بصل مراد باستغراب: "وأنت مين؟ الظابط بخبث: "وأنت فاكر أنت بس الجاسوس اللي هنا؟ فيه من مراد الجارحي كتير يا مراد." مراد رجع بضهره على الكرسي وقال: "هخرج من هنا إزاي؟ الظابط قعد قدامه وقال: "بعد يومين هتترحل على معتقل. هيتم الهجوم عليهم وناخدك." مراد: "وأفرض فشلتوا؟ الظابط بثقة: "تبقى لسه معرفتناش." سابه وخرج، ومراد مبتسم بهدوء. رجع راسه لورا وغمض عيونه وخد نفس وقال: "لسه دي البداية."
في الوقت ده العميد روح البيت والحزن مالي قلبه وكيانه كله. وبمجرد ما دخل نور جريت عليه وقالت بخوف: "إيه يا بابا مبتردش على تليفونك ليه؟ ومصطفى فين؟ أنا بقالي يومين مش عارفة عنه حاجة خالص. طب حتى لو في مهمة كنت قولي عشان أبقى عارفة هو فين." العميد بص لها بحزن وسكت. ومراته جت وقفت جنبه وهي بتقوله: "مالك يا عز الدين؟ فيه إيه يا حبيبي؟ العميد دموعه نزلت من عيونه وفضل ساكت. نور قربت منه وقالت برعب: "مالك يا بابا؟ فيه إيه؟
أنا أول مرة أشوفك بتعيط. بابا هو مصطفى حصله حاجة؟ العميد مسك إيديها وقال بدموع: "نور يا حبيبتي، أنتي أقوى بنت أنا شفتها في حياتي. وأنتي عارفة إن الموت علينا حق وإنتي مؤمنة بالله و... قاطعه صرخة نور وهي بتقول بعياط وجنون: "لأ يا بابا لأ متكملش. لأ عشان خاطري متكملهاش. والله مش هقدر أسمعها لأ." والدة نور عيطت جامد وحضنتها وهي فهمت قصد العميد وقالت بعياط: "بس يا حبيبتي، أدعيله بالرحمة يا نور. دا شهيد."
نور عيطت عياط هستيري وكانت عمالة تصرخ بخوف وصدمة. حضنها العميد وهو بيعيط وبيقول: "عشان خاطري يا نور متقطعيش قلبي أكتر من كده ومتخلينيش أشوفك كده." نور بعياط شديد: "مش قادرة يا بابا. لأ يا بابا قولي إنك بتضحك عليا عشان خاطري يا بابا هاتلي مصطفى. (كملت بصريخ وعياط وقالت) يعني إيه مات؟ لأااااااء. لأ مش هقدر أعيش من غيره. بابا رجعلي مصطفى يا بابا أرجوك."
العميد كان واخدها في حضنه وفضل يطبطب عليها هو وأمها. وطبعًا موقف زي ده محدش يعرف فيه يعني إيه تماسك إلا من رحم ربي.
على ما طلع الصبح كانت إجراءات الدفن طلعت وكلهم اتجمعوا عشان يدفنوا الأشلاء في قبر مصطفى. في الوقت ده نور كانت عرفت إن كيان أخت مصطفى. وقت الجنازة الكل كان واقف وعلامات الصدمة والحزن محتلة كيانهم كلهم. مع كل رمية تراب كانت دموعهم بتنهار بقهرة وحزن. نور كانت حاسة إنها تايهة ومش مجمعة أي حاجة حواليها. كيان مكنتش قادرة تتماسك وعبد الرحمن طول الوقت كان ماسكها وواقف جنبها. وأهل مصطفى اللي ربوه مكنوش قادرين يصدقوا إنهم خلاص فقدوا ابنهم الوحيد.
في الوقت ده كان فيه شخص واقف بعيد عنهم ولابس نضارة سودة وكاب أسود وملامحه مش واضحة. ودموعه نزلت بوجع. لف وأدى ضهره للجنازة وبعد عنهم كلهم. وقرب من العربية اللي جه فيها وقلع الكاب والنضارة وسند على العربية بإيديه الاتنين ودموعه بتنهار على خدوده. قربت منه بنت اسمها سيلين وقالت بتفهم حالته: "عارفة إن الوضع صعب أوي يا مصطفى، بس دا كان لازم يحصل." مصطفى كان مغمض عيونه
بحزن ودموعه على خده وقال: "مش قادر أشوف منظر أهلي وهم في الحالة دي يا سيلين. أختي وضياعها واحنا معداش سنة على معرفتنا كوننا أخوات، وخطيبتي اللي قلبها اتكسر وبالنسبة لها هي فقدت حبيب عمرها كله، ولا أبويا وأمي، ولا نظرة الحزن اللي في عيون صحابي. مش قادر أستحمل ده كله. (فتح عيونه وقال بحزن) أنا واحد بالنسبة للناس كلها ميت. يعني حياتي انتهت. أنا عايش جسد بلا روح. لازمتها إيه أعيش حياتي وأنا ميت في الواقع."
سيلين اتنهدت وقالت: "يا مصطفى دا أمر من المخابرات. أنت مش هتقعد عاطل. أنت هتخدم بلدك وهتفضل في وظيفتك زي ما أنت لكن معانا في المخابرات السرية. كان لازم نقول إن أشلاء الإرهابي دي هي أشلائك أنت عشان نحميك من مراد واللي معاه واللي يبقوا برا السجن. اشكر ربنا واحمده إنك نطيت من العربية قبل ما العربية تقع وتنفجر. وإحنا لقيناك بعد ما الفريق مشي. لو مكنش ده حصل كنا زماننا بندفنك أنت دلوقتي."
مصطفى بدموع: "أختي هتعاني يا سيلين. أنا مش قادر أستوعب قهرة قلبها دلوقتي عاملة إزاي. مش قادر أشوف دموعها هي ونور. مش عارف أعمل إيه." سيلين: "مصطفى إحنا لسه في البداية. دي بداية مشوارك. لازم تقاوم ومتتعبش من أولها. لسه الطريق طويل." مصطفى اتنهد بحزن وغمض عيونه وهو بيزدرق ريقه وقال وهو بيهز راسه بالإيجاب: "أيوه صح. ومراد ده حسابه جاي جاي."
سيلين بصت في ساعتها وقالت: "أيوه. يله عشان محدش يشوفك. أنا سمعت كلامك وجبتك هنا زي ما طلبت، مع إن خروجك في وقت زي ده خطر عليك." مصطفى هز راسه بالإيجاب وقال: "يله." *** نفس اليوم بالليل في المقر. رزان كانت قاعدة في جنينة المقر وماسكة دبلتها ودموعها بتنزل من عيونها بوجع. وباصة للدبلة بشرود. قاطع شرودها جملة
آمن لما قعد جنبها وقال: "إنك تعيشي الحقيقة المؤلمة أحسن من إنك تفضلي عايشة طول عمرك في سعادة وهمية وخيانة طول الوقت." رزان قبضت بإيديها اليمين على الدبلة وابتسمت بحزن وقالت ودموعها بتنزل: "كنت بحبه أوي يا آمن. عمري في حياتي ما حبيت حد زيه. أنا حتى مصعبتش عليه. ماشفقش عليا وعلى قلبي حتى." آمن ابتسم بحزن وهو بيفتكر عبد الرحمن ومصطفى وقال: "واحد ماشفقش على أخوه وصاحبه. تفتكري هيشفق عليكي؟ رزان غمضت
عيونها بوجع وقالت بقهرة: "كنت لعبة في إيده. مجرد وسيلة وتسلاية. هو ليه عمل فيا كده؟ والله أنا كنت بحبه بجد." آمن اتنهد بهدوء وقال: "وجعك كبير أنا عارف. صدمتك وقهرتك ميتوصفوش عارف. فكرة إنك تبقي معلقة حياتك كلها على شخص معين وفجأة تكتشفي إن طول الوقت اللي أنتي قضتيه مع الشخص ده لعبة نهايتها كسرة قلبك. أنا أكتر واحد حاسس بألمك ده." رزان بدموع: "محدش هيحس بألمي يا آمن."
آمن ابتسم بحزن وقال: "لأ فيه. يمكن أنا مريت بالأصعب منه كمان. عشان كده بقولك حاسس بيكي. تعرفي؟
كنت بحب واحدة. مكنتش بحبها بس أنا كنت بعشقها. أدتها كل حاجة. حب، أمان، اهتمام، حنان. كانت لما تقول آه ولا تتوه بتفكيرها كنت أنا ببقى أول واحد ساندها. وخطبتها. وكان فاضل على فرحنا شهر. واكتشفت إنها بتخوني مع حبيبها الأولاني. واكتشفت بالصدفة كمان. كنت قاعد معاها في كافيه وراحت الحمام وتليفونها كان قدامي. جاله إشعار برسالة وعيوني جت على التليفون بالصدفة وشوفت اللي شوفته. اتجرحت، اتكسرت، حسيت إني ضايع. فضلت سنتين مش عارف أتعافى من الخيانة دي. كنت فاكر إني مش هعرف أحب تاني. أو إني مش هعرف أثق في حد تاني. لحد ما ربنا أراد إني أفوق. ونسيت اللي مكنتش متخيل إني هنساه في يوم أبدًا. ونسيتها لدرجة إني نسيت إنها كانت في حياتي قبل كده. وحبيت تاني تخيلي."
رزان دمعت أكتر وقالت: "الموضوع صعب. الخيانة واحدة يا آمن. لكن هما اختلفوا في طريقة الأذية لينا. بس كويس إنك حبيت تاني. يمكن دي تكون العوض اللي ربنا كتبهولك." آمن هز راسه بالإيجاب بابتسامة حزينة وقال: "يمكن. بس ده حب من طرف واحد. هي محبتنيش. بتحب واحد تاني. بس أذاها بردو. ونفسي أكون العوض ليها وتكون العوض ليا." رزان مسحت دموعها وقالت بحزن وعدم فهم كلامه: "جايز تحبك الله أعلم. تصبح على خير." آمن: "وأنتي من أهله." ***
في بيت عبد الرحمن.
كان العميد عرفه بخيانة وفاء مامت مراد. عبد الرحمن كانت نفسيته أصعب منهم كلهم. حرفيًا كان متدمر والدموع مش مفارقة عيونه. كان بيفتكر كل لحظة عاشها مع وفاء ومراد. قلبه كان حزين جدًا ومكسور ومكنش مصدق إنه عاش أكتر من عشرين سنة مع ناس بيتمنوا موته وبيكرهوه وخاينين ليه وللوطن. وهو مكنش عارف وكان بيحبهم حب ملوش حدود. كانوا هما أهله وكل حاجة بيملكها. كان قاعد على الكنبة في الصالة والهموم والحزن ماليه. مكنش عارف يحزن على صاحبه ولا مراد ولا وفاء. ولا قادر يصبر نفسه ولا يصبر مراته. خرجت كيان من أوضتهم وراحت الصالة وقربت منه من غير ما ياخد باله وحطت راسها على رجله. عبد الرحمن لما حس بيها غمض عيونه ودموعه نزلت وفتح عيونه تاني وحط إيده على راسها.
كيان قالت بدموع وحزن: "مش هنسيب بعض يا عبد الرحمن. هنعدي سوا من المحنة دي. وقت صعب وكل حاجة جت ورا بعض والحزن احتل أيامنا. بس هنعدي والله. ده اختبار من ربنا ولازم ننجح فيه." عبد الرحمن منع نفسه بالعافية من العياط وميل على راسها باسها ودموعه بتنهار من عيونه وسكت. مكنش قادر يرد. ***
بقيت الفريق كان قاعد في المقر ويونس مكنش راح المستشفى وفضل معاهم وكلهم كانوا قاعدين في صمت وحزن. قاطع صمتهم دخول شخص جديد أول مرة يشوفوه عنده 24 سنة واسمه تميم. حمحم ودخل وقال: "سلام عليكم." كلهم بصوا له وردوا السلام بهدوء. قرب منهم تميم وقال وهو بيحك فروة راسه بتوتر خفيف وقال: "أنا الظابط تميم أبونار. أمر انضمامي للفريق هنا كان من بدري بس للأسف السفر كان طويل ووصولي للمقر هنا جه في وقت صعب."
أسامة ابتسم بتعب وقال: "أهلاً يا تميم. نورت الفريق." تميم: "تسلم يا... أسامة: "أسامة." تميم بابتسامة: "تسلم يا أسامة. (تميم بطبعه شخصية مرحة جدًا جدًا جدًا وإيمانه قوي أوي أوي لدرجة إن لما حد غالي عليه بيموت آه بيحزن لكن الابتسامة مبتفارقش وشه وهو بيتكلم عن رحمة ربنا والجنة. وبطبعه إنه شخص بشوش) قعد وسطهم وكأنه يعرفهم من سنين وقال بثقة: أنا نفسي أفهم أنتو قاعدين زي اللي قيامتهم هتقوم كده ليه!!!
آه طبعًا أحزنوا براحتكم وعيطوا وخدوا وقتكم إحنا مش جبلات يعني بس بجد بجد يعني هو حد يطول اللي مصطفى فيه دلوقتي!!! أنتو عارفين معنى كلمة شهيد إيه!!! عارفين يعني إيه هيدخل الجنة ومش بعيد يكون في أعلى مراتبها كمان!!!
على فكرة أنتو المفروض تفرحوله. ده شخص الكل هيتكلم عن تضحيته ومش بعيد يبقى تاريخ في كتب التدريس. خسرناه عارف. وجع الفراق مؤلم أكيد عارف. فكرة إنكم مش هتشوفوه تاني لأنه مابقاش موجود في الدنيا صعبة جدًا عارف. بس مفكرتوش طيب إن استشهاده ده يبقى قوة لينا!!! يبقى دافع لينا عشان نكمل ونجيب حقه هو وكل اللي زيه!!! ابتسم يونس
بحزن وقال بهدوء لأحمد: "مش عيب علينا نبقى داخلين على سن التلاتين ويجي واحد سنه مش باين عليه إنه جاب الخمسة وعشرين حتى ويعلمنا كلمتين زي دول." أحمد ضحك ضحكة خفيفة جدًا وبهدوء وقال بحزن: "هو بس عشان شكله قوي الشخصية بزيادة وقلبه مبيضعفش بسهولة حتى في الموت. على عكسنا. الموت بيهدنا."
يونس بحزن: "يمكن عشان مبنلحقش نفوق يا أحمد. في الأول بيؤذينا وبعدها بكام شهر مصطفى وفوق كل ده خيانة مراد. كل ما بتخيل إن مصطفى مات قلبي بيتقطع وبحس إني هموت." تميم قام وقعد وسطهم وقال بمرح: "بتنموا عليا صح أنا حاسس والله. ولا أكمني يعني عشان ظابط جديد وصغير في السن فهتتسلوا عليا بقى ولا أنتو إيه نظامكم بالظبط!!! كلهم بصوا له بذهول وسكتوا. تميم حمحم وقال: "آه صحيح مين فيكم الظابط عبد الرحمن؟
ولا لحظة لحظة سيبوني أنا أخمن. أمممممممم ولا واحد فيكم عبد الرحمن." نجم بابتسامة تعب: "ومتى أكده ليه إن ولا واحد فينا عبد الرحمن؟ تميم ربع رجله وقال بمرح: "أصل أسمع عن عبد الرحمن إنه طوله 185 سم. وأنا شايف إن كلكوا أقل من 185. وكمان قالوا إن عبد الرحمن عيونه عسلي. لكن انتوا كلكوا عيونكوا سودة. وقالوا كمان إن عبد الرحمن شعره بني. أما كلكوا شعركوا أسود." أسامة بص له بإعجاب وقال: "ما شاء الله دا أنت لمّاح جدًا كمان."
تميم بغمزة: "لأ دا أنا أعجبك أوي يا نجم." كلهم ضحكوا بهدوء وكأن تميم ودخوله وسطهم كان سبب ربنا بعته عشان الحزن يبعد عنهم لحظات. *** تاني يوم عبد الرحمن قام الصبح ودخل الحمام غسل وشه وفاق وتوضى وصلى الصبح. وبعدها وقف قدام المرايا وهو بيقفل زراير قميصه وكان ثابت ونظرات عيونه مش مفهومة. هل هي قوة؟ تحدي؟ ثبات؟ حزن؟ يأس؟ كلها مشاعر متناقضة اتجمعت في نظرة واحدة بس.
قفل القميص كله ولبس الجاكت عليه وقرب من السرير طبع قبلة على خد كيان وكيان فتحت عيونها. رفعت إيديها لمست وشه وقالت بتعب: "رايح فين؟ عبد الرحمن نزل على ركبته قدام السرير وهي نايمة ومسك إيديها وقال: "أنا مينفعش أضعف وأنهار عشان هو ده اللي هما عاوزينه. هي دي الحالة اللي هما عاوزين يشوفوني بيها. وأنا مش هحقق لهم أمنيتهم دي. استحالة. كتر خيرهم عملوا فيا معروف جميل وهو إني أركن قلبي