تحميل رواية «حتى اقتل بسمة تمردك (1» PDF
بقلم مريم غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان ظهرا حارا تحت سماء إحدي المدن الأوروبية عندما دلف "عز الدين" إلى الغرفة التي حجزها بأحد الفنادق لإقامة حفل افتتاح إحدى فروع مجموعة شركات. أسرع "عز الدين" إلى غرفته ثم دلف إلى الحمام مباشرة بعدما خلع سترته وفك ربطة عنقه والأزرار الثلاث العليا من قميصه، بحيث بدا صدره القوي الصلب النامي العضلات. ثم فتح صنبور المياه، أخذ بكفه بعض القطرات الساخنة ومسح بها على وجهه وشعره. ثم فجأة سمع صوت رنين هاتفه يتعالى بنغمته الصاخبة، تجاهله للحظات إلى أن ينتهي، حتى انقطع تماما. عاد إلى الغرفة لامع البشرة ولا ي...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مريم غريب
ركضت "داليا" مهرولة خارج محيط القصر، وهي تفر كالعمياء لتختفي عن متناوله تمامًا. كان الليل قد أرخى سدوله، لكن القمر أضاء لها مواطئ قدميها على الطريق أمامها. وهكذا مضت تعدو مهرولة، ولم تتوقف إلا مرة واحدة لكي تنزع حذاءها الضيق الذي كان يعرقل خطواتها لدي ركضها على الحصى المنتشر والمتداخل بين الرمال.
لم تدرك مدى حماقة هروبها إلا حين هطل عليها المطر الغزير وهي وحيدة تمامًا بالطريق. شعرت بشيء من الخوف يحثها على العودة، لكن جاء رد عقلها عنيفًا آمرًا إياها بمواصلة ما عزمت على تنفيذه.
ثم فجأة، أصدر هاتفها نغمته الصاخبة معلنًا عن وصول رسالة جديدة. أخرجته من جيب كنزتها الصوفية بيد مرتعشة، ثم فتحت الرسالة. كان هو المرسل. رسالته وجيزة ومقتضبة، ومنها علمت "داليا" كم هو غاضب وخطير الآن. كانت الرسالة مقتصرة على كلمتين: "انتي فين؟".
بعد أن قرأت الرسالة، فكرت مذعورة بأنه محتمل جدًا وصوله إليها بأي لحظة. شعرت أنه سيلحق بها خلال لحظات وهي ما زالت على بعد مسافة قصيرة من القصر. تحاملت على نفسها واندفعت راكضة من جديد. كانت تزداد قوة كلما تذكرت تلك الرسالة التي وصلتها من "جومانة" منذ قليل، والتي كانت تحتوي على صورة لها مع "عز الدين" في وضع مخزٍ، حيث كانا يتبادلان القُبل بحرارة.
ثم فجأة، لم تستطع أن ترى شيئًا، إذ غمرت الدموع عينيها. فتعثرت قدمها لتنكفأ أرضًا على وجهها، تلطخت ثيابها بالوحل كما تلطخت بشرتها أيضًا. لم تستطع الحراك، إذ أن البرودة التي شعرت بها جراء الجو الماطر والعاصفة المهيبة جمدت الدماء بعروقها، حيث تصلب جسدها بهلع. أطلقت نشيجًا مختنقًا وأخذت تتضرع إلى الله بأن لا يتمكن "عز الدين" من العثور عليها.
وكأن أبواب السماء فُتحت توا لتلبية دعائها، إذ أنها سمعت صوت إحدى السيارات مقبلة نحوها. ارتعد جسدها بضعف فهي توقعت أنه وصل إليها. كان المطر قد توقف عن الهطول، بينما أدارت رأسها بضعف شديد. ثم انتظرت حتى اتضحت الرؤية، فوجدت امرأة في أواسط العمر منحنية عليها باهتمام شديد.
قالت المرأة وهي تمسح الشعر المبلل عن وجه "داليا":
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. انتي كويسة يا حبيبتي؟ مالك إيه اللي حصل؟ انتي هنا ولا إيه حكايتك بالضبط؟
فشلت "داليا" في إخراج كلمة واحدة من حنجرتها، فأرخت رأسها تعبة. فيما أمسكت بها المرأة دون تفكير وساعدتها بجهد كبير إلى أن وقفت على قدميها. فسارت بها حتى وصلا إلى السيارة، فأجلستها بالمقعد الخلفي. ثم استدارت وأخذت مكانها على المقعد الأمامي خلف المقود، ثم شغلت المحرك قائلة:
- ماتقلقيش.. هوديكي المستشفى.
أغمضت "داليا" عينيها بضعف ثم ألقت برأسها إلى الخلف. توالت رعشاتها وشعرت بأن الحمى أصابتها. أخذت تنتحب بصمت إلى أن توقفت السيارة بصورة تدريجية بعد مدة قصيرة. عجزت عن فتح عينيها، لكنها جاهدت وفتحتها قليلاً، فرأت لجنة أمنية من خلال زجاج السيارة الأمامي. عادت تغمض عينيها بوهن من جديد وهي عاجزة تمامًا عن الحراك. فيما سمعت حديث رجل الشرطة مشوش، لم تستطع تمييز جملة واحدة.
وبعد مرور عدة دقائق قليلة جدًا، شعرت فجأة بيدين تحملانها من السيارة بلطف حازم. فتحت عينيها بجهد لتكتشف أنه أدركها أخيرًا. مهما فعلت، لن تفلح محاولاتها في الهرب منه أبدًا. شعورها بالصدمة والخوف ألجم لسانها الثقيل، فتأوهت بخفوت وألقت رأسها على صدره الصلب، حيث استنشقت عطره الرجولي الذي كان له التأثير الأكبر في تهدئة أعصابها قليلاً.
بينما وقف للحظات، سمعته يشكر الشرطي الذي أجابه بلطف:
- دي أقل حاجة ممكن أعملها يا عز الدين بيه.. حمدلله على سلامة المدام.
سمعت "داليا" صوت "عز الدين" وهو يشكر الشرطي مرة أخرى على اهتمامه بالأمر. وعندما سار بها باتجاه السيارة، دفنت رأسها في صدره متعبة ومنهكة القوى. "اللعنة"، خاطبت نفسها. لا تزال تشعر بالدفء داخل أحضانه، كيف؟ ولكن رغم ذلك، لم تنطفئ نيران الغيرة والغضب المتأججة بصدرها تجاهه.
- مجنونة! غبية.
همس في أذنها بحنق وهو يضعها في المقعد الأمامي من سيارته، ثم أضاف مزمجراً:
- عايزاني أعمل فيكي إيه دلوقتي؟
لم تجد جواباً، بل اكتفت بالاستلقاء في مقعدها صامتة. وطوال الطريق إلى القصر، لم تكن تسمع سوى صوت تنفسه الغاضب. وعندما حملها مرة أخرى لدي وصولهم إلى القصر، استسلمت إليه بشعور المهزوم الضعيف الذي لا يملك حولاً ولا قوة.
بينما هرعت "ياسمين" مهرولة من الداخل باتجاه شقيقتها قائلة في وجل:
- داليا.. إيه اللي حصلك يا حبيبتي؟ ومالك متبهدلة كده ليه؟ إيه اللي خرجك أصلاً وإنتي تعبانة؟
لم تستطع "داليا" الرد على شقيقتها، فأجاب عنها "عز الدين" في هدوء قائلاً:
- ماتقلقيش يا ياسمين، هتبقى كويسة.
وفي غضون دقائق معدودة، كانت ممدة على الفراش عاجزة، خائفة، متوترة من عودتها إليه وقلقة من مواجهته. وقف "عز الدين" إلى جانبها، بينما جلست "ياسمين" قربها ثم تحسست جبهتها قائلة:
- يا خبر.. إنتي حرارتك عالية قوي.. إيه اللي إنتي عملتيه في نفسك ده بس؟ يعني لو كان حصل أي حاجة للبيبي كنتي هتتبسطي؟
ارتعد جسدها بقوة جراء قول شقيقتها، فتحولت نظرها إليها في صدمة متسائلة:
- بيبي!!
- أيوه يا داليا.. إنتي حامل وبتصرفك ده كان ممكن تفقدي طفلك.. أنا مش فاهمة إيه اللي خلاكي تعملي كده بس! ليه سبتي البيت فجأة؟
صمتت "داليا" ذاهلة، بينما هتف "عز الدين" بصوته العميق:
- طيب، أنا هاسيبكوا مع بعض شوية.
حولت "ياسمين" نظرها إليه قائلة:
- تمام، أنا هساعدها تغير هدومها وهديها علاج مخفض للحرارة.
أومأ "عز الدين" رأسه عابساً، ثم مضى تاركاً الغرفة بأكملها بعد أن أغلق الباب من خلفه. فتنهدت "ياسمين" بعمق ثم التفتت إلى شقيقتها ومسحت على شعرها قائلة:
- إيه يا داليا.. إيه اللي حصل يا حبيبتي؟ ليه سبتي البيت بالطريقة دي وإنتي تعبانة كده؟
هزت "داليا" رأسها بضعف ثم نطقت بصعوبة قائلة:
- ياسمين.. لو سمحتي أنا مش قادرة أتكلم دلوقتي خالص.
زمت "ياسمين" شفتيها بقلة حيلة ثم قالت:
- ماشي يا داليا.. براحتك.. بس واضح إن في شيء خطير حصل وهو اللي دفعك للتصرف ده.. أنا مش عايزة أعرف إيه اللي حصل، لكن عايزة أيكي إنتي تعرفي إن أنا جنبك دايماً.. عشان كده لو حصل معاكي أي حاجة تانية بعد كده ضايقتك بالشكل ده، ارجوكي ماتكرريش اللي عملتيه النهارده تاني وتعالي اتكلمي معايا.. شاركيني يا حبيبتي، أنا اختك ومش هضرك.. أي مشكلة هنحلها إحنا الاتنين.. بدل ما يبقى رأي واحد وقرار واحد، يبقى رأينا إحنا الاتنين وقرارنا إحنا الاتنين.. على الأقل عشان ماتقلقينيش عليكي زي ما عملتي النهاردة.
تنهدت "داليا" بثقل ثم أومأت رأسها موافقة. فمنحتها شقيقتها ابتسامة بسيطة، ثم نهضت وساعدتها على الوقوف. أخذتها "ياسمين" إلى الحمام ثم ساعدتها على تبديل ملابسها، وهي تقول:
- إنتي بقى ماشوفتيش عز الدين بتاعك ده كان عامل إزاي لما اكتشف إنك مش موجودة في البيت كله.. كان فاضله شوية ويتحول على الكل بمجرد ما كان بيتخيل إن ممكن يكون حصلك حاجة وحشة لا قدر الله.
كانت "داليا" أكثر إرهاقًا من أن ترد على مداعبة "ياسمين" التي تابعت بصدق:
- كان قلقان عليكي أوي.. ماسبش حد إلا وسأله عليكي وبهدل الناس الواقفين على البوابة بصراحة.. قلب الدنيا لحد ما جاتله مكالمة عنك، فجري عليكي بسرعة.. صحيح، إنتي كنتي فين؟
تجاهلت "داليا" سؤالها، بينما صمتت "ياسمين" من أجل راحة شقيقتها. ثم عادت بها إلى الغرفة، وعندما استقرت "داليا" بالفراش في هدوء، تحسست "ياسمين" جبينها ثم قالت:
- لأ، حرارتك انخفضت الحمدلله.. مش هتحتاجي لدوا.. أحسن.
دخل "عز الدين" في تلك اللحظة قائلاً:
- تقدري تتفضلي إنتي دلوقتي يا ياسمين.. أنا هاخد بالي منها.
ألقت "ياسمين" نظرة أخيرة على شقيقتها ثم نهضت منسحبة في هدوء. بينما اقترب "عز الدين" منها قائلاً بوجوم:
- إزيك دلوقتي؟
ازدردت ريقها في توتر قائلة:
- كويسة.. طول ما إنت بعيد عني.
لم يعلق على كلامها، بل قال باقتضاب:
- طب قبل ما أفقد أعصابي، يا ريت تقوليلي سبتي البيت من غير إذني ليه؟ وكنتي رايحة على فين؟
ثم جلس إلى جانبها على طرف الفراش، فتمتمت بإرهاق:
- مهتم أوي يعني! بلاش نضحك على بعض وبلاش تمثل إنك قلقان عليا.
- داليا!
هتف بحدة ثم تابع:
- جاوبي على قد السؤال.. سبتي البيت من غير إذني ليه؟ وكنتي رايحة على فين؟
- زي ما قلتلك قبل كده.. مابقتش طايقاك ومش عايزة أعيش معاك.
قالت محاولة استفزازه، فنجحت محاولتها حيث قبض على ذراعيها بعنف قائلاً بنعومة شرسة:
- ماتخلينيش أتخلى عن هدوئي وأجاوبيني أحسن لك.
أجابته متألمة:
- إنت قاسي.. قلبك أسود ومابتحبش إلا نفسك.
أغمض عينيه بقوة محاولاً ضبط انفعالاته، بينما تابعت:
- إنت عايز مني إيه تاني؟ مش خلاص أخدت اللي إنت عايزه؟ ليه بتربطني بيك أكتر؟
كانت قد بدأت تتحدث دون وعي وقد استولى عليها الإرهاق، فأضافت:
- بكرهك.. إنت عمرك ما احترمتني حتى.. بالعكس دايمًا بتوجه لي إهانات.
تنهد بثقل ثم قال:
- أنا مابحبش أهينك يا داليا.. إنتي اللي بتضطريني بتصرفاتك.
سالت دموعها ثم هزت رأسها بمرارة قائلة:
- إنت قصدت تهيني.. قصدت تذلني.. وأنا كنت دايما بسكت عشان...
صمتت فجأة، ثم أغمضت عينيها وقالت بنعاس:
- إنت ليه قاعد معايا هنا؟ روح.. روح لجومانة.. هي مناسبة ليك أكتر مني وعلى الأقل إنت بتحبها ومش بتكرهها زي ما بتكرهيني.
تنهد قائلاً:
- أنا مش بكرهك يا داليا.
فتحت عينيها ونظرت ناعسة إلى وجهه الغامض، ثم رفعت يدها تتحسس لحيته الخفيفة ثم همست:
- بحبك.
لمست أناملها تفاحة آدم خاصته، ثم انزلقت إلى صدره قبل أن تسقط إلى جانبها وقد غرقت تمامًا في النوم.
بينما زفر بقوة وهو يصارع مشاعره المتأججة بداخله، ثم دثرها جيدًا ومسح شفتيها بأصبعه هامساً:
- وأنا كمان بحبك يا داليا.
- طب وبعدين؟
وجهت "ريم" سؤالها إلى "عبير" وهي تخاطبها عبر الهاتف، فأجابتها "عبير":
- مافيش جديد صدقيني.. بس من وقتها بقي يعاملني كويس شوية.. فاهمة؟
- فاهمة فاهمة.. في تطور يا بيرو وده معناه إنه لسا بيحبك.
- لسا بيحبني؟ تفتكري يا ريم؟
- أكيد.. اومال تفسري إيه خوفه وقلقه عليكي؟
هزت "عبير" كتفيها قائلة:
- ممكن أكون صعبت عليه.. بس مافتكرش إنه لسا بيحبني يا ريم.. ومافتكرش برضو إنه بيكرهني لأنه لو كان بيكرهني عمره ما كان قبل يتجوزني بعد ما عرف كل حاجة.
- طب ما إنتي رديتي على نفسك أهو يا بيرو.. هو برضو لو ما كانش بيحبك ما كانش قبل يتجوزك بعد ما عرف كل حاجة.
أجابتها بحيرة:
- بس هو قالي إنه اتجوزني عشان يحميني من عز الدين.
- بصي يا عبير.. هو واخد موقف زيه زي إخواتك بس لأنه بيحبك من زمان وأنا أكتر واحدة شاهدة على كده.. بيعاملك دلوقتي بلطف رغم كل اللي حصل، فطبيعي وعادي لو لاقيتيه جاف معاكي في معظم الأوقات.. بس الأكيد إنه بيحبك.. اصبري شوية والأمور كلها هتبقى تمام.. ده أول واحد هيفتح دراعته وياخدك في حضنه يا عبير وتقولي ريم قالت.
تنهدت "عبير" مفكرة، وبعد أن أنهت الاتصال مع صديقتها سمعت طرقًا على باب الغرفة، فأذنت بالدخول لينفتح الباب ويظهر "خالد".
- صباح الخير.
حياها عابساً، فابتسمت ببساطة وحيته بدورها.
- عايزك دقيقتين تحت.
أومأت رأسها باسمة، فانسحب في هدوء، بينما نهضت من فراشها ثم لحقت به على الفور.
كان يجلس فوق مقعد وثير بقاعة الجلوس الصغيرة حين رآها، فحدق فيها لبرهة دعاها للجلوس في هدوء قائلاً:
- اقعدي.
جلست قبالته والتوتر يعصف بها فتساءلت.. تري ما الأمر؟ بينما مد جسده إلى الأمام ثم تنهد قائلاً:
- أنا هكلم عز الدين دلوقتي.. مش هقدر أخليكي تروحيله الفترة دي.. بس هحاول أخليه يكلمك.
ابتسمت بتوتر ثم أومأت رأسها تحثه على فعل ذلك، فأمسك بهاتفه ثم أجرى الاتصال بـ "عز الدين" بعد أن فتح مكبر الصوت، ليأتي صوت "عز الدين" الصارم بعد لحظات:
- أيوه يا خالد.
فنطق "خالد" وهو يرمش بشيء من الاضطراب:
- إزيك يا عز عامل إيه؟
- تمام الحمدلله.. إيه خير في حاجة؟
ازدرد "خالد" ريقه بتوتر قائلاً:
- عـ.. عبير كانت عايزة تكلمك.
مرت لحظات مشحونة بالترقب من قبل "عبير" وبالتوتر من قبل "خالد" ليقطع "عز الدين" الصمت حين صاح بغضب مزمجراً:
- عبير ماتت.
ثم أغلق الخط، فخيم الصمت على الأجواء المتوترة، بينما شارفت "عبير" على البكاء. فهبت واقفة ثم ركضت مسرعة إلى الأعلى، ووقفت هناك في منتصف الغرفة تتذكر كلام أخيها. تمنت في تلك اللحظة أن تخر صريعة ويتحقق كلام "عز الدين" بفنائها. حرارة تجتاحها، تمنت لو أنها لم تطلب من "خالد" أبدًا أن يصل بينها وبين أخويها، ليتها لم تطلب.
تجمدت بمكانها كصنم خالٍ من الروح، ولم تكترث لنداء "خالد" الذي دلف لتوه. بينما تقدم نحوها بخطي واسعة ثم أمسك بذراعها وأدارها إليه لتواجهه، ليتجمد وتتلاشى الكلمات على شفتيه. هالته دموعها ونظرة الانكسار بعينيها، فأعتق ذراعها لتترنح بين ذراعيه، وتلقي رأسها على صدره. اضطربت أنفاسه لوهلة، بينما نطق بنبرة مرتجفة:
- عبير ماتت!!
أصر "عز الدين" على أن تلازم "داليا" الفراش حتى يصبح الجنين في مأمن من أي خطر قد يتعرض إليه. وكم كانت دهشتها أنه مهتم لأمر طفلهما. رغم أنها عارضت في البداية استمرارية مكوثها بالغرفة والفراش، لكنها استسلمت تمامًا في النهاية لرعاية شقيقتها و"فاطمة" إذ أن "عز الدين" أطلق عليهن أوامر صارمة بالعناية بها.
كانت تبتسم رغماً عنها في معظم الأوقات عندما تتذكر كلام شقيقتها عنه، فقد عرفت منها كيف جن جنونه عندما غادرت القصر دون أن يعرف طريقاً لها. كما كانت تشعر بالغضب وبالغيرة القاتلة عندما تتراءى لها صورته المخزية مع "جومانة". لولا أنها أصبحت تحمل طفله بأحشائها لكانت صممت بقوة على مفارقته مهما كلف الأمر. لكن بات الأمر صعباً الآن. صحيح أنها سعيدة لكونها حملت بطفله، فهو الرجل الذي تحب، هو حبيبها رغم كل شيء، ولكنها حزينة أيضاً لأنها تدرك تماماً بأنه لن يتغير أبداً. سيبقى هو كما هو، ذلك الرجل القاسي المتغطرس والطاغية.
والذي آلمها في تلك اللحظة، تفكيرها في أن علاقته بـ "جومانة" سوف تظل قائمة. تدفقت الدماء في شرايينها وهي تحس بأنها طُعنت في صميم كرامتها ومشاعرها. لقد أذعنت لكافة طلباته ورغباته، ورغم ذلك جرحها. في حين كانت تغفر له. ولكن مهما كان الأمر، سواء دفعتها الأقدار إلى هذا الطريق أو أن حظها العاثر هو الذي أوصلها إلى هنا، فإنها تواجه رجلاً غريباً في ماضيه وحاضره. تساءلت بألم عميق.. ما دامت "جومانة" تثيره وترضيه إلى ذلك الحد، لماذا إذن لم يكتفِ بها أو يطلبها للزواج؟
تحول فجأة ألمها إلى نوع من اللوم والعتاب الداخلي الناتج عن شعورها بالخجل الذاتي. كان عليها أن لا تصل إلى هذا الحد، بل كان عليها أن لا تمنحه حتى ولو دقيقة واحدة من وقتها منذ أن طلبها بطريقة غير شرعية. كان عليها أن تنسى أمره منذ ذلك الحين. كان عليها أن تقسو على قلبها وأن تتوقف عن حبه. لطالما اعتبرت نفسها دائمًا فتاة ذات إرادة وشخصية قوية، ولكن أثبت لها العكس عندما التقت به.
ولكن رغم كل شيء.. ليس هناك شيء يمكن أن يزيل من ذهنها صورته مع "جومانة" في مشهد القبلة الساخنة.
عاد إلى المنزل باكراً، توقع أن يجدها بالمطبخ تعد وجبة العشاء كعادتها، ولكن لم يجدها في أي مكان بالطابق الأسفل. فتنهد بثقل ثم حل ربطة عنقه بضيق وصعد إلى غرفته كي يبدل ملابسه. ثم ذهب إلى غرفتها بعد تردد، فهو اعتاد على رؤيتها لدي عودته من العمل في كل يوم. طرق باب الغرفة عدة مرات و لكنها لم تجب، فاستنتج أنها ربما تكون نائمة، فاستدار المقبض ثم دفع الباب بحذر. وكم كانت دهشته حين رأى الغرفة خاوية.
عند ذلك دلف وجال هنا وهناك باحثاً عنها، حتى وصل إلى الحمام، فطرق الباب ولم يحصل على إجابة، فحاول أن يفتحه ولكن مغلق من الداخل. ساوره القلق فأخذ يطرق الباب بقوة وهو يهتف بقلق متسائلاً:
- عبير!
ظل ينادي باسمها دون فائدة، فعصف القلق به، ولم يجد سوى أن يدفع الباب بجسده حتى يُفتح، وبالفعل دفعه عدة مرات حتى نجح الأمر، ليقف مصدوماً حين وقعت عيناه على جسدها المنسدح أرضاً وعلى ذاك السيل الدامي المتدفق من شق عميق بمعصمها الأيمن.
هرع عليها والرعب يعصف بكافة خلايا جسده ثم جثى على ركبتيه إلى جانبها وأمسك بذراعيها صارخاً:
- عبييييير...!
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم مريم غريب
أغرقت رأسها في الوسادة، لكنها أجفلت فجأة حين وخزها دبوس شعر رفيع في رأسها.
تأففت بضيق و رفعت يدها المتراخية لتنتزع سائر الدبابيس من خصلات شعرها الحريرية.
ثم تصلبت عضلاتها فجأة حين أتاها صوته العميق الذي انبعث من فوق رأسها مباشرة:
- طبعاً لازم تضايقي.
فتحت عينيها دفعة واحدة ثم حدقت به في صمت. كان قد عاد لتوه، لم تشعر بوجوده إلا الآن.
رمقها في هدوء ثم تابع:
- ما ينفعش تربطي شعرك بالطريقة دي وأنتي نايمة.
قال ذلك ثم اتجه نحو منضدة الزينة الرخامية والتقط فرشاة من فوقها.
استوت تجلس بسرعة مستقيمة الظهر، عابسة الوجه.
