بعد يوم طويل ومرهق بالعمل، امتن "خالد" لتلك المياه الدافئة التي ساعدته على استعادة نشاطه وعافيته بعد اغتساله بها. فيما ارتدى ملابس نظيفة، غادر الغرفة بسرعة متوجهًا إلى الطابق السفلي، إذ كان يبحث عن "عبير" التي وجدها بسهولة، حيث كانت تقف في المطبخ تباشر طهي الطعام. فدلف "خالد" إليها وجلس إلى الطاولة المخصصة لتقديم الوجبات. بينما انتبهت "عبير" إليه، استدارت وحدقت به بتكاسل مرهق قائلة: -دقيقتين والأكل هيكون جاهز.
قطب "خالد" حاجبيه، ثم راح يتأمل حركاتها الهزيلة، إذ بدت مرهقة إلى أقصى حد، عيناها ذابلتان، شفتاها شاحبتان، حتى وجهها ملأه اصفرار حاد. رمش في اضطراب وانتابه قلق جاهد في إخفائه حتى نجح فعلاً، عندما أقبلت "عبير" نحوه وبدأت في وضع أطباق الطعام أمامه. رسم على وجهه معالم الجفاء والصرامة، فيما سألته "عبير" بنبرة خافتة شاحبة: -عايز حاجة تاني يا خالد؟ رفع رأسه بحدة ليحدق إليها بنظرة قاتمة ثاقبة، وقال:
-لأ شكراً، اقعدي كلي بقي. هزت رأسها بوهن قائلة: -لأ أنا مش عايزة آكل، ماليش نفس. -قلتلك اقعدي. أرادت أن تحتج مرة أخرى، فهتف بقوة: -اقعدي. أطرقت رأسها بقلة حيلة، ثم سحبت مقعدًا مرفقًا بطاولة الطعام، وجلست إلى جانبه. تم العشاء في جو متوتر، و"عبير" الشاحبة، ذات النظرة الحزينة، حافظت على الصمت أمام نظرات "خالد" المراقبة.
بينما كانت تشعر بصعوبة كبيرة في ابتلاع الطعام، إذ أن الإعياء احتلها فجأة ومن دون مقدمات، ولوهلة أحست بتقلص حاد بمعدتها، فتوقفت فورًا عن الطعام. فانتبه "خالد" إليها، وراح يعينها مطولاً، ثم سألها بجفاف: -مابتكليش ليه؟ وضعت "عبير" شوكتها على الطبق لتواجهه، فاختلج محياها بإعياء قبل أن تجيبه بصوت محشرج: -شبعت خلاص. ابتسم "خالد" بتهكم قائلاً: -لأ يا عبير لازم تتغذي كويس، عايزة اخواتك يقولوا اني مجوعك! رمقته بأسى عارم،
ثم سألته: -مش شايف انك زودتها معايا أوي يا خالد؟ قهقه "خالد" عالياً، ثم قال: -هو انتي لسا شفتي حاجة يا روحي؟ أنا مش هاسيبك إلا أما أخلص فيكي القديم قبل الجديد. ثم تناول كأس الماء وارتشف القليل، ثم أزاح طعامه جانباً لينحني عبر الطاولة لكي يقول بجفاف، وهو يحدقها بنظرة مركزة:
-واللي هايريحني أكتر، إني أجيب منك ابن وأربيه على فكرة واحدة.. وهي إن أمه قد إيه كانت ست محترمة، خدعت أبوه.. باعت نفسها مرة.. وكانت عايزة تكررها تاني. لم تتمكن "عبير" من الرد على كلامه الجارح المهين، وعوضاً عن ذلك، غرست أظافرها براحتها بقوة لتحافظ على الدموع بعينيها لئلا تسقط وتكشف عن ضعفها. بينما أضاف "خالد" بازدراء فظ:
-ولحد ما الطفل ده يجي، مش هتتنقلي من هنا لأني ماضمنش تصرفات واحدة زيك، ولأني كمان ماحبش أبداً يبقى عندي شك واحد في المليون إن الطفل ده ممكن مايكونش ابني. ضربة جديدة أقوى من أي شيء، وهذه الذكرى اللاإرادية لماضيها فتتت قلبها، فحاولت كبت بكائها لكن الدموع راحت تتلألأ من جفنيها، فصاحت به بأعلى صوتها: -انت حيواااان. ثم هبت واقفة، إذ أصابها الغثيان فجأة، فغطت فمها بكفها واندفعت راكضة صوب الحمام حيث تقيأت بقوة.
ثم جثت أرضاً على ركبتيها وهي تنشج بالبكاء المر، بينما لم تفطن لوجود "خالد" إلا الآن، عندما شعرت به ينحني فوقها، وأحست بيده الدافئة تبعد الشعر الذي تناثر حول وجهها بفوضوية. فتطلعت إليه واجمة، ولكنها لم تستطع رؤية ندمه اللاذع وذعره الشديد عليها بسبب موجة الإعياء التي اكتسحتها، فيما صرخت بوجهه في هيستيريا قائلة بصوت أجش: -اطلع برااااا، سيبني بقي في حالي، أنا بكرهك يا خالد مش عايزة أشوفك تاني أبداً، مش عايزة أشوفك.
