تحميل رواية «حتى اقتل بسمة تمردك (1» PDF
بقلم مريم غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان ظهرا حارا تحت سماء إحدي المدن الأوروبية عندما دلف "عز الدين" إلى الغرفة التي حجزها بأحد الفنادق لإقامة حفل افتتاح إحدى فروع مجموعة شركات. أسرع "عز الدين" إلى غرفته ثم دلف إلى الحمام مباشرة بعدما خلع سترته وفك ربطة عنقه والأزرار الثلاث العليا من قميصه، بحيث بدا صدره القوي الصلب النامي العضلات. ثم فتح صنبور المياه، أخذ بكفه بعض القطرات الساخنة ومسح بها على وجهه وشعره. ثم فجأة سمع صوت رنين هاتفه يتعالى بنغمته الصاخبة، تجاهله للحظات إلى أن ينتهي، حتى انقطع تماما. عاد إلى الغرفة لامع البشرة ولا ي...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم مريم غريب
بعد يوم طويل ومرهق بالعمل، امتن "خالد" لتلك المياه الدافئة التي ساعدته على استعادة نشاطه وعافيته بعد اغتساله بها.
فيما ارتدى ملابس نظيفة، غادر الغرفة بسرعة متوجهًا إلى الطابق السفلي، إذ كان يبحث عن "عبير" التي وجدها بسهولة، حيث كانت تقف في المطبخ تباشر طهي الطعام.
فدلف "خالد" إليها وجلس إلى الطاولة المخصصة لتقديم الوجبات.
بينما انتبهت "عبير" إليه، استدارت وحدقت به بتكاسل مرهق قائلة:
- دقيقتين والأكل هيكون جاهز.
قطب "خالد" حاجبيه، ثم راح يتأمل حركاتها الهزيلة، إذ بدت مرهقة إلى أقصى حد، عيناها ذابلتان، شفتاها شاحبتان، حتى وجهها ملأه اصفرار حاد.
رمش في اضطراب وانتابه قلق جاهد في إخفائه حتى نجح فعلاً، عندما أقبلت "عبير" نحوه وبدأت في وضع أطباق الطعام أمامه.
رسم على وجهه معالم الجفاء والصرامة، فيما سألته "عبير" بنبرة خافتة شاحبة:
- عايز حاجة تاني يا خالد؟
رفع رأسه بحدة ليحدق إليها بنظرة قاتمة ثاقبة، وقال:
- لأ شكراً، اقعدي كلي بقي.
هزت رأسها بوهن قائلة:
- لأ أنا مش عايزة آكل، ماليش نفس.
- قلتلك اقعدي.
أرادت أن تحتج مرة أخرى، فهتف بقوة:
- اقعدي.
أطرقت رأسها بقلة حيلة، ثم سحبت مقعدًا مرفقًا بطاولة الطعام، وجلست إلى جانبه.
تم العشاء في جو متوتر، و"عبير" الشاحبة، ذات النظرة الحزينة، حافظت على الصمت أمام نظرات "خالد" المراقبة.
بينما كانت تشعر بصعوبة كبيرة في ابتلاع الطعام، إذ أن الإعياء احتلها فجأة ومن دون مقدمات، ولوهلة أحست بتقلص حاد بمعدتها، فتوقفت فورًا عن الطعام.
فانتبه "خالد" إليها، وراح يعينها مطولاً، ثم سألها بجفاف:
- مابتكليش ليه؟
وضعت "عبير" شوكتها على الطبق لتواجهه، فاختلج محياها بإعياء قبل أن تجيبه بصوت محشرج:
- شبعت خلاص.
ابتسم "خالد" بتهكم قائلاً:
- لأ يا عبير لازم تتغذي كويس، عايزة اخواتك يقولوا اني مجوعك!
رمقته بأسى عارم، ثم سألته:
- مش شايف انك زودتها معايا أوي يا خالد؟
قهقه "خالد" عالياً، ثم قال:
- هو انتي لسا شفتي حاجة يا روحي؟ أنا مش هاسيبك إلا أما أخلص فيكي القديم قبل الجديد.
ثم تناول كأس الماء وارتشف القليل، ثم أزاح طعامه جانباً لينحني عبر الطاولة لكي يقول بجفاف، وهو يحدقها بنظرة مركزة:
- واللي هايريحني أكتر، إني أجيب منك ابن وأربيه على فكرة واحدة.. وهي إن أمه قد إيه كانت ست محترمة، خدعت أبوه.. باعت نفسها مرة.. وكانت عايزة تكررها تاني.
لم تتمكن "عبير" من الرد على كلامه الجارح المهين، وعوضاً عن ذلك، غرست أظافرها براحتها بقوة لتحافظ على الدموع بعينيها لئلا تسقط وتكشف عن ضعفها.
بينما أضاف "خالد" بازدراء فظ:
- ولحد ما الطفل ده يجي، مش هتتنقلي من هنا لأني ماضمنش تصرفات واحدة زيك، ولأني كمان ماحبش أبداً يبقى عندي شك واحد في المليون إن الطفل ده ممكن مايكونش ابني.
ضربة جديدة أقوى من أي شيء، وهذه الذكرى اللاإرادية لماضيها فتتت قلبها، فحاولت كبت بكائها لكن الدموع راحت تتلألأ من جفنيها، فصاحت به بأعلى صوتها:
- انت حيواااان.
ثم هبت واقفة، إذ أصابها الغثيان فجأة، فغطت فمها بكفها واندفعت راكضة صوب الحمام حيث تقيأت بقوة.
ثم جثت أرضاً على ركبتيها وهي تنشج بالبكاء المر، بينما لم تفطن لوجود "خالد" إلا الآن، عندما شعرت به ينحني فوقها، وأحست بيده الدافئة تبعد الشعر الذي تناثر حول وجهها بفوضوية.
فتطلعت إليه واجمة، ولكنها لم تستطع رؤية ندمه اللاذع وذعره الشديد عليها بسبب موجة الإعياء التي اكتسحتها، فيما صرخت بوجهه في هيستيريا قائلة بصوت أجش:
- اطلع برااااا، سيبني بقي في حالي، أنا بكرهك يا خالد مش عايزة أشوفك تاني أبداً، مش عايزة أشوفك.
راعي "خالد" موقفها، فتركها وشأنها حتى استعادت بعضاً من تماسكها، ولكن حين استدارت أخيراً لتواجهه، لم تآبه بتاتاً لشحوب وجهه المتقلص، ولا للخوف العميق بعينيه.
وعندما تحاملت على نفسها ونهضت متجهة إلى خارج الحمام، حاول "خالد" مساعدتها، فحادت عنه بعصبية، فسكن بمكانه.
بينما تابعت سيرها حتى وصلت إلى الطابق العلوي، ثم إلى غرفتها، حيث أمضت بقية الليل ترتعد وتتعذب مسهدة.
- اتفقنا؟
قالتها "داليا" وهي تخاطب "آية" أمام غرفة المطبخ، فيما أجابت "آية" باسمة:
- اتفقنا حضرتك.
- جميل، جهزي نفسك بقي بكرة الصبح عشان هبعت معاكي السواق يوصلك لحد البيت.
- حاضر.
رمقتها "داليا" بابتسامة هادئة، بينما أتى "عمر" في تلك اللحظة، واقترب من "داليا" بتجهم قائلاً:
- داليا.. من فضلك عايزك في كلمتين.
- طيب عن اذنكوا.
قالتها "آية" ثم انسحبت في هدوء، فيما رفعت "داليا" رأسها وتطلعت إلى "عمر" بوجوم قائلة:
- خير يا عمر؟ عايز ايه؟
تنفس "عمر" بعمق، ثم أجابها:
- كنت عايز أكلمك بخصوصي أنا وياسمين.
رفعت "داليا" إحدى حاجبيها مصغية إليه، فتابع بتوتر:
- أنا بحبها.. والله بحبها جداً يا داليا.
- واللي بيحب حد يا عمر يعرض سمعته للخطر؟ اللي بيحب أصلاً بيداري حبه؟ قولي كنت مستني إيه؟ إيه اللي كنت منتظره يعني من الحب ده؟
- الجواز طبعاً.
هتف "عمر" بجدية بالغة، فأومأت "داليا" رأسها قائلة:
- حلو، وماجيتش تكلمني ليه من الأول؟ انت خليت منظرك ومنظرها قدامي وحش أوي لما دخلت عليكوا فجأة ولقيتكوا في الوضع اللي كنتوا فيه.
- وضع إيه بس!!
قال "عمر" مستنكراً، ثم تابع شارحاً:
- إحنا ماكناش بنعمل حاجة غلط، أنا بس كنت آا..
- ماشي أنا عارفة إنكوا ماكنتوش بتعملوا حاجة غلط.
قاطعته "داليا" مجارية، ثم تابعت:
- بس ايا كان.. لو حد غيري كان شاف حاجة زي دي كان هيبقي إيه الموقف؟
تنهد "عمر" بثقل، ثم أطرق رأسه قائلاً:
- عموماً يا داليا أنا عايزك تتأكدي إني عمري ما فكرت آذي ياسمين، بالعكس أنا بحبها أوي وماقدرش استغنى عنها أبداً.. فأرجوكي تقبلي بجوازنا.
صمتت "داليا" لثوان، ثم قالت:
- ماشي يا عمر.. أنا موافقة.
رفع "عمر" رأسه سريعاً وقد أشرق وجهه بابتسامة عريضة، وقال:
- بجد يا داليا؟
أومأت "داليا" رأسها قائلة:
- أيوه بجد.. بس بعد ما تخلصوا دراسة انتوا الاتنين.. لكن نقدر في الفترة دي نعمل خطوبة عشان المظهر العام قدام الناس.
تهلل وجه "عمر" بفرحة عارمة، أعرب عنها حين أمسك يدي "داليا" ورفعهما إلى فمه ليقبلهما.
بينما كان يقف بعيداً يراقب هذا المشهد في غضب ساحق.
