الفصل 43 | من 45 فصل

رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
36
كلمة
1,308
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

عندما عاد عز الدين إلى المنزل بساعة متأخرة من الليل كما اعتاد أن يفعل مؤخراً، اصطنعت داليا النوم وأرادت أن تهرب من مواجهته هذه المرة. فيما أيقنت أن النوم سيجافيها خلال تلك الساعات الطويلة التعسة، رغم أن إرهاقاً مميتاً بدأ يزحف على جسدها، تاركاً ذهنها وعواطفها فقط مستيقظة يلهبها الألم بسياطه. وخلال صراعها هذا سمعت عز الدين يتحرك بالفراش، فحبست أنفاسها متسائلة: هل ما زال مستيقظاً؟

وتمتت من كل قلبها أن يتمتم أو يتكلم عبر الظلام فتستمد من ذلك راحة، لكنه لم يفعل. وعبست ثانية. من المؤكد أن تلك أقسى أنواع الوحدة، فهي وحيدة منذ مدة طويلة. وأخيراً هدها التعب فغطت في نوم عميق حتى استيقظت فجأة من كابوس مزعج بعد عدة ساعات وهي تشعر بأنها لم تنم سوى دقائق. فانتصبت نصف جالسة على الفراش. ورأت الستائر لا تزال مسدلة رغم أن ثمة أصوات آتية من الخارج مما يوحي ببدء نهار جديد.

ثم أخيراً أدركت أنها وحدها. فنظرت إلى ساعة التنبيه التي وضعت فوق طاولة صغيرة قرب الفراش، فوجدت أنها الرابعة. فظنت أنها متوقفة ووضعتها على أذنها، فوجدتها منتظمة لم تتوقف. فنهضت من فراشها وألقت نظرة على فراش طفلها، لتجده خالياً. وأدركت مرة أخرى أن خلو الغرفة لم يكن وليد خيالها. فارتعدت قلقة على ابنها وتساءلت: أين هو؟ ولم تمر ثانية أخرى ودلفت شقيقتها إلى الغرفة صائحة: -إيه يا داليا هتفضلي نايمة كده لحد امتى؟

تجاهلت داليا سؤال شقيقتها، وعوضاً عليه سألتها هالعة: -هو عدنان فين؟ فأجابتها ياسمين في هدوء: -تحت مع باباه. أراحتها تلك الإجابة كثيراً، فتنفست الصعداء. ثم عادت تسألها ذاهلة: -معقول! عدنان مع عز الدين! قهقهت ياسمين بخفة قائلة:

-آه لو تشوفيهم مع بعض تحت، عز الدين بتاعك ده قاعد بقلاوة كالعادة بيشرب الشاي وبيقرأ الجرايد، وعدنان قاعد قصاده سااااكت لا صوت ولا حركة، مش بيتشاقى، مش بيعيط، مش زهقان قاعد في منتهى الهدوء. أنا حقيقي استغربت. ثم أضافت باسمة: -شكله بيحب أبوه أوي. ابتسمت داليا مؤيدة شقيقتها، ثم قالت: -كتير بحس إنهم شبه بعض أوي شكلاً وموضوعاً.. وأد إيه أنا مبسوطة بكده. -طيب يا ستي ممكن بقي تفوقيلي شوية؟

المفروض النهارده خطوبتي يعني وأنتي أختي المفروض بردو تبقي جنبي. ضحكت داليا عالياً، ثم قالت في لطف: -ماشي يا حبيبتي. روحي على أوضتك واستنيني دقايق وهكون قدامك. *** على الطرف الآخر.. عندما استعادت عبير وعيها، كانت مستلقية بحرية فوق فراش خالد الوثير الذي باتت تشاركه إياه منذ عدة أسابيع.