اقترب منها حيث جلس على الفراش إلى جانبها.
بحركة غير متوقعة أمسك بكتفيها وأدارها.
أدركت ما ينوي فعله فقالت بخفوت معترضة:
- ما تتعبش نفسك، أنا أقدر أساعد نفسي.
لكنه تجاهل كلماتها كما توقعت.
بإرتباك رجل يتعامل مع شيء غال ورقيق يتطلب عناية فائقة، أخذت أصابعه تجوس في شعرها الحريري وتنتزع الدبابيس الرفيعة واحدًا تلو الآخر.
بعد لحظات سمعته يغمغم قائلاً:
- أكيد محدش سرح لك شعرك قبل ما تنامي من سنين.
أحست فجأة بلسعات برد وخوف شديد وهي تشعر بحركاته اللطيفة الحازمة.
رأته يتناول الفرشاة من فوق الفراش.
رضخت له بصمت حين بدأ يسرح شعرها برقة وبطء.
أبقت رأسها محنيًا وهي ترغم نفسها على الاحتفاظ بهدوء أعصابها.
شيئًا فشيئًا، بدأت تستشعر أصابعه القوية وهي تتلكأ.
في تلك اللحظة، بدت غرفة النوم الفسيحة أصغر من أن تتسع لحضور ذلك الرجل الذي تنبعث منه قوة هائلة.
خافت من تصرفاته اللطيفة التي غالبًا ما تتحول إلى العنف في معظم الأوقات.
فهو يستطيع بلحظة أن ينزع عنه قناع اللطف الزائف بالسهولة نفسها التي تسلخ بها الأفعى جلدها.
أحست بيديه الصلبتين على كتفيها، تقبضان على جلدها البض بقوة.
عندما أحست بأنفاسه الحارة تقترب ببطء من عنقها، تململت من قبضته قائلة:
- أنا كنت نايمة.. عايزة أكمل نومي من فضلك.
سكن للحظات، ثم جذبها صوبه بتمهل حازم.
قلصت عضلاتها لتقاوم قوته، ولكن دون فائدة.
همست بيأس:
- سيبني أنام لو سمحت.
- ششش.. أهدي.
همس لها بصوت خفيض.
أغمضت عينيها وتخلت عن مقاومتها.
أعادت رأسها إلى الوسادة.
انحنى عليها وأردف قائلاً:
- كده تقدري تنامي براحة أكتر.. تصبحي على خير.
فتحت عينيها بصدمة.
رفع نفسه عنها ونهض تاركًا إياها وحيدة بالفراش.
لمحت ابتسامته الخبيثة تطفو على شفتيه.
استشاطت غيظًا.
إنه يتلاعب بأعصابها، يتلاعب بعواطفها.
ياله من شيطان خبيث.
تنهدت بعمق، ثم استوت على الفراش مجددًا.
نظر إليها مستغربًا ثم قال وهو يفك أزرار قميصه بعد أن حل ربطة عنقه:
- إيه.. مش كنتي نايمة وعايزة تكملي نومك؟!
احتل التهكم نبرة صوته.
تجاهلت أسلوبه الاستفزازي وقالت بهدوء:
- كنت عايزك في حاجة.
- خير؟!
سألها بإصغاء مقطبًا حاجبيه.
أجابته:
- كنت عايزة أنزل أشتري حاجات للبيبي.
حملق فيها لبرهة دون كلام، ثم أومأ رأسه متفهمًا وقال:
- أنتي مش مضطرة تروحي في حتة، قوليلي بس انتي عايزة إيه وأنا هتصرف.
- ماينفعش طبعاً.. أنا لازم أجيب كل حاجة بنفسي.
- هتنزلي إزاي وأنتي حامل كده؟ ممكن الطفل يتأثر.
أغمضت عينيها بألم وشعرت بوخز كلماته.
أعرب عن خالص اهتمامه بطفله دونها.
إذن سلامة الطفل عنده في المقام الأول.
- ياسمين هتكون معايا.
قالت بصوت مبحوح.
هز رأسه عابسًا ثم سألها:
- أنتي عايزة تشتري إيه بالظبط؟
- عايزة أشتري هدوم وسرير صغير وحاجات تانية كتير.
- سرير صغير!!
هتف بدهشة، ثم تابع:
- ليه؟ ده البيت ما فيهوش أكتر من الأوض، وأكيد هيكون له أوضة خاصة.
- أنا عارفة إن هيكون له أوضة خاصة بس مش قبل سنتين.. ماينفعش أسيبه يفارقني أبداً حتى وهو نايم إلا بعد ما يتم سنتين على الأقل.
في تلك اللحظة ابتسم "عز الدين" رغماً عنه ثم قال:
- أنا شايف إنك بتستعملي الصيغة المذكرة وإنتي بتتكلمي عن الطفل.. عرفتي منين إنه ولد؟
أجفلت خجلة، ثم أجابت:
- إحساسي.. إحساسي بيقولي إنه ولد.
قهقه "عز الدين" بخفة قائلاً:
- عموماً ده شيء هيسعدني جداً.. يا ريت يكون ولد.
ثم تابع بجدية:
- بس برضه ماينفعش تتحركي أو تنتقلي لأي مكان برا البيت وخصوصاً وإنتي في الشهور الأولى.. زي ما قلت لك قولي لي انتي عايزة إيه وأنا هجيب كل حاجة.
تأففت بضيق.
تعالى فجأة رنين هاتفه الصاخب فتجاهله حتى انقطع.
توقف عن نزع ملابسه بعد أن استشف امتعاضها الدفين.
اقترب منها وسألها:
- إيه.. مالك؟ في حاجة مضايقاكي؟
- قد إيه أنت لطيف وبتهتم بمشاعري.
قالت ساخرة، ثم تابعت بجمود:
- ما فيش حاجة.
رفع "عز الدين" حاجبيه مستغربًا.
فهم من تعابير وجهها واحمرار وجنتيها وعينيها الجارحتين أنها غاضبة.
سألها مرة أخرى بنبرة أكثر حدة:
- في إيه؟ مالك؟
حولت نظرها إليه، ثم اندفع الكلام من فمها بحنق:
- أنا ممكن أقبل تصرفاتك أياً كانت، ممكن للأسف أتحمل أي حاجة عشان ابني.. لكن مش ممكن أقبل إنك تلعب بمشاعري وتخلي ناس تشاركك في كده.
قال بهدوء غاضب:
- أنا ما بعرفش أحل الألغاز من صغري.. يا ريت توضحي أكتر.
عضت على شفتها بقوة، وسكنت لبرهة.
تناولت هاتفه من الطاولة قرب الفراش وعبثت فيه قليلًا.
ناولته إياه كي يتمعن صورته المثيرة مع "جومانة" وهما يتبادلان القبل بحرارة.
تجمد وجهه لبرهة، ثم سألها:
- جبتي منين الصورة دي؟
أجابته بمرارة ساخرة:
- الخط اللي اتبعتت منه كان برايفت.. بس مش محتاجة ذكاء.. أكيد اللي بعتها حد من الشخصين اللي موجودين فيها.
عند ذلك تطلع إليها ورمقها بقسوة، ثم ألقى هاتفه على الفراش قائلاً بلا اكتراث:
- عادة ما بحبش أشرح ولا أبرر مواقفي.. عشان كده امشي ورا إحساسك.
قال ذلك ثم استدار ومضى بعيدًا عنها.
أشاحت بوجهها عنه واستلقت في هدوء ودموعها تهبط في صمت.
عادت إلى المنزل برفقته.
طوال الطريق كانت صامتة، لم تحدثه قط إلا عندما يوجه لها سؤالًا.
اتبع معها أسلوبه القديم، حيث تصرف معها بلطف بالغ في كل شيء يخصها.
أدرك "خالد" أن "عبير" تعد كنزه الثمين وروحه الساكنة بجسده.
سامحها لأنه يحبها، ولأنها ندمت وكادت تفقد حياتها لولاه.
أوصلها إلى غرفتها، وساعدها على الاستلقاء.
دثرها جيدًا ودنى نحوها ليطبع قبلة على جبهتها.
عاد ينظر إليها، ثم سألها بلطف وهو يمسح بيده على شعرها بحنان:
- مش عايزة أي حاجة أعملها لك قبل ما تنامي؟
هزت رأسها نفيًا والنعاس يحتل ملامحها الهادئة الشاحبة.
تنهد بعمق، وطبع قبلة عميقة على وجنتها.
ارتفع بجسده وأطفأ أنوار الحجرة لكي تنعم بنوم هادئ.
خرج بعد أن أغلق الباب من خلفه في هدوء.
كان واقفًا في شرفته، يحدق في شرود بالسماء الحالكة.
كان الليل هادئًا، والسماء مرصعة بالنجوم التي تلألأت على مدى أبعاد لا نهائية.
خرج من تأمله الحالم فجأة حين انبعث من الأسفل صوت الحصى المطحون إلى سمعه.
صوب نظره إلى مصدر الصوت.
كان الإشعاع الخافت المنبعث من القمر يعطيه ضوءًا كافيًا ليرى ما يحدث.
كم كانت دهشته عندما تبين له أنها هي من خرجت للتو من البيت مهرولة.
نظر بساعة يده بسرعة فوجدها الثانية صباحًا.
تساءل في نفسه.. ماذا يحدث؟
لماذا قد تخرج من المنزل في تلك الساعة المتأخرة؟
حتماً هناك خطب ما، ولكن لا يمكنه تركها.
لن يسمح لها بالذهاب وحدها إلى أي مكان في هذا الوقت.
بسرعة اندفع راكضًا ليلحق بها.
عندما خرج من المنزل، وصل إلى البوابة التي أعاد الحارس غلقها للتو فسأله عابسًا:
- أنت.. مين اللي خرج دلوقتي؟
انتفض الحارس على أثر صوته، ثم استدار إليه وأجابه:
- دي الآنسة ياسمين يا عمر بيه.
صر على أسنانه بحنق ثم قال غاضبًا:
- إزاي تخليها تخرج دلوقتي؟
هز الحارس رأسه بارتباك ثم أجابه:
- وهمنعها إزاي بس حضرتك؟
رمقه "عمر" بعداء سافر ثم قال بعنف من بين أسنانه:
- طيب افتح الباب.. افتح.
- حاضر حاضر.
أطاعه الحارس بأدب، ثم فتح البوابة الضخمة على مصراعيها.
اندفع "عمر" إلى الخارج مهرولًا وهو يبحث عن أثر "ياسمين".
أخذ يحدق في الظلام الفارغ من حوله حتى رأى شبح ظلها يلوح من بعيد.
اندفع راكضًا بسرعة فائقة ليدركها.
على الطرف الآخر، كانت تركض بالطريق مسرعة على أمل أن تعثر على سيارة أجرة بذلك المكان المهجور المنقطع والمعزول عن المدينة.
شعرت بالضيق لذلك، فعليها أن تكون بالمشفى خلال عشرين دقيقة على الأقل.
بالنسبة لوضعها هذا، لن تصل إلا قبل حلول النهار على الأقل.
وقفت إلى جانب الطريق السريع منتظرة، تتأمل مرور سيارة أجرة.
البرد والظلام يلفانها.
لا تعلم ماذا عساها أن تفعل.
كيف ستصل إلى المشفى الآن؟
هل ستترك الأطباء وهم في حاجة لها؟
هل ستترك المريض دون إسعافه؟
ضربت الأرض بقدمها.
اندفعت نحوها سيارة عادية، بها شابان في أوائل العمر.
ظلت جامدة بمكانها، لم تعط لهما أدنى اهتمام.
إلا أنهما توقفا بالسيارة إلى جانب الطريق ونزلا.
أقبلا نحوها.
بسرعة مضت بعيدًا عنهم، ولكنهم مشوا وراءها حتى أدركوها.
أمسك أحدهم بمعصمها قائلاً:
- إيه يا جميل.. مين اللي سابك لوحدك في مكان مقطوع زي ده؟
بينما قال الآخر:
- أكيد واحد ما عندوش نظر.. ده أنتي قمر يالهوي.
تدفقت الدماء بشرايينها بغضب، ثم صاحت بهما بعنف وهي تدفعهم عنها بجهد:
- ابعد انت وهو أحسن لكم.. شيل إيدك يا حيوان.. سيبني.
قهقه أحدهم بقوة قائلاً:
- نسيبك إزاي بس؟ طب إحنا عندنا نظر ماينفعش نسيب القمر ده لوحده النجوم تاكل وشنا.
- ابعدوا عني.
هتفت بعنف، ثم هددت قائلة:
- ابعدوا وإلا...
- وإلا إيه؟ أنا عايزة أعرف ممكن تعملي إيه في حتة مقطوعة زي دي يا قطة؟
وقبل أن تجيبه، كانت هناك أيادٍ خفية أمسكت به وأطاحته بعيدًا عنها هو وصديقه.
أفاقت "ياسمين" من صدمتها حين وقف "عمر" أمامها حيث خبأها خلف ظهره مواجهًا الشابين.
لم تصدق أنه هنا، وكانت ممتنة حقًا لوصوله المفاجئ.
اندفعا نحوه الشابان وجذباه من ثيابه بعنف.
أطلقت "ياسمين" صرخة ذعر وهي تقف بمكانها عاجزة عن فعل أي شيء.
تلقى "عمر" لكمات عنيفة بوجهه وجسده.
لم يجد سبيلًا سوى الرد بالمثل مع عدم ترك مكانه.
لم يكن خائفًا في تلك اللحظة، بل كان على أتم الاستعداد لخسارة حياته من أجل حمايتها.
فكرت "ياسمين" بذعر احتمال وجود سلاح أبيض معهما، مما يعني حصول "عمر" على إصابات مؤكدة قد تصل إلى عاهات مستديمة، أو حتى الموت.
انتفضت بعنف وهزت رأسها بقوة.
أسرعت راكضة باتجاه القصر كي تجلب نجدة من هناك.
"عمر" متماسك لأخر نفس.
وقف يقاتلهم بشجاعة دون خوف، رغم أنهما أبرحاه ضربًا قاسيًا لكونهما اثنان وهو بمفرده.
لكنه تحمل بصلابة.
سرعان ما خارت قواه واختل توازنه.
وقبل أن يسقط أرضًا وتكثر السكاكين على رقبته، كانت "ياسمين" قد عادت ومعها ثلاثة رجال من حرس القصر.
تولى الرجال أمر الشابين.
هرعت "ياسمين" على "عمر" تتفحص جراحه السطحية سريعًا.
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم مريم غريب
عادا إلى البيت في سرعة من دون إحداث جلبة، وتركا للرجال الثلاث حرية التصرف مع الشابين المتسكعين.
كان "عمر" مستندًا بذراعه حول كتف "ياسمين" التي قادته بمنتهى الهدوء إلى غرفته من دون أن تصدر أي صوت ينبه أحد إليهما.
فتحت "ياسمين" باب الغرفة، وأشعلت المصابيح الصغيرة، ثم أخذت تجر خطاها بجهد حتى وصلت إلى الفراش، فألقت بثقل "عمر" عليه، لتنفجر من بين شفتيه صيحة ألم.
"آااااااااااه."
"هششششش اسكُت لحد يسمعك."
قالت "ياسمين" في سرعة هامسة، فأغرق "عمر" رأسه بالوسادة قائلًا بألم:
"مش قادر غصب عني.. رجلي شدا عليا شكلها اتكسرت تاني."
دنت "ياسمين" صوب قدمه تتفحصها، ثم قالت بهدوء:
"لأ ما اتكسرتش تاني ماتقلقش."
ثم قطبت حاجبيها ونظرت إليه قائلة بحنق:
"وبعدين أي حاجة وحشة بتحصلك بتكون انت السبب فيها لما بتتصرف بطيش كالعادة."
"كنتي عايزاني اتصرف إزاي؟!"
صاح بغضب، ثم ارتفع بجزعه، وارتكز على مرفقه قائلًا وهو يزأر من بين أسنانه:
"لو ماكنتش لحقتك في الوقت المناسب كنتي هتضيعي."
"أنا كنت هقدر اتصرف."
قالت مستنكرة في شيء من الارتباك، فضغط على شفتيه بغضب ثم صاح:
"انتي غبية."
رفعت حاجبيها ذاهلة، فهز رأسه بعصبية قائلًا:
"آيوة غبية ماتبصليش كده.. انتي فاكرة نفسك مين يعني؟ سبع الليل! كنتي هتقدري على الاتنين دول لوحدك؟ كنتي هتقدري تفلتي من الموقف ده بلسانك وبس؟ أصل حضرتك مش شاطرة إلا في الكلام بس.. وبعدين لو ماكنتيش خرجتي من البيت في وقت متأخر زي ده ماكنش حصل اللي حصل."
رمشت "ياسمين" في دهشة جراء انفعاله، وكلماته الحانقة، بينما قطب حاجبيه عابسًا وسألها:
"أقدر أعرف إيه اللي خرجك من البيت في الوقت ده؟"
صمتت قليلًا تجمع أفكارها المشتتة، ثم أجابته بهدوء:
"طلبوني في المستشفى."
اشتعل وجهه حنقًا فصر على أسنانه قائلًا:
"اللي طلبك ده أيًا كان إنسان عديم الأخلاق والمسؤولية عشان يطلب من واحدة زيك تنزل من بيتها في أنصاف الليالي وسط أماكن ومناطق ملهاش أمان."
بدت الدهشة بوضوح على وجه "ياسمين" التي كانت تظن حتى الآن أن "عمر" ما هو إلا الشخص المشاغب والمستهتر، لم تتخيل أبدًا أنه يحمل بداخله تلك الصفات الرجولية الناضجة، أدهشها أسلوبه الحانق بحق مما جعلها تبتسم رغما عنها، فرفع حاجبيه ذاهلًا وسألها:
"معناها إيه الابتسامة دي؟!"
هزت رأسها نفيًا، ثم أجابته:
"ولا حاجة.. وعمومًا انت معاك حق أنا ماكنش لازم أخرج من البيت في الوقت ده."
هدأ قليلًا إلا أنه ظل ينظر إليها عابسًا، فابتسمت بخفة قائلة:
"أنا هروح أجيب من أوضتي علبة الإسعافات عشان أطهرلك جروح وشك دي.. مش هتأخر."
وذهبت مسرعة، ثم عادت بعد دقيقة وهي تحمل بين يديها صندوق أبيض من المعدن. جلست على حافة الفراش إلى جانبه، لم يقل شيئًا وهي تبلل قطعة قماش نظيفة، وتحضر ما يلزم لتطهير وتضميد الجروح، بل استوى في جلسته قليلًا كي تستطيع التمكن منه، فقالت بصوت حاولت جاهدة أن يظهر وكأنه طبيعي:
"أنا بقول يبقى أفضل لو قلعت قميصك يا عمر.. عايزة أشوف لو كان في كدمات في جسمك."
لم يعترض، بل وجدته يسرع في نزع قميصه، ويكشف عن صدره القوي وكتفيه العريضتين. كان صدره به بعض الكدمات البسيطة أوحت أشكالها بعدم وجود كسور، كما خف النزف من جروح وجهه. بدأت تضمد جروحه بعناية بالغة، ولكنها كانت تشعر طوال الوقت بأنه ينظر إلى شعرها ووجهها. ثم سمعته يقول بعد قليل:
"انتي فعلاً دكتورة شاطرة.. لمستك قوية لكن في نفس الوقت رقيقة وناعمة."
لم تتمكن "ياسمين" من إخفاء ذلك الارتعاش الخفيف الذي حل بجسدها عندما سمعته يقول تلك الكلمات. التقت العيون فجأة، واشتعلت الشرارة كالنار في الهشيم. مد يده بجهد، وأمسك بيدها، ثم جذبها إليه بقوة قائلًا في هدوء:
"ياسمين.. أنا من يوم شفتك وأنا حصلي تغير جذري في حياتي كلها.. تقريبًا غيرتي كل حاجة لدرجة إني ساعات مابعرفش نفسي!!"
حاولت أن تأخذ كلامه على محمل الخفة والمزاح فقالت بابتسامة متوترة:
"من الناحية دي أنا متأكدة انت ناسي أول مرة اتقابلنا إيه اللي حصل؟"
قطب حاجبيه، ثم هز رأسه بعصبية مزمجرًا:
"ياسمين.. مين أيمن ده؟"
"انت عرفت منين الاسم ده؟"
سألته مستغربة، فأجابها عابسًا:
"سمعتك كذا مرة وانتي بتتكلمي معاه.. مش هو ده برضه اللي طلبك في المستشفى؟"
أومأت رأسها ببطء قائلة:
"آه هو.. بس انت مركز في حياتي الخاصة أوي! ليه؟"
"عشان بحبك."
قالها صريحة ومن دون مقدمات، فاتسعت عيناها بشدة بفعل المفاجأة، بينما تابع في ضيق:
"أنا مش عارف ليه و ليه انتي بالذات ده غير إني عمري ما كنت مخطط إني ممكن أحب أصلًا بس انتي غيرتيني.. غيرتيني والله أنا بقيت بفكر بطريقة مختلفة تمامًا عن طريقة تفكيري اللي كبرت عليها.. بعد اللي حصل لعبير المفروض إني كنت أتعقد زي أخويا وخصوصًا إني عشت اللي هو عاشه وحسيت بنفس شعوره بس انتي دايما كنتي بتيجي على بالي كنت بفكر فيكي قد إيه انتي كويسة.. كويسة جدًا."
ازدردت ريقها بتوتر، ثم أخيرًا نطقت بصعوبة فقالت:
"عمر.. ده مش حب..."
قاطعها بضمة قوية، حيث جذبها بقوة فجأة إلى صدره، ثم لف ذراعه حولها قائلًا:
"ماتقوليش كده.. أوعي تقولي كده تاني أنا عارف إنك مش عاطفية وإنك دايما بتولي عقلك في التفكير والقرارات بس صدقيني ورحمة أبويا والله أنا بحبك بجد.. ياسمين بلاش تبقي قاسية المرة دي.. صدقيني بس أنا مش بكذب عليكي والله."
تسللت من قبضته قائلة:
"سيبني يا عمر."
"مش عايزة برضه تصدقيني."
قال ذلك ثم شدد قبضته عليها أكثر، فانفعلت قائلة:
"قلتلك سيبني يا عمر."
"ياسمين ماتخافيش أنا عمري ما هآذيكي."
لم تجد أمامها ما تفعله سوى أن تضغط بيدها على قدمه التي تؤلمه بكل قواها، فأطلق صيحة ألم خافتة:
"آاااه."
ثم أرخى قبضته عنها، فانسلت من بين ذراعيه مسرعة.
"ياسمين."
هتف متألمًا، فيما مشت باتجاه باب الغرفة بخطى مضطربة، ثم قالت قبل أن تخرج:
"هبقى أفوت أشوفك الصبح قبل ما أروح المستشفى."
ثم أغلقت باب الغرفة، وهرولت مسرعة إلى غرفتها، دلفت وأغلقت الباب من خلفها بيدين مرتعشتين، ثم استندت عليه بظهرها وهي تحاول السيطرة على أنفاسها المتلاحقة. تساءلت في نفسها.. ماذا حدث فجأة؟ هل كانت معاملة "عمر" الطيبة لها سببها أنه يكن لها بعض المشاعر؟ هل هو حقًا مغرم بها كما قال وأقسم؟ ولكنها ليست فتاة عاطفية كما وصفها، ولكنها أيضًا لا تستطيع إنكار شعور الغبطة والسرور الذي طغى عليها في الدقائق السابقة. ماذا سيحدث فيما بعد؟ لا تعلم!
في الصباح التالي.
ذهب إلى عمله باكرًا. عندما دلف "خالد" إليه فجأة، كان جالسًا خلف مكتبه يتصفح بعض الأوراق والملفات الهامة، إلا أنه رفع بصره إليه فور دخوله، فغمرته سعادة كبيرة أعرب عنها بابتسامة ودودة واسعة، ثم قال:
"خالد.. تعالي.. تعالي اقعد."
منحه ابتسامة بسيطة، ثم جلس قبالته قائلًا بوجوم:
"إزيك يا عز؟"
اختفت ابتسامة "عز الدين" فسأله:
"إيه يا خالد.. مالك؟ في حاجة ولا إيه؟"
حك "خالد" مؤخرة رأسه، ثم صمت للحظات وأجابه:
"عبير حاولت تنتحر امبارح يا عز."