بقي داخل مكتبه لثلاث ساعات، كان يذرع الأرض ذهاباً وإياباً كأسد حبيس.
كلما ومضت بمخيلته صورتهما معاً، يصيبه جنون هائل يدفعه إلى فعل أي شيء متهور، ولكن استطاع بمعجزة أن يكبح جماح غضبه.
فغادر مكتبه بسرعة متوجهاً نحو غرفة شقيقه، دفع باب الغرفة بعنف ودلف.
بينما نهض "عمر" عن فراشه، ثم انتزع سماعتي أذنيه، واقترب من شقيقه متسائلاً بوجه قلق:
- إيه يا عز؟ في حاجة؟
مد "عز الدين" ذراعه الأيسر لإصابة الأيمن بالكسر، وجذب "عمر" من ثيابه، ثم قال وهو يزأر من بين أسنانه:
- ماكنتش اتخيل عمري إني أشوفك في وضع زي ده.
- وضع! انت بتتكلم عن إيه؟
سأله "عمر" مقطباً، فصاح "عز الدين" بغضب:
- إزاي تجيلك الجرأة تفكر في مرات أخوك؟
اتسعت عينا "عمر" بدهشة عارمة، فنزع يد شقيقه عنه بقوة صائحاً:
- انت بتقول إيه؟ انت اتجننت؟ إيه اللي انت بتقوله ده أصلاً؟ مراتك دي بقت أختي من يوم ما اتجوزتوا ولا يمكن أفكر أبصلها حتى!
- أنا شفتكوا تحت بعيني.
هتف "عز الدين" بعنف، فقطب "عمر" حاجبيه متمتماً:
- شفت إيه؟
ثم صاح بسرعة:
- آااه.. لأ انت فهمت غلط، أنا كنت آا..
- أنا فاهم صح جداً.
قاطعه "عز الدين" بلهجة صارمة، فباغته "عمر" بقوة:
- لأ انت مش فاهم حاجة.. أنا كنت بتكلم مع داليا من شوية في موضوع يخصني أنا وأختها.
عبس "عز الدين" وجماً، فأومأ "عمر" رأسه متابعاً:
- أنا وياسمين بنحب بعض، ولو كنت حضرتك سمعت الحوار من أوله كنت عرفت إني كنت بطلب إيد أختها.
نظر "عز الدين" بوجه شقيقه المنفعل في تشكك، ثم استدار راحلاً بخطى واسعة، صارمة.
بينما زفر "عمر" وهز رأسه في ذهول مردداً:
- مجنون!
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم مريم غريب
تحت أشعة الشمس الحارقة بقصر الـ"نصار".
جلست "داليا" فوق أرجوحة مظللة بأوراق الشجر، بينما أتت "ياسمين" إليها مهرولة.
صاحت فرحة عندما وصلت إليها:
- داليا! بصي، شفتي المجنون بتاعي جابلي إيه؟
انتفضت "داليا" منتبهة، ثم تطلعت إلى شقيقتها عابسة وسألتها:
- في إيه يا ياسمين؟
قطبت "ياسمين" حاجبيها، ثم قالت وهي تجلس إلى جانبها:
- كنت بقولك شفتي عمر جابلي إيه؟
- جابلك إيه؟
سألتها "داليا" بابتسامة مائلة، فمدت "ياسمين" يدها اليمنى قائلة بخفوت وهي ترمق شقيقتها في تشكك:
- جابلي دبلة بلاستيك.
رفعت "داليا" حاجبيها في ذهول بالغ، فيما ظهر "عمر" فجأة وقهقه قائلاً:
- أنا مش عايزك تتصدمي كده يا داليا، اطمني. أنا لا يمكن طبعًا أقدم لياسمين أي حاجة وخلاص، أنا بس كنت بهزر معاها.
- هزارك تقيل على فكرة.
قالتها "ياسمين" بابتسامة باهتة، فضحك "عمر" وسألها:
- انتوا مش بتشتروا راجل زي ما بيقولوا؟ يعني أنا لو كنت فقير ما كنتيش هترضي تتجوزيني؟
مازحته "ياسمين" قائلة:
- لأ طبعًا ما كنتش هرضي، يا أبو دبلة بلاستيك.
- المهم حبي يا حبيبتي، حقيقي ولا مش حقيقي؟
- بصراحة مش متأكدة!
هتفت "ياسمين" مراوغة، فابتسم "عمر" متمتماً:
- ماشي يا ستي. عموماً لو كان الدهب هو اللي هيثبتلك حبي، ماشي.
ثم أخرج من جيب سترته علبة صغيرة من المخمل الأسود وفتحها، ثم قدمها إلى "ياسمين" التي شهقت في سرور بالغ لدي رؤيتها قطعتي الذهب الصغيرتين.
سألها "عمر" باسمًا:
- إيه رأيك بقى؟
كانت العلبة الصغيرة تحوي دبلة ذهبية رفيعة الذوق، وخاتم من الذهب الفضي مرصع بفصوص ماسية صغيرة.
- الحاجة حلوة أوي يا عمر.
هتفت "ياسمين" بفرح عارم، ثم عادت تقول في لطف:
- بس مش غاليين شوية؟
اختفت ابتسامة "عمر" سريعًا، ثم قال متبرمًا:
- انتي شايفاني واقف بشحت في إشارات المرور ولا إيه؟
قهقهت "ياسمين" في خفة قائلة:
- لأ مش قصدي والله، خلاص ماتزعلش.
ثم أخذت العلبة بين يديها كي تريها لشقيقتها، فأدارت رأسها تنظر في اتجاه الأرجوحة التي جلست "داليا" فوقها، وظلت تحدق في ذهول إلى المساحة الخالية.
- إيه ده! هي مشيت امتى؟
هتف "عمر" ذاهلاً، فتنهدت "ياسمين" بثقل قائلة:
- معقول إحنا خطوبتنا بكرة!
زفر "عمر" في ضيق، بينما أضافت:
- وسط الكآبة دي! إزاي؟
ضغط "عمر" على شفتيه، ثم أمسك بكتفيها، وقال في هدوء باسمًا:
- بكرة لما هنجمعهم كلهم سوا، الأمور كلها هتتصلح.. ماتقلقيش.
رمقته "ياسمين" بابتسامة رقيقة متمنية بشدة أن يتحقق ما تكهن به توا.
***
كانت تجلس أرضًا إلى جانبها، تعينها في حقد، تتأملها في عداء سافر، بشرتها البيضاء، فمها المكتنز، أنفها الدقيق، أهدابها الكثيفة.
قارنت بينها وبين غريمتها، وكانت لا تريد الاعتراف بأنها تفوقها حسنًا وجمالًا، بل ودت لو تجلب السكين الآن وتنتقم لمشاعرها كأنثى، ولحبيبها الراحل الذي نكث بوعده لها وخَدَعَها، ولكنها لا تزال تحبه!
انتفضت "آية" فجأة حين سمعت صوت انصفاق باب المنزل عنيفًا، فهمت بالنهوض، فيما سمعت خطوات مهرولة يتبعها ظهور "خالد" وهو يلهث قائلاً في ذعر عندما رأى جسد "عبير" مطروحًا فوق أرض المطبخ:
- إيه اللي حصل؟
رمشت "آية" في اضطراب، ثم أجابته متلعثمة:
- حضرتك أنا كنت بحضر الغدا والهاتم كانت قاعدة قصادي هنا وفجأة لقيتها وقعت على الأرض، فكلمت حضرتك على طول.
جثا "خالد" على ركبتيه إلى جانب "عبير" ثم رفع رأسها بيديه صائحًا في غضب:
- وسايباها مرمية على الأرض كده من ساعة ما كلمتيني! أومال هما باعتينك هنا ليه؟ مش عشان تاخدي بالك منها؟
اعتذرت "آية" في توتر:
- آسفة يا بيه، أنا والله كنت قلقانة أوي على الهانم وكنت متلخبطة، فمعرفتش أعمل أي حاجة غير إني كلمتك.
تجاهلها "خالد" تمامًا في تلك اللحظة، وراح يعتني بـ"عبير"، فأمسك بوجهها بين كفيه مناديًا:
- عبير.. عبير.. عبير.
ولكنه لم يلق ردًا، فنهض وحملها بين ذراعيه، ثم اتجه بها نحو الدرج وصعد إلى الغرفة.
بينما انتظرت "آية" حتى اختفيا عن ناظريها، وأخرجت هاتفها، ثم أجرت اتصالاً سريًا، إذ كانت تردد في خفوت حذر:
- أيوه.. خليكي على اتصال معايا لحد بكرة.. يمكن بكرة ننفذ!
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم مريم غريب
عندما عاد عز الدين إلى المنزل بساعة متأخرة من الليل كما اعتاد أن يفعل مؤخراً، اصطنعت داليا النوم وأرادت أن تهرب من مواجهته هذه المرة. فيما أيقنت أن النوم سيجافيها خلال تلك الساعات الطويلة التعسة، رغم أن إرهاقاً مميتاً بدأ يزحف على جسدها، تاركاً ذهنها وعواطفها فقط مستيقظة يلهبها الألم بسياطه.
وخلال صراعها هذا سمعت عز الدين يتحرك بالفراش، فحبست أنفاسها متسائلة: هل ما زال مستيقظاً؟
وتمتت من كل قلبها أن يتمتم أو يتكلم عبر الظلام فتستمد من ذلك راحة، لكنه لم يفعل. وعبست ثانية.
من المؤكد أن تلك أقسى أنواع الوحدة، فهي وحيدة منذ مدة طويلة. وأخيراً هدها التعب فغطت في نوم عميق حتى استيقظت فجأة من كابوس مزعج بعد عدة ساعات وهي تشعر بأنها لم تنم سوى دقائق. فانتصبت نصف جالسة على الفراش. ورأت الستائر لا تزال مسدلة رغم أن ثمة أصوات آتية من الخارج مما يوحي ببدء نهار جديد.
