاتعملي إيه؟ ابتسمت في تهكم قائلة: -كلية! ده مانعني أخطو برا باب البيت! تأففت ريم في ضيق متمتمة: -انتي اللي جبتيه لنفسك، انتي اللي وصلتي نفسك لكده يا عبير. ثم تابعت سؤالها: -طيب إخواتك عرفوا حاجة؟ انتي ماقولتيش أي حاجة خالص؟ نفت عبير بقوة: -لأ طبعًا، هاقول إيه يا ريم؟ ثم تابعت بخفوت: -بس عمر اتصل بيا امبارح عشان يطمن عليا. ثم تنهدت في أسى، وأضافت:

-وطبعًا قولتله إني كويسة أوي وإني رجعت البيت مع خالد وأنا مبسوطة وإني كله تمام ومافيش أي مشكلة. -عملتي طيب، يعني انتي فاكرة لو كنتي قولتي له الحقيقة كان ها يسكت؟ لا ده كان ها يروح يبهدل خالد ويسأله عملت في أختي كده ليه فيقوله خالد على كل اللي حضرتك هببتيه، ونرجع تاني لنقطة الصفر مع كله بقى، مع خالد وإخواتك. شعرت ريم بأنها تمادت في توبيخ صديقتها، فعادت تقول في هدوء: -عمومًا زي ما قلتلك كله هيبقي تمام، بس اصبري شوية.

بينما بدت عبير تعسة إلى أقصى حد. -أنا بقول كفاية توسع، إحنا عندنا خطوط ملاحة في كذا دولة. قال خالد ذلك يخاطب عز الدين، الذي نهض من خلف مكتبه واستدار ثم جلس في مواجهة خالد قائلاً: -وإيه المانع لما نكبر أكتر وأكتر؟ الربح السنوي هيزيد، واسمنا هيتشهر على أوسع نطاق. -بس المديرين اللي ماسكين الفروع مش أهل للثقة، ممكن يعملوا شغل من تحت الترابيزة.

-لو ده حصل فعلًا ساعتها الترابيزة هاتتقلب عليهم. ماتنساش إن لجنه الضرائب بتعمل حملات تفتيش شهرية وإن كل مليّم بيتأيد وبيوصلنا كشف بكل حاجة والفلوس كلها بتتحول على حساب المقر الرئيسي هنا. هز خالد رأسه عابسًا، وقال: -أنا قلتلك رأيي، وانت حر. أومأ عز الدين رأسه قائلاً: -تمام، ابدأ بقى في الإجراءات وخلص. ثم هتف متابعًا: -وصحيح كنت هنسى أقولك.. بكرة مافيش شغل. -إزاي يعني؟

-هاديك إجازة يا سيدي، وهاتجيب عبير وتيجوا تقضوا اليوم عندنا في القصر. -إيه المناسبة طيب؟ تنهد عز الدين ثم أجابه: -فاكر لما قولتلك إني برتب لحاجة بقالي فترة؟ قطب خالد حاجبيه متذكرًا، ثم صاح قائلاً: -أيوه فاكر، حاجة إيه دي بقى؟ أجابه عز الدين باسمًا في هدوء: -بكرة هاتعرف. ثم عاد وجلس خلف مكتبه قائلاً: -المهم دلوقتي روح نفذ اللي اتفقنا عليه.

في الصباح التالي، أفاقت داليا على أصوات آليات آتية من الخارج. فتركت الفراش واتجهت نحو الشرفة وهي تفرك بعينيها لترى ما يحدث بوضوح. فشاهدت بعض العمال الذين انهمكوا في تجريف أرض حديقة القصر واقتلاع بعض الأشجار من جذورها، فيما كان عز الدين يتابعهم في اهتمام بالغ. عبست داليا متضايقة، فقد اقتلعوا أكثر شجرة استحوذت على إعجابها.

بعد قليل استيقظ عدنان، فأخذته داليا إلى الأسفل وأطعمته أولاً، ثم خرجت به إلى الحديقة. اصطدمت بعمر في طريقها، فسألته: -هو إيه اللي بيحصل هناك ده يا عمر؟ وأشارت له برأسها، فزم شفتيه وأجابها: -ده جوزك ياستي، بيحب كل فترة يجدد في الجنينة، يعني يغير النجيلة، أو يوسع أماكن ويستبدلها بحاجات جديدة وكده. همهمت داليا متفهمة، ثم قالت بأسف: -بس في شجرة شكلها كان حلو أوي اتشالت.

بينما راح عمر يداعب عدنان، الذي بدا سيء المزاج، حيث أنه أوشك على البكاء من مداعبات عمه. فقال عمر في لطف: -خلاص يا عم ماتعيطش، خليك مع مامتك ونبقى نلعب بعدين.

ثم اقترب منه وقبل وجنته سريعًا، وولج إلى الداخل. فيما كانت داليا ترتجف في كل أنحاء جسدها لأسباب مجهولة. فتوجهت نحو حديقة القصر وقدماها خائرتان. وعلى بعد خطوات منها لاحظت وجود مقعد فارغ، فجلست عليه بثقل، ثم أجلست عدنان فوق العشب الأخضر تحت قدميها، وراحت تتابع عن بعد زوجها والعمال. ثم شردت فجأة، كانت مضطربة حتى أعمق أعماقها، فريسة مخاوف وشكوك كبيرة. فحاولت جهدها أن ترتب أفكارها.

شعرت بانقباض وخدر في أطرافها السفلي، رغم أشعة الشمس الحارة. ثم راحت تحاكي نفسها.. إنها حقًا قلقة، بل مذعورة، لأنه ما زال يحب امرأة تدعى جومانة. فكل الدلائل تشير إلى أنه كانت له علاقة غرامية بها حتى عشية زواجهما، وربما حتى الآن!

ولدي انغماسها في أفكارها، نسيت مراقبة عدنان، الذي زحف على العشب حتى وصل إلى منتصف حديقة القصر الشاسعة. ولما أدركت داليا الأمر كان قد فات الأوان. فقد زحف عدنان إلى المنطقة الخطرة، حيث تلك السيارة الصفراء الضخمة متوجهة نحوه مباشرة، وستدهس جسده الصغير لا محالة.

أرادت داليا الصراخ، لكن صوتها أبى الخروج، فالصدمة أخرستها كليًا. فيما راح قلبها يخفق بسرعة، وهي تحدق مذعورة بطفلها الذي ظل يجتاز الحديقة وهو يحبو. لم يكن الطفل يعي الخطر، إنما أراد لفت نظر والده إليه. لكن عز الدين كان منغمسًا بمهمته ومديرًا إليه ظهره. بينما خرج صوت داليا أخيرًا. حيث أطلقت صرخة ثاقبة، فالتفت عز الدين ورأى بوجه مرعب الفاجعة التي أوشكت على الحدوث.

هذه الصرخة المؤلمة مزقت صمت الموت الذي كان يعم الأجواء، فيما اندفع عز الدين نحو ابنه الذي كان يزحف في هدوء. وفي هذا الوقت بالذات، هاجمت السيارة الضخمة عليهما. فأغمضت داليا عينيها وفقدت وعيها وهي موقنة أنها فقدت أحدهما.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...