تجهم وجه "عز الدين" فجأة، بينما تابع "خالد" في محاولة لتحريك مشاعره تجاه أخته:
"كانت بتموت.. لحقتها في آخر لحظة.. لما كلمتك آخر مرة.. سمعتك وانت بتقول إنها ماتت.. عشان كده حاولت تنتحر."
ابتسم بسخرية، ثم قال بصوت أجش:
"وما سبتهاش تموت ليه؟ على الأقل كانت هترتاح وتريحنا."
حدجه "خالد" بذهول قائلًا:
"انت بتقول إيه؟ معقول وصلت بيك القسوة للدرجة دي يا عز الدين! دي مهما كانت أختك."
حدق "عز الدين" به طويلًا، ثم اشتعلت عيناه وكأن عود ثقاب مشتعل ألقي على كمية من الأوراق فهبت النار فيها، ثم صاح غاضبًا:
"أنا أختي فعلاً ماتت الموضوع ده منتهي بالنسبة لي.. مش عايزك تحاول معايا تاني عشان كل محاولاتك هتفشل مش عايز أسمع عنها حرف انت اخترت تبقى مسؤول عنها خلاص بقي خليها عندك محدش سألك عليها."
"بس دي أختك يا عز."
لانت نبرة "خالد" كثيرًا وهو يحدثه، ثم تابع:
"صدقني عبير اتعذبت نفسيًا بما فيه الكفاية و..."
"خالد."
قاطعه بصرامة، ثم تابع بلهجة حازمة لا تقبل الجدال أو النقاش:
"من فضلك.. كفاية بقي مش عايزك تجيب لي سيرتها تاني أبدًا ماتضيعش وقتك ووقتي على الفاضي."
"يعني هتفضل مقاطعها كده طول عمرك."
"آيوة."
تنهد بأسى، ثم قال:
"ماشي يا عز الدين.. براحتك."
ثم نهض وغادر المكتب مسرعًا وهو لا يرى أمامه من فرط عصبيته. حين عبر الممر الطويل المؤدي إلى حجرة مكتبه، كان مشوش الأفكار، لم ينتبه إلى خطاه حتى اصطدم بأحدهم، فسقط هاتفه أرضًا إلى جانب ذلك الهاتف الشبيه لهاتفه. لينحني ذلك الموظف ويلتقط الهاتفين، ثم بأخذ هاتفه ويعيد الآخر إلى "خالد" بابتسامة قائلًا:
"اتفضل يا خالد بيه."
منحه "خالد" ابتسامة بسيطة، ثم قال:
"متشكر يا حسام."
"العفو يا فندم تحت أمرك دايما."
ربت "خالد" على كتفه بلطف، ثم شكره مرة أخرى ومضى في سبيله مبتعدًا عنه، بينما استدار "حسام" إليه باسمًا، ثم حدجه في استهزاء ساخرًا!
كانت جالسة على الفراش تراقبه من موضعها، بينما استلقى باسترخاء مغمض العينين على تلك الأريكة الكشمير الحمراء التي توسطت غرفة النوم، بعد أن خلع سترته، وفك ربطة عنقه، والأزرار العليا من قميصه.
الجو هادئ وحالم، والسلام نعمة بينهما. كانت تكره "داليا" أن تعكر صفو الجو، ولكنها وجدت نفسها مجبرة على الاستسلام لوساوسها والاسترسال في التفكير. "عز الدين نصار" الآن ومنذ مدة زوجها، وبعد عدة أشهر قليلة سيكون أبًا لطفلها. تري هل سيتخلى عن معظم صفاته الدنيئة؟ أم سيظل كما هو؟ يستحيل عليها حتى الآن تصديق فكرة زواجهما، ما زالت لا تصدق بأنها تزوجته، ولكن في جميع الأحوال أن أي امرأة غيرها كانت لتتزوجه، حتمًا كانت ستعاني كثيرًا حتى تطفح كأسها كما هي تعاني الآن. فقد وقعت تحت سيطرة رجل متحجر الفؤاد عديم الرحمة، لا يرضى بأقل من الطاعة العمياء، رجل يشك بالهواء المحيط به. لم تكن لتتحمله لولا أنها تحبه، إن عذابه رائع بالنسبة لها، حيث يعرب عنه بنوع من العنف الرقيق، كعناق قوي يهشم عظامها، أو قبلة غاضبة تترك أثرًا بأرجاء جسدها. لو كان الإنسان يحب ويكره في الوقت نفسه! هذا هو شعورها تجاهه.
أفاقت من شرودها فجأة حين استلقى بثقله على الفراش إلى جانبها، وقد وضع يديه خلف رأسه، وأغمض عينيه قائلًا بلا اكتراث:
"في علب هناك على الكرسي ابقي شوفيها."
حولت نظرها إليه، ثم سألته:
"علب؟ فيها إيه يعني؟"
قال وهو لا يزال على وضعيته:
"فيها حاجات للبيبي."
"مين جاب الحاجات دي؟"
سألته بفضول، فأجابها بهدوء:
"أنا.. روحي شوفيهم ولو في أي حاجة ناقصة قوليلي."
تحاملت "داليا" على نفسها، ثم نهضت متوجهة صوب أغراض طفلها، أمسكت بالرزمة الكبيرة الثقيلة وهي تشعر بحماس وسرور، وضعتها على الطاولة الصغيرة، وفكت الأشرطة من حولها بتأن.
"الله!"
هتفت مبتهجة لجمال الأغراض الأنيقة غالية الثمن، ففتح عينيه قليلًا وسألها:
"عجبتك الحاجة؟"
أجابته بسرور بالغ:
"جداً.. الحاجات كلها تحفة."
ثم سألته بدهشة:
"بس انت جايب حاجات كتير أوي! انت اشتريت كل اللي كان في المكان ولا إيه؟"
قال بتراخٍ:
"أنا جبت الحاجات اللازمة وقلتلك لو في أي حاجة ناقصة قوليلي.. وصحيح في هدية ليكي في العلبة الحمرا دي."
"هدية ليا أنا؟"
هتفت ذاهلة، ولكنها ما لبثت أن أمسكت بالعلبة الصغيرة، وفكت عنها الأشرطة لتري سوار ماسي على إطار من الذهب والبلاتين يخطف الأنظار. سعدت كثيرًا بهديته، ولكنها رفعت رأسها وقالت بلهجة ناعمة:
"ماكنش في داعي تتعب نفسك."
أجابها بهدوء:
"وما فيش داعي إنك تشكريني."
"لأ إزاي.. لازم أشكرك طبعًا."
ومشت نحوه بدلال حتى وصلت إليه، فانحنت تعانقه شاكرة بعفوية، ثم وضعت كفيها على صدره، وحدقت بعينيه البراقتين، وأحست ضربات قلبه السريعة تحت كفها كما كانت ضربات قلبها تسرع بعنف. بقيت تنظر إليه لفترة طويلة، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقوم بالحركة التالية التي أدت هذه المرة إلى عناق أطول وأكثر انفعالًا!
بدأ "خالد" يعد طاولة الطعام الصغيرة التي توسطت قاعة المطبخ الكبير، فيما كانت تجلس "عبير" تراقبه بناء على تعليماته الصارمة. انتهى من إعداد وجبة العشاء بسرعة ومهارة فائقة، ثم وضع الأطباق فوق الطاولة، وجلس قبالة "عبير" قائلًا بابتسامة لطيفة:
"يلا بقي كلي.. دوقي أكلي انتي المرة دي أنا واثق إنه هيعجبك أصلي اتدربت عليه كتير."
ابتسمت "عبير" بخفة، ثم بدأت في تناول الطعام. كانت تأكل دون شهية، مرضاة له فقط، فيما كانت عيناها تراقبه خلسة، وقالت في نفسها.. لقد عاد "خالد".. لقد عاد حبيبها من جديد.. لقد تخلى عن قسوته الزائفة واستبدلها بمحبته الحقيقية.
ظلت تحدقه باسمة، وتمنت لو أن هذه اللحظة لا تنتهي أبدًا، ولو أن بإمكانها أن تبقى إلى جانبه إلى الأبد. تمنت لو يحل الظلام ويطوقها بذراعيه القويتين ويحبها، كما تحبه. إنها تعترف بحبها له! نعم إنها تحبه.. وتحبه كثيرًا!
وفيما كان قلبها يغازله بصمت، أفاقت على صوته الهادئ:
"مابتكليش ليه يا حبيبتي؟"
منحته ابتسامة ناعمة، ثم أجابت:
"شبعانة يا خالد.. خلاص مش قادرة آكل تاني."
"هو الأكل ما عجبكيش ولا إيه؟"
هزت رأسها نفيًا ثم قالت:
"لأ حلو بس أنا بجد شبعت."
قاطعهم صوت رنين الهاتف، فنظر "خالد" بالرقم ليقرأ اسم شخص لا يعرفه قط!
رفع حاجبيه في دهشة، ولم يجب. انتظر حتى انقطع الرنين، ثم أخذ يفتش بقائمة الاتصالات، كلها أرقام غريبة لا يعرف أصحابها البتة!
فتش بالوسائط المتعددة، ليقطع الشك باليقين، إذن هذا ليس هاتفه، إنما هاتف "حسام". وفي تلك اللحظة تذكر ما حدث بالشركة في الصباح. ولكن فجأة جذبت انتباهه صورة لـ "عبير" بصحبة "حسام"!
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم مريم غريب
اتسعت عيناه في صدمة بالغة، فراح يعبث بالهاتف في عصبية، ليرى مزيداً من صور جمعت "حسام" بـ "عبير" في شتى الأوضاع الغرامية الرومانسية.
انتبهت "عبير" إليه، فقبضت حاجبيها مستغربة، ثم مدت يدها ولكمته على معصمه قائلة:
"خالد! مالك؟"
رفع عينيه عن الهاتف ونظر إليها في حدة بالغة، فازدادت حيرتها ودهشتها، ثم عادت تسأله:
"إيه يا خالد! مالك؟"
نهض من موضعه فجأة، فانتفضت على أثر عصبيته المفاجئة، بينما توجه نحوها مسرعاً، ثم رفع الهاتف إلى مستوى نظرها كي تتمعن صورتها المخزية. تسمرت عيناها على شاشة الهاتف، فتسارع وجيب قلبها، وراحت تلهث في وجل. عقلها توقف عن التفكير، لم تستطع تدارك الأمر.
أفاقت من نوبة صدمتها على صوته المتهدج انفعالاً:
"هو ده؟"
ارتجف قلبها حين حولت نظرها إليه، شاهدت مزيجاً هائلاً من الغضب والعذاب بعينيه، فترقرق الدموع بعينيها، بينما عاد يسألها مزمجراً:
"هو ده يا عبير؟ هو ده اللي سلمتيله نفسك؟ هو ده حبيبك؟"
"كان."
هتفت صارخة ودموعها تنساب بغزارة دفعة واحدة على وجنتيها، ثم تابعت بصوت ضعيف مرتجف:
"كان يا خالد.. البني آدم ده دمرني وأنا بكرهه.. كان أكبر غلطة في حياتي.. قد إيه بتمنى الزمن يرجع بيا شوية وأنا عمري ما كنت هعمل أي حاجة غلط من اللي عملتها."
انتحبت بمرارة، ثم رفعت يدها وكفكت دموعها، ثم عادت تنظر إليه في سرعة متسائلة والدموع تبرق بعينيها الحمراوين:
"بس انت جبت الصور دي منين؟"
لم يجيبها، بل تركها مندفعاً صوب باب المنزل، فهرعت خلفه صائحة:
"خالد.. خالد رايح فين؟ اقف كلمني لو سمحت هتروح فين؟"
جذبته من ردائه الذي كاد أن يتمزق لشراستها وهي تصرخ به أن يعود، بكت لعلها تلين قلبه بدموعها، لكنه دفعها عنه بصرامة، ثم خرج من البيت، متوجهاً نحو سيارته. أمسك بالهاتف وهو يحاول بجهد أن يتذكر رقم أحد الأفراد المهمين بالشركة، ضرب الأرقام متمهلاً، ثم ضغط زر الاتصال. انتظر لثوانٍ بدت دهراً، حتى أجاب الطرف الآخر:
"ألو!"
"مراد.. أنا خالد.. خالد نصار."
"أهلاً أهلاً يا خالد بيه.. والله ما مصدق نفسي مبسوط بمكالمتك أوي.. خير يا باشا في حاجة؟"
باغته "خالد" بجدية بالغة:
"عايز عنوان حسام ثابت يا مراد."
"تقصد حسام شريف ثابت بتاعنا؟"
"أيوه هو."
اتسم صوت "مراد" بجدية مماثلة وهو يسأل بقلق:
"خير يا خالد بيه؟ أنت عايزه في حاجة مهمة للدرجة دي؟!"
بصوت متهدج انفعالاً أجابه:
"عايزه في حاجة مهمة أوي."
كانت ممدة على الفراش في هدوء، بينما تركها وحيدة للتو متوجهاً نحو الحمام. شدت الغطاء الأبيض على جسدها جيداً، فيما لاحت ابتسامة خفيفة على شفتيها وهي تتذكر تفاصيل اللحظات الفائتة. كان رقيقاً على غير العادة، وكانت طيعة، تتبع خطواته الخبيرة، كانت تتجاوب مع خلجاته بشغف، غمرها شعور هائل بالعطاء دون تردد.
في ذروة مشاعرهما، وجدت "داليا" نقطة ضعفه. لقد تأكدت بما لا يقبل الشك، أنه إنسان دافئ، يتفاعل مع عواطفه وأحاسيسه كأي رجل عادي، وما تصرفاته القاسية وبروده وعدم اكتراثه سوى أقنعة يختفي خلفها الرجل الحقيقي بداخله، فيما لو حاولت تحدي رغباته وإراداته.
أحست من طريقته تلك المرة، أنها ليست مداعبات رجل يتمتع بوقته لفترة قصيرة فقط، بل هو أصر على منحها كنوز الظلام وثروات الليل الدفينة. لأول مرة شعرت بأنه يحبها ويريدها. لم ينقصه سوى الاعتراف. كانت لترى كل شيء كاملاً لولا أنه لا يزال متمسكاً بتمرده الذي منعه عن سكب كلمات الحب بأذنيها. ولكن لا بأس، فقد أبدى تحولاً رائعاً حين بدأ يترجم أحاسيسه لأفعال لا يعرف كيف يشكلها بلسانه إلى كلمات، أو لا يريد بمعني أوضح.
أفاقت من غيبوبتها الحالمة عندما خرج من الحمام مبتل الخطى، لافاً حول خصره منشفة وممسكاً بأخرى في يده يجفف بها شعره. وجهت نظرها إليه في صمت، بينما تعالي فجأة صوت رنين هاتفه، فاتجه نحو الطاولة قرب الفراش والتقط الهاتف، ليجد الرقم مجهولاً. قطب حاجبيه مستغرباً لكنه أجاب بالنهاية:
"ألو!"
ليصل إلى سمعه صوت يبكي صارخاً:
"الحق خالد يا عز."
تعرف فوراً على صوت محدثه، إلا أنه تجاهل كل شيء مهتماً بأمر "خالد" فسأل بقلق حاد:
"ماله خالد؟"
قصت عليه "عبير" كل ما حدث، فلم ينتظر أكثر وأغلق الخط معها. استخدم نفس طريقة "خالد" وأجرى الاتصال بموظفه "مراد" وطلب منه عنوان "حسام"، فأجاب "مراد" باستغراب بالغ:
"هو إيه الحكاية انهاردة؟ مالكوا بـ حسام ثابت بس؟"
ولكنه رضخ بالنهاية لطلب رب عمله، بينما سارع "عز الدين" إلى الخزانة بعد أن أغلق الخط معه. ارتدى ملابسه على عجل، فيما انتصبت "داليا" نصف جالسة على الفراش وسألته:
"إيه في إيه؟ في حاجة حصلت؟"
لم يجيبها، بل غادر الغرفة ثم القصر بأكمله مسرعاً، متجهاً إلى المكان حيث أرشده "مراد" وحيث يوجد "خالد" الآن. كان يقود سيارته بسرعة رهيبة، وكاد يصطدم بأكثر من سيارة بطريقه، حتى وصل أخيراً أمام البناية الحديثة. رأى من خلال زجاج سيارته، إلى جانب الطريق سيارة "خالد" المصفوفة بإهمال، فترجل من سيارته مسرعاً، ثم اندفع راكضاً نحو المنزل. صعد درجات السلم قفزاً حتى وصل إلى الطابق السادس، حيث ترامى إلى سمعه صوت نزاع حاد. اتجه نحو شقة "حسام" لاهثاً، ليرى "خالد" و "حسام" كل منهما راح يلطم الآخر ويضربه بكل ما أوتي من قوة.
لم يفطن أحد منهما إلى اقتراب الرجل الثالث الذي عمد بقوته إلى الفصل بينهما. نظر إليه "خالد" باستغراب بالغ وهو يلهث إعياءً ثم صاح منفعلًا:
"انت إيه اللي جابك يا عز الدين؟ امشي."
قبض "عز الدين" على ذراعه بقوة مكبلاً حركته، بينما انسلت "حسام" من العراك الحاد مسرعاً، ثم توجه إلى غرفته ليحضر سلاحه. وما لبثا أن يلحقا به حتى عاد وهو يشير لهما بالسلاح مهدداً، واقفاً يتراقبان حركاته بحذر، إلى أن استدار ببطء حولهما وغادر بيته راكضاً، فركضا خلفه حتى وصلا إلى الأسفل. ومن دون سابق إنذار التفت "حسام" إليهم، ثم صوب السلاح بعشوائية نحوهم وأطلق إحدى الرصاصات مسرعاً.
تجمد "عز الدين" بأرضه، كما تسمر "خالد" بمكانه عند صوت إطلاق النار. خر "عز الدين" صريعاً وسرعان ما خضبت الدماء قميصه الأبيض. فأسرع "خالد" إليه، بينما فر "حسام" راكضاً وهو لا يرى أمامه من فرط التوتر الذي عصف بكيانه، ليلقى حتفه حين صدمته بعنف تلك السيارة على الطريق السريع، فسقط أرضاً، لتتلاشى أنفاسه، ولتفارقه روحه فوراً. لقد نال جزاءه، لقد نال ما يستحقه.
فيما ركع "خالد" أرضاً إلى جانب "عز الدين" الذي غاب عن وعيه بصورة سريعة، بينما اتسعت عينا "خالد" في ذعر عندما شاهد الدماء تتدفق بغزارة من الجرح العميق بصدره. هتف بخفوت ذاهلاً:
"عز الدين!!"
كان جالساً نصف غافٍ بإسترخاء على فراشه، عندما دفعت باب غرفته ودلفت من دون استئذان صائحة:
"عمر!!"
انتفض "عمر" بقوة على أثر دخولها المفاجئ، فانتصب واقفاً وسألها بقلق:
"إيه يا داليا في حاجة؟"
اقتربت منه "داليا" ببطء، ثم أخذت تسرد عليه ما حدث بصوت مرتجف شوبه القلق. وما أن انتهت حتى تفاجأ كلاهما بوصول "عبير" التي دلفت إليهم في حالة يرثى لها، وقد غطت الدموع وجهها. أشاح "عمر" بوجهه عنها ثم حدق أمامه في اللاشيء عابساً، بينما أمسكت "عبير" بذراع "داليا" ثم صاحت باكية:
"عز.. عز الدين وخالد عنده يا داليا.. راحوله."
هزت "داليا" رأسها متسائلة:
"راحوا عند مين يا عبير؟ اتكلمي؟"
قصت عليها "عبير" كل ما حدث بأعصاب منهارة، فلم يحتمل "عمر" أكثر، وأخرج هاتفه، ثم أجرى الاتصال بشقيقه، ولكن دون جدوى، لم يكن هناك رد. فانتقل إلى "خالد"، انتظر للحظات، حتى أجابه بلهجة متهدجة:
"أيوه يا عمر."
"خالد.. خالد عز الدين معاك؟ انتوا فين؟"
سأله "عمر" متوجساً، فأجابه "خالد" في هدوء مرتبك:
"أنا مع عز الدين في المستشفى يا عمر."
"مستشفى! ليه يا خالد؟ ماله عز الدين؟"
هتف "عمر" مذعوراً، فأطلقت "عبير" صرخة مبحوحة، بينما اتسعت عينا "داليا" في وجل، وراح قلبها ينبض بعنف، وسرعان ما تجمعت الدموع بعينيها لتهبط في ثوان غزيرة.
خلال دقائق، كانت متوجهة إلى المستشفى برفقة "عبير" و "عمر" الذي طمأنها أن زوجها لم يكن في حالة خطيرة كما أكد له "خالد". إلا أنها راحت تنتحب بصمت، في حين أن الأفكار السيئة ظلت تراودها وترعبها. من غير المعقول أن يخطف الموت "عز الدين" منها وهي في بداية السعادة. بل وهي تحمل طفله الذي لم يشهد الحياة بعد!
كان السير كثيفاً طيلة الطريق، وأكثر من مرة شعرت "داليا" برغبة عارمة لإطلاق صوتها بالصراخ ضد كل السائقين ورجال المرور لكنها لم تفعل، فقط ظلت صامتة، حتى وصلوا أخيراً إلى المستشفى. وحالما توقف "عمر" بالسيارة حتى اندفعت "داليا" إلى الداخل. أسرعت إلى مكتب الاستعلامات للاستفسار عن مكان وجود زوجها، لكنها لمحت "خالد" يقف بنصف الممر الطويل أمامها، فهرعت نحوه وهي ترتجف ذعراً، ثم سألته:
"عز.. عز الدين.. فين عز الدين؟"
هدأها "خالد" قائلاً:
"اهدي يا داليا.. جت سليمة وهو بخير الحمد لله."
هزت "داليا" رأسها بمرارة باكية وهي تنظر إليه غير مصدقة، فعاد يؤكد لها صحة كلامه:
"والله هو بقى كويس الدكتور طمني ماتقلقيش."
عند ذلك، وصلت "عبير" يتبعها "عمر" فتساءلت في شتات مضطربة:
"أخويا.. أخويا فين؟ حصله حاجة؟"
ثم انفجرت باكية، فأجابها "خالد" في هدوء:
"عز الدين كويس يا عبير.. ماتقلقيش."
"أنا السبب.. لو جراله حاجة مش هسامح نفسي أبداً."
قالت ثم أخذت تجهش ببكاء مرير، بينما تساءل "عمر" بدوره:
"إيه اللي حصل يا خالد؟ مين اللي عمل فيه كده؟"
أجابه "خالد" بصرامة:
"اللي عمل كده خد جزاءه خلاص يا عمر."
مضت عدة دقائق، قبل أن يطل عليهم رجل في أواسط العمر، فهرع "خالد" عليه متسائلاً:
"ها يا دكتور.. عز الدين عامل إيه دلوقتي؟"
تنهد الطبيب وهو يرفع النظارة عن عينيه قائلاً:
"أعتقد إنكم لازم تشكروا ربنا سبحانه وتعالى إنه أنقذه.. الرصاصة كانت بعيدة عن قلبه بسنتيمترات قليلة جدا.. هو كويس دلوقتي الحمد لله لكن أنا عايزه يقعد معانا هنا تحت الملاحظة يومين تلاتة بالكتير."
اندفعت "داليا" متسائلة بلهفة:
"ينفع أدخل أشوفه يا دكتور؟"
أومأ الطبيب رأسه تأدباً، ثم قال:
"دقيقة واحدة مش أكتر وبعدين هننقله لغرفة خاصة."
خفق قلب "داليا" بشدة عندما شاهدت "عز الدين" مطروحاً على طاولة الجراحة، وصدره محاطاً بالضمادات الطبية. لم تستطع أن تحبس شهقة ألم وهي تشاهد زوجها القوي الصلب، الذي صمد أمام الحياة طيلة حياته، الآن ضعيف بهذا الشكل. لم تكن تتصور أن "عز الدين" الشامخ الممشوق القوام، طريح الفراش وجريحاً.
مدت يدها، وتلمست وجهه هامسة:
"عز الدين!!"
عاد "عمر" برفقة "خالد" و "عبير" إلى القصر، بعد أن تركوا "داليا" بالمستشفى بعد أن فشلت كل محاولاتهم في إقناعها بالعودة إلى البيت، لكنها أصرت بقوة أن تبقى إلى جوار زوجها.