ثم أخيراً أدركت أنها وحدها. فنظرت إلى ساعة التنبيه التي وضعت فوق طاولة صغيرة قرب الفراش، فوجدت أنها الرابعة. فظنت أنها متوقفة ووضعتها على أذنها، فوجدتها منتظمة لم تتوقف. فنهضت من فراشها وألقت نظرة على فراش طفلها، لتجده خالياً. وأدركت مرة أخرى أن خلو الغرفة لم يكن وليد خيالها. فارتعدت قلقة على ابنها وتساءلت: أين هو؟
ولم تمر ثانية أخرى ودلفت شقيقتها إلى الغرفة صائحة:
- إيه يا داليا هتفضلي نايمة كده لحد امتى؟
تجاهلت داليا سؤال شقيقتها، وعوضاً عليه سألتها هالعة:
- هو عدنان فين؟
فأجابتها ياسمين في هدوء:
- تحت مع باباه.
أراحتها تلك الإجابة كثيراً، فتنفست الصعداء. ثم عادت تسألها ذاهلة:
- معقول! عدنان مع عز الدين!
قهقهت ياسمين بخفة قائلة:
- آه لو تشوفيهم مع بعض تحت، عز الدين بتاعك ده قاعد بقلاوة كالعادة بيشرب الشاي وبيقرأ الجرايد، وعدنان قاعد قصاده سااااكت لا صوت ولا حركة، مش بيتشاقى، مش بيعيط، مش زهقان قاعد في منتهى الهدوء. أنا حقيقي استغربت.
ثم أضافت باسمة:
- شكله بيحب أبوه أوي.
ابتسمت داليا مؤيدة شقيقتها، ثم قالت:
- كتير بحس إنهم شبه بعض أوي شكلاً وموضوعاً.. وأد إيه أنا مبسوطة بكده.
- طيب يا ستي ممكن بقي تفوقيلي شوية؟ المفروض النهارده خطوبتي يعني وأنتي أختي المفروض بردو تبقي جنبي.
ضحكت داليا عالياً، ثم قالت في لطف:
- ماشي يا حبيبتي. روحي على أوضتك واستنيني دقايق وهكون قدامك.
***
على الطرف الآخر..
عندما استعادت عبير وعيها، كانت مستلقية بحرية فوق فراش خالد الوثير الذي باتت تشاركه إياه منذ عدة أسابيع.
تذكرت آخر أحداث اليوم الماضي، ثم تحركت قليلاً فلاحظت أن آلامها خفت إلى حد ما، وأن جسدها شبه العاري مرتاح بعض الشيء. فرفعت نفسها قليلاً لتنظر بإرجاء الغرفة، فدهشت حين رأت الشمس بدأت تغيب، بينما دلف خالد إلى الغرفة في تلك اللحظة دون سابق إنذار!
فرفعت الغطاء القطني بسرعة فوق صدرها، واحمر وجهها خجلاً عندما تبادر إلى ذهنها فوراً أنه هو الذي خلع عنها ثيابها. فيما وقف قربها وسألها باهتمام:
- عاملة إيه؟ حاسة بتحسن؟
أومأت عبير رأسها قائلة بعد أن أشاحت بوجهها عنه في حياء:
- آه.. حاسة بتحسن كبير.. شكراً. بس هو إيه اللي حصل بالظبط؟
تنحنح خالد ثم جلس إلى جانبها على حافة الفراش، وأجابها وهو ينظر بعمق إلى عينيها:
- أنتي أغم عليكي.. فجبتلك الدكتور وكشف عليكي و..
- وإيه!!
سألته مترقبة، فصمت لثوان، وأجابها بشجاعة:
- أنتي حامل يا عبير.
نظرت إليه عبير وهي لا تصدق أذنيها، بينما رمش مضطرباً. ثم أضاف:
- الدكتور بيقول إنك مش لازم تتحركي من السرير خالص، لازمك راحة تامة.
أشاحت عبير بوجهها عنه، ثم قالت في وجوم:
- طب وخطوبة عمر! مش هاروح يعني؟
لم يرفع نظره عنها، بل قال بنبرة جادة لا تقبل النقاش:
- مش هاتروحي لأي مكان. أنا هاروح أعمل الواجب وهرجع بسرعة مش هتأخر.
ضغطت عبير على شفتيها، ثم قالت:
- طيب لو سمحت ابقي خد آية معاك عشان تساعد الناس اللي هناك.
- ومين ياخد باله منك!!
ردد مستنكراً، فأجابت متأففة:
- أنا مش بحتاج حاجات كتير وأنا قاعدة لوحدي. هي ممكن تغديني وبس. بس لازم تاخدها معاك.
بدت مصرة على رأيها، فعبس قائلاً:
- طيب.. بس تاخدي بالك من نفسك وما تقوmيش من السرير خالص. ولو عوزتي أي حاجة اتصلي بيا وأنا هاجيلك فوراً.
رمقته عبير في تشكك قائلة:
- ماشي!!
***
في المساء..
بعد أن انتهت داليا من نفسها ومن شقيقتها، أخذتها إلى الأسفل، إلى حيث كان البقية ينتظرون بقاعة المنزل المترف.
كان عز الدين بحلته السوداء رائعاً كالعادة. بدا رزيناً ومتحفظاً كعادته أيضاً. كما بدا عمر أكثر نضجاً ومتصابياً قليلاً في ردائه المؤلف من سروال أسود، وقميص أبيض تحكمه من الأعلى ربطة عنق سوداء أخذت كناية عن لون الفستان الذي ارتدته ياسمين.
توجه الجميع إلى قاعة الطعام وأخذوا أماكنهم. بينما راحت داليا تتأمل جمال القاعة التي زينت بذوق رفيع، وخاصة تلك السجادة التارتان الكبيرة، وفروع الإضاءة الكثيرة.
كانت تجلس بين عز الدين وشقيقتها. وطوال فترة الطعام كانت تحس وجوده بكل جزء من كيانها. ومراراً انجذبت عيناها إلى محياه الوسيم واستقرت عليه لا إرادياً. كانت ترتدي الأسود أيضاً مع وشاح من الحرير الأحمر يظهر عنقها البض وكتفيها. أما شعرها الكثيف، فقد سرحته بحيث بدا كغيمة كستنائية تموج حول وجهها وكتفيها وتنسكب خصلات منه على وجنتيها.
جاذبيتها تلك الليلة لم تغب عن عز الدين وانعكس إعجابه بها في إلق عينيه حين استقرت على قوامها الأهيف. إنما لم يعبر عنه بأي كلام. بينما تمنت في حرقة لو يفعل!
خالد من جهته أطري جاذبيتها علناً، لكن كلماته لم تبلسم قلبها المجروح. فهي لم تكن تريد إطراء إلا من زوجها.
- فين عبير يا خالد؟ ما جاتش معاك ليه؟
قال عز الدين تلك الجملة متسائلاً. فصمت خالد للحظات ثم أجابه:
- أصلها تعبانة شوية.. أنا حتى مش هطول في القاعدة معاكوا للأسف عشان متأخرش عليها.
- تعبانة إزاي يعني؟ مالها يا خالد؟
سأله عز الدين عابساً. فهدئه خالد قائلاً:
- هي كويسة خالص. بس.. هي حامل.
ساد صمت مطبق على الجميع للحظات، فقطعته داليا مهنئة لتتوالى التهنئات تباعاً من جميع أفراد الأسرة الصغيرة. فشكرهم خالد بابتسامة ودودة. ثم توجهوا جميعاً بعد العشاء إلى قاعة الجلوس مجدداً وتناولوا القهوة إلى أحد الطاولات المتوسطة. بينما نهض عمر متجهاً إلى الستريو وأدار بعض الموسيقى الخافتة والحالمة. ثم عاد ليقف أمام ياسمين ثم مد يده لها. فمنحته ابتسامة رقيقة، وأعطته يدها. فجذبها إليه حتى وقفت في مواجهته مباشرة. ثم أخرج من جيبه تلك العلبة السوداء المخملية وفتحها. ثم راح يضع قطعتي الذهب بأصابع ياسمين التي وضعت بإصبعه خاتمه الفضي بدورها.
فتعالى صوت التصفيق من حولهما وسط هتافات التهنئة الحارة. بينما طبع عمر قبلتين على أيدي ياسمين ثم وضع يد حول خصرها وآمسك يدها بالأخرى وطلب منها مراقصته.
ورغم جهل ياسمين بالرقص، قبلت طلبه. فوجدت نفسها تدور راقصة بين ذراعي عمر فراحت تتبع خطواته الخبيرة وهي تقهقه فرحة. فيما شدد عمر قبضته على خصرها وهو يطوحها معه أمام جمهور المشاهدين حولهما.
ثم فجأة، ومن دون سابق إنذار، سقطت ياسمين مغشياً عليها.
***
على الطرف الآخر..
تسللت آية بخطى خفيفة إلى الطابق العلوي، ثم إلى غرفة داليا وهي تتلفت حولها يمنة ويسرة.
دلفت إلى الغرفة مسرعة، ثم اتجهت نحو فراش الصبي النائم في هدوء. وبخفة يد، أخذته من مهده بين ذراعيها فتثاءب الصغير بأحضانها، وسكن مرة أخرى. فاندفعت تعدو به إلى الخارج بحتراس. ثم هبطت الدرج بخطوات هادئة. ولحسن حظها كان هناك ضجيج بقاعة الجلوس، مما جعلها تأخذ طريقها دون خوف إلى خارج المنزل ثم إلى خارج القصر بأكمله وهي مطمئنة إلى أن طاقم الحرس كله متواجد بقاعة المطبخ الآن لتناول العشاء المفتخر الذي أقامه سيد القصر الليلة على شرف شقيقه الصغير.