تذكرت آخر أحداث اليوم الماضي، ثم تحركت قليلاً فلاحظت أن آلامها خفت إلى حد ما، وأن جسدها شبه العاري مرتاح بعض الشيء. فرفعت نفسها قليلاً لتنظر بإرجاء الغرفة، فدهشت حين رأت الشمس بدأت تغيب، بينما دلف خالد إلى الغرفة في تلك اللحظة دون سابق إنذار! فرفعت الغطاء القطني بسرعة فوق صدرها، واحمر وجهها خجلاً عندما تبادر إلى ذهنها فوراً أنه هو الذي خلع عنها ثيابها. فيما وقف قربها وسألها باهتمام: -عاملة إيه؟ حاسة بتحسن؟

أومأت عبير رأسها قائلة بعد أن أشاحت بوجهها عنه في حياء: -آه.. حاسة بتحسن كبير.. شكراً. بس هو إيه اللي حصل بالظبط؟ تنحنح خالد ثم جلس إلى جانبها على حافة الفراش، وأجابها وهو ينظر بعمق إلى عينيها: -أنتي أغم عليكي.. فجبتلك الدكتور وكشف عليكي و.. -وإيه!! سألته مترقبة، فصمت لثوان، وأجابها بشجاعة: -أنتي حامل يا عبير. نظرت إليه عبير وهي لا تصدق أذنيها، بينما رمش مضطرباً. ثم أضاف:

-الدكتور بيقول إنك مش لازم تتحركي من السرير خالص، لازمك راحة تامة. أشاحت عبير بوجهها عنه، ثم قالت في وجوم: -طب وخطوبة عمر! مش هاروح يعني؟ لم يرفع نظره عنها، بل قال بنبرة جادة لا تقبل النقاش: -مش هاتروحي لأي مكان. أنا هاروح أعمل الواجب وهرجع بسرعة مش هتأخر. ضغطت عبير على شفتيها، ثم قالت: -طيب لو سمحت ابقي خد آية معاك عشان تساعد الناس اللي هناك. -ومين ياخد باله منك!! ردد مستنكراً، فأجابت متأففة:

-أنا مش بحتاج حاجات كتير وأنا قاعدة لوحدي. هي ممكن تغديني وبس. بس لازم تاخدها معاك. بدت مصرة على رأيها، فعبس قائلاً: -طيب.. بس تاخدي بالك من نفسك وما تقوmيش من السرير خالص. ولو عوزتي أي حاجة اتصلي بيا وأنا هاجيلك فوراً. رمقته عبير في تشكك قائلة: -ماشي!! *** في المساء.. بعد أن انتهت داليا من نفسها ومن شقيقتها، أخذتها إلى الأسفل، إلى حيث كان البقية ينتظرون بقاعة المنزل المترف.

كان عز الدين بحلته السوداء رائعاً كالعادة. بدا رزيناً ومتحفظاً كعادته أيضاً. كما بدا عمر أكثر نضجاً ومتصابياً قليلاً في ردائه المؤلف من سروال أسود، وقميص أبيض تحكمه من الأعلى ربطة عنق سوداء أخذت كناية عن لون الفستان الذي ارتدته ياسمين. توجه الجميع إلى قاعة الطعام وأخذوا أماكنهم. بينما راحت داليا تتأمل جمال القاعة التي زينت بذوق رفيع، وخاصة تلك السجادة التارتان الكبيرة، وفروع الإضاءة الكثيرة.

كانت تجلس بين عز الدين وشقيقتها. وطوال فترة الطعام كانت تحس وجوده بكل جزء من كيانها. ومراراً انجذبت عيناها إلى محياه الوسيم واستقرت عليه لا إرادياً. كانت ترتدي الأسود أيضاً مع وشاح من الحرير الأحمر يظهر عنقها البض وكتفيها. أما شعرها الكثيف، فقد سرحته بحيث بدا كغيمة كستنائية تموج حول وجهها وكتفيها وتنسكب خصلات منه على وجنتيها.