حالما اطمأن "خالد" على سلامة "عبير" مع شقيقها، تركها معه وذهب إلى قسم الشرطة كي يدلي بأقواله كما طُلب منه عندما وصل بـ "عز الدين" إلى المستشفى. ترك "عمر" شقيقته وجال بإرجاء المنزل باحثاً عن أثر "ياسمين" حتى وجدها تقف بمنتصف الحديقة إلى جانب أحواض الزهور، على الطرف الآخر.
كانت "ياسمين" تقف بالمكان حيث كان نسيم الليل عابقاً برائحة زهر الليمون، والورود الجميلة على أنواعها. تأملت السماء الصافية وآلاف النجوم التي تسطع فيها، ثم فجأة وصلت إلى أنفها رائحة تبغ محترق قبل وصوله هو إليها. استدارت مسرعة ثم سألته:
"عمر! انت كنت فين؟ كلكوا كنتوا فين؟ أنا رجعت مالقتش ولا واحد في البيت! كنتوا فين؟ وفين داليا؟"
تنهد "عمر" بثقل، وقد بدا عليه الإرهاق، لكنه قص عليها كل ما حدث بالنهاية.
"يا خبر!!"
هتفت "ياسمين" بانفعال صادق، ثم عادت تسأله:
"طب هو كويس دلوقتي يا عمر؟"
أجابها بابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه:
"الحمد لله بقى كويس."
"الحمد لله.. طيب أنا هروح أكلم داليا أطمن عليها."
وكادت تخطو بعيداً عنها، لكنه قبض على رسغها وأعادها لتقف في مواجهته مجدداً، فتملصت من قبضته بعصبية، ثم سألته عابسة:
"في إيه يا عمر؟ قلتلك هروح أكلم داليا.. سيبني."
"لأ."
هتف بصرامة، فرمقته بدهشة بالغة، فتابع بجمود:
"مش قبل ما نخلص كلامنا يا ياسمين."
تأففت بضيق قائلة:
"كلام إيه بس مش وقته."
"لأ ده وقته.. انتي بتتهربي مني ومش مريحاني."
"طيب انت عايز إيه دلوقتي؟"
"عايزك يا ياسمين.. عايز أتوزجك.. عايز أكمل باقي عمري معاكي.. عايزك تحبيني قد ما بحبك."
قال ذلك بحنان، وقد اقترب منها أكثر، فشاهدت بريق عينيه كالصاروخ، ثم قالت مرتبكة:
"يا عمر العلاقات مش لعبة.. وأنا مش هقدر ارتبط بيك لمجرد إحساسك إنك بتحبني.. في حاجات تانية أهم لازم تتوجد عشان العلاقة تدوم وتنجح."
قبض على كتفيها بقوة، ثم بدأ يحدثها بلهجة حنونة بثت الخيال بنفسها:
"مش هاسيبك.. مش هتوهي مني أبداً حتى لو اضطريت إني أحبسك هنا في القصر."
صمتت قليلاً، ثم ابتسمت قائلة:
"عمر.. انت مشاعرك فعلاً بقت رقيقة مؤخراً.. ومانكرش إني بدأت أتشد لك لكن ده مش كفاية.. وأنا أصلاً مش هقدر أكمل حياتي هنا في القصر.. أنا ليا خطط مختلفة لمستقبلي."
"قلتلك إني مش ممكن أسيبك يا ياسمين.. مش ممكن.. وبعدين أي خطة كنتي راسمها لمستقبلك تقدري تحققيها وإحنا مع بعض."
نظرت إليه وهي لا تكاد تصدق ما تسمعه، فتابع:
"اتجوزيني بس.. أنا عارف إني كنت إنسان مستهتر ومش مسؤول بس زي ما قلتلك انتي غيرتيني.. ومش لازم تسيبيني بعد ما وصلت للنتيجة دي بسببك.. لو وافقتي على جوازنا أوعدك إني هبذل كل جهدي عشان ماديكيش فرصة واحدة للندم على قرارك."
كلامه ألجم لسانها، وانفعلت مشاعرها بحيث أنها جعلت استعمال عقلها أمراً مستحيلاً، فسألته:
"لازم آخد قراري دلوقتي؟"
"أيوه وحالاً."
قالها بجدية، وبدون أن يضحك أو حتى يبتسم، لكنها صمتت أمام ضغوط مشاعرها، فهز رأسه عابساً ثم قال:
"ياسمين انتي لازم تتجوزيني.. لازم تتجوزيني قبل ما تقضي على حياتي."
رفعت حاجبيها ذاهلة لاتهامه، فأومأ رأسه قائلاً:
"أول مرة اتقابلنا حصلت بينا خناقة نتيجتها إني اتفصلت من الكلية وقعدت أتعالج فترة في البيت.. ده غير اللي حصلي على إيد أخويا واللي حصلي من كام يوم لما جريت وراكي في نص الليل وأنقذتك من اللي كنتي فيه.. ببساطة يا ياسمين أنا عندي اقتناع تام إن كل مشاكلي هتتحل بمجرد ما اتجوزك.. ها بقي قولتي إيه؟ انتي لسه مش مصدقة إني بحبك بجد؟ فاكراني بخدعك؟"
هزت رأسها قائلة:
"مصدقاك يا عمر.. لكن مش مصدقة الوضع اللي أنا فيه.. ليه أنا بالذات؟"
تنهد بعمق، ثم أجابها:
"لأنك أول واحدة حطتيني في مواجهة مع نفسي كذا مرة لحد ما نجحتي إنك تغيريني.. ولأنك مختلفة جداً عن غيرك.. مش بتهتمي بالألقاب ولا بالمراكز ولا بالفلوس.. ولأنك محتاجة دايماً لحد ينقذك.. ولو ركزتي مش هتلاقي أنسب مني للمهمات اللي زي دي."
قهقهت بخفة من جملته الأخيرة، فابتسم بدوره، ثم سألها بنبرة معذبة:
"إيه قرارك بقي؟"
تورّدت وجنتاها بشدة، ثم أجفلت خجلة، لكنها عادت تنظر إليه قائلة:
"هديك فرصة تقنعني يا عمر."
انفرجت أساريره بابتسامة واسعة، فغمز بعينه مرحاً وقال:
"ماتقلقيش يا سو.. هتقتنعي بسرعة يا حبيبتي."
لكزته على كتفه بخفة معاتبة، فيما رفع يدها إلى شفتيه، وطبع عليها قبلتين، ثم نظر إلى عينيها قائلاً:
"بحبك."
بعد مرور عدة أيام، عاد "عز الدين" إلى منزله بعد أن تعافى تماماً إلا فقط من جرح صدره الذي يتطلب عناية بالغة. لم يحاول صد "عبير" عنه حين ارتمت بأحضانة باكية فور عودته، ولكنه أيضاً لم يحاول أن يبادلها شعورها على الأقل الآن.
تناول الجميع العشاء تلك الليلة وسط أجواء من الفرحة الغامرة لعودة سيد المنزل سالماً، فقد سمح "عز الدين" لجميع الخدم بالقصر أن يتناولوا طعام العشاء معه وأسرته على مائدة طعام واحدة. لقد كان السرور يملأ الأجواء بشدة، فعمر لم يتوقف طوال السهرة عن الكلام المرح وإطلاق النكات وكأنه يحاول التعويض عن اليومين الماضيين. في هذه الأثناء، كانت "داليا" تتأمل الجميع بهدوء وكأن التعب والقلق استهلكا كل قوتها.
لا شيء يهم الآن طالما عاد "عز الدين" إلى منزله سالماً، وها هو على رأس الطاولة يوزع ابتساماته في كل اتجاه. فتساءلت في نفسها.. تراه يعلم كم كانت قلقة عليه؟
عندما انسحبا أخيراً إلى غرفتهما، ساعدت "داليا" زوجها في تبديل ملابسه، ثم قادته إلى الفراش ومددته في هدوء. جلست إلى جواره متسائلة:
"مش عايز مني أي حاجة تانية؟"
منحها ابتسامة خفيفة، ثم أجابها بلهجة هادئة صادقة:
"عايزك ترتاحي.. انتي تعبتي معايا أوي اليومين دول."
دمعت عينيها رغماً عنها، فقالت:
"ماتقولش كده.. الحمد لله إنك رجعت البيت."
"بتحبيني يا داليا؟"
تفاجأت بسؤاله، لكنها أومأت رأسها وأجابته:
"آه.. بحبك.. بحبك أوي."
ثم رفعت يدها ومررتها على وجهه، وكانت أحاسيسها العميقة تنعكس في عينيها المشعتين، فانزلقت دمعة حارة من عينها، ثم قالت بعد جهد:
"الحياة مستحيلة من غيرك.. سواء كنت قاسي وعنيف أو لأ."
"ومش محتملة معايا بردو.. أنا كده يا داليا."
"أنا عارفة.. بس بحبك.. أعمل إيه؟!"
أحاط وجهها بيديه، ثم قال:
"تعالي في حضني."
قالت بحذر مرتبكة:
"ممكن تتألم لسه جرحك ما خفش."
قال وهو يضمها إلى صدره بحنان ورفق:
"تعالي هنا."
ثم همس بأذنها:
"أنا كمان بحبك يا داليا."
اتسعت عينيها ذهولاً، فسألته وهي لا تزال بأحضانة:
"بجد بتحبني؟"
"جداً.. من يوم ما وقعت عيني عليكي.. ماكنتش قادر أصدق إني حبيتك.. حاولت أتخلص من الفكرة دي بطرق كتير لكن كنت بفشل لحد ما قررت أعرض عليكي الجواز العرفي.. قلت بكده ممكن الأمور تبقى أسهل عليا من ناحية هتكوني ليا زي ما كنت عايز ومن الناحية التانية هبطل أحبك.. بس اتفاجئت برفضك.. ساعتها ماكنتش عارف أعمل إيه.. فضلت أفكر كتير لحد ما وصلت لقرار إني هدور وراكي وأعرف كل حاجة عنك عشان أجبرك تنفذي كل اللي أنا عايزه.. اشتريت بيتك واستغليت إنك استقلتي من الشركة.. كلفت واحد من الرجالة اللي شغالين عندي بمراقبتك.. كان في نيتي إني أعرض عليكي الجواز العرفي تاني وكنت واثق إنك مش هتقدري ترفضي المرة دي.. لكن لما وصلني خبر إن المكان اللي كنتي قاعدة فيه انتي وأختك مشبوه جريت عليكي بسرعة وأنا مش فاهم إيه سبب لهفتي.. فسرتها بأني مش عايز حد غيري يقربلك لحد ما وصلت وشفت صاحب المكان بيحاول يعتدي عليكي.. وقتها اتأكدت إني بحبك فعلاً الشعور اللي حسيت بيه ألغى تفكيري فلاقيت نفسي بعدها بعرض عليكي الجواز الرسمي.. لحد ما حاولت تهربي مني كنت متخيل إني هقدر استغنى عنك في أي وقت بس كنت غلطان.. اتعلقت بيكي أكتر وحبيتك أكتر وخصوصاً لما سمعت بخبر الحمل.. فرحت جداً وعاهدت نفسي من يومها إني عمري ما هفرط فيكي أبداً.. هخليكي تحت عنيا طول الوقت ومش هكرر اللي حصل زمان مع أبويا.. هكون أناني في حبك بحيث إنك ممكن تتخنق في وقت من حبي ليكي وغيرتي عليكي.. أنا عايزك تسامحيني يا داليا.. وعايزك تتأكدي إني بحبك أكتر بكتير من حبك ليا."
انتظرت لثوان قبل أن ترفع رأسها وتنظر بعمق في عينيه، ثم سألته بخفوت:
"طيب وجومانا؟"
"جومانا! جومانا إيه دي اللي بتسأليني عنها؟ دي مجرد واحدة زي أي واحدة عرفتها قبل كده.. كان في بينا علاقة بس انتهت ومن قبل ما اتجوزك كمان."
علقت ببطء:
"بس الخاتم اللي جت ترجعه والصورة إل..."
فقاطعها مسرعاً:
"الصورة دي قديمة يا داليا.. والخاتم كان هدية منها ليا.. قبلته بس رجعتهالها تاني بعد ما اتجوزتك.. أنا عارف إنك اتضايقتي بس كان عندي أمل إنك ممكن ماتصدقيش أو تكدبيها."
أغورقت عينيها بالدموع، وقالت:
"ساعتها ماكنتش قادرة أفكر خالص.. دايماً كانت نظرتي ليك إنك راجل مغامر مابتحبش الستات بس بتحب تقضي معظم وقتك معاهم.. بس أنا كنت عايزك ليا لوحدي.. خصوصاً بعد جوازنا.. ستات كتير اتلموا حواليك ومنهم جومانا كنت بموت وأنا بتخيلك مع كل واحدة شوية.. في نفس الوقت ماكنتش بتحمل معاملتك المهينة ليا."
ضمه بحنان إلى صدره وهو يقول:
"أنا آسف.. بس صدقيني بعد جوازنا كنت بحاول على قد ما أقدر إني آخد بالي من تصرفاتي معاكي.. بس انتي كنتي بتستفزيني ساعات وأنا من النوع اللي مابيقدرش يسيطر على أعصابه كتير."
منحته ابتسامة دافئة، ثم همست:
"بحبك."
ابتسم بدوره قائلاً:
"قربي مني أكتر وقوليها تاني.. ماسمعتش كويس."
التقطت عيناه الذهبيتان عينيها الخضراوين في عناق حار يحمل في طياته كل معاني الحب والأمل والمستقبل، فعادت تهمس قرب أذنه بصوتها الدافئ:
"بحبك.. بحبك يا عز..."
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم مريم غريب
على الطرف الآخر كانت "عبير" تراقب أصابع الفجر الوردية. كان المنظر رائعاً، لكنها شاهدته بحسرة. تنهدت بثقل، ثم ابتعدت عن النافذة متوجهة نحو الفراش. تمددت تعبة، ولكن تعبها ليس جسدياً، بل سببه الضغط والاضطراب النفسي. فراشها مريح، والأغطية ناعمة، ومع ذلك فلا شيء باستطاعته تهدئة اضطراب أعصابها. كانت متقلصة الوجه، ومشوشة الأفكار. كانت تفكر بزواجها، وعلاقتها غير المستقرة بـ "خالد". لا يزال هناك حاجز يفصل بينهما، كما لا يزال "خالد" متحفظاً في معاملته لها. لم يمضيا يوماً واحداً كزوجين إطلاقاً. هربت دمعة حارة من عين "عبير"، ثم راحت تتساءل في نفسها: ألم يقبل بهذا الزواج؟ أما كان يعاملها بلطف وما زال؟ إذن لماذا يضع الحواجز بينهما إلى الآن؟ هو يحبها، وذلك أمر لا شك فيه، لا أحد باستطاعته نفي ذلك. إذن لماذا يكبدها عناء الماضي؟ لماذا لا يستطيع النسيان؟ وماذا لو لم ينس؟ هل يمكن أن تستمر حياتهما على هذا النحو؟ وهل ستحل المعاملة الطيبة التي يقدمها إليها مكان الحب؟ لا، لا يمكن أن يستمروا هكذا.
لم تتوصل "عبير" إلى الشعور بالراحة المنشودة، وظلت تتقلب في فراشها يمنة ويسرة دون جدوى. ثم فجأة، احتلها ارتخاء متعب، وتدريجياً شعرت بثقل في جفنيها، وكادت تغفو، إلا أنها سمعت صوت محرك سيارة تصطف بمرفأ المنزل. فقفزت من موضعها واتجهت نحو النافذة من جديد. ولدهشتها رأت "خالد" وقد عاد. وفكرت: إذن هذا يعني أن العمل الذي ذهب من أجله برفقة شقيقها قد تم. ولكنها تساءلت: لماذا لم يتصل ويخبرها بموعد عودته؟ هل قرر أن يصبح جافاً معها تدريجياً؟
امتقع وجهها في حزن لتلك الأفكار، بينما سمعت بوضوح أصوات خطوات تمر أمام باب غرفتها. ابتسمت ساخرة وعرفَت فوراً أنه ذاهب ليرتاح بغرفته المستقلة. عادت "عبير" إلى الفراش مجدداً، ولكنها عزمت بإصرار على تنفيذ ما قفز برأسها توا.
***
في الصباح، استيقظت "داليا" عندما شعرت بيد صلبة تحيط بخصرها من الخلف، وبأنفاس حارة تصافح أذنها وعنقها. وفوراً تذكرت ما حدث في الليلة الماضية. فتحركت رأسها باضطراب على الوسادة لترى فيما لو كان "عز الدين" مستيقظاً.
ولكنه ما زال نائماً. إلا أنها اكتشفت أنه خلع قميصه أثناء نومه وألقاه بجانب الفراش. بينما لاحظت معالم الارتياح ظاهرة على وجهه، فقد اختفت خطوط الإعياء التي ظهرت حول عينيه في الليلة السابقة، كما عاد وجهه إلى وضعه الطبيعي مجدداً.
تأملته "داليا" ملياً وفكرت: وجوده إلى جوارها يشعرها بالأمان. وأدركت مدى الارتياح الذي تشعر به عندما يكون قريباً منها، والسهولة التي يمكن أن تنسى بها كل القسوة التي مارسها معها في السابق. فيما بدأت تتحرك في الفراش محاولة النهوض. ففتح عينيه فجأة، ومنحها ابتسامة دافئة ثم قال بخفوت:
- صباح الخير يا داليا.
ولكنها لم تجبه، بل رمقته في حنق ثم دفعت عنها ذراعه الملتف حول خصرها ونهضت. لم يأبه لتصرفها الأرعن هذا، وعوضاً عليه شد عضلات كتفيه بتكاسل وقال:
- أول ما خلص الشغل قطعت التذاكر أنا وخالد ورجعنا علطول. مارضتش أقولك قلت أعملهالك مفاجأة أحسن.
وللمرة الثانية لم تجبه، فتابع هو متسائلاً:
- عملتي إيه في غيابي؟ يا ترى عملتوا عيد ميلاد لعدنان؟
هزت "داليا" رأسها بعصبية، بينما انتصب نصف جالس على الفراش، وأصبحت لهجته حادة عندما قال:
- إيه مالك؟ قررتي ماتتكلميش معايا ولا إيه؟
تطلعت إليه وعلامات الاستياء واضحة على وجهها، ثم أجابته في تهكم حانق:
- لأ إزاي؟ هو أنا أقدر؟ وبعدين ماتشغلش بالك انت بالأمور التافهة دي. أهم حاجة الشغل طبعاً مافيش أهم منه.
- شكلك اتعلمتي حاجات كتير في غيابي.
قال ذلك، ثم نهض واقترب منها. وقف أمامها، ووضع يده تحت ذقنها، رافعاً وجهها إليه. ثم راح يتأملها. وفجأة ظهرت على وجهه ابتسامة عريضة عندما رأى ما ارتسم على وجهها من علامات التمرد والتحفز. ثم تابع:
- أعتقد هيبقي أفضل لو ما كبرناش الموضوع. الحاجات دي بقت قديمة أوي يا داليا.
- قديمة!!
هتفت مستنكرة، ثم تابعت:
- أول عيد لابنك مايستحقش إننا نحتفل بيه سوا؟ ما انت رجعت في نفس اليوم اهو. ماكنتش عارف تقدم يوم رجوعك؟ ماكنتش عارف تيجي أول امبارح أو امبارح؟ أنا حاسة إنك قصدت ترجع في الوقت ده.
عاد "عز الدين" برأسه إلى الوراء ثم قهقه بقوة، وعاد ينظر إليها، وأمسك بيدها. وقبل أن تتحرك من مكانها، جذبها إليه بيده الأخرى، ثم داعب خصلة من شعرها الكستنائي ترنحت فوق جبينها، وقال:
- انتي عاطفية وخيالك واسع أوي يا داليا.
ثم تابع بجدية، ولكن كان يبتسم فظهرت أسنانه الناصعة المتناسقة:
- شوفي يا حبيبتي. أنا عمري ما حبيت السفر برا، وعمري ما سافرت إلا عشان الشغل فالبتالي أول ما بخلص شغلي في أي مكان برا مابستناش يوم كمان. بقطع التذكرة وبرجع علطول. وأكيد ماكنتش مرتب خالص للتأخير اللي حصل ده.
ثم أضاف بلهجة حادة:
- زي ما أنا مش مضطر أقدم لك أعذار دلوقتي.
إنفلتت منها ضحكة بسبب أسلوبه كبحتها في الحال، بينما لانت ملامحه من جديد، فراح يعانقها بخفة ورقة. مزق شعور العاطفة أعماقها، إذ لم تكن مستعدة لعناقه، لكنها استجابت له، بينما راح يضمها إليه أكثر وهو يحيطها بذراعيه، ثم همس في أذنها:
- تعرفي إنك وحشتيني أوي؟
- بجد!!
قالت ذلك بجمود مضطرب، ثم دفعته وتحررت من قبضته، وتابعت:
- عشان كده غيبت المدة دي كلها صح؟
ثم أخذت تتراجع إلى الوراء ببطء، بينما اقترب منها قائلاً بحدة وعيناه تشعان سحراً عهدته من قبل:
- جري إيه بقى؟ مش هنخلص؟
ثم تابع بصرامة:
- مش عايزك تفتحي الموضوع ده تاني خلاص، مفهوم؟
ثم قبض على ذراعها وجذبها نحوه، وداعبت أنامله وجنتيها. شعرت بالخطر فقالت بخفوت مختلجة:
- عدنان نام امبارح بدري، وممكن يصحى دلوقتي.
بينما تجاهلها كلياً، وعلى الرغم من نعومة أنامله التي تفوق الوصف، فقد شعرت بصلابة لمساته، مؤكدة عزمه على نيل ما يريد. فلم تدر ماذا تفعل، ولكنها سارعت إلى القول:
- حد شافك وانت راجع امبارح؟
قطب حاجبيه متذكراً وهو يتراجع محققاً أملها، ثم قال:
- آه طبعاً. مصطفى اللي واقف على بوابة القصر وزميله. غير كده البيت كله كان هادي لا صوت ولا ضوء.
استغلت ابتعاده عنها وقفزت بعيداً عنه وهي تقول:
- أعتقد الكل هيتفاجئوا برجوعك. أنا هدخل آخد دش وانت انزل فاجئهم بنفسك.
رمقها بابتسامة ساخرة، ثم سألها:
- تحبي آجي أساعدك؟
- لأ.
أجابته وصفعت باب الحمام وراءها، وأدارت المفتاح في القفل خشية أن يتبعها. ثم استندت إلى الباب لبرهة والإبتسامة تملأ وجهها.
***
استيقظت "ياسمين" والآلام تمزق عنقها وكتفها على صوت المنبه الذي أنذرها ببدء الاستعداد لترك فراشها. لكن الدفء الذي سيطر عليها وهي تتمدد تحت الغطاء الثقيل جعلها تفكر في البرد الذي ستتلقاه في حال خروجها من الغرفة. لكنها نفضت الكسل عن جسدها، وأبعدت الغطاء عن قدميها، ثم أمسكت بالمنبه حيث جثم فوق منضدة قرب فراشها. فحملته بين راحتيها وتفرست به عن كثب. أشار العقرب إلى الساعة التاسعة والنصف. تلعثمت أنفاسها باضطراب، فقد تأخرت كثيراً في النوم، رغم أن اليوم عطلتها، ولكنها تفضل الاستيقاظ باكراً. غير أن الخمول الذي أصابها في تلك الأيام بفضل الموجة الباردة التي عمت الأجواء في الخارج، حيث جعلتها تلتزم فراشها رغماً عنها، بالرغم من وجود جهاز التكييف الذي أدفأ غرفتها بالقدر المناسب، ولكنها كانت تعاني موجات البرد لدى خروجها من غرفتها الدافئة.
ثم فجأة قفزت برأسها فكرة، عزمت على تنفيذها، ولكنها اتجهت إلى الحمام أولاً، حيث اغتسلت ونظفت أسنانها. ثم خرجت وارتدت ملابسها الثقيلة وتوجهت إلى الخارج لتفتش عن "عمر". وصلت إلى غرفته، فطرقَت بابه. ليأتي صوته سامحاً بالدخول لمن يطرق. بينما دفعت الباب ودلفت إليه، فوجدته يجلس بمقعد مرفق بطاولة صغيرة احتلت مكاناً بسيطاً بغرفته الفسيحة. وعندما اقتربت منه، اكتشفت أنه جالس منهمكاً في دراسته. فقد عاد "عمر" إلى دراسته من جديد، كما وعده شقيقه في العام الماضي، وقد تغيرت صفات "عمر" تدريجياً من أفضل إلى الأفضل، مما أسعد "ياسمين" وأرضاها، فهي لها الفضل الأكبر في تحسنه، حيث شجعته وعاونته ووقفت إلى جانبه.