انتبهت آية إلى بوق تلك السيارة التي وقفت على بعد أربعة أمتار منها. فأسرعت إليها وأسلمت الطفل إلى امرأة جلست بالمقعد الخلفي قائلة:
- أول ما توصلي هناك هتلاقيها نايمة تحت تأثير المخدر اللي حطيتهولها في الأكل.. أنتي عارفة هتفوقيها إزاي. وعارفة كمان هتعملي إيه بعد كده. خدي المفتاح أهو.
ثم أعطتها نسخة عن مفتاح خاص بها، وتركتها مهرولة في اتجاه القصر مجدداً.!!!!
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم مريم غريب
عندما استعادت "ياسمين" وعيها كانت ممدة فوق أريكة صوفية بقاعة الجلوس والجميع حولها القلق يعصف بهم خاصة "عمر" الذي شحب وجهه حتى البياض.
بينما قبضت "داليا" على يد شقيقتها قائلة:
- ياسمين.. فوقي يا حبيبتي. مالك؟
انسكب صوت "داليا" بأذن "ياسمين" مشوشا بعض الشيء، فجاهدت "ياسمين" وفتحت عينيها على وسعهما مغمغمة:
- داليا! في ايه؟ ايه اللي حصل؟
- طمأنتها "داليا" قائلة:
- خير يا حبيبتي، ماتقلقيش هتبقي كويسة.
فنقلت "ياسمين" بصرها إلى "عمر" فشاهدت بريق دامع بعينيه، فقالت بابتسامة خفيفة:
- ايه يا عمر! مالك؟ انا كويسة ماتقلقش.
منحها "عمر" ابتسامة مضطربة، بينما نهضت "ياسمين" بمساعدة نفسها لتؤكد صدق قولها، ثم قالت تطمئن البقية:
- ماتقلقوش يا جماعة انا كويسة خالص والله.. انا بس مش عارفة ايه اللي حصل فجأة.
- معلش يا حبيبتي.
قالتها "داليا" باسمة، ثم التفتت إلى "فاطمة" متابعة:
- من فضلك يا فاطمة اطلعي شوفي عدنان لو لاقيتيه صاحي هاتيهولي.
أطاعتها "فاطمة" على الفور، وانسلت من بينهم في هدوء، بينما اقترب "عمر" من "ياسمين" في وجل هامسا:
- وقعتي قلبي يا ياسمين.
ابتسمت "ياسمين" في رقة، وسألته هامسة بدورها:
- بجد يا عمر؟
- اه والله، لما لقيتك وقعتي من بين ايديا فجأة بلّمت.. قلت دي ماتت.. كنت هاروح فيها.
لمعت عيناها في حب قائلة:
- بعد الشر عنك يا حبيبي.
- آااااه اديني هبلّم تاني اهو.. قوليها تاني يا ياسمين عشان خاطري.
- انتوا بتقولوا ايه؟
قالتها "داليا" في فضول عندما اقتربت منهما، فيما انتفض "عمر" مطلقا لعنة خافتة، ثم منحها ابتسامة باهتة وقال:
- مابنقولش.. مابنقولش يا داليا.
قهقهت "داليا" عاليا، فشاركتها "ياسمين" الضحك بدورها، بينما ردد "عمر" مغتاظا:
- اضحكي اضحكي.
عند ذلك، آتت "فاطمة" مهرولة والهلع يغزو كيانها، فعبست "داليا" متسائلة:
- في ايه يا فاطمة؟ عدنان كويس؟
أجابتها "فاطمة" وقسمات وجهها تنطق بالذعر:
- مش موجود يا ست داليا! عدنان بيه مش موجود في سريره!
- ايه!!
هتفت "داليا" مشدوهة، بينما تابع عنها "عز الدين" بنزق:
- يعني ايه؟ مش موجود ازاي يعني؟
وصلت "آية" في تلك اللحظة، فأجابته بنبرة مرتفعة:
- زي الناس يا بيه.. ابنك مش موجود في البيت كله.. ابنك عندي.. وانا بقي مش ناوية اخليك تشوفه تاني ابدا.
***
أفاقت "عبير" من غفوتها الثقيلة على اثر سائل مركز وضع بقماشة صغيرة على أنفها.
فتحت عينيها تدريجيا، وأرادت أن ترفع يدها إلى رأسها ولكن ثمة شيئا يعيقها، فنظرت إلى يديها لتجدهما مكبلتين بحبل عريض.
بينما أتاها صوتا أنثويا يقول:
- فوقي بقي يا حلوة بقالك كتير نايمة.. صحصحيلي كده شوية خلينا نبدأ في تصفية الحساب اللي بينا.
تطلعت "عبير" إلى محدثتها، فرأت أمامها امرأة في أواسط العمر تجلس على حافة فراشها، كانت بسيطة الملبس، متواضعة الجمال، ولكن عيناها مليئتان حقدا وعداء.
فسألتها "عبير" مقطبة:
- انتي مين؟ ودخلتي هنا ازاي؟ وعايزة مني ايه؟
قهقهت الأخيرة عاليا، ثم عادت تنظر إليها بقوة قائلة:
- كل دي أسئلة يا حلوة! اسأليني واحدة واحدة عشان اعرف اجاوبك مظبوط.. سؤال سؤال يعني.
ثم تابعت بشيء من الحدة:
- انا مين؟ انا عنان.. دخلت هنا ازاي؟ دخلت من الباب طبعًا.. أما بقي انا عايزة منك ايه؟ فأنا عايزة منك حاجة غالية أوي.
ثم اقتربت بوجهها منها قائلة بصوت كفحيح الأفعى:
- روحك.. عايزة روحك يا ست الحسن والجمال انتي.
إزدردت "عبير" ريقها بصعوبة، ثم هزت رأسها في اضطراب قائلة:
- انتي مين؟ جاية عايزة تموتيني ليه؟ انا عملتلك ايه؟
تبدلت ملامح "عنان" في تلك اللحظة، فقبضت على خصلات شعرها صائحة:
- عملتيلي ايه؟ حاضر هقولك عملتيلي ايه.. كنتي سبب في موت أعز انسان على قلبي.. هدية من أمي.. وسند في الحياة سابهولي أبويا قبل ما يموت.. أخويا.. أخويا حسام يا.. يا مرات أخويا.
تطلعت "عبير" إليها في ذهول عارم، ثم رددت بصوت محشرج:
- حسام! انتي اخت حسام؟
ابتسمت "عنان" في مرارة قائلة:
- أيوه يا عبير هانم.. انا اخت حسام.. وانا برضو اللي جاية النهاردة عشان انتقمله منك انتي واخوكي.
- اخويا! قصدك ايه؟
رمقتها "عنان" بابتسامة خبيثة، ثم أشارت برأسها إلى "عدنان" النائم إلى جوار عمته فوق فراشها، فأتسعت عينا "عبير" في ذعر قائلة:
- انتي عايزة تعملي ايه؟ حرام عليكي الولد مالوش ذنب.. واخويا كمان مالوش دعوة.. لو عايزة تنتقمي انتقمي مني انا.. بس مالكيش دعوة بأخويا وابنه هما مالهمش ذنب في حاجة.. انا واخوكي اللي غلطنا.
- مش هاسيبكوا.
صاحت في عنف، ثم تابعت:
- مهما حصل.. هنتقم لأخويا النهاردة يعني هنتقم لأخويا النهاردة.
فاستيقظ "عدنان" عند ذلك باكيا، فنقلت "عبير" بصرها بينه وبين "عنان" حائرة.
***
على الطرف الآخر...
اندفعت "داليا" صوب "آية" قائلة بصوت مختلج:
- ابني عندك انتي! ازاي؟ وليه؟
بينما مشى "عز الدين" إليها، وقبض على رسغها، ثم ثناه مزمجرا في عنف:
- انتي مين يا بت؟ مين اللي بعتك؟ وديتي ابني فين؟
ارتسم ألم طفيف على وجهها جراء قبضته الحديدية، لكنها غالبت ألمها، وقالت في تشفي:
- مش هاتشوفه تاني ابدا.. هحرمك منه زي ما حرمتني من حسام.
- حسام!!
هتف "عز الدين" عابسا، فتابعت:
- أيوه حسام.. اللي اتسببتوا في قتله من سنتين عشان خاطر موضوع هو ما غلطش فيه.. اختك هي اللي غلطت وهي لوحدها اللي كانت تستحق العقاب مش حد تاني.
ثم أضافت بتصميم وإصرار:
- بقالي سنتين حالفة لأخد بتاره منكوا.. حتى لو كانت حياتي هي التمن.. هاخد تاره.
إنفلتت أعصاب "عز الدين" فصفعها بقوة سقطت أرضا على أثرها، ثم صاح في عنف جامح:
- الواد فييين؟ وديتي ابني فين يا ****.
- مش هاتشوفه تاني.. والله هاتشوفه تاني.
فيما اندفع "خالد" و"عمر" نحو "عز الدين" وأمسكا به كي لا يلحق مزيدًا من الأذى بالفتاة، بينما تطلعت إليه متحدية، ثم قالت:
- زي ما حرقتوا قلبي على أغلى إنسان في حياتي.. هحرق قلبكوا على ابنكوا.
هتفت آخر كلماتها صارخة، فصاح "عز الدين" بها:
- ابني فين يا بنت الـ *** انطقي.. الواد فييين؟ حياتك قصاد شعرة منه.
عند ذلك، جثت "داليا" على ركبتيها إلى جوار "آية" ثم راحت تستجديها باكية:
- ارجوكي.. ارجوكي قوليلي عدنان فين؟ قوليلي ابني فين؟ حرام عليكي الولد لسا طفل صغير مالوش ذنب في أي حاجة.
- ذنبه الوحيد إنه يبقى ابن واحد من اللي اتسببوا في موت خطيبي.
إنهارت أعصاب "داليا" أكثر فأكثر، فحاولت أن تترجاها بيأس مرة أخرى:
- ارجوكي قوليلي ابني فين؟ ده زمانه بيعيط دلوقتي.. ابني مش متعود يبعد عني مش بيسكت مع حد غيري.
***
- طيب فكيني عشان أشوف الولد ماله طيب مش شايفاه بيعيط ازاي!!
قالتها "عبير" محاولة التأثير على "عنان" التي باجأتها ببرود جامد:
- مايتفلق.
- حرام عليكي ده مهما كان طفل بردو خلي في قلبك رحمة.
- مش هفكك.
شدت "عنان" على أحرف كلماتها بقوة، فإزدردت "عبير" ريقها، ثم قالت مقترحة عليها بعض الأمور:
- طيب هو بيفهم الكلام.. ممكن أسأله بس هو عايز ايه بالظبط؟
تنهدت "عنان" ضجرة، ثم قالت من بين أسنانها:
- اتفضلي.
إلتفتت "عبير" إلى الصغير، ثم قالت محاولة استمالته:
- مالك يا حبيبي؟ عايز ايه؟ جعان؟
لم يجيبها الصبي، بل ظل يصرخ باكيا، فتابعت سؤالها في يأس:
- طب عايز تشرب مايه؟
ولحسن حظها أومأ "عدنان" رأسه، فحولت بصرها إلى "عنان" على الفور قائلة:
- ممكن من فضلك تجيبله مايه عشان يشرب.. من فضلك.
رمقتها "عنان" مفكرة، ثم ضغطت على شفتيها قائلة:
- ماشي.
ونهضت متجهة إلى الخارج، بينما انتظرت "عبير" حتى تأكدت من رحيلها، ثم مدت يديها الموثوقتين إلى الطاولة قرب فراشها، وإلتقطت هاتفهها مسرعة، ثم بحثت عن رقم شقيقها حتى وجدته بسهولة، فأجرت الاتصال به، ثم خبأت الهاتف تحت غطاء الفراش، واعتدلت في جلستها.
فآتت "عنان" في تلك اللحظة وبيدها كأس معبأ بالماء، ثم توجهت به نحو "عدنان" ووضعته على فمه الصغير، فإرتشف الصبي بعض القطرات ودموعه تنهمر على وجنتيه المملؤتين، ثم عاد إلى البكاء مرة أخرى، فتأففت "عنان" في ضيق من صراخه المستمر.
بينما فطنت "عبير" إلى استجابة شقيقها إلى اتصالها، فراحت تخاطب "عنان" قائلة:
- بس انتي عرفتي تخطفي ابن اخويا ازاي؟ وعرفتي عنواني ازاي؟ عرفتي منين اني اتجوزت ابن عمي وجيت أعيش معاه في بيته؟ ودخلتي البيت أصلا ازاي؟
رمقتها "عنان" بنصف ابتسامة، ثم أجابتها:
- تصوري! آية اللي جت بحجة الشغل عندك بعد ما كانت بتشتغل عند أخوكي هي اللي ساعدتني.
- مش معقول!!
قهقهت "عنان" بقوة ثم تابعت:
- تحبي أقولك اللي يدهشك أكتر؟
آية خطيبة حسام أخويا، قصدي كانت خطيبته قبل ما يموت الله يرحمه.
قطبت عبير حاجبيها مشدوهة، بينما رمقتها عنان بازدراء باسمة.
***
على الطرف الآخر...
تابع عز الدين أسئلته الغاضبة والمتوعدة:
- انتي هتقولي ابني فين؟ ولا هقتلك؟
ابتسمت آية في استخفاف، ثم سألته مستهزئة:
- ويا ترى لما هتقتلني هتعرف ابنك فين؟ عمومًا عادي بردو أنا مش فارقة معايا وجاهزة أموت جدًا.
- يا بنت الـ*** يا *****.
وكاد يفلت من بين يدي خالد وشقيقه لولا هاتفه الذي تصاعد رنينه عاليًا، فنزع ذراعيه بقوة من موثقيه، ثم أخرج هاتفه من جيب سترته ليجد المتصل شقيقته، فأجاب مسرعًا:
- الو.. الو.. الـ..
ثم صمت فجأة، إذ سمع صوت بكاء ابنه يتبعه صوت شقيقته تخاطب إحداهما، بينما سأله عمر:
- في إيه يا عز؟
- ششش.
أسكته عز الدين في حدة، ثم راح ينصت إلى هاتفه بتركيز شديد، فعبست آية قلقة، بينما اكتشف عز الدين توا وجود ابنه بمنزل شقيقته، فاندفع راكضًا إلى خارج المنزل يتبعانه خالد وعمر، فاستدار صائحًا:
- خالد انت هاتيجي معايا، عمر انت هتفضل هنا وهتبلغ البوليس وخد بالك كويس من بنت الـ*** اللي جوا دي ماتتحركش من مكانها لحد ما البوليس يجي.
ثم هرول في اتجاه الكراج، وفتح سيارته، ثم أخذ مكانه أمام عجلة القيادة، فيما استقل خالد إلى جانبه متسائلاً:
- في إيه يا عز؟ إحنا رايحين فين؟
- رايحين على بيتك.
أجابه عز الدين، ثم انطلق بسيارته في سرعة قصوى، بينما ردد خالد مقطبًا:
- بيتي!!
فصر عز الدين على أسنانه وأفضي له:
- في واحدة تانية باين شريكة آية دي عندك في البيت مع عدنان وعبير.
- دول عاملين عصابة علينا بقى.
قالها خالد في حدة بالغة، بينما راح عز الدين يلهم الطرقات بسيارته...
***
عندما استنزف عدنان قواه في البكاء، ألقى برأسه على قدمي عمته وراح يهمهم باكيًا وجسده الصغير ينتفض بعنف، فلم تتحمل عبير أكثر وانفجرت صارخة:
- حرام عليكي بقى، فكيني خليني أشوف ابن أخويا ماله وأسكتُه.. انتي قاعدة مستنية إيه؟ عايزة تقتليني؟ اتفضلي اقتليني يلا، بس مالكيش دعوة بالولد أوعي تقربي منه.
زفرت عنان متذمرة، ثم قالت محتدة:
-اخرسي بقى، صدعتيني انتي وابن أخوكي.. اخرسـ..
ثم بترت عبارتها فجأة حين أتاها صوت محرك سيارة آتٍ من الخارج، فنهضت متجهة صوب نافذة الغرفة، وأطلت برأسها، لتجد رجلين يندفعان سويا صوب باب المنزل، فانتفضت مضطربة، ثم أسرعت إلى عبير وسلطت السلاح على عنقها، بينما انفتح باب الغرفة بعنف، فتسمر خالد وعز الدين بأرضهما، فيما صاحت عنان:
-لو حد منكم اتقدم خطوة هفرغ السلاح ده فيهم هما الاتنين.
وأشارت إلى عدنان أيضًا، فازدرد خالد ريقه في توتر قائلاً:
-الولد مالوش ذنب، وعبير كمان مالهاش ذنب، إحنا اللي اتسببنا في موت حسام.
وأشار إليه وإلى عز الدين الذي أخذ يقترب متمهلاً من الفراش حيث ابنه وشقيقته، فانتبهت عنان إليه، ثم هددته قائلة:
-قلتلك خليك مكانك.
لم ينصع عز الدين لتهديدها، بل تابع سيره المتمهل، فيما تحدث خالد إليها في هدوء وهو يقترب منها رافعًا يديه إلى مستوى نظرها:
-قلتلك هما مالهمش ذنب.. سيبيهم.. حسابك معانا إحنا مش معاهم.
تحدث عز الدين عند ذلك عندما اقترب كثيرًا من ابنه وشقيقته:
-مش هارحمك لو مسيتي ابني أو اختي بشر لا انتي ولا الـ**** اللي عندي في البيت.
أصبحت عنان مشتتة في تلك اللحظة وهي تقف بين عز الدين من الجهة اليمنى وخالد من الجهة اليسرى، وعلى حين غرة، انحنى عز الدين والتقط ابنه من فوق الفراش مسرعًا، فضغطت عنان على زناد السلاح في اللحظة نفسها التي اغتنم فيها خالد الفرصة وأمسك يدها محيدًا طلقات الرصاص عن زوجته وشقيقها، فانكسرت المزهرية التي اعتلت إحدى الطاولات أثر طلقة رصاص اخترقتها، بينما راح عز الدين يفحص ابنه عن كثب، ثم أخذ يهدئ من روعه رابتًا على ظهره في لطف، فيما أمسك خالد بـعنان ولم يفلتها...
***
عاد الهدوء يعم قصر الـ"نصار" مرة أخرى، استقرت الأوضاع أخيرًا بعد مرور حادثة اختطاف أصغر أفراد العائلة بسلام.
وفي صباح يوم ما، أصرت داليا على تحضير الإفطار بنفسها دون مساعدة أحد، وقد عزمت على إجراء نقاش مع عز الدين ستتحدث إليه ليحددا مصير زواجهما، نوت ذلك، ولكن كل ما نوته تبخر تمامًا.
إذ رأته يحمل حقيبة سفره عند نزوله، بينما جلس إلى مقعد مرفق بمائدة الطعام، ثم راح يتناول أفطاره في صمت وبلا تعجل، ثم أخذ يتصفح الجريدة، فاندفعت تسأله بلا وعي:
-انت رايح فين؟
خفض الجريدة قليلاً لينظر إليها، ثم سألها في هدوء:
-اسف! قولتي إيه؟
-سألتك، رايح فين؟
-مسافر.
أجابها ورفع الجريدة مرة أخرى، فيما تابعت سؤالها بشجاعة:
-مسافر فين وليه؟
صمت للحظات، ثم أجابها في شيء من الحدة:
-رايح ميلانو افتتح فرع جديد للشركة.
كانت تود أن تسأله كم سيمضي هناك، لكنها تراجعت، وكمن فطن هو لذلك، فقال:
-هرجع يوم الأربع قبل عيد ميلاد عدنان.
وكان هذا آخر حديث دار بينهما قبل يوم الفاجعة التي وقعت دون سابق إنذار.
في مساء الأربعاء، وعندما كانت تشرف داليا على تعليق أوراق الزينة المخصصة بعيد ميلاد طفلها الذي سيتم عامين بعد عدة ساعات قليلة، أتى عمر مهرولاً بعد أن أغلق الخط مع أحدهم، ثم قال في ذعر وهو يلهث:
-متفجرات.. لقيوا متفجرات على الطيارة اللي عليها عز الدين يا داليا.... !!!!!!
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم مريم غريب
هزت "داليا" رأسها وهي تنظر في توجس إلى "عمر". عليها أن تستفيق وتهرب من هذا الحلم المرعب الذي يهدد بضياع عقلها. فأغمضت عينيها بشدة على أمل أن تكون نائمة حقاً. لكنها متأكدة بأنها في كامل وعيها.
ففتحت عينيها وحدقت بـ"عمر" وهي تود أن تعرف الحقيقة. فربما كان يمزح معها. ولكن مستحيل أن قناع الرعب هذا المرسوم على تلك القسمات اللطيفة التي تعرفها أن يكون مصطنعاً.
وكادت تنطق لولا دخول "خالد" في تلك اللحظة بوجه مكفهر أيضاً. بينما خطى "خالد" تجاههما قائلاً في توتر:
- عرفتوا اللي حصل ولا لسا؟
باغته "عمر" مسرعاً:
- أنا لسا عارف حالا. أنت عرفت ازاي؟
- كلموني من المطار. لسا مابلغوش الصحافة والإعلام.
أجابه متوجساً. فيما أتت "ياسمين" في تلك اللحظة. وأقبلت نحوهم. فعبست مستغربة. ثم تساءلت:
- في إيه يا جماعة؟ مالكوا؟
أجابها "عمر" بإيجاز. فشُهقت "ياسمين" في وجل. بينما نطقت "داليا" أخيراً. فقالت بصوت محشرج:
- مش ممكن اللي بيحصل ده. مستحيل تكون إشاعة أو بلاغ كاذب.
هز "خالد" رأسه مضطرباً. ثم أجابها بثبات:
- لأ يا داليا ده مش بلاغ كاذب ولا حاجة. أول ما الطيارة طلعت من ميلانو في ناس بلغوا عن قنبلة مربوطة في عجل الطيارة.
- يعني إيه؟
سأله "عمر" بوجه شاحب. فأجاب "خالد":
- يعني الطيارة لو حطت على أرض المطار أو في أي حتة تانية هتنفجر.
ساد صمت مطبق بين الجميع. قطعه صوت "خالد" الذي أضاف:
- عشان كده الكابتن غير مسار الطيارة وهي داخلة على القاهرة.
- قصدك إنهم هيفضلوا في الجو لحد ما يلاقوا القنبلة؟
سألته "ياسمين" فأجاب:
- أيوه. لازم يفضلوا في الجو لحد ما يلاقوا القنبلة ويبطلوا مفعولها. بس يا ريت الوقت يسعفهم وإلا البنزين ممكن يخلص منهم.
وقع كلامه على "داليا" مميتاً. فارتخت ساقاها. بينما أسرعت "ياسمين" إليها وأحاطتها بذراعها وحاولت تهدئتها. فيما قال "عمر":
- طب إحنا هنفضل واقفين هنا يعني ولا إيه؟ مش المفروض نروح المطار؟
أومأ "خالد" رأسه قائلاً:
- آه طبعاً. أنا كنت جاي آخدكوا وأنا رايح. يلا بينا.
وبمجرد وصول عائلة الـ"نصار" إلى المطار. أحسوا بجو التوتر والمأساة. إذ أقيمت نقاط تفتيش في طرق الوصول. حيث أخذت الشرطة ترد الفضوليين والباحثين عن الإثارة لغرض سبق صحفي.
فقدم "خالد" بطاقته الشخصية. فسمحوا له ولبقية أفراد العائلة بالمرور.
وفي ردهة انتظار المسافرين. أقيمت شاشات لإذاعة الأنباء. وبدأت التقارير تظهر على الشاشات وكل منها يضيف معلومة.
بينما كان الخبر يذاع بواسطة إحدى المذيعات التي ظهرت على شاشات العرض قائلة بصوت عميق متزن:
"أيها السيدات والسادة. جاءنا الآن خبر هام وعاجل. لقد ورد تقرير توا لشركة مصر للطيران عن وجود قنبلة تهدد طائرة نفاثة تطير حالياً حول مدينة القاهرة بلا هدف محدد لحين العثور على المتفجرات المدسوسة بجهاز الهبوط الخاص بالطائرة. إذ تلقت الشرطة المصرية خلال الساعة الماضية رسالة جاء فيها أن قنبلة وضعت في الطائرة وإذا تم الهبوط بأي مدرج أرضي ستنفجر في الحال. الطائرة عائدة من مدينة (ميلانو) الإيطالية في رحلة عادية. وتحمل 140 راكب وطاقمها المكون من 11 فرد. ولم تذع أي تفاصيل أخرى. لكن السلطات المصرية لا تعتبر الأمر خدعة".
أحست "داليا" برجفة وهي تسمع الأخبار. بينما راح الضجيج يملأ الغرفة المليئة بالأغراب الذين قربتهم معاً الرابطة المشتركة من الخوف والتوتر. ومر الوقت بطيئاً. واقترب منتصف الليل. ثم فجأة أعلنت المذيعة باسمة هذه المرة:
"أيها السيدات والسادة. جاءنا البيان التالي. لقد باتت الطائرة في مأمن الآن. وستهبط إلى مدرج مطار القاهرة الدولي خلال عدة دقائق. والآن وأخيراً. يمكن أن نطمئن الجميع على المائة وأربعون راكب على متن الطائرة التي كانت تجوب السماء منذ الساعة التاسعة والنصف مساء هذا اليوم. وأخيراً نأمل جميعاً أن تهبط الطائرة في سلام".
عند ذلك بدأ الجميع يتصايحون فرحاً. ويتعانقون. ثم تدافعوا ليشاهدوا لحظة هبوط الطائرة بقلب واجف وهم لا يزالون خائفين. بينما سارعت عربات الطوارئ تتخذ مواقعها تحسباً لأي خطر قد يقع دون سابق إنذار. فيما أرهفت "داليا" سمعها. وركزت بصرها على السماء. ثم فجأة صاح "عمر":
- آآآهيه. آهيه الطيارة نازلة.
وتنهد الجميع فرحاً. بينما بدأت الطائرة تقترب. ثم هبطت رويداً رويداً. حتى نزلت عجلاتها في يسر على الأرض. وبدأت تتقدم إلى المدرج وهي تبطئ من سيرها حتى توقفت تماماً.
فيما بدأ رجال الأمن في إخراج أقرباء المسافرين إلى قاعة الانتظار. فتذرعت "داليا" بالصبر حتى خرج أخيراً طابور المسافرين أفواجاً. فراحت تبحث بعينيها عن زوجها في جنون حتى وقع بصرها عليه. كان آخر من ظهر بالطابور. ولم يتجه نحو عائلته مباشرة. بل انضم إلى رجال الأمن ووقف يتحدث إليهم لدقائق. ثم أخيراً توجه نحو عائلته. وكانت البسمة الذابلة تعلو وجهه. فقد بدا مجهداً إلى أقصى حد. فيما اندفع "عمر" مسرعاً نحوه وعانقه بقوة متمتماً في حرارة:
- حمدلله على سلامتك يا عز. الحمدلله إنك رجعتلنا بالسلامة.
ابتسم "عز الدين" من قلبه. وربت على ظهر شقيقه بلطف. ثم توجه إلى "خالد" الذي باغته بعناق قوي أيضاً. ثم أخيراً توجه إلى "داليا" التي فاضت الدموع من عينيها غزيرة وهي تحدق به ملياً غير مصدقة أنه عاد سالماً. بينما منحها ابتسامة بسيطة. ومد يده جاذباً إياها إلى صدره. ثم عانقها بقوة هامساً بأذنها:
- خلاص يا داليا. كفاية عياط. أنا رجعت يعني ما مت.
توقفت "داليا" عن البكاء بصعوبة. ثم ابتعدت عنه قائلة بصوت مختلج:
- حمدلله على سلامتك يا عز.
- حمدلله على السلامة.
قالتها "ياسمين" باسمة. فمنحها "عز الدين" البسمة عينها. بينما صاح "خالد":
- طب يلا يا جماعة نلحق نمشي من هنا بسرعة قبل بتوع الصحافة يتلموا علينا.
وأسرعوا إلى خارج المطار في الحال قبل تجمهر الصحفيون حولهم. ولكن حين وصلوا إلى القصر كان هناك قدر لا يستهان به من أفراد الصحافة ووسائل الإعلام. فترجل "خالد" من السيارة متأففاً وتولى أمرهم. ونجح في صرفهم. ثم عاد إلى السيارة من جديد وقاد في اتجاه ساحة المنزل. وعندما ترجل "عز الدين" من السيارة. أشرق وجهه بابتسامة عريضة حين رأى جميع أفراد الخدم والحرس يقفون في انتظاره أعلى الدرج المؤدي إلى باب المنزل وبسمة الفرحة تعلو وجوههم. فشكرهم "عز الدين" على محبتهم بلطف بالغ. بينما أتت "عبير" في تلك اللحظة من الداخل مهرولة. ثم ألقت بنفسها بين ذراعي شقيقها منتحبة.
فربت "عز الدين" على شعرها بحنان قائلاً:
- بس يا عبير. خلاص بقي مانا كويس قدامك أهو. كفاية بقي أنا مش قادر أقف على رجلي.
ربتت "عبير" على صدر أخيها. ثم ابتعدت عنه متمتمة والدموع تنهمر على وجنتيها:
- يا حبيبي حمدلله على سلامتك. ده أنا كنت هجنن عليك. ما كنتش مصدقة. حمدلله على سلامتك يا عز.
مسح "عز الدين" على شعرها بحنان. ثم أخذ طريقه إلى الداخل. ثم إلى غرفة الجلوس. وألقى بثقله متعباً فوق أقرب مقعد وثير. فأغمض عينيه مرهقاً. بينما أخذ الجميع أماكنهم من حوله. والتزموا الصمت تماماً حتى استعاد هو بعضاً من قوته. فيما أتت "فاطمة" في تلك اللحظة حاملة بين يديها كأساً معبأ بالعصير الطازج وقدمته إلى "عز الدين" الذي تناوله من يدها باسماً. ثم شربه كله دفعة واحدة وأعاد لها الكأس فارغاً. فسألته إذا كان يريد شيئاً آخر. فشكرها نافياً. فاستأذنت هي وانسحبت في هدوء.
- إيه اللي حصل بالظبط بقي احكيلنا؟
قال "خالد" هذه الجملة متسائلاً. فنظر "عز الدين" إليه. ثم تنهد وأجاب:
- بعد ما الطيارة طلعت من ميلانو. وصلت مكالمة طوارئ للكابتن من مطار القاهرة. مضمونها كان إن في قنبلة مدسوسة جوه شنطة من شنط حد من الركاب. فأمر الكابتن مجموعة من طاقم الأمن بتفتيش كل الشنط كويس وبسرعة بس من غير ما يحسسوا الركاب بأي حاجة. ولما مالقوش القنبلة اضطروا يفتشوا الركاب نفسهم. وكان اللي يسأل يجوبوه دي مجرد إجراءات أمنية. لحد ما وصلت المكالمة التانية للكابتن من مطار القاهرة بردو. وبلغوه المرة دي إن القنبلة مربوطة في عجل الطيارة وده معناه إن الطيارة أكيد هتنفجر في لحظة الهبوط. وساعتها الكابتن اضطر يبلغ الركاب بكل الحقيقة.
ثم صمت للحظات وتابع:
- الناس كلها ماتت فعلاً. بس من الرعب. ومن رعب الانتظار أكتر. هي كانت تجربة صعبة جداً. بس بردو كانت مفيدة. كل واحد في الطيارة اتعلم حاجة من التجربة دي. إحنا رجعنا من الموت و..
- طب والقنبلة! محدش قال عنها أي أخبار قبل ما ترجعوا؟
هتف "عمر" متسائلاً. فأجابه "عز الدين":
- البلاغ كان كاذب. ما كانش في قنبلة ولا حاجة.
نظر الجميع إليه مشدوهين. بينما تابع "عز الدين":
- كانوا عايزين يوصلوا رسالة لحد معين معانا على الطيارة.
- هما مين دول؟ ومين اللي كانوا يقصدوه؟
قالها "خالد" متسائلاً باهتمام. فأجابه "عز الدين":
- جماعة إرهابية. بتدعمها دولة أوروبية. مكلفة باغتيال نزيه التوني. ده اللي اتعرف النهارده بس.
- نزيه التوني!!
ردد "خالد" مقطباً. ثم صاح:
- بتاع الحديد والصلب؟
أومأ "عز الدين" رأسه قائلاً:
- هو.
- طب هما الناس دول عايزين يقتلوه ليه؟ ولو عايزين يقتلوه ياخدوا في سكتهم ناس أبرياء مالهمش ذنب!!
- المعروف عن الجماعات دول القوة. والقوة بتشمل الحرب. والحرب كل حاجة فيها مشروعة.
- حرب مع مين؟
- مع البلد طبعاً. نزيه التوني ده درع قوي جداً للبلد. خادم الاقتصاد بصورة عالية. مش بس عشان مجموعة شركات الحديد والصلب اللي جوه مصر. لأ. عشان كمان مجموعة شركات التجارة والصناعة العالمية اللي برا مصر.
- لا حول ولا قوة إلا بالله! طب ما هما كده ممكن يحاولوا يغتالوه تاني.
- الداخلية عينتله طقم حراسة أول ما طلع من المطار. وربنا يستر.
لفظ عز الدين كلماته الأخيرة في تكاسل، بينما تنهد خالد في أسف.
ثم قال:
- طيب يا عز.. أنا هاخد عبير وهمشي دلوقتي عشان نسيبك تستريح، وإن شاء الله هنيجي الصبح نطمن عليك.
جادله عز الدين بنبرة صارمة لا تقبل النقاش:
- لأ، انتوا هتقعدوا هنا معانا كام يوم.
- مش عايزين نزعجك، بس إحنا ممكن نيجي كل يوم نطمن عليك ونمشي تاني.
- تزعجوني! لأ، مش هاتزعجوني، بس كتر الجدال ده هو اللي هايزعجني.
قهقه خالد بخفة، ثم قبل عرضه وقرر الإقامة هو وزوجته بالقصر لعدة أيام.
***
- والله يا ست ياسمين حاسة إن انهاردة عيد. مش عارفة أعمل إيه ولا إيه. الدنيا مش سيعاني برجوع عز الدين بيه بالسلامة. ربنا يخلي حسه في الدنيا يا رب.
قالت فاطمة ذلك مخاطبة ياسمين، فيما ابتسمت ياسمين وراحت تساعدها في طهي الطعام. ثم سألتها بلطف:
- بقالك قد إيه شغالة هنا يا فاطمة؟
فأجابتها الفتاة بعد تنهيدة طويلة:
- يوووه! ده أنا تقريباً وعيت على الدنيا وأنا هنا. أمي وأبويا كانوا شغالين هنا أيام البيه الكبير ما كان عايش. ولما ماتوا عز الدين بيه مارضيش يخلي عمي ياخدني أعيش معاه. أقنعه بالفوس للأسف إنه يسبني هنا في القصر ووافق. وكنت بقي من سن الست عبير. والحق يتقال يعني، عمري ما حسيت إني خدامة أبداً في البيت ده. أهل البيت كلهم بيعاملوني كويس، إلا بس لما يكون مزاجهم مش رايق. طبيعي البني آدم بيتعصب يعني.
- ما كفاية ذكريات يا بطوط بقي.
قالها عمر في مرحه المعتاد عندما دلف إلى المطبخ خلسة. ثم تابع بتذمر مصطنع:
- العشا جهز ولا لسا؟ أنا واقع من الجوع.
ابتسمت فاطمة بهدوء، وأجابته:
- خلاص يا عمر بيه، دقايق بالظبط.
- طب يلا انجزي.
ثم حول نظره إلى ياسمين وقال:
- تعالي يا ياسمين عايزك في كلمتين.
- عايز إيه يا عمر؟
- تعالي هقولك.
قال ذلك، ثم قبض على رسغها وجذبها خلفه حتى وصلا إلى شرفة المنزل الرئيسية. فسألته:
- ها؟ كنت عايز تقولي إيه؟
تنهد في غبطة، ثم أجابها باسماً، وقد لمعت عيناه حباً:
- وحشتيني.
- يا راجل! بذمتك ده وقته؟
- بالظبط يا روحي، هو ده وقته بالظبط. قبل ما تحصل كوارث تاني وماعرفش أقولك كل اللي في نفسي. انتي مش شايفة إن علاقتنا منظورة؟ نحس نحس يعني مش عارف ليه؟
ضربته ياسمين على صدره معاتبة، فإصطنع الألم قائلاً:
- آااه بالراحة هتموتيني يا حبيبتي.. أنا بقول يعني نتجوز بسرعة بقي قبل ما النحس يمسك فينا أكتر.
- مافيش جواز يا حبيبي قبل ما أخلص دراستي، وانت كمان لازم تخلص دراستك.
تأفف عمر بضيق، ثم قال متململاً، ثم قال مداعباً:
- خلاص، نستني، عشان خاطر عيونك يا جميل.
قضمت ياسمين شفتها، ثم قالت ضاحكة:
- عمر.. ماتسبلليش.
فشاركها عمر الضحك في حب.
***
تنفست عبير بعمق مسرورة لوجودها بين جميع من تحب، أخويها، وزوجها، وبالقصر العائلي أيضاً. ذاك جو حميمي بعث الغبطة والدفء إلى قلبها.
فأغلقت زجاج الشرفة بغرفتها. ثم استدارت في تلك اللحظة التي دلف فيها خالد إلى الغرفة. فرمقته بابتسامة عذبة، بينما كان تعبير وجهه خاوياً. فعبست مستغربة، ثم سألته:
- خالد! في حاجة؟
تطلع إليها في غموض، ثم قال بهدوء:
- تعالي يا عبير.. تعالي أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.
مشت عبير إليه مقطبة، ثم وقفت أمامه مباشرة. فصمت للحظات قبل أن يقول بثبات:
- أنا بقالي يومين بفكر في موضوع.
- موضوع إيه؟
سألته باهتمام، فأجابها:
- أنا شايف إني زودتها معاكي فعلاً يا عبير زي ما قولتي قبل كده. غصبتك على حاجات وعاملتك معاملة سيئة جداً، وخلّيتك تحملي مني غصب عنك كمان.
كادت عبير تتكلم، فأسكتها بحركة من يده، ثم تابع:
- أنا قررت أحررّك مني خالص يا عبير.. أنا ما أقبلش أعيش معاكي غصب عنك بعد كده. وكمان مبقتش قادر أعاملك بقسوة من ورا قلبي. أنا اللي بتعذب مش انتي.
- يعني إيه يا خالد؟
سألته بصوت مرتجف، فأجابها:
- يعني هطلقك يا عبير.. انتي طلبتي الطلاق قبل كده، وأنا هنفذلك طلبك. بس اوعديني إنك تحافظي على ابني اللي في بطنك لحد ما يتولد. ماتأذيهوش، وأنا أوعدك إني هاخده ومش هاخليكي تشوفيه أبداً لو كنتي متضايقة منه للدرجة دي يعني.
تلألأت الدموع بمآقيها، فهزت رأسها قائلة:
- لأ يا خالد آاا..
- انتي ما حبيتينيش يا عبير.
قاطعها مسرعاً، ثم تابع بمرارة:
- انتي عمرك ما حبيتينى. أنا كنت حاسس بكده من زمان، بس كنت بكذب نفسي. الفراق أحسن ليا وليكي صدقيني.
فكرت بلوعة. الفراق أفضل؟ في حين أن كل دقيقة فراق بينهما ستكون عذاباً كاوياً. فيما أجبرت نفسها على الاحتفاظ بهدوئها، وبدأت تكافح من أجل سعادتها وسلامة عقلها. فقالت بثبات:
- أنا مش عايزة أتطلق يا خالد. لو كنت زعلان عشان موضوع المعيد بتاعي اللي جالك، فأنا هقولك الحقيقة.
ثم راحت تفضي إليه بالحقيقة كاملة. بينما ضيق عينيه وهو يحدق فيها. ثم قال بإيجاز وكأنه لا يرغب في إسقاط اللوم عن نفسه:
- عموماً، حتى لو كان الموضوع كده مش ممكن يغير الحقيقة. انتي مابتحبينيش، وأنا ما أقدرش أجبرك تعيشي معايا غصب عنك تاني. أنا لأول مرة استعملت معاكي أسلوب مش أسلوبي يا عبير.
ثم تنهد بثقل، وقال بصرامة:
- هطلقك يا عبير.. هطلقك.. انتي طا...
وقبل أن يكمل عبارته، وضعت كفها على فمه صارخة:
- خالد!!
ثم غصت بريقها وترددت في الكلام. فأجابها بصوت مرهق جعل خفقات قلبها تتعثر:
- خلاص يا عبير.. انتي مش مضطرة تضغطي على نفسك وتستحمليني بعد كده.. خلاص هطلقك.
أحست بعقدة كبت متينة تنفجر في صدرها. فضربت بكرامتها عرض الحائط وركعت على ركبتيها تحت قدميه. ثم طفقت تردد كالمحمومة وهي تحدق في عينيه المذهولتين تناشدهما الرحمة أو الاستجابة:
- أنا بحبك.. سامحني. مش عايزة أتطلق. والله بحبك. والله بحبك. والله بحبك.
بدا أنها لن تكف عن تكرار الكلمات كما لو أنها أسطوانة عالقة. فأطلق خالد لعنة مبحوحة. ثم ركع على ركبتيه أمامها بدوره، وأخذها بين أحضانه في لهفة حنونة. وأسكتها بعناق طويل. فشعرت ببهجة وهو يفتح لها عواطفه الكامنة. بينما شد ذراعيه حولها وهو يهمس بأذنها:
- ششش بس. كفاية يا عبير. كفاية. أنا كمان بحبك أوي والله.
- يعني مش هاتسيبني؟
سألته باكية، فأبتسم وأجابها:
- لأ.. مش هاسيبك يا عبير.
فضحكت بخفة وغرقت بأحضانه أكثر فأكثر.
***
كان الظلام قد أوغل في انتشاره بعد منتصف الليل في الخارج.
عندما دلفت داليا إلى الغرفة ووجدت زوجها يمضي بعض الوقت مع ابنه. فابتسمت ببساطة وهي تراقبهم. ثم فكرت بالأمر الذي حسمته مع نفسها. وهو أن عليها مغادرة هذا القصر. ستعود إلى منزلها القديم وتترك كل شيء هنا. فهي أدركت بذعر منذ قليل أن قصتها مشابهة لقصة السيدة كاميليا فهمي مع بعض الاختلاف البسيط.
فالسيدة كاميليا كانت قوية الشخصية بعكس داليا التي أحبت فمحت شخصيتها من أجل الحفاظ على حبها. ولكن لا تنازل بعد الآن. سينتهي كل شيء في بضع دقائق. إنه أصبح جافاً معها وغير مبالٍ بها منذ أمد طويل.
لن يعارضها إذا قالت له "هيا لنفترق". بل سيرحب. وهذا أمر آلمها بشدة. أصابها في الصميم. الآن الوقت أضيق من أن يتيح المجال لأي تفسير. ومهما كان الثمن. يجب أن تتصرف بمنتهى الاختصار. لأن وضعها العاطفي الحالي الشديد الانفعال. قد يجعلها تقول أشياء تندم عليها فيما بعد.
- انتي كنتي فين؟
أفاقت من شرودها على صوته. فنظرت إليه لتجده يقف أمامها مباشرة. فراحت تحدق فيه بقوة دون كلام.
- داليا!!
هتافه المختصر أجفلها ثم جمدها. حين احتوى ببصره وجهها الشاحب. ثم عبس مستغرباً من الحالة التي بدت عليها. فمد يديه وقبض على كتفيها مما جعل كل قراراتها الجديدة تتهاوى. ولم تشعر بنفسها إلا ودموعها تنسكب على خديها.
- داليا! مالك؟
عند ذلك. أطلقت العنان لدموعها. وراحت تنتحب بمرارة. فجذبها إلى صدره وأخذ يمسد شعرها بيده قائلاً بهدوء:
- انتي لسا بتعيطي؟ معقول! ما أنا رجعت أهو وبقيت كويس. كفاية عياط بقي.
بللت قماش قميصه بدموعها. ثم همست بانكسار:
- طلقني!!
وفي الحال. تقلصت عضلات جسده. وتوقفت يده عن تمسيد شعرها. ثم
أبعدها قليلاً. حيث أدرك أن كلمتها لم تكن لها علاقة بهمساته التحببية. فسألها باقتضاب:
- قلتي إيه؟
عادت تقول بصوت مخنوق:
- قلت طلقني.
ثم تابعت بمرارة:
- عايزة أسيبك من غير مشاكل. عشان على الأقل ماتحرمنيش من ابني زي ما أبوك عمل مع أمك وحرمها منك انت وإخواتك. وعشان ماتقولوش كلام وحش عني برضه.
- إيه اللي انتي بتقوليه ده!!
هتف عابساً. فقضمت شفتها بقوة وأجابته:
- اللي انت ماتعرفوش. إن أمك ماخانتش أبوك ولا حاجة. هي بس اختارت تبقى حرة مش مسجونة. حتى لو كان سجنها ده حيطانه من دهب وواسعة. بس الفرق بيني وبين أمك إني حبيتك. عشان كده ماهتمتش بأي حاجة تانية غير بيك. فضلتك على كل حاجة وقررت أعيش جنبك طول العمر. بس للأسف انت ما حبيتينيش قد ما أنا حبيتك.
ثم تابعت باكية:
-ارجوك ماتبقاش تشوه صورتي في عيون ابني. وابقي اسمحلي أشوفه من وقت للتاني. أنا هاسيبك عشانه. فخد بالك منه كويس وماتقولوش عليا حاجة وحشة.
- بس يا داليا.
هدأها بلطف. ثم تابع:
- اهدي..
لن تخرجي من البيت هذا أبداً، أنا لن أطلقك. عدنان ما يقدر يستغني عنك، ولا أبو عدنان كمان يقدر يستغني عنك.
نظرت إليه في تشكك، فابتسم في هدوء وأضاف:
- النهاردة لما كنت على الطيارة وسمعت بخبر القنبلة، ما فكرتش في أي حاجة غير فيكي إنتي وعدنان. قعدت أسأل نفسي، أنا لو مت إنتوا هتعملوا إيه من بعدي؟ إنتي هتربي الواد إزاي؟ وهتكملي إزاي؟ لو ماكنتوش إنتوا الاتنين في حياتي ماكانش هيفرق معايا الموت خالص، لكن وجودكوا فارق معايا في حاجات كتير أوي يا داليا.
هزت رأسها مضطربة، ثم قالت:
- بس إنت لسه بتحب جومانا.
- جومانا!
صاح ذاهلاً، ثم تابع:
- تاني؟ تاني يا داليا؟ إحنا مش سبق واتكلمنا في الموضوع ده وقفلناه؟
- بس الناس لسه بتقول آآ..
- الناس!
هتف مقاطعاً، وأضاف:
- مش أي حاجة الناس بتقولها بتبقى حقيقة موثقة يا داليا.
- يعني إنت ما بتحبهاش؟ ولا عمرك خونتني بعد الجواز؟
- عمري ما حبيتها، وعمري ما فكرت أخونك بعد الجواز، ببساطة لأني بحبك. لو ماكنتش حبيتك ماكنتش اتجوزتك أصلاً.
- ممكن تكون اتجوزتني عشان تنول رغباتك مني؟ متنساش إنك عرضت عليا علاقة غير شرعية أيام ما كنت بشتغل عندك.
قهقه عالياً، ثم أجابها:
- تفتكري ده سبب ممكن يخليني أتعلق بواحدة لدرجة إني اتجوزها؟ أنا كنت ممكن بإشارة لو عايز أجيب دستة بنات أحلى منك كمان تحت رجليا ومن غير جواز، بس أنا اخترتك إنتِ، وحبيتك إنتِ.
- طب ليه عاملتني بجفا وقسوة طول الفترة اللي فاتت دي؟
- عشان عارضتيني وكسرتي كلامي.
ثم مرر أصابعه في شعرها وأزاحه في رفق عن جبينها الناعم قائلاً بصوت مرتجٍ عميق:
- وكمان أنا قلتلك قبل كده إن الحياة صعبة معايا.
فلمعت عينيها حباً، وأجابته:
- وأنا برضه قلتلك إنها مستحيلة من غيرك.
ثم ألقت رأسها على كتفه متنعمة بدفء حبه، فصاح "عدنان" مزقزقاً بفرح في تلك اللحظة وهو يقف مستنداً إلى أسوار فراشه الخشبية، بينما قالت "داليا" في شيء من الحزن:
- ما عملناش عيد ميلاد لعدنان برضه.
فأحاطها "عز الدين" بذراعيه في حنان قائلاً:
- بكرة هنعمله.
فأغمضت عينيها في سرور عارم، متأملة في غد أفضل مما مضى.