راعي "خالد" موقفها، فتركها وشأنها حتى استعادت بعضاً من تماسكها، ولكن حين استدارت أخيراً لتواجهه، لم تآبه بتاتاً لشحوب وجهه المتقلص، ولا للخوف العميق بعينيه. وعندما تحاملت على نفسها ونهضت متجهة إلى خارج الحمام، حاول "خالد" مساعدتها، فحادت عنه بعصبية، فسكن بمكانه. بينما تابعت سيرها حتى وصلت إلى الطابق العلوي، ثم إلى غرفتها، حيث أمضت بقية الليل ترتعد وتتعذب مسهدة. -اتفقنا؟
قالتها "داليا" وهي تخاطب "آية" أمام غرفة المطبخ، فيما أجابت "آية" باسمة: -اتفقنا حضرتك. -جميل، جهزي نفسك بقي بكرة الصبح عشان هبعت معاكي السواق يوصلك لحد البيت. -حاضر. رمقتها "داليا" بابتسامة هادئة، بينما أتى "عمر" في تلك اللحظة، واقترب من "داليا" بتجهم قائلاً: -داليا.. من فضلك عايزك في كلمتين. -طيب عن اذنكوا. قالتها "آية" ثم انسحبت في هدوء، فيما رفعت "داليا" رأسها وتطلعت إلى "عمر" بوجوم قائلة: -خير يا عمر؟ عايز ايه؟
تنفس "عمر" بعمق، ثم أجابها: -كنت عايز أكلمك بخصوصي أنا وياسمين. رفعت "داليا" إحدى حاجبيها مصغية إليه، فتابع بتوتر: -أنا بحبها.. والله بحبها جداً يا داليا. -واللي بيحب حد يا عمر يعرض سمعته للخطر؟ اللي بيحب أصلاً بيداري حبه؟ قولي كنت مستني إيه؟ إيه اللي كنت منتظره يعني من الحب ده؟ -الجواز طبعاً. هتف "عمر" بجدية بالغة، فأومأت "داليا" رأسها قائلة: -حلو، وماجيتش تكلمني ليه من الأول؟
انت خليت منظرك ومنظرها قدامي وحش أوي لما دخلت عليكوا فجأة ولقيتكوا في الوضع اللي كنتوا فيه. -وضع إيه بس!! قال "عمر" مستنكراً، ثم تابع شارحاً: -إحنا ماكناش بنعمل حاجة غلط، أنا بس كنت آا.. -ماشي أنا عارفة إنكوا ماكنتوش بتعملوا حاجة غلط. قاطعته "داليا" مجارية، ثم تابعت: -بس ايا كان.. لو حد غيري كان شاف حاجة زي دي كان هيبقي إيه الموقف؟ تنهد "عمر" بثقل، ثم أطرق رأسه قائلاً:
-عموماً يا داليا أنا عايزك تتأكدي إني عمري ما فكرت آذي ياسمين، بالعكس أنا بحبها أوي وماقدرش استغنى عنها أبداً.. فأرجوكي تقبلي بجوازنا. صمتت "داليا" لثوان، ثم قالت: -ماشي يا عمر.. أنا موافقة. رفع "عمر" رأسه سريعاً وقد أشرق وجهه بابتسامة عريضة، وقال: -بجد يا داليا؟ أومأت "داليا" رأسها قائلة: -أيوه بجد.. بس بعد ما تخلصوا دراسة انتوا الاتنين.. لكن نقدر في الفترة دي نعمل خطوبة عشان المظهر العام قدام الناس.
تهلل وجه "عمر" بفرحة عارمة، أعرب عنها حين أمسك يدي "داليا" ورفعهما إلى فمه ليقبلهما. بينما كان يقف بعيداً يراقب هذا المشهد في غضب ساحق. بقي داخل مكتبه لثلاث ساعات، كان يذرع الأرض ذهاباً وإياباً كأسد حبيس. كلما ومضت بمخيلته صورتهما معاً، يصيبه جنون هائل يدفعه إلى فعل أي شيء متهور، ولكن استطاع بمعجزة أن يكبح جماح غضبه. فغادر مكتبه بسرعة متوجهاً نحو غرفة شقيقه، دفع باب الغرفة بعنف ودلف.
بينما نهض "عمر" عن فراشه، ثم انتزع سماعتي أذنيه، واقترب من شقيقه متسائلاً بوجه قلق: -إيه يا عز؟ في حاجة؟ مد "عز الدين" ذراعه الأيسر لإصابة الأيمن بالكسر، وجذب "عمر" من ثيابه، ثم قال وهو يزأر من بين أسنانه: -ماكنتش اتخيل عمري إني أشوفك في وضع زي ده. -وضع! انت بتتكلم عن إيه؟ سأله "عمر" مقطباً، فصاح "عز الدين" بغضب: -إزاي تجيلك الجرأة تفكر في مرات أخوك؟ اتسعت عينا "عمر" بدهشة عارمة، فنزع يد شقيقه عنه بقوة صائحاً:
-انت بتقول إيه؟ انت اتجننت؟ إيه اللي انت بتقوله ده أصلاً؟ مراتك دي بقت أختي من يوم ما اتجوزتوا ولا يمكن أفكر أبصلها حتى! -أنا شفتكوا تحت بعيني. هتف "عز الدين" بعنف، فقطب "عمر" حاجبيه متمتماً: -شفت إيه؟ ثم صاح بسرعة: -آااه.. لأ انت فهمت غلط، أنا كنت آا.. -أنا فاهم صح جداً. قاطعه "عز الدين" بلهجة صارمة، فباغته "عمر" بقوة: -لأ انت مش فاهم حاجة.. أنا كنت بتكلم مع داليا من شوية في موضوع يخصني أنا وأختها.
عبس "عز الدين" وجماً، فأومأ "عمر" رأسه متابعاً: -أنا وياسمين بنحب بعض، ولو كنت حضرتك سمعت الحوار من أوله كنت عرفت إني كنت بطلب إيد أختها. نظر "عز الدين" بوجه شقيقه المنفعل في تشكك، ثم استدار راحلاً بخطى واسعة، صارمة. بينما زفر "عمر" وهز رأسه في ذهول مردداً: -مجنون!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!