- صباح الورد يا سو.. وحشتيني يا حبيبتي.
حياها "عمر" بنظرات متيمة، فأجفلت "ياسمين" خجلة، ولكنها ردت له التحية باسمة:
- صباح الخير يا عمر.
ايه صاحي بدري كده عشان تذاكر؟
داعبها عمر بنظراته الفاتنة قبل أن يجيبها:
- طبعا يا روحي .. أنا لازم أعمل كل اللي تقوليلي عليه.
ثم تابع ممازحا:
-شفتي أنا شاطر إزاي؟
أطلقت ضحكة قصيرة قبل أن تقول:
-شاطر يا عموري .. بس قوم دلوقتي تعالي معايا.
-على فين؟
سألها بجدية، فألحت:
-قوم بس.
هز عمر كتفيه، ثم نهض وتبعها حتى أوصلته إلى بهو القصر الفسيح.
وقف قبالتها واضعاً يديه على جانبي وسطه متسائلاً:
-إيه الحكاية يا ياسمين؟
ابتسمت ياسمين ثم أجابته وهي تشير نحو الموقد الذي تواجد بآخر القاعة الكبيرة:
-عايزاك تساعدني نولع النار في الدفاية دي.
رفع عمر حاجبيه مندهشاً، ثم سألها:
-ليه يعني؟
فأجابته ببساطة:
-أولاً الجو برد قوي برا الأوض وممكن أي حد فينا ياخد برد ويتعب وتتنقل العدوى لينا كلنا، ده غير إن فيه طفل معانا ولو أخد برد هيتعب قوي. ثانياً الدفاية شكلها حلو ولما النار تولع فيها المنظر هيبقى جميل جداً خصوصاً بالليل.
فغرت من حديثها، ثم رمقته في تساؤل باسمة، ولدهشتها العظيمة رأت عمر يهز رأسه ولكن بعلامات الرفض، ثم سمعته يقول:
-ما ينفعش يا ياسمين.
-ليه؟
سألته بخيبة، فأجابها بلطف:
-لازم حد يطلع على سطح البيت وينضفها من فوق الأول عشان الشحم اللي فيها.
لم تفهم ما ضرورة هذا الإجراء، ولكنها تجاهلت كلامه قائلة:
-تعالي بس نولعها والخشب بتاعها موجود أهو .. يلا بقى.
لم يستطع عمر إخماد شعلة الحماس بعينيها، فاستسلم لطلبها رغم قلقه، ثم راح يساعدها في إشعال الموقد، بينما كان خيالها يدور وهي في ذروة إنهماكها في هذا العمل حول الجو الدافئ الذي ستضفيه النار على القاعة، فيما تناول عمر قطع الحطب وصفها في الموقد بترتيب، ثم أضرم النار فيها، بينما تبتسم ياسمين بفرح. وما كادا يبتعدا بضع خطوات، حتى سمعا صوتاً غريباً ينبعث من الموقد الذي ما لبث أن انفجر مرسلاً دخاناً أسود كثيفاً، انتشر في القاعة وغطى كل شيء، بما في ذلك ياسمين وعمر بطبقة كثيفة من السخام الأسود.
-يا خبر!!
صرخت ياسمين في اضطراب ذاهلة وهي تتراجع إلى الوراء لتتقي مزيداً من السخام، بينما نظرت إلى عمر وكان قد أصبح أسود اللون من رأسه إلى أخمص قدميه. تبادلا النظرات، فانفجر عمر ضاحكاً من الشكل الذي بدت عليه ياسمين، بينما لم تعد تتمالك أعصابها، فانفجرت ضاحكة هي أيضاً عندما تأملت عمر. بقيا على تلك الحالة عدة دقائق، حتى تكلم عمر أخيراً، فقال وهو يحاول كبح ضحكاته:
-مش قلتلك بلاش.
ولكن سرعان ما عم السكون عليهما، إذ دق جرس الباب فجأة، لتأتي إحدى الخادمات وتفتح، وإذا بالطارق عبير.
مضت عبير مسرعة لدي انفتاح الباب، وتوجهت نحو الدرج ولم تتوقف للحظة. نظرت ياسمين إلى عمر الذي نهض وساعدها على الوقوف. مرت دقائق وهما يقفان إلى جانب بعضهما دون كلام. ومن ثم ما لبثت ياسمين أن تتكلم حتى جاء صوت عز الدين الذاهل قائلاً:
-إيه ده؟ إيه اللي حصل؟
التفتا إليه في سرعة، بينما اتسعت عينا عمر بدهشة قبل أن يقول:
-إيه ده أنت؟ رجعت امتى؟
أجابه عز الدين:
-امبارح بالليل.
ثم عاد يسأله ماذا حل بالمكان، فشرح له عمر الأمر، ثم أخبره بوصول عبير.
-جت لوحدها؟
سأله عز الدين مقطباً، فأجابه:
-أيوه وجايبة شنطة هدومها.
-هي فين؟
-طلعت فوق.
أومأ عز الدين رأسه، ثم انسحب عائداً إلى الطابق العلوي، بينما تنهد عمر ثم داعب ياسمين بقوله:
-هطلع أنقع نفسي في الماية يمكن أنضف.
أطلقت ياسمين ضحكة كبيرة فتأملها عمر باسماً.
بعد أن وضعت حقيبتها فوق فراشها، ألقت بثقلها فوق مقعد وثير بجانب الشرفة، ثم راحت تحدق في اللاشيء والدموع تتلألأ بعينيها، إلى أن سمعت طرقاً على باب حجرتها. عملت على ضبط نفسها سريعاً، ثم خرج صوتها طبيعياً وهي تأذن بالدخول لمن يطرق بابها، فوجدت أخيها بقامته الشامخة يدخل إلى الحجرة ويتقدم نحوها. فلا شعورياً نهضت واقفة، ولكن أشار لها بأن تجلس، فامتثلت لأمره، بينما جلس هو على مقعد قبالتها، ثم انتظر لثوان وقال:
-إزيك يا عبير؟
-الحمد لله يا عز .. كويسة.
أجابته وهي تحدق براحتيها المبللتين بالعرق، فيما سألها بهدوء:
-جاية لوحدك؟
-آه.
-خالد مجاش معاكي يعني؟
-لأ.
أومأ رأسه مراراً، ثم تابع سؤاله وهو يشير إلى حقيبة ملابسها:
-طب جاية بشنطة هدومك ليه يا عبير؟
صمتت لثوان، ثم أجابته بإصرار:
-أنا عايزة أتطلق.
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم مريم غريب
إنتظرت لثوان ثم قالت بإصرار:
- أنا عايزة أطلق.
لم تبدو الدهشة على وجه عز الدين، بل أنه أومأ رأسه ثم سألها:
- عايزة تطلقي ليه يا عبير؟
نظرت إليه نظرة تائهة، وكأنها فقدت كل احتكاك بالواقع، بينما حدق بها ورأى أنها على وشك الانهيار، فعاد يسألها بهدوء ولطف:
- ما ردتيش عليا يعني يا عبير! عايزة تطلقي ليه؟
إذردت ريقها بصعوبة، ثم أجابته:
- مش مرتاحة.. وخالد كمان مش مرتاح.
- طب إيه السبب؟
سألها مستفسراً، فقضمت شفتها ثم أجابته بمرارة:
- شكله مش قادر ينسى اللي حصل.
ثم تابعت بصوت مرتجف:
- ده غير إن جوازنا ملوش لازمة أصلاً.
- ملوش لازمة؟ إزاي يعني؟
سألها مقطباً، فأجابته بتوتر وهي تشعر بالبرودة تحتلها:
- يعني من يوم ما اتجوزنا.. هو في أوضة وأنا في أوضة.
تدارك عز الدين الأمر، فأومأ رأسه مراراً، ثم صمت قليلاً وتنهد قائلاً في هدوء:
- طيب.. خلينا نناقش الموضوع ده بعدين، ودلوقتي انزلي يلا معايا عشان نفطر كلنا سوا.
لوهلة أرادت أن تمتنع، ولكن شوقها لمجالسة أخويها غلب على شعورها بالرفض، فابتسمت ابتسامة لم تصل إلى عينيها، ثم أومأت رأسها وتابعت شقيقها إلى الأسفل.
وعندما كانا يهبطان الدرج، وجدا داليا وكانت تقف تعاتب عمر وياسمين على الفوضى التي أحدثاها بالبهو، بينما عدنان مستند برأسه على كتف أمه هادئاً يتابع ما يجري حوله في صمت.
- إيه تاني؟
قال عز الدين متسائلاً، حينما وصل إليهم، فالتفتت داليا إليه، ثم أجابته عابسة وهي تشير نحو البهو:
- ادخل شوف كده إيه اللي حصل جوا!
أومأ عز الدين رأسه قائلاً:
- شفت.
- والله يا داليا أنا حذرت أختك وقولتلها بلاش.. بس هي أصرت.
قال عمر ذلك محاولاً تعزيز موقفه، ثم تابع منهياً للحديث:
- وبعدين خلاص بقى دي حاجة بسيطة يعني خلاص.. هاتي عدنان هاتيه.
ابتعدت داليا خطوة إلى الوراء وهي تتمسك بابنها قائلة:
- لأ.. عايز تمسكه وأنت بالشكل ده؟ اطلع استحمي الأول.
نظر عمر إلى يديه الملطختين بالسخام، ثم قال:
- آه صح عندك حق.
ثم تركهم منسحباً إلى غرفته، بينما حولت داليا نظرها إلى شقيقتها قائلة:
- وأنتي كمان اطلعي يلا نضفي نفسك.
أومأت ياسمين رأسها في استحياء، ثم لحقت بعمر إلى الطابق العلوي حيث توجد الغرف.
فيما انتبهت داليا إلى وجود عبير، فتطلعت إليها باسمة، وقالت:
- عبير.. ازيك يا حبيبتي عاملة إيه؟
- الحمد لله يا داليا كويسة.
أجابتها عبير باسمة، ثم تابعت:
- أنتي عاملة إيه؟ وعدنان حبيبي القمر أخباره إيه؟
- طول ما هو كويس أكيد أنا هكون كويسة.
قالت داليا باسمة، بينما انحنت عبير نحو عدنان ذي العينين الخضراوين الصافيتين، وداعبت بأناملها خديه البارزين الحمران قائلة:
- ربنا يخليهولك.
فيما مد عدنان ذراعيه إلى عبير منتظراً أن تحمله، فضحكت عبير ولم تخيب ظنه، إذ تناولته بين ذراعيها بعفوية، ثم حدثته باسمة:
- يا حبيبي.. أنت بقيت جميل كده ليه؟ ما شاء الله.. ازيك؟
وما كادت تكمل مداعبة للطفل، حتى دخل خالد في تلك اللحظة.. ظهر فجأة أمامها، فلم تجد الوقت لتفر أو تختبئ.
- طب لما قررتي تيجي هنا.. ليه ما قولتيليش قبل ما تمشي وتسيب البيت؟
كان صوته يتسم بالقلق، كما كانت ملامحه أيضاً، فرأت عبير نفسها تتجه وتحتمي بعز الدين تلقائياً، بينما ساد الصمت للحظات، قطعها شقيقها وهو يوجه إليها سؤاله مقطباً:
- أنتي جيتي من غير ما تقوليله؟
تطلعت إليه عبير متوجسة، ثم أومأت رأسها إيجاباً ببطء، فسألها حانقاً:
- إزاي تعملي كده؟
لم تجد ما تقوله، فلاذت بالصمت، بينما حول عز الدين نظره إلى خالد متسائلاً:
- طيب ما اتصلتش بيا أو بيها ليه؟
أجابه خالد عابساً:
- هي ماكنتش بترد عليا، وما رضتش أكلمك إلا لما ألاقيها الأول.. ما حبيتش أقلقك، قلت يمكن ما تكونش جت هنا.
ثم نظر إليها متابعاً:
- وبعدين لقيت دولابها فاضي.. فقلقيت أكتر.
ثم وجه سؤاله لها شخصياً بعتاب منفعل:
- ليه عملتي كده يا عبير؟
أجابته بالصمت، بينما همهم عز الدين، ثم وجه نظره إلى داليا وأمرها بموافته إلى الغرفة، تاركاً خالد مع عبير على حدة.
وفجأة شعرت عبير أنها سقطت بمأزق، ولتعزز موقفها، تصرفت بطبيعية حيث دعت خالد إلى حجرة الجلوس.
- ممكن أعرف ليه مشيتي وسيبتي البيت بالطريقة دي؟
قال خالد ذلك متسائلاً بعد أن جلس بمقعد قبالتها، بينما أدرت ريقها بتوتر وهي تشعر بتسارع نبضات قلبها، ثم أخيراً أجابته:
- أنا.. أنا عايزة أطلق يا خالد.
ران صمت ثقيل عليهما، كما بدا عليه الشحوب فجأة، فقال بتمتمة غير مصدق:
- عايزاني أطلقك يا عبير؟
عضت عبير على شفتها بقوة، ثم أومأت رأسها قائلة:
- أيوه.. عايزاك تطلقني يا خالد.
لا زالت الصدمة مؤثرة على حواسه، فصمت قليلاً، ثم عاد يسألها:
- ليه؟
أجابته بابتسامة ساخرة:
- إيه اللي هيفرق معاك يا خالد؟ إحنا مش متجوزين أصلاً.
أدرك خالد مقصدها، فضغط على شفتيه، ثم سألها مستفسراً:
- يعني لو طلقتك الموضوع هيفرق معاكي أنتي؟ هتعملي إيه بعد ما أطلقك؟
هزت كتفيها وأجابته ببساطة:
- هكمل دراستي.
رمقها مستنكراً، فأكدت بقولها:
- أنت عارف طبعاً إني ما قدرتش أدخل الامتحانات السنة اللي فاتت بسبب الظروف اللي حصلت.. لكن انهاردة الصبح قبل ما أجي على هنا، روحت الجامعة وقدمت طلب إعادة، ومن الأسبوع الجاي هبدأ أكمل دراستي وأنزل الجامعة من تاني.
بدا مشدوهاً لدي انتهائها من الحديث، فعاد يسألها:
- عز الدين عنده خبر بقراراتك دي؟
أومأت رأسها، وأجابته:
- آه.. عنده خبر بموضوع الطلاق.. أما موضوع الدراسة لأ.. لسه ما قلتلوش.
- وكان رأيه إيه في موضوع الطلاق؟
- لسه ما كملناش كلام فيه.. بس هو ما اعترضش.
- وكمان ما وافقش.
- قصدك إيه؟
منحها ابتسامة باردة، ثم فجأة هب واقفاً وقال:
- اسمعي يا عبير.. أنا عايزك تشيلي فكرة الطلاق دي من دماغك خالص.. أنا ما اتجوزتكيش عشان أطلقك بعد كده.. وسواء لو عز الدين وافق أو رفض موضوع الطلاق أنا مش هطلقك.. أما عن موضوع دراستك ده شيء أنا ما أقدرش أعترض عليه، وعموماً أنا هسيبك هنا فترة لحد ما تهدّي أعصابك خالص، وبعد كده أكيد هترجعي معايا البيت.
- لأ يا خالد.
هتفت معترضة، ثم تابعت بحزم:
- مافيش حاجة بينا نرجع نكملها تاني.. مافيش حاجة خالص.. أنا مش هرجع معاك البيت.. أنا هفضل هنا.. ده بيتي وهنا حياتي اللي هرجع أكملها تاني.
ضم قبضتيه بعصبية، ثم قال قبل أن يدير ظهره لها ويرحل:
- أنا هعتبر نفسي ماسمعتش حاجة.. وهرجعلك تاني عشان نتكلم.. تكون أعصابك هديت شوية.. سلام.
ثم غادر مسرعاً، فتنهدت عبير متألمة وهي تفكر بمستقبلها المجهول.
مر أسبوع والأوضاع نوعاً ما مستقيمة ومتماسكة بمنزل الـ "نصار".. فمجيء عبير المفاجئ، ومكوثها الغير متوقع بالقصر أحدث اضطراباً نسبياً بين أفراد الأسرة، غير أن خالد فضل أن يطبق ما قاله وأن يترك عبير لفترة كي تستطيع أن تفكر بعمق وتنظر بدقة في علاقتهما. ولهذا لم يفاتح عز الدين بأمر الطلاق الذي اقترحته عبير وأصرت عليه. كما أن عز الدين أحب ألا يتدخل بينهما، رأى أنهما يستطيعان أن يتناقشا وأن يتوصلا إلى حل دون تدخله. وربما مباشرة الدراسة ساعدتها قليلاً في التخلص من غيمة الكآبة التي غلفت حياتها مؤخراً.
كان الطقس مشمساً ذلك النهار، حيث أدفأت الأمواج الشتوية الباردة التي كسّت الأجواء بدرجة مناسبة، فيما كانت عبير تجلس قبالة صديقتها ريم إلى طاولة خشبية بحديقة القصر.
- بصي يا ستي.. دي المحاضرات اللي فاتتِك من أول السنة.. ودي مراجع.. رغم إني خلصت واتخرجت بس نزلت جمعتلك كل حاجة من الطلبة والدكاترة.
قالت ريم ذلك بعد أن ناولت عبير بعض المجلدات والأوراق، بينما ابتسمت عبير بخفة وشكرتها قائلة:
- شكراً يا ريم.. بجد مش عارفة أقولك إيه.. شكراً.
- شكراً على إيه يا بيرو؟ ده أنتي أختي.
منحتها عبير ابتسامة مفعمة بالامتنان، ثم قالت:
- ربنا يخليكي ليا.
- ويخليكي لينا كلنا يا بيرو.
قالت باسمة، ثم تابعت متسائلة:
- بس أنتي مش ناوية ترجعي بيتك بقى؟ معقول هتفضلي قاعدة هنا كتير كده؟
أجابتها عبير في استنكار متجهمة:
- أنا مش ناوية أقعد هنا كتير.. أنا ناوية أقعد هنا على طول.
- ليه كده بس يا عبير؟
سألتها ريم معاتبة، فتنفست عبير بعمق، ثم قالت:
- البيت ده مش بيتي يا ريم.. ده بيت خالد.. أنا كنت مجرد ضيفة فيه، وجه الوقت بقى إني أمشي وأسيبه مجال ياخد راحته فيه ويتصرف زي ما هو عايز.
- إيه اللي بتقوليه ده!
هتفت مستنكرة، ثم تابعت:
- أنا أعرفك من سنين طويلة يا عبير.. وعارفة كويس خالد بيحبك قد إيه.. وبعدين ما تنسيش إنه الوحيد اللي وقف جنبك في أزمتك ومتخلاش عنك، وكان هيضيع نفسه عشانك.
- عارفة يا ريم.. عارفة إنه بيحبني.. بس هو مش قادر ينسى اللي حصل.. مافيش حاجة بينا.. حياتنا كانت ماشية على روتين يومي واحد مافيش جديد.. لا هو مرتاح ولا أنا مرتاحة.. يبقى ننهي اللي بينا وكل واحد يدور على راحته بنفسه.. إنما كده ماينفعش.. الحياة دي مستحيلة وأنا عندي طاقة تحمل زي كل البشر، وخلاص مبقتش قادرة أستحمل وأجي على نفسي أكتر من كده وأقول أنا غلطانة وأستحق أكتر من كده.. أنا تعبت.. بجد تعبت أوي.
رمقتها ريم بشفقة، وأدركت مدى عمق جرحها، فلانت ملامحها، وقالت بلطف:
- أنا عارفة أنتي عانيتي قد إيه يا حبيبتي..
و عارفة إن من حقك ترتاحي بقي و تكملي حياتك .. بس بردو كنت بقول لو تديله فرصة تانية يا عبير يمكن آا ...
- مافيش فايدة يا ريم.
قاطعتها عبير بحزم ثم تابعت بمرارة:
- بقالي سنة و أكتر عماله أديله فرص و مافيش فايدة.
ثم أضافت بإصرار:
- هنتطلق .. مافيش حل تاني .. و أنا علاقتي بإخواتي رجعت كويسة تاني زي الأول الحمدلله .. هرجع بقي أعيش في وسطهم و أكمل حياتي و أنا معاهم .. و خالد إنسان كويس جدا على فكرة و يستاهل واحدة أحسن مني تفكر تفرحه و تخليه مبسوط .. أنا ماكنتش أنفعله من الأول أصلا .. و ما بقتش أنفعه و لا بقيت أنفع لحد خالص.
- إيه يا عبير التشاؤم ده !!
- هي دي الحقيقة.
قالت ذلك و هي تحدق براحتها و سرعان ما تلألأت الدموع بعينيها، فسارعت ريم إلى القول:
- خلاص الله يخليكي .. بلاش تفتكري اللي فات .. خلاص يا عبير اعملي اللي يريحك .. أهم حاجة تبقي مرتاحة.
أومأت عبير رأسها مرارا ثم ابتسمت و الدموع تبرق بعينيها ...
في المساء .. عند دقات التاسعة .. بعد يوم شاق قضته داليا في إدارة أحوال المنزل و الاعتناء بطفلها .. دلفت إلى الحمام و اغتسلت .. ثم ارتدت ملابسها و عادت إلى الغرفة .. لتجد الصبي الذي تركته يغفو في فراشه .. قد استيقظ و وقف مستندا إلى أسوار الفراش الخشبية التي احتجزته في مسافة عالية .. و جعلته غير قادر على مغادرة مكانه ..
انفرج ثغر داليا بابتسامة عريضة لدي رؤيتها طفلها .. فأمطرها الصبي بوابل من الابتسامات التي تحولت إلى ضحكات رنانة .. بينما مشت داليا نحوه .. و دنت منه و قبلته .. ثم اتجهت نحو منضدة الزينة .. و جففت شعرها .. ثم مشطته .. و إذا بها تسمع صوت مقبض باب الغرفة يدور فجأة .. فالتفتت و أسرعت لملاقاة عز الدين و هي ترتدي ثوبا طويلا من الشيفون الوردي يتطاير من حولها بفعل حركتها .. و لم يخب ظنها .. إذ دلفت عز الدين فعلا كما توقعت .. فالتقت بنفسها بين ذراعيه .. فسألها:
- وحشتك ؟
- ما تتخيلش أنا مبسوطة قد إيه إنك رجعت بدري النهارده.
أجابها ببساطة:
- ماكنش في شغل كتير.
تجهمت داليا من جوابه الحاف .. فابتعدت عنه خطوة إلى الوراء .. بينما ابتسم لها ابتسامته التي كانت تضعف من مقاومتها .. فيما انتبه عز الدين فجأة إلى ابنه الذي راح يزقزق كالعصفور .. و يضرب بيديه طالبا الذهاب عند والده .. فابتسم له عز الدين و ألقى بأغراضه على أقرب مقعد .. ثم اتجه نحوه و حمله بين ذراعيه .. و في الحال أشرقت عينا الصبي الخضراوين .. و راح يضحك بقوة لأبيه و يلامس بيديه الصغيرتين خديه .. و كم تتضاعف دهشة داليا عندما تراه يتجاوب مع اهتمام ابنه الملّح .. و خلال لحظات قصيرة .. تغيرت ملامح عز الدين .. فمه القاسي .. و نظرته الساخرة .. و رصانته المتعالية .. كلها امتلأت بحنان كبير .. فقطبت داليا حاجبيها و لكنها كانت تبتسم .. لم تصدق أن هذا الرجل الصارم .. و العنيف .. و الحازم بطبعه .. بإمكانه أن يتمتع بهذا الحنان الكبير .. و هذه النبرة اللطيفة ..
و لما بدأ عدنان يلعب بشعر والده الأسود الغزير المرتب .. راح عز الدين يقهقه ضاحكا بصوت مرتفع .. بينما سارعت داليا و أخذت الصبي عن ذراع والده .. ثم قادته إلى فراشه الصغير قائلة:
- كفاية لعب بقي انت لعبت طول النهار .. سيب بابا يرتاح.
و رغم أن الطفل استاء من تصرف أمه .. إلا أنه راح يثاءب و يفرك بعينيه .. و ما أن وضعته بفراشه و راحت تغني له بخفوت .. حتى استجاب لها و غط في نوم عميق ...
و بعد أن اطمأنت عليه تماما .. التفتت وراءها .. فوجدت أن عز الدين جلس مسترخيا على الفراش .. حيث استند بظهره على الوسائد بعد أن خلع سترته .. و حل ربطة عنقه .. تقدمت نحوه بخطي ثابتة .. ثم جلست إلى جواره و قالت:
- سمعت إنك غيرت في شهر تاني سيكرتيرة ليك.
ابتسم في هدوء .. ثم أدار رأسه نحوها و قال:
- اعمل إيه بس ؟ كلهم مش نافعين.
ثم تابع بخبث:
- بصراحة انتي كنتي هايلة جدا أيام ما كنتي بتشتغلي عندي .. إنما دول مش بتوع شغل.
- أومال بتوع إيه ؟
- أقولك بتوع إيه و ما تزعليش ؟
- لأ ما تقولش .. مش عايزة أعرف خلاص.
و تظاهرت بأنها غير مبالية .. و وقفت و هي تعرف أنه سيقبض على معصمها و يسحبها إليه .. كانت تلك هي قواعد اللعبة بينهما .. و بالفعل .. حدث هذا .. و سقطت بين ذراعيه و هو يغمغم:
- مافيش ولا واحدة جت مكانك لحد دلوقتي إلا و مشيت بعد فترة قصيرة.
- بس سمعت إن آخر واحدة كويسة .. و حلوة.
- سمعتي من مين ؟
- عمر .. عمر قالي.
- مم .. عمر .. عينتيه مخبر عليا خلاص ؟
قهقهت بخفة .. ثم قالت:
- لأ أبدا .. أنا اللي بسأله.
همهم متفهما .. ثم قال:
- عموما بعيدا عن كل ده .. أنا عاملك مفاجأة بكرة.
- مفاجأة إيه ؟
سألته و قد أشرق وجهها بابتسامة عريضة .. فكبح حماسها بقوله:
- بكرة الصبح هتعرفي.
و أحست فجأة بأن عصابة شعرها المخملية انزلقت من على رأسها تحت سيطرة يديه .. و جاست أصابعه في شعرها الحريري .. ثم فجأة غرقت الغرفة في ظلام دامس ...
- إيه يا عمر ده ؟ خطك وحش أوي.
قالت ياسمين عابسة .. بينما كانت تجلس تباشر دراستها إلى جوار عمر على مقعد مرفق بطاولة داخل قاعة الجلوس .. فيما أومأ عمر رأسه معترفا .. ثم قال:
- عارف يا ياسمين .. و حاولت والله أحسنه بس للأسف مافيش فايدة.
ابتسمت ياسمين بخفة .. ثم قالت بلطف:
- لأ حاول تالت و رابع بالله عليك الخط ده ما يتقريش يا عمر .. حاسة إني بفك طلاسم.
قهقه عمر بمرح .. بينما تعالي صوت رنين هاتفهه بنغمته الصاخبة .. فتناول الهاتف مسرعا .. ليتجمد بمكانه في صدمة .. و عينيه على اسم المتصل ...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم مريم غريب
قهقه "عمر" بمرح. ثم فجأة، تعالي صوت رنين هاتفه. فتناول الهاتف مسرعًا ليتجمد بمكانه في صدمة، وعيناه على اسم المتصل.
ظل يحدق بشاشة الهاتف عابسًا حتى انقطع الاتصال. فانتبهت "ياسمين" إليه ولاحظت تعابير وجهه المكفهر. فلكزته على يده قائلة:
"عمر! إيه مالك؟ فيه إيه؟"
ثم سألته في فضول مترددة:
"مين كان بيتصل بيك؟"
عاد الرنين إلى الهاتف مرة أخرى. فتطلع "عمر" إليها دون أن ينبس بحرف. فرمقته "ياسمين" في استغراب مقطبة، وقررت أن تكتشف الأمر بنفسها. فأخذت الهاتف من يده وتطلعت إلى اسم المتصل. وكانت والدته، السيدة "كاميليا". توترت "ياسمين" ولم تعرف كيف تتصرف. فانقطع الاتصال مرة أخرى. فيما راحت تخاطبه بهدوء متسائلة:
"ليه مردتش عليها يا عمر؟"
حدجها "عمر" بقسوة. ثم أخيرًا نطق فقال منفعلاً:
"ليه مردتش عليها؟ هو أنا مش حكيتلك كل اللي حصل قبل كده؟"
أومأت "ياسمين" رأسها في اضطراب. ثم أجابته:
"أيوه حكيتلي.. لكن أيًا كان اللي حصل، مايصحش اللي عملته ده. مايصحش أمك تكلمك ومتردش عليها يا عمر."
علا صوته فجأة كسوط لاهب عندما قال:
"أنا الوحيد في إخواتي اللي روحتلها برجلي وكنت بسأل عليها وبزورها باستمرار.. من سنة وقفت قصاد أخويا عشانها ودافعت عنها.. كنت فاكر إنها اتغيرت بجد.. بس هي بنفسها أكدتلي إني كنت غلطان."
صمت لثوانٍ. ثم تابع مزمجرًا:
"دي ست أنانية مابتفكرش إلا في نفسها وكل كلمة قالها عز الدين عنها طلعت صح.. أنا اللي كنت عيل ومغفل."
"عمر.. خد بالك أنت بتتكلم عن أمك."
قالت "ياسمين" معاتبة. فاندفع قائلاً بغضب:
"لأ دي مش أمي.. أنا أمي ماتت من ساعة ما سابتني أنا وإخواتي زمان."
"يا عمر آا..."
"خلاص لو سمحتي."
قاطعها "عمر" بحزم حانق. ثم تابع منهيًا الحديث:
"أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده تاني أبدًا."
ثم هب واقفًا. ومضى في سبيله إلى خارج قاعة الجلوس. فتنهدت "ياسمين" وخرجت بانطباع أنه غادر لأسفه على تصرفه الحانق نتيجة إثارة ذكرياته المؤلمة. بينما شعرت هي بالأسف على تلك السيدة المنبوذة من أبنائها. ولكنها هزت كتفيها بقلة حيلة. ثم عادت تتابع دراستها.
في الصباح التالي، وبينما كانت "داليا" تساعد "عز الدين" على ارتداء سترته، راحت تسأله:
"كنت قولتلي امبارح بالليل إنك عامل لي مفاجأة الصبح!!"
صاح "عز الدين" متذكرًا:
"أيوه فعلًا."
ثم التفت إليها وقال:
"دلوقتي بعد ما أمشي، هتحضري شنطة فيها هدوم ليا ولكي يكفونا 4 أيام. وكمان ساعة مصطفى هيكون مستنيكي تحت. جهزي بسرعة عشان هايجيبك على الشركة. هكون أنا خلصت شوية شغل وبعد كده هنتحرك."
فغرت "داليا" فاها. ونظرت إليه مشدوهة. ثم سألته:
"هنروح فين؟"
أجابها متذمرًا:
"هو أنا مش قلتلك دي مفاجأة؟ هتعرفي لما نوصل."
هزت "داليا" رأسها عابسة. ثم عادت تسأله:
"طيب وعدنان؟ هنسيبه؟"
"آه."
"آه إزاي بس؟ مين هياخد باله منه؟"
"معانا في البيت عمر وعبير وياسمين.. 3 أفراد مش هيعرفوا ياخدوا بالهم من طفل صغير؟"
قطبت "داليا" حاجبيها غير راضية. وتمتمت:
"لأ مش هقدر أسيبه.. ماقدرش أبعد عنه.. يعني إيه يصحى من النوم لا يلاقيني ولا يلاقيك؟ وبعدين ده ساعات بيصحى بالليل وبيعيط ومابيسكتش إلا في حضني.. لأ لأ.. مش هقدر أسيبه."
"خلاص خليكي.. أنا غلطان."
قال ذلك متهكمًا. وكاد يمضي إلى خارج الغرفة. فأمسكت بذراعه قائلة:
"طيب استني."
"أنا مستعجل ومش فاضي. قرري بسرعة."
قال بنفاذ صبر. فتنهدت بثقل. ثم أومأت رأسها قائلة:
"خلاص.. هنسيبه."
"تمام.. يلا بقي اعملي اللي قوللتلك عليه بسرعة عشان نلحق نوصل بدري."
قال ذلك. ثم تقدم نحو فراش ابنه الذي كان مستغرقًا في نوم عميق. ودنا منه. ثم قبل وجنته. ومسح على شعره. ثم التفت إليها مؤكدًا ما قاله مجددًا ورحل.
فأسرعت "داليا" وراحت تعد لهما الثياب وتضعهم بحقيبة سفر متوسطة. ثم دلفت إلى الحمام واغتسلت. ثم لفت المنشفة الكبيرة حول جسدها. وعادت إلى الغرفة. فوجدت "عدنان" وقد استيقظ لتوه. فاقتربت منه والماء يقطر من شعرها. كان جالسًا على فراشه. يفرك بعينيه. عندما خاطبته "داليا" بخفوت ولطف. وهي تداعب خصلات شعره العسلي الغزير. ثم تركته واتجهت نحو منضدة الزينة. جففت شعرها ومشطته وعقصته إلى الوراء. ومن ثم ارتدت ملابسها. وألقت على نفسها آخر نظرة. فشعرت بالرضا على مظهرها. فقد ارتدت تنورة من المخمل الأبيض. تعلوها كنزة قصيرة الأكمام وردية اللون.
انتهت من ترتيب نفسها بسرعة. إذ بدأ "عدنان" بالبكاء. فأسرعت إليه. وراحت تسأله وهي تمسح دموعه بأناملها:
"إيه يا حبيبي مالك؟ مالك؟"
نظر الصبي إلى أمه بوهن والدموع تملأ عينيه الخضراوين الواسعتين. فتنبهت "داليا" أن ابنها جائع. فقالت له وهي تلامس خصلات شعره الحريرية:
"يا حبيبي.. أنت جعان؟"
فهمهم "عدنان" وأومأ رأسه. فضحكت "داليا" ثم قالت:
"طيب تعالي يا قلبي هاأكلك."
ثم أخذته بين ذراعيها وتركت الغرفة متوجهة إلى الأسفل. ودلفت به إلى قاعة المطبخ الفسيح الفارغ من الخدم في تلك الساعة. ثم أجلسته على طاولة عريضة أمامها. ثم راحت تعد له الجبن مع الخبز. لم تهتم "داليا" بتناول فطورها. بل اهتمت بإطعام "عدنان". ولما أنهى فطوره. أخذته إلى شقيقتها. وعندما أخبرتها "داليا" عن الخطة المفاجأة. أمطرتها "ياسمين" بوابل من الأسئلة:
"يعني هتغيبوا عن البيت 4 أيام؟"
"أيوه يا ياسمين."
"ممم.. وهتسيبوا معانا عدنان؟"
"أيوه."
"طيب هتروحوا فين؟"
"لسه معرفش."
أجابتها "داليا" في ضيق. ثم قالت وهي تتلمس وجه ابنها:
"أنا لازم أمشي دلوقتي.. خدي بالك من عدنان ووصي عمر وعبير ياخدوا بالهم منه. أنا سايباه معاكي كويس يا ياسمين. عايزة أرجع ألاقيه كويس."
طمأنتها "ياسمين" في مرح قائلة:
"متقلقيش يا دودو.. الأستاذ عدنان في إيد أمينة بعون الله.. روحي أنتِ مع جوزك وانبسطي."
ثم غمزت بعينها مداعبة. فابتسمت "داليا" بخفة. ثم ودعت ابنها بقبلة على وجنته. ثم ذهبت إلى غرفتها وأحضرت حقيبة الملابس. ورحلت.
وعندما ترجلت من السيارة أمام (مجموعة النصار للنقل البحري). خاطبت "مصطفى" قائلة:
"هتستنى يا مصطفى ولا هتمشي؟"
أجابها "مصطفى" بأدب:
"عز الدين بيه قالي أجيب حضرتك لحد هنا وأسيب المفتاح في العربية وأمشي."
ثم ترك المفتاح داخل السيارة بالفعل. وترجل منها. فشكرته "داليا" وأصرفته. ثم نظرت أمامها إلى تلك البناية الضخمة الشامخة. وتنفست بعمق وهي تتأمل المقر الرئيسي للشركة الذي يشغل برجًا من الأسمنت والزجاج. ارتفاعه 26 دورًا.
راودتها الذكريات حول المكان. منذ أكثر من عام. عندما جاءت إلى هنا من أجل التوظيف. في ملابسها المتواضعة ومظهرها البسيط. عندما قابلت "عز الدين نصار" ولأول مرة. من هنا بدأت حياتها بالتغير الجذري. هنا حدثت نقطة التحول التي قلبت حياتها رأسًا على عقب. هنا تعلمت ما معنى الألم. والبكاء. والذل. والضعف. والغيرة. والكره. والحب. هنا بدأت تشعر بالحياة تضج بأعماقها. حيث كانت حياتها تمر على وتيرة روتينية بطيئة.
أفاقت "داليا" من شرودها. ثم رسمت على ملامحها معالم الجدية والحزم. ثم مضت متجهة إلى داخل الشركة. وما أن دخلت حتى جذبت إليها الأنظار. هؤلاء الموظفين كانوا زملاء لها في الماضي. أما الآن. فالوضع مختلف. أصبحت زوجة رئيسهم.
تلقت "داليا" نظرات فاحصة. وأخرى حاقدة. وسمعت بأذنها من يتهامس بشتى الأساليب. ولكنها ظلت تتقدم إلى الأمام بخطى ثابتة. واثقة. حتى وصلت إلى المصعد قاصدة برج السلطة. حيث يقع مكتب زوجها بالطابق الثالث والعشرين.
وتنفست الصعداء عندما خرجت من المصعد. فسارت في اتجاه مكتب "عز الدين" على سجاد سميك يمتص صوت وقع الأقدام مهما علا. لكنها توقفت فجأة حين أتاها صوت أنثوي ناعم يمنعها من متابعة طريقها:
"لو سمحتي.. حضرتك رايحة فين؟"
التفتت "داليا" نحو مصدر الصوت. ثم تطلعت إلى تلك الفتاة التي احتلت مكان "إنجي" السكرتيرة الخاصة بمكتب "عز الدين". فحصتها "داليا" بعينين متهكمتين. فهي كانت حسناء. وانبهرت "داليا" بجمالها. حيث بدت شديدة الأناقة في ثياب اختيرت بعناية وذوق بالغين.
بينما لم تجبها "داليا" بل رمقتها بابتسامة باهتة. ثم توجهت نحو مكتب زوجها. حيث فتحت الباب ودلفت. بينما تبعتها الفتاة ثائرة. فانتبه "عز الدين" الذي كان يجلس خلف مكتبه منكباً على الأوراق كما عاهدته "داليا" إلى ما يحدث. فنهض من مقعده. وراح ينقل نظراته بين "داليا" العابسة. والسكريتيرة الغاضبة. ثم قال متسائلاً:
"فيه إيه يا دينا؟"
"يافندم المدام دي دخلت و..."
"خلاص يا دينا مفيش مشكلة دي مراتي."
قاطعها "عز الدين" بلطف حازم. فإضطربت الفتاة. وراحت تعتذر من "داليا" قائلة:
"أنا آسفة جدًا والله ماكنتش أعرف.. حضرتك دخلتي من غير ما تقولي أي حاجة."
"خلاص يا دينا حصل خير."
قال "عز الدين" منهيًا الأمر. فاستأذنت الفتاة وانسحبت في هدوء. بينما دار "عز الدين" حول مكتبه حتى وصل إلى "داليا" التي ارتسم على وجهها تعابير العبس. والغيرة. فوقف أمامها. ثم تنهد قائلاً:
"ياااه.."
بقالك كتير مادخلتش عليا مكتبي يا آنسة.
تطلعت إليه "داليا" ثم ابتسمت رغما عنها جراء جملته الأخيرة، فأعجبتها اللعبة وراحت تلعبها معه:
- أعمل إيه طيب يا فندم؟ مش حضرتك اللي فصلتني وحبستني في بيتك ومش بترضي تخرجني؟
قهقه "عز الدين" بصوت مرتفع، ثم حدثها بجدية قائلاً:
- ربع ساعة هخلص الشغل اللي في إيدي ده وهنمشي.
أومأت رأسها باسمة، فأمرها بهدوء قائلاً:
- اقعدي.
أطاعته بآلية، وجلست على مقعد وثير قرب المكتب، بينما عاد يجلس هو خلف مكتبه، ثم راح ينهي عمله بتركيز بالغ.
مرت عدة دقائق حتى انتهى أخيرًا، فنهض وتناول سترته من على ظهر الكرسي، ثم أسرع بارتدائها قائلاً:
- يلا.
التقطت "داليا" حقيبتها، وسارت نحوه، بينما اصطحبها إلى الخارج بعد أن أطفأ أضواء المكتب. بقيت قريبة منه وهي تمشي إلى جانبه، فيما كان هو لا يتلفت يمنة ولا يسرة، وكان الموظفون يفرون من أمامه ليفسحوا له الطريق، بينما كان يمسك بيدها أمام الجميع حتى خرجا من الأبواب الرئيسية للشركة. قادها نحو السيارة، ثم استقلا معًا، وانطلقا في الطريق الفارغ بسرعة تحولت إلى سرعة قصوى حين بلغا الطريق الصحراوي.
تلك السرعة جعلت "داليا" تجفل مضطربة، فخرج صوتها مرتجفاً وهي تقول:
- عز... عز الدين لو سمحت قلل السرعة شوية.
ابتسم "عز الدين" بخفة، ثم قال:
- أقللها ليه يا حبيبتي؟ الطريق فاضي قدامنا.
- معلش عشان خاطري قللها شوية، عندنا طفل صغير لسه محتاجنا.
قهقه "عز الدين" بصوت مرتفع، فيما لبى لها طلبها، بينما غاصت بمقعدها، وأغمضت عينيها في استرخاء. وبعد مرور ساعة ونصف دون كلام، لم تتحمل "داليا" الصمت فسألته:
- هنروح فين بقى؟
نظر لها بطرف عينه، ثم أجابها وهو يركز اهتمامه على القيادة:
- ساعة كمان وهتعرفي.. وبطلي أسئلة بقى.
ولم يذكر شيئًا آخر في هذا الصدد وتركها تخمن ما تشاء عن هذه المفاجأة، بينما تنهدت بثقل. ولما يئست منه كفت عن التفكير فيها، ثم حولت نظرها إلى جانبها، حيث راحت تحدق عبر النافذة الزجاجية للسيارة في الفضاء الذي يحاصرهم.
وأخيرًا مرت الساعة الأخرى، فشعرت بسرعة السيارة تقل تدريجيًا، فأدارت رأسها نحوه، فقال دون أن يلتفت إليها:
- وصلنا.
وعند ذلك توقفت السيارة تمامًا عندما بلغت بوابة خشبية كبيرة متينة، على جانبيها أسوار حجرية عالية. بينما ترجل "عز الدين" أولاً لملاقاة أحدهم، فاتضح لها أن هناك من كان ينتظر محييهم.
كان رجلاً في أواسط العمر، يرتدي عمامة بيضاء، وجلبابًا من اللون الرمادي. راح يخاطب "عز الدين" بود وأدب، ثم أسلمه سلسلة مفاتيح ورحل بعد أن أوصد الباب الرئيسي للمكان. فأشار "عز الدين" إلى "داليا" بأن توافيه، فترجلت وتوجهت إليه وعلى وجهها علامات التساؤل وهي تتأمل ذلك المنزل الحجري في حضن الجبل:
- إيه ده؟ إيه المكان ده؟
سألته "داليا"، فأحاط كتفها بذراعه ثم أجابها:
- إحنا دلوقتي على أرض قرب سينا بكام كيلو متر كده.. إيه رأيك في البيت ده؟
- حلو قوي.
هتفت "داليا" مشدوهة بجمال المكان المحيط بها، فجذبها "عز الدين" من يدها وقادها إلى الداخل بعد أن فتح الباب. كان البيت من الداخل رائعًا، مفروشًا على الطراز الحديث. كان يضم غرفة جلوس تفضي إلى شرفة تطل على أجمل المناظر الطبيعية، حيث الصحراء والجبال والتلال والشمس والسحب الصافية.
كما ضم أيضًا مطبخًا صغيرًا مجهزًا بكل الأدوات، والأطعمة، والمشروبات، وغرفة نوم كبيرة جيدة التهوية، تطل على البحر، وحمام غاية في الاتساع والنظافة. أحست "داليا" أنها سقطت في حلم وردي جميل، إذ أن تلك المفاجأة كانت بعيدة كل البعد عن خيالها. ثم فجأة التفتت إلى "عز الدين" ثم اقتربت منه، وطوقت عنقه بذراعيها قائلة وهي تبتسم بحب:
- أنت عارف؟ دي أحلى مفاجأة أنت عملتها لي.
فابتسم بدوره وأجابها:
- من فترة فكرت ولقيت إني اتجوزتك من غير ما أعملك فرح ومن غير حتى ما أعملك شهر عسل في أي مكان بعيد عن البيت.. فقلت فرصة آخد إجازة وأجيبك نقضي هنا كام يوم.
ثم صمت قليلاً، وسألها:
- بجد عجبك المكان؟
- قوي قوي.
أجابته ثم راحت تعانقه بقوة، فلف ذراعيه حولها، وقوى قبضته عليها مزيدًا من عنف ضمه، بينما ضغطت وجهها على كتفه وهي تقول:
- بس لو كان عدنان معانا.. يا حبيبي يا ترى عامل إيه دلوقتي؟
ثم أسرعت تقول وهي تبتعد عنه قليلاً لتواجهه:
- فيه هنا شبكة؟ عايزة أتصل بالبيت أطمن عليه.
هز "عز الدين" رأسه آسفًا، وقال:
- للأسف مافيش شبكة هنا.. ودي بالنسبة لي أحلى حاجة. أنا مش بحب التليفونات أو بمعنى أوضح ما بقتش أحبها من كتر الإزعاج اللي بتسببه لي.
ثم تنهد متابعًا:
- طيب.. أنا هدخل آخد دش.. تكوني حضرتي أي حاجة ناكلها لأني جعان جدًا بصراحة.
منحته "داليا" ابتسامة عذبة، ثم أومأت رأسها موافقة.
عندما غادرت "ياسمين" المنزل متوجهة إلى المشفى، أسلمت "عدنان" إلى "عبير" لتهتم به ريثما تعود. فرحبّت "عبير" بحرارة، ومن الجيد أن الصبي إلى الآن لم يشعر بالغربة لغياب والديه. فيما اغتنمت "عبير" الفرصة وراحت تمرح معه بعض الوقت مستمتعة، حيث أخذته وتوجهت به إلى حديقة القصر، وبدأت تؤرجحه تلاعبه وتتلطفه، فتارة تحاول أن تجعله يمشي على قدميه، وتارة يسقط على الحشائش الخضراء فيطلق "عدنان" صيحات الفرح.
ولما وصل "خالد" فجأة، ورأى "عبير" و"عدنان" يلعبان بمرح وفرح، أخذ يقترب منهما بخطى بطيئة وثقيلة وهو غير قادر على إزاحة نظره عن هذا المشهد، بل كان يبدو مسحورًا ومندهشًا، مثل واحة بقلب الصحراء.
وفجأة انتبهت إليه "عبير"، ولكي تخفي اضطرابها، انهمكت للحظة بـ"عدنان" المتعلق بعنقها، ثم اقتربت منه حاملة "عدنان" بين ذراعيها. وبصورة غير متوقعة، راح قلبها يخفق بسرعة، ثم رفعت رأسها نحو "خالد" دون خوف، وحيته في هدوء قائلة:
- أهلاً يا خالد.. إزيك؟
رمقها بنظرة مطولة قبل أن يجيبها:
- كويس يا عبير.. إنتي إزيك؟
أومأت رأسها، ثم أجابته:
- الحمد لله تمام.
وساد الصمت للحظات، فقطعته قائلة وهي تشعر بالتوتر:
- عز الدين وداليا مش موجودين في البيت وهيغيبوا حوالي 4 أيام.
- أيوه عارف.. أخوكي قالي.
أومأت رأسها، ثم قضمت شفتها، واستأذنت منه قائلة:
- طيب البيت بيتك طبعًا.. أنا لازم آخد عدنان دلوقتي آكله عشان ده ميعاد غداه.. عن إذنك.
وبينما كانت تمر بمحاذاته، أمسك بمعصمها قائلاً:
- أنا جاي عشان أتكلم معاكي شوية.
- بعدين يا خالد لو سمحت.. بقولك هغدي عدنان أنا اللي باخد بالي منه في الوقت ده خالته ياسمين في شغلها دلوقتي ولسه ماجتش.
ثم تملصت من قبضته محاولة الفكاك، بينما كان يريد ألا يتركها تذهب.
لكنه رضخ مستسلمًا بالنهاية، فتحررت من قبضته وتوجهت بالصبي إلى داخل المنزل، بينما يتابعها "خالد" بعينيه مقطبًا، إلى أن توارت بعيدًا عن نظره.
حاول الاتصال بها عدة مرات، ولكنها لم تجب، فألقى بهاتفه على الفراش في ضيق. ثم راح يذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا. هو يعلم أنها غاضبة منه بسبب آخر محادثة بينهما، ولكنّه وقتها لم يستطع أن يكبح انفعالاته، وفي الوقت ذاته كان لابد أن يصغي لها، فهي لم تقل شيئًا خاطئًا.
تنهد بثقل، ثم قرر أن يخرج من غرفته الفسيحة التي ضاقت على أفقه. وبينما كان يمر أمام الغرف، سمع صوت بكاء أحدهم.
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم مريم غريب
منذ الظهيرة، كانا يتنزهان أمام واجهة البحر المقابل للمنزل الحجري الذي سيسكناه لمدة أربعة أيام.
كان الجو باردًا ولكنه ممتعًا. تمشيا إلى جانب بعضهما على الرمال متشابكي الأيدي. ومن وقت لآخر، كانا يتوقفان قليلاً لمشاهدة منظر خلاب أو طائر غريب الشكل. ولما بدأ الظلام يزحف، عادا إلى المنزل في الحال.
كانت "داليا" متعبة جراء رحلة السفر المرةقة والنزهة، حيث ناضلت في المشي على الأرض الوعرة. وفي الوقت نفسه، كانت فرحة بالاقتراب من "عز الدين" إلى ذلك الحد.
وبينما كانت تحضر القهوة الساخنة لتقدمها إلى زوجها الذي اعتاد أن يشربها في ذلك الوقت، شعرت برغبة في أن تشكره. فقالت وهي تجلس باسترخاء على مقعد وثير قبالته بعد أن ناولته قدح القهوة:
- كانت بداية حلوة. اليوم كان حلو قوي. آه لو يفضل كده على طول.
ابتسم "عز الدين" ابتسامة لم تصل إلى عينيه، ثم شرع في شرب القهوة الساخنة. فيما كانت "داليا" تراقب باسمة جوزة العنق عنده تصعد وتنزل في رقبته الصلبة ذات العروق البارزة.
وبعد أن مضى الوقت قليلاً، نهضت "داليا" متوجهة نحو المطبخ، وقامت بإعداد وجبة طعام لكليهما. ولما انتهيا من الطعام، تعاونا على تنظيف الطاولة. وتولت "داليا" تنظيف الصحون. ثم انضمت إليه، حيث جلسا أمام موقد النار بقاعة الجلوس المظلمة. انغمسا في الحديث معًا إلى درجة كبيرة وكأنهما لا يزالان في مرحلة التعارف.
ثم فجأة، سألها "عز الدين":
- احكي لي عن طفولتك. كانت عاملة إزاي؟ كنتي مبسوطة؟
لمعان ناعم أنار عينيها الشفافتين، وراحت تقص عليه بعضًا من سيرة حياتها:
- بابا وماما الله يرحمهم كانوا متفاهمين وبيحبوا بعض قوي. دلعوني كتير وحبوني قوي. ماكنش ليهم غيري لحد ما تميت 5 سنين. بعد كده جت أختي ياسمين بس.
توقفت فجأة. فقبض "عز الدين" حاجبيه وسألها محتارًا:
- أيوه؟ بس إيه؟
أجفلت "داليا" وأراحت رأسها إلى مسند المقعد، ثم أغمضت عينيها، وكأنها تحاول أن تتخلص من شعور يرهقها. بدا وجهها شاحبًا فجأة، وارتسمت معالم الكآبة على وجهها لتؤكد له أن كليهما نهلا من مرارة الحزن في تلك المرحلة من العمر.
ثم فتحت عينيها، وبحزن مرير أجابته:
- مات بابا. بعد ما اتولدت ياسمين بشهر واحد.
صمت "عز الدين" قليلاً، ثم عاد يسألها في اهتمام ولطف:
- مات إزاي؟
قضمت "داليا" شفتها بقوة، ثم أجابته وقد بح صوتها:
- كان عيان. كان عنده كسور في الشرايين وقلبه كان تعبان.
ثم تابعت، وهي تحدق أمامها في اللا شيء وكأنها ترى الآن أمام عينيها ما حدث منذ سنوات طويلة:
- في يوم تعب قوي. فنزلنا معاه كلنا في الليل أنا وماما وياسمين اللي كانت لسه حتة لحمة حمرا. وقتها ولا مستشفى قطاع عام قبلت تسعفه، فروحنا لمستشفى تانية قطاع خاص. وبرضه ما قبلوش يسعفوه.
- ليه؟
سألها مقطبًا، فأجابته والدموع تتلألأ بعينيها:
- كانوا عايزين مبلغ كبير يتدفع قبل ما ندخل. ماكنش معانا المبلغ ده وقتها. وماكناش عارفين نعمل إيه. فرجعنا البيت. وتاني يوم كان بابا مات. بس لو كان معانا المبلغ ده كان عاش.
انتهت من سرد التفاصيل، ثم أحنت رأسها وراحت تنتحب بصمت. فنهض "عز الدين" من موضعه، وتقدم نحوها، فأمسك بكتفيها وأوقفها على قدميها. وبدون أن ينتظر، مال عليها وعانقها، ثم غمغم بخفوت:
- داليا، داليا، هو عمره خلص لحد كده. حتى لو كان دخل المستشفى ورجع البيت معاكوا وهو كويس، كان عمره هيخلص في نفس الميعاد برضه.
ثم أبعدها عنه قليلاً، وأخذ وجهها بين راحتيه، ونظر بعمق في عينيها، بينما ترقرق الدموع حزينة في مآقيها، فقال وقد لانت نبرته كثيرًا، وهو يمسح بيده على شعرها:
- مش انتي لوحدك اللي عيشتي ظروف قاسية يا داليا. أنا كمان عيشت ظروف يمكن أسوأ من ظروفك ميت مرة.
هدأت قليلاً وراحت تتأمل تعابير وجهه. فهز رأسه بشيء من العصبية، وقال:
- خلاص. إحنا مش جايين نكتئب. تعالي.
لم تتسن لـ"داليا" الوقت للاحتجاج. فأمسك "عز الدين" بذراعها وجذبها خلفه. فسألته بنبرة متهدجة:
- على فين؟
لم يجيبها، بل قادها إلى حجرة النوم دون كلام. فيما مضت يداه تعزفان ألحانًا على منعطفات جسدها، حيث تبددت مخاوفها وذكرياتها في الليل الدافئ المظلم.
في الصباح التالي، ذهبت "عبير" إلى الجامعة. ولما أنهت محاضراتها، وكانت على وشك مغادرة قاعة المدرجات، استوقفها صوت:
- عبير!
توقفت، ثم استدارت مسرعة نحو مصدر الصوت، فابتسمت عندما التقت عيناها بعيني الدكتور "أمجد" الذي يدرس لها إحدى المواد:
- نعم يا دكتور؟
- عايزك دقيقة لو سمحتي!
قال وهو يجمع حاجياته من فوق الطاولة أمامه. فهزت "عبير" كتفيها، وتقدمت نحوه. كانت القاعة فارغة عندما عاد ينظر إليها من جديد، فقال وهو يحدق بها بابتسامة خفيفة:
- أولاً عايز أقولك حمدلله على سلامتك. كنت سمعت إنك مريضة قوي في أواخر السنة اللي فاتت عشان كده ما قدرتيش تدخلي الامتحانات.
منحته "عبير" ابتسامة عذبة، ثم قالت تشكره:
- متشكرة جدا يا دكتور على اهتمامك. الله يسلمك.
- العفو يا عبير، لا شكر على واجب. بس أنا ملاحظ تغيير جذري حصلك السنة دي.
قهقهت بخفة، ثم قالت:
- طب أتمنى تكون لاحظت تغيير إيجابي مش سلبي.
هز رأسه، وقال باسمًا:
- لا لا، إيجابي طبعًا. انتي بقيتي طالبة مجتهدة. وفي الحقيقة أنا مستغرب جدًا. انتي طول سنين الدراسة اللي فاتوا ما كنتيش كده.
ثم صاح متذكرًا:
- وأه نسيت أبارك لك صحيح. ألف مبروك يا عبير.
- مبروك على إيه يا دكتور؟
سألته مقطبة، فأجابها:
- على جوازك. سمعت برضه السنة اللي فاتت أيام الامتحانات إنك اتجوزتي ابن عمك.
هزت رأسها مرارًا، وقالت:
- كنت متجوزة فعلًا.
- كنتي!!
علق متسائلاً، فأجابته:
- أيوه.
قطب حاجبيه ذاهلاً، وسألها:
- معقول اتطلقتي بالسرعة دي يا عبير! ليه كده؟
ابتسمت بخفة، وأجابته:
- النصيب.
ثم تابعت ممازحة:
- عقبالك انت يا دكتور، كل اللي في الدفعة نفسهم يشوفوك في القفص الذهبي. الدفعات السابقة ما لحقوش.
فضحك بخفة، بينما راحت تضحك بمرح، وكان يتأملها باسمًا.
خرجت "ياسمين" من غرفتها حاملة الصبي بين ذراعيها. وما كادت تخطي بقدمها في اتجاه الدرج حتى أتاها صوت هاتفًا باسمها جعلها تقفز من موضعها مذعورة. فالتفتت بعنف إلى مصدر الصوت، لتجد "عمر" يقف في مواجهتها باسمًا. فعنفته عابسة:
- إيه يا عمر ده!
ثم انتبهت فجأة إلى صراخ "عدنان" الذي علا نتيجة فزعه من ظهور عمه المفاجئ:
- كويس كده؟
هتفت "ياسمين" حانقة، ثم راحت تهدد "عدنان" وتخاطبه بخفوت ولطف حتى هدأ تمامًا. فحولت نظرها إلى "عمر" وسألته:
- فين عبير؟
- راحت الجامعة.
عبست "ياسمين" قائلة:
- اتأخرت قوي.
- في إيه بس؟
سألها بهدوء، فأجابته متأففة:
- لازم أروح الكلية دلوقتي عندي امتحان عملي.
ثم صاحت فجأة:
- طيب بص خده خليه معاك وابقى سلمه لعبير لما ترجع.
ثم ناولته "عدنان" بسرعة، وكادت تفر من أمامه فاستوقفها مرة أخرى:
- ياسمين استني.
عادت تنظر إليه، وسألته بضيق:
- عايز إيه يا عمر؟ بقولك عندي امتحان ومستعجلة.
تلعثم قائلاً:
- كنت.. كنت عايز أقولك بس لو كنتي لسه زعلانة مني.. ماتزعليش.
- زعلانة منك!
هتفت مقطبة، ثم سألته:
- وأنا هزعل منك ليه؟
- عشان آخر مرة اتكلمنا شديت معاكي و...
- لا خالص يا عمر، أنا مش زعلانة أبدًا.
قاطعته باسمة، وكاد يتكلم، ففرت من أمامه مسرعة.
بينما تنهد بثقل، ثم انتبه فجأة إلى "عدنان" الذي راح يعبث بوجه عمه بأصابعه الصغيرة، محاولاً فقأ عينه:
- إيه يا أستاذ براحة، ده وشي.
قطب "عدنان" حاجبيه، وزم شفتيه في استياء. فابتسم "عمر" قائلاً:
- طب خلاص يا عم، ماتزعلش أوي كده.
تيجي ننزل نلعب سوا بالكورة.
إنفرج ثغر الصبي بإبتسامة عريضة لمداعبة عمه، فقبله عمر ثم قال:
- يلا يا سيدي.
ثم أخذه يلاعبه بحديقة القصر.
غادرا في الصباح الباكر.
بعد أن قضيا أربعة أيام بقلب الصحراء، شعرت داليا بالأسف لإنتهاء المدة، كما شعرت بالسرور العارم أيضا لإنها ستري إبنها بعد أطول فترة غياب قضتها بعيدا عنه. كم إفتقدته، و كم تتوق إلي ضمه بين ذراعيه. رائحته لا تزال بأنفها. تبتسم كلما تذكرت إبتساماته، و ضحكاته، و حتي التمتمة الغير مفهومة التي يصدرها، و التي تستطيع داليا وحدها فهمها. كل شيء يخص إبنها، تفتقده.
و لما وصلا أخيرا إلي القصر، و عبرا بالسيارة البوابة الكبيرة، إرتسمت علي وجه داليا إبتسامة عريضة مفعمة بالشوق لرؤية عدنان.
بينما عمر وعبير يقفان بالمسبح أمام بعضهما، و يتقاذفان عدنان الذي وضعا حوله طوق من البلاستيك المضغوط بالهواء. فكان الطفل بأمان تماما، كما أنه راح يطلق صياح الفرح، و أحيانا صراخ الخوف. فيما راح عمر يقهقه بصوت مرتفع عندما تمسك عدنان بشعره محاولا التسلق علي كتفيه خاشيا الوقوع في الماء.
لتظهر داليا في تلك اللحظة يتبعها عز الدين:
- ابني!
هتفت داليا صائحة، فأنتبهوا الثلاثة إليها، إلا أن عدنان راح يصرخ بفرح عندما شاهد والديه، كما راح يضرب المياه بيديه طالبا الذهاب عند أمه.
بينما أخذ عمر الصبي بين ذراعيه، و أشار لأخيه و زوجته قائلا:
- أهلا.. حمدلله علي السلامة. أخيرا وصلتوا.
- بقي كده يا عمر؟ بتعمل في الولد كده؟ طلعه لو سمحت اديهولي.
قالت داليا ذلك منفعلة، فضحك عمر بقوة، بينما خرجت عبير من حوض السباحة و إتجهت نحو داليا ثم ربتت علي كتفها باسمة و قالت:
- اهدي بس يا داليا ماتخافيش كده. ده ابن اخونا بردو اكيد مش هنأذيه. احنا كنا بنلاعبه من الصبح و كان بيعيط عليكوا و مش راضي يسكت فقلنا نعمله حاجة جديدة عشان يبطل عياط بس.
- الجو برد عليه.
هتفت مقطبة، بينما تدخل عز الدين باسما:
- سيبيهم يا داليا.. خليهم يقووا قلبه شوية.
- انا ابني قلبه قوي من غير حاجة علي فكرة.
قالت داليا حانقة، ثم مدت يديها إلي عمر الذي ناولها الصبي ضاحكا، بينما أخذته داليا بين ذراعيها و مضت به إلي الداخل و هي تضمه و تقبل وجناته و تخاطبه هامسة. فهز عز الدين رأسه باسما ثم تبعها، فيما شعرت عبير بالبرد فلحقت بهما إلي الداخل في الحال. بينما راح عمر يجفف جسده بمنشفته، ثم وضع علي كتفيه إزاره. و عندما إستدار ليلحق بالباقية، إصطدم بـ ياسمين التي وقفت في مواجهته عابسة الملامح. فرمقها عمر في تساؤل قائلا:
- ياسمين! في حاجة؟
لم تجبه، بل ناولته مجلة صحفية، فتصفحها متنقلا بنظره بها، حتي وقعت عيناه علي خبر جمد الدماء بعروقه.
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم مريم غريب
-هو ده البيت؟
قالت "ياسمين" ذلك متسائلة وهي تشير نحو تلك الفيلا الصغيرة، بينما أجابها "عمر" الذي كان يجلس بسيارته إلى جانبها:
-أيوه هو.
أدارت رأسها إليه ثم قالت:
-طب يلا.
إزداد "عمر" طريقة بتوتر، ثم انصاع لها وخرج من السيارة، فترجلت "ياسمين" بدورها وتقدمته متوجهة نحو باب المنزل.
طرقت الباب ثم ضغطت زر الجرس عدة مرات، حتى فتحت لهما الوصيفة الشابة بوجه ذابل اكتسحه الحزن، حتى إنها ما أن رأت رأس "عمر" الذي يطل من فوق كتف "ياسمين" هربت الدموع من عينيها وراحت تجهش بالبكاء، ثم خاطبته بعتاب:
-كنت فين طول الفترة اللي فاتت يا عمر بيه؟ معقول ماكنتش تعرف اللي حصل للست كاميليا؟
ازدادت سرعة تنفسه، فشعرت به "ياسمين" وقالت موجهة كلامها إلى الوصيفة:
-هي فين والدته لو سمحتي؟ هنا في البيت ولا لسه في المستشفى؟
أجابتها الفتاة وهي عاجزة السيطرة على دموعها:
-لأ الهانم هنا في البيت، رجعت من المستشفى أول امبارح.
أومأت "ياسمين" رأسها ثم طلبت منها أن ترشدهما إلى غرفة السيدة، فتولى "عمر" تلك المهمة وقادها إلى غرفة أمه بخطى ثقيلة، بينما ذهبت الوصيفة تعد لهما مشروبًا.
دخل "عمر" غرفة والدته، تتبعه "ياسمين" فيما اتضح لهما أن السيدة لم تكن وحيدة تمامًا، إذ كانت هناك فتاة عرفت "ياسمين" في الحال أنها ممرضة رافقت السيدة "كاميليا" إلى منزلها كي تعتني بها. وبينما كانت "ياسمين" تستفسر منها عن حالة المريضة، سحب "عمر" مقعدًا وجلس إلى جوار أمه، ثم اقترب من الفراش، حيث كانت السيدة "كاميليا" ضئيلة للغاية، شاحبة الوجه، وتائهة بتأثير المخدر الذي أعطي لها منذ قليل ليساعدها على النوم دون ألم.
وكانت أهدابها الطويلة ترسم خطين داكنين فوق وجنتيها، وشعرها الأسود الكثيف الناعم، منتشر على وسادتها البيضاء بفوضوية. رغم أن معالم الإعياء ظاهرة بشكل كبير على محياها، إلا أنها لا تزال "كاميليا فهمي" تلك المرأة الفاتنة، التي أدهشت الجميع بجمالها الأخاذ، وروعة أدائها الفني.
وبعد أن قضى "عمر" عدة دقائق في تأمل وجه أمه الذابل كالورد، كان السكون في الغرفة شاملاً، إذ كفت "ياسمين" عن استجواب الممرضة. وحينئذ التفتت "عمر" إليها، ثم راح يسألها والحزن يملأ عينيه:
-مالها يا ياسمين؟ عندها إيه بالظبط؟ حالتها مستقرة؟
توترت "ياسمين" ولم تعرف كيف تجيبه، أو تشرح له الأمر، بينما اندفعت الممرضة فجأة قائلة:
-من فضلكم ممكن تسيبوا الأوضة شوية؟ المدام نايمة دلوقتي تحت تأثير المخدر ومش هتصحى قبل 4 ساعات.
اغتنمت "ياسمين" الفرصة، فوافقت وأمسكت بيد "عمر" وقادته إلى خارج الغرفة، فضغط هو على مرفقها وأوقفها بالردهة المؤدية إلى الدرج، ثم عاد يسألها:
-الممرضة قالتلك إيه يا ياسمين؟ هي هتبقى كويسة صح؟
قضمت "ياسمين" شفتها بقوة، ثم صمتت قليلاً، وتحت نظراته الملحة، أجابته بخفوت:
-أمك.. هتموت يا عمر.
صدمته الكلمة، ونظر إليها فاغرًا فاهه، فسارعت تشرح له:
-هي مريضة باللوكيميا، سرطان النخاع العظمي. بقالها 3 سنين وماكنتش تعرف لأنه مرض عضال محدش بيكتشفه إلا بعد فوات الأوان.
هز رأسه رافضًا، ثم سألها:
-أكيد في علاج صح؟ لو مش هنا يبقى بره آا..
-لأ يا عمر.
قاطعته "ياسمين" بإشفاق، ثم تابعت:
-سرطان النخاع العظمي مابيتعالجش لو فات عليه أكتر من سنة. أمك عندها فقر دم شديد ولما سألت الممرضة قالتلي الدكتور بتاعها متوقع إنها ممكن تفضل عايشة لشهر أو شهرين كحد أقصى.
توالت الصدمات على عقل "عمر" فحطمت صموده، وشعر بالدموع تتجمع بمآقيه، وأدرك بذعر ما معنى هذا الكلام. ستفارقه أمه الحنونة، التي أغدقت عليه وحده حنانها وعطفها من دون أشقائه. اضطربت أنفاسه، ثم هبطت دموعه غزيرة، فتأثرت "ياسمين" واقتربت منه، ثم مدت يدها ورتبت على كتفه بحنو، وراحت تواسيه بلطف.
كان "عز الدين" منهمكًا في مباشرة أعماله، عندما دلف إليه "خالد" مقطبًا، عابس الوجه، فرفع "عز الدين" بصره عن الأوراق، ونظر إليه:
-خد.. دي شيكات للبنك عايزة تتِمضي، وده ورق مستحقات العاملين اللي طلعوا معاش السنة دي، عايز أمضي بردو.
قال "خالد" ذلك وهو يناوله بعض المجلدات والملفات، بينما لاحظ "عز الدين" مزاجه السيء، فصمت قليلاً، ثم دعاه للجلوس قائلاً:
-اقعد يا خالد.. عايز أتكلم معاك شوية.
هز "خالد" رأسه عابسًا، وقال:
-مش فاضي يا عز، ورايا شغل كتير.
-الشغل يستنى.. اقعد.
قال "عز الدين" في هدوء حازم، فحاول "خالد" الاعتراض مجددًا، فأخمد "عز الدين" اعتراضه بقوله:
-أنا صاحب الشغل وبقولك اقعد.
جلس "خالد" على مضض، ولم ينظر إليه، فسأله "عز الدين":
-إيه بقى! مالك؟
-مالي يعني إيه مش فاهم؟
هز "عز الدين" كتفيه، وأجابه:
-بقالك فترة مش مظبوط.
ثم اتبع أسلوبه الماكر، وسأله:
-متضايق من حاجة؟
تأفف "خالد" في ضيق، وقال:
-أنا مش متضايق من حاجة يا عز الدين، قصر انت بس وقول عايز إيه عشان أروح أكمل شغلي.
-طب مالك منفعل كده ليه يا خالد؟
سأله بهدوء، فتضاعفت عصبية "خالد" الذي نجح في كبح جام غضبه بأعجوبة، وقال:
-مش منفعل ولا حاجة.
ابتسم "عز الدين" بخفة، ثم تنهد وقال:
-طيب ما تيجي تروح معايا وتقضي اليوم معانا في البيت، بقالك كتير ماجيتش.
رفض "خالد" بجفاف قائلاً:
-لأ.
أومأ "عز الدين" رأسه مرارًا، فيما كان يعاينه بتسلية، ثم عاد يقول:
-طيب مش هتيجي تاخد عبير بقى؟
أجابه "خالد" مقطبًا:
-لما تطلب هي ترجع البيت، هبقى أجي آخدها.
ثم هب واقفًا، وغادر المكتب مسرعًا، بينما ابتسم "عز الدين" ثم عاد إلى مباشرة أعماله مجددًا.
-وانتي عاملة إيه في الدراسة بقى؟
قالت "ريم" ذلك وهي تخاطب "عبير" هاتفيًا، فأجابتها "عبير" بنبرة مسرورة:
-الحمد لله تمام أوي لحد دلوقتي، ادعيلي انتي بس.
-إن شاء الله يا حبيبتي ربنا هيوفقك وهتتخرجي على خير وبامتياز كمان.
-يا رب يا ريم.
قالت "عبير" باسمة، فانتظرت "ريم" ثوانٍ، ثم سألتها:
-لسه مارجعتيش بيتك بردو يا عبير؟
زفرت "عبير" في انزعاج، وقالت:
-ريم أنا مش شرحتلك الوضع قبل كده؟
-اصل يا عبير آا...
-خلاص بقى.
قاطعتها "عبير" بلطف حازم، فتنهدت "ريم" ثم قالت:
-ماشي يا ستي.. براحتك.
ثم سألتها:
-المهم قوليلي، الدفعة الجديدة في كلية وإيه والناس اللي هناك كلهم بيتعاملوا معاكي إزاي؟
-كلهم لطف أوي والله يا ريم.
-والدكاترة إيه أخبارهم؟ كويسين معاكي؟
-آه كويسين، وبشهادة دكتور أمجد بقيت طالبة متفوقة.
قالت "عبير" ضاحكة، فباغتها "ريم" مسرعة:
-دكتور أمجد صحيح فكرتيني.. ده كان واخد رقمك مني السنة اللي فاتت أيام الامتحانات.
-أخد رقمي مني؟
هتفت "عبير" مقطبة، ثم سألتها:
-ليه؟
-اصل أنا اللي بررت غيابك واعتذارك عن الامتحانات، يعني قلت إنك تعبانة أوي وكده ومش هتقدري تمتحني، فهو طلب مني رقمك عشان يتصل يسأل عليكي.
انتهت "ريم" من سرد التفاصيل، ثم سألتها:
-هو ماكلمكيش ولا إيه؟
-لأ.
أجابتها "عبير" مقطبة، وهي تفكر في استغراب بفعل الدكتور "أمجد".
عادت "داليا" بابنها إلى المنزل بعد أن اطمئنت عليه، وجلبت له الأدوية اللازمة التي كتبها الطبيب الذي وضع له أيضًا خطة علاج، بعد أن قام بالكشف عليه، واتضح أنه يعاني التهابات الحلق التي أدت إلى ارتفاع درجة حرارته.
وصلت "داليا" بالصبي إلى المنزل نحو غروب الشمس، وقد تأخرت هكذا بسبب أزمة المرور في الذهاب إلى قلب المدينة والعودة منها مجددًا.
وعندما وصلت أمام غرفتها، ما كادت تدير المقبض، حتى انفتح باب الغرفة بعنف، وظهر "عز الدين" من ورائه، وبعصبية حرك يده في شعره، وقال بلهجة عاصفة:
-كنتي فين؟
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثلاثون 30 - بقلم مريم غريب
عندما وصلت أمام الغرفة، ما كادت تدير المقبض حتى انفتح الباب بعنف وظهر "عز الدين" من ورائه. بحركة عصبية حرك يده في شعره ثم قال بلهجة عاصفة:
- كنتِ فين؟
نظرت إليه في حنق مقطبة ولم تجبه. بل شددت ذراعيها حول "عدنان" النائم في سلام بين أحضانها، ثم تجاوزته، حيث مرت به غير مكترثة. وما كادت تخطو خطوة أخرى، فقد قبض على رسغها بقوة وجذبها إليه بعنف، صائحًا:
- انتِ ما سمعتنيش ولا إيه؟ كنتِ فين؟ انطقي!
ترنحت بفعل حركاته العنيفة، وإن لم يكن يمسك بها لكانت سقطت أرضًا في الحال. بينما ازدردت ريقها بتوتر، وتوردت وجنتاها بدفقة غضب كبحتها سريعًا. ثم أخيرًا أجابته وهي تمقت الخوف الذي زحف إلى صوتها:
- كنت عند الدكتور.
ثم تملصت من قبضته، قائلة باقتضاب:
- الولد هيقع مني، سيبني لو سمحت خليني أنيمه في سريره.
تجنبت النظر إليه خشية رؤية نظراته العنيفة. بينما انتظر لوهلة، ثم أفلتها. فتنفست الصعداء، واتجهت بالصبي نحو فراشه، ثم وضعته في هدوء، وبسطت فوقه غطاءه الصوفي.
وعندما التفتت خلفها، وجدت "عز الدين" يقف أمام الفراش، وقد أودع راحتيه في جيبيه. فنظرت إليه في ارتياب، بينما بدا متجهمًا، غاضبًا إلى أقصى حد، وعازمًا على نزع إجابات أسئلته منها بأي طريقة.
- تعالي.
هتف "عز الدين" بنبرة حادة، ولكنها خافتة. فيما ترددت "داليا" للحظة، ثم تقدمت نحوه بخطى ثقيلة حتى وصلت إليه. فضاقت عيناه قليلاً مما جعل عروقها تنبض بالخوف. بينما التقت نظراتهما، فسألها بصوت هادئ يختبئ بطياته غضب هائل:
- قولتيلي كنتِ عند الدكتور.. ليه؟
أجابته بخفوت، وقد تجمدت تعابير وجهها:
- عدنان كان سخن أوي، درجة حرارته كانت عالية، فخدته للدكتور علطول.
أومأ رأسه مهمهمًا، ثم عاد يسألها محتدًا:
- وما اتصلتيش بيا ليه قبل ما تخرجي من البيت؟ إزاي تخرجي من غير إذني؟
توهجت عينا "داليا" في غضب بتلك اللحظة، ثم أجابته متهكمة، وقد علا صوتها رغما عنها:
- اتصلت وسكرتيرتك قالتلي إنك في اجتماع مهم، كنت عايزني أعمل إيه يعني؟ استنى لما ابني يموت عشان آخد إذنك؟
رفع حاجبيه ذاهلاً من طريقتها، بينما انتبهت إلى ما قالته، فعادت تقول بتلعثم محاولة تعزيز موقفها:
- ماكنتش أقدر استنى على الولد كتير، كان لازم الدكتور يشوفه بسرعة.
ثم أضافت باختصار، والألم يجرح صوتها:
- أنا كنت خايفة عليه.. وما فكرتش في حاجة تانية.
- مش هحسبك على كلام اتقال في لحظة انفعال.
هتف بصوت جاف، ثم انحنى برأسه قليلاً صوبها، وغمغم بدون أن يطرف له جفن:
- بس خدي بالك المرة الجاية من كلامك.. أوعي تتخطي حدودك مرة تانية.
ثم تركها، وغادر الغرفة بأكملها. فتقلص حلقها بألم حارق، وشعرت بالحريق يمتد نزولاً إلى قلبها المعذب.
الآن وفي تلك اللحظة، أخذت تسترجع ما حدث صباح اليوم. ها قد عادت المدعوة "جومانة خطاب" مرة أخرى. تنهدت بأسى وهي تغوص في بحر من الشكوك والتساؤلات. وفكرت.. لا يعقل أن تأتي تلك المرأة لتعكر صفو حياتهم مجدداً. لا يعقل أن تنال منها وتعمل على استمالة زوجها. ولكن مهما كان الأمر، ومهما كانت نيتها، لن تسمح لها بإلحاق أي ضرر بأسرتها.
في الصباح التالي...
ذهب "عمر" لزيارة أمه، وكان يظن أنه سيجدها نائمة تحت تأثير المخدر كالمرة السابقة. ولكنها تنبأت بقدومه، فتحملت الألم لأجل رؤيته.
- ما صدقتش نفسي.. لما قمر قالتلي إنك جيت.
قالت السيدة "كاميليا" ذلك تخاطب "عمر" وهي مستندة بظهرها على وسادة فراشها الوثير. ثم تابعت باسمة وعيناها تكاد تغمضان من الأرق والإعياء اللذين استبدا بها:
- بس زعلت أوي إني ماشوفتكش يا حبيبي.. قولي.. إيه أخبارك؟ كويس؟ وإخواتك عاملين إيه؟
ابتسم "عمر" الذي كان يجلس على حافة الفراش إلى جانبها، ثم أجابها بلطف:
- أنا تمام يا ماما.. وعز وعبير كويسين كمان.
ثم راح يحدثها عن شقيقته أولاً:
- عبير اتجوزت خالد أخيراً.
- بجد؟
- آه بقالهم سنة وكام شهر متجوزين أهو.
ابتسمت "كاميليا" بخفة، ثم ازدردت ريقها بصعوبة، وسألته ملهوفة:
- وأخوك عز الدين.. أخباره إيه؟
- عز الدين اتجوز هو كمان.
أجابها "عمر" ثم قهقه ضاحكًا عندما رأى ما ارتسم على وجهها من علامات التعجب والاستغراب الشديد. بينما نظرت إليه غير مصدقة، فهز رأسه مؤكداً صدق قوله، وقال:
- عز اتجوز بقاله سنتين تقريباً من بنت كويسة جداً جداً. أنا شايف إنها بتحبه أوي، والواضح إنهم متفاهمين نوعاً ما، يعني مافيش مشاكل كبيرة بينهم.
ثم أضاف باسماً:
- وبقى عندهم طفل جميل، عمره سنة.
ابتسمت السيدة بألم، ثم عادت تسأله:
- اسمه إيه يا عمر؟
- عدنان.
حدقت أمامها في اللاشيء، ورددت الاسم مدحرجة إياه في فمها ببطء، كما لو أنها تتذوق رنته. ثم وجهت نظرها إليه مجدداً، وقالت باسمة:
- كلكم على حرف العين؟
ثم أطلقت ضحكة خفيفة، وقالت:
- تعرف إني أنا اللي اخترت اسم أخوك؟ أنا اللي سميته عز الدين.. وبعد كده لما جيت أنت وجت بعدك أختك، أبوك هو اللي اختارلكوا أساميكوا.
صمتت قليلاً لدي ذكرها زوجها والد أبنائها، ثم تحلت بالشجاعة، واندفعت تخبر ابنها بعض الأمور عن الماضي:
- أنا ما خونتش أبوك يا عمر.
رمقها "عمر" مقطباً، فتنهدت والدموع تتلألأ بعينيها الزرقاوين، ثم بدأت تسرد عليه تفاصيل القصة الأصلية:
- قابلته من 35 سنة بعد موت أبويا وأمي.. فريد..
فريد نصار ، كان عندي حوالي 20 سنة وقتها ، كنت صغيرة ، و احلي بكتير من دلوقتي كمان ، بس كنت مجرد بنت فقيرة ، رأسمالي الوحيد كان جمالي .. و في يوم كنت من ضمن ناس معزومين في فرح كبير ، في مكان من الاماكن اللي محدش بيدخلها بسهولة ، او بمعني اصح ، الطبقة العالية بس هما اللي مسموحلهم يدخلوها .. المهم شفت ابوك لاول مرة هناك ، و عجبته طبعا ، اتكلمنا شوية و ماسبنيش امشي الا لما خد مني عنواني و حدد ميعاد عشان نشوف بعض تاني .. و فعلا ، قابلته تاني و تالت و رابع ، فلاقيته في مرة بيطلب ايدي للجواز ، وافقت عليه طبعا ، هو كان فرصة بالنسبة لي ، فرصة ماكنتش اقدر احلم بيها ، مانكرش اني حبيته ، حبيته اوي كمان .. في الاول كنت مبسوطة بحياتي الجديدة معاه ، كان موفرلي كل حاجة ، اي حاجة كنت بطلبها كنت بلاقيها ، بس في المقابل كان حابسني جوا قصره ، كان عازلني عن الناس ، الهدوم و الفساتين و المجوهرات اللي كنت فرحانة بيهم ، ماكنتش عارفة البس منهم حاجة ، بدأت احس انه بيمتلكني مش بيحبني ، كل حاجة كان بيعملها و كل تصرفاته كانت بتأكدلي ده ، كلامه و نظراته و لمساته كلها تملك مش حب ..
نظرت"كاميليا"إلي وجه إبنها المكفهر ، فأغمضت عينيها بشدة ، ثم تابعت هذا الجزء بصوت مختلج ملؤه الآلم:
-مرت سنة ، و خلفت اخوك عز الدين .. هو اللي هون عليا الحياة شوية ، انشغلت بيه ، و رجعت احب ابوك تاني عشان خاطره .. كبر قدام عيني يوم و را يوم و سنة ورا سنة ، لحد ما تم 6 سنين .. بعد كده جيت انت كمان يا حبيبي ، و جت اختك عبير متأخر شوية هي كمان ، بعد 10 سنين ، كنت مبسوطة اوي بيكوا ، كنتوا مليين حياتي ، و كان اخوك عز الدين ده اكتر واحد فيكوا حبني و كان متعلق بيا ..
ثم صمتت قليلا ، و أضافت بخفوت:
-بعد ولادة عبير بسنة ، بدأت الأمور كلها تتغير ، بدأت ابص لنفسي اكتر ، كنت عارفة اني بحب التمثيل و موهوبة ، و بالصدفة في يوم قريت اعلان في مجلة ، كان في منتج بيدور علي وجوه جديدة ، فقلت ليه لأ ، ليه ماجربش اعمل الحاجة اللي بحبها و ماخرجش شوية من سجن ابوك .. و فعلا عملت كده ، دخلت الاختبارات و وقع الاختيار عليا و اخدت دور البطولة مش دور ثانوي ، ماكنش ينفع اتنازل لابوك اكتر من كده ، كنت عارفة انه هيرفض .. عشان كده سيبته و رفعت دعوة طلاق ، اتطلقت منه بعد فترة قصيرة .. بعترف اني اتصرفت بانانية لما مشيت و سيبتكوا ، و مافكرتش فيكوا ، و للحظة فكرت اسيب حياتي الجديدة اللي لاقيت فيها نفسي و ارجعلكوا تاني .. بس رجعت عن افكاري دي لما اتفاجئت ان ابوكوا فهمكوا اني خنته عشان كده سيبتكوا و مشيت .. وقتها كرهته اوي ، كرهته جدا و ماكنتش قادرة اقرب منكوا بسببه ، منعني عنكوا سنين ، و لما مات و حبيت انا ارجع اقربلكوا تاني ، اكتشفت ان الاوان فات من زمان ، شفت نسخة تانية من ابوك .. عز الدين صورة منه ، في الشكل و الطباع و القسوة ، شبهه في كل حاجة.
-مدام كاميليا .. ميعاد الدوا.
قالت الممرضة ذلك ، و هي تقترب من فراش السيدة ، حاملة بيديها كأسا من الماء ، و زجاجة حبوب صغيرة ، بينما جاهد"عمر"كي يستوعب ما قالته أمه توا ، فهمهم بإرتباك ، ثم نهض ، و ساعدها علي الإعتدال بفراشها ، فأعطتها الممرضة الحبة ، و ناولها"عمر"كأس الماء ، فإبتلعت"كاميليا"الحبة بصعوبة ، بينما قال"عمر"بخفوت و هو يربت علي كتفها بلطف:
-بالشفا يا ماما.
ثم إبتسم بتوتر ، و هو يتساءل في نفسه .. كيف و إلي أين ستؤول الأمور ؟؟ ...
*****************************************************************
علي الطرف الأخر ،
إنتظرت"عبير"حتي إتتهت محاضرة دكتور"أمجد"و بعد ما تأكدت من أن قاعة المدرجات فارغة ، نهضت ، و تقدمت صوبه ، بينما كان يجمع أغراضه بحقيبته السوداء ، فشعر بوجودها ، و رفع نظره إليها ، فأفتر ثغره عن إبتسامة عذبة ، ثم حياها برقة قائلا:
-صباح الخير ، اهلا يا عبير ازيك ؟؟
إبتسمت بتردد ، ثم بادلته التحية:
-صباح النور يا دكتور ، انا كويسة الحمدلله.
-يا رب دايما كويسة.
تنفست بعمق ، و هي ترمقه بنظرة ثاقبة ، فلاحظ نظرتها ، ثم سألها باسما في توتر:
-في حاجة يا عبير ؟ يا تري في حاجة في المحاضرة مش فاهماها ؟؟
هزت رأسها نفيا ، فتغضن جبينه بعبسة إستغراب ، و إستوضحها بنبرة جدية هادئة:
-طيب خير ؟ محتاجة مني حاجة ؟؟
إزدردت ريقها ، ثم إنتظرت لثوان ، و سألته مضطربة:
-هو حضرتك .. صحيح خدت رقمي من ريم .. ايام الامتحانات ؟؟
تجمدت قسمات وجهه فجأة عندما طرحت عليه السؤال ، فسارعت تخفف من حدة التوتر الذي غلف الأجواء ، فقالت:
-انا كنت بسأل بس طالما حضرتك خدته عشان تتصل و تطمن عليا ، ليه ماتصلتش ؟؟
منحها إبتسامة مترددة ، ثم أجابها بلهجة جاهد في أن تبدو طبيعية:
-وقتها سمعت انك بقيتي كويسة ، فقلت مافيش داعي ازعجك.
أطلقت ضحكة مصطنعة ، ثم قالت:
-لا لا يا دكتور ازعاج ازاي بس ! انا كنت هتبسط اوي بمكالمة حضرتك.
خيم عليهما جو التوتر من جديد ، فهمهمت"عبير"ثم إستأذنت منه قائلة:
-طيب عن اذن حضرتك بقي ، انا لازم امشي .. سلام.
ثم غادرت القاعة و هي تتنفس الصعداء ...
*******************************************************************
-و عدنان حبيبي عامل ايه دلوقتي ؟؟
قالت"ياسمين"ذلك في حنان متسائلة و هي تخاطب شقيقتها ، بينما كانت"داليا"تباشر عملها بالمطبخ ، حيث كانت تطهو طعام العشاء .. :
-كويس الحمدلله بقي احسن.
أجابتها"داليا"بإبتسامة خفيفة ، فعادت"ياسمين"تسألها:
-هو فين صحيح ؟؟
-نايم .. اكلته و اديته الدوا ، و بعدين نايمته.
أومأت"ياسمين"رأسها باسمة ، فنظرت إليها شقيقتها فجأة ، و سألتها:
-هو انتي كنتي فين امبارح يا ياسمين ؟ مش امبارح كان يوم اجازتك بردو ؟؟
أجابت"ياسمين"مرتبكة:
-اه يا داليا امبارح كان يوم اجازتي.
-طيب كنتي فين ؟ صحيت من النوم ما لاقتكيش !!
قضمت"ياسمين"شفتها بقوة ، و لم تجد مفر ، و لأنها إعتادت الصدق ، و تمقت الكذب ، أخبرت شقيقتها بالأمر كله .. :
-لا حول و لا قوة الا بالله.
هتفت"داليا"مصدومة ، ثم تابعت متسائلة:
-يعني بجد المرض ده مالوش علاج ؟؟
زمت"ياسمين"شفتيها بأسف قائلة:
-لأ للأسف مالوش علاج.
تنهدت"داليا"بإشفاق ، ثم عادت تسألها مستغربة:
-بس بردو انا مش فاهمة حاجة ..
انتي رحتي ليه مع عمر عند مامته؟
ابتسمت ياسمين ثم أجابتها بلطف مضطرب:
- يا داليا قلتلك كانوا متخاصمين، وأنا اللي أقنعته يروحلها بالعافية بعد ما شفت الخبر في المجلة. وبعدين يرضيكي يعني الست تبقى في المحنة دي لوحدها؟
تأملت داليا الوضع، فاقتنعت بكلام شقيقتها، بل وقالت أيضاً:
- عندك حق، عشان كده أنا بفكر آخد عدنان وأروح لها.
- فكرة كويسة جدًا والله.
هتفت ياسمين باسمة، فتلاشى حماس داليا حين قالت:
- بس في مشكلة.
- إيه هي؟
- هقول لعز الدين أنا رايحة فين؟
فكرت ياسمين لبرهة، ثم اقترحت:
- قوليله هتاخدي عدنان للاستشارة عند الدكتور.
ابتسمت داليا بخفة، وأومأت رأسها، وقد أعجبتها الفكرة:
- طيب هروح امتى وإزاي؟
سألت شقيقتها مستوضحة، فأجابتها:
- بكرة كويس، وأنا ممكن أجي معاكي، إيه رأيك؟
تنفست داليا بعمق، ثم أومأت رأسها موافقة.
في الصباح التالي...
وبينما كانت داليا تساعد عز الدين على ارتداء ملابسه كي يذهب إلى العمل، احتالت عليه حيث قالت له كاذبة أنها ستذهب مع شقيقتها بـ "عدنان" إلى الطبيب من أجل الاطمئنان عليه، فوافق في الحال بحسن نية، فأسرعت هي، وارتدت ملابسها، بعد أن غسلت عدنان وألبسته وأطعمته.
ثم أخذته بين ذراعيها، وغادرت الغرفة، متجهة إلى ساحة القصر، حيث عمر وياسمين كانا بانتظارها، وما أن استقلت بابنها في المقعد الخلفي من سيارة عمر، حتى انطلق هو بسرعة متوسطة بناءً على طلب داليا.
وصلوا أخيرًا إلى بيت السيدة كاميليا فهمي.
أعجبت داليا بمنزلها البسيط، والرائع بنفس الوقت، كما أنها أغرمت بالديكور الداخلي، وعندما صعدت إلى الدور العلوي برفقة عمر وياسمين اللذين تقدماها حتى غرفة النوم، وجدت الغرفة فخمة الأثاث، وعلى الفراش الفارغ غطاء مزين بباقات من الأزهار الرائعة، مع وسائد ذات وجوه خضراء سندسية تناسب فخامة الغرفة الواسعة، وعلى جانبي الفراش كان هناك مقعدان جميلان في مقدمتهما، وألوانهما. أما التحف الخاصة بالسيدة الفاتنة، فقد تناثرت في أنحاء الغرفة مشيعة جوًا من الفوضى المحببة، هذا بالإضافة إلى صورها المعلقة على الجدران في كل مكان بالبيت، والتي تحكي تاريخ حياتها الفنية الناجحة، والرائعة.
- أهلًا بيكم، اتفضلوا.
التفتت داليا نحو مصدر الصوت، فوجدت السيدة تجلس على مقعد وثير قرب شرفة غرفتها، فابتسمت كاميليا بخفة، ودعتهم للجلوس إلى جوارها، فتقدمت منها داليا وهي تحمل عدنان بين ذراعيها، ثم جلست قبالتها على أريكة صوفية سوداء، فجلست ياسمين إلى جانب شقيقتها، بينما جلس عمر بمقعد إلى جانب أمه.
أمعنت داليا النظر بوجه المرأة الحسناء الجالسة أمامها، رغم مرضها الذي أهلكها تمامًا، إلا أنها لا تزال محتفظة برونقها الجذاب، وبينما كانت داليا تتأملها مليًا، وجهت كاميليا نظرها إلى الصبي الصغير القابع بحضن أمه، فابتسمت بحنان وهي تتأمله عن كثب، رأت من خلال ملامحه شقاوة أبيه، وجده، ذلك العرق الدساس، ذلك النسل المتجبر، والفريد من نوعه لن ينتهي أبدًا.
أطلقت كاميليا ضحكة رنانة، ثم قالت موجهة حديثها إلى داليا وهي لا تزال تتأمل الصبي:
- تعرفي يا داليا، ابنك شبه أبوه بالظبط، صورة طبق الأصل منه لما كان طفل في سنه.
ثم هزت رأسها، وقالت والدموع تتلألأ بمأقيها:
- يا ربي بجد مش مصدقة، شبهه بجد، بس هو واخد عينيكي انتي.
ثم سألتها:
- ممكن أشيله؟
أومأت داليا رأسها مؤكدة، ثم نهضت، ووضعت الصغير على قدمي جدته، التي راحت تبتسم له وتلاطفه:
- ألف سلامة على حضرتك، إن شاء الله المحنة دي هتعدي وهتبقي كويسة.
قالت داليا ذلك باسمة، فبادلتها كاميليا الابتسامة بمثلها، ثم نظرت إليها، وانتظرت لثوان، ثم قالت فجأة:
- أنا عايزة أشوف عز الدين.
كان السكون شاملاً في تلك اللحظة، حتى عدنان الذي كان يطلق صياحه الطفولي المستمر، صمت، فتبادلوا الجميع النظرات في صمت مطبق، حتى قطعت داليا الصمت قائلة بتوتر:
- يا مدام كاميليا، هو ما اتغيرش خالص.
أومأت كاميليا رأسها بتفهم قائلة:
- أنا عارفة انتي تقصدي إيه، بس هو مهما كان ابني وأنا أمه، لازم أشوفه قبل ما أموت.
- أعتقد إنها فكرة مش كويسة!
قالت ياسمين ذلك بتردد، فعبست كاميليا حاجبيها بوهن قائلة:
- يعني إيه؟ مش هشوفه؟
كان الحديث صادقًا ومؤثرًا، كما كانت يدا كاميليا ترتجفان بصورة دائمة، بينما اندفعت داليا فجأة قائلة بتصميم:
- هتشوفيه.