جاذبيتها تلك الليلة لم تغب عن عز الدين وانعكس إعجابه بها في إلق عينيه حين استقرت على قوامها الأهيف. إنما لم يعبر عنه بأي كلام. بينما تمنت في حرقة لو يفعل! خالد من جهته أطري جاذبيتها علناً، لكن كلماته لم تبلسم قلبها المجروح. فهي لم تكن تريد إطراء إلا من زوجها. -فين عبير يا خالد؟ ما جاتش معاك ليه؟ قال عز الدين تلك الجملة متسائلاً. فصمت خالد للحظات ثم أجابه:

-أصلها تعبانة شوية.. أنا حتى مش هطول في القاعدة معاكوا للأسف عشان متأخرش عليها. -تعبانة إزاي يعني؟ مالها يا خالد؟ سأله عز الدين عابساً. فهدئه خالد قائلاً: -هي كويسة خالص. بس.. هي حامل.

ساد صمت مطبق على الجميع للحظات، فقطعته داليا مهنئة لتتوالى التهنئات تباعاً من جميع أفراد الأسرة الصغيرة. فشكرهم خالد بابتسامة ودودة. ثم توجهوا جميعاً بعد العشاء إلى قاعة الجلوس مجدداً وتناولوا القهوة إلى أحد الطاولات المتوسطة. بينما نهض عمر متجهاً إلى الستريو وأدار بعض الموسيقى الخافتة والحالمة. ثم عاد ليقف أمام ياسمين ثم مد يده لها. فمنحته ابتسامة رقيقة، وأعطته يدها. فجذبها إليه حتى وقفت في مواجهته مباشرة. ثم أخرج من جيبه تلك العلبة السوداء المخملية وفتحها. ثم راح يضع قطعتي الذهب بأصابع ياسمين التي وضعت بإصبعه خاتمه الفضي بدورها.

فتعالى صوت التصفيق من حولهما وسط هتافات التهنئة الحارة. بينما طبع عمر قبلتين على أيدي ياسمين ثم وضع يد حول خصرها وآمسك يدها بالأخرى وطلب منها مراقصته. ورغم جهل ياسمين بالرقص، قبلت طلبه. فوجدت نفسها تدور راقصة بين ذراعي عمر فراحت تتبع خطواته الخبيرة وهي تقهقه فرحة. فيما شدد عمر قبضته على خصرها وهو يطوحها معه أمام جمهور المشاهدين حولهما. ثم فجأة، ومن دون سابق إنذار، سقطت ياسمين مغشياً عليها. *** على الطرف الآخر..

تسللت آية بخطى خفيفة إلى الطابق العلوي، ثم إلى غرفة داليا وهي تتلفت حولها يمنة ويسرة.

دلفت إلى الغرفة مسرعة، ثم اتجهت نحو فراش الصبي النائم في هدوء. وبخفة يد، أخذته من مهده بين ذراعيها فتثاءب الصغير بأحضانها، وسكن مرة أخرى. فاندفعت تعدو به إلى الخارج بحتراس. ثم هبطت الدرج بخطوات هادئة. ولحسن حظها كان هناك ضجيج بقاعة الجلوس، مما جعلها تأخذ طريقها دون خوف إلى خارج المنزل ثم إلى خارج القصر بأكمله وهي مطمئنة إلى أن طاقم الحرس كله متواجد بقاعة المطبخ الآن لتناول العشاء المفتخر الذي أقامه سيد القصر الليلة على شرف شقيقه الصغير.

انتبهت آية إلى بوق تلك السيارة التي وقفت على بعد أربعة أمتار منها. فأسرعت إليها وأسلمت الطفل إلى امرأة جلست بالمقعد الخلفي قائلة: -أول ما توصلي هناك هتلاقيها نايمة تحت تأثير المخدر اللي حطيتهولها في الأكل.. أنتي عارفة هتفوقيها إزاي. وعارفة كمان هتعملي إيه بعد كده. خدي المفتاح أهو. ثم أعطتها نسخة عن مفتاح خاص بها، وتركتها مهرولة في اتجاه القصر مجدداً.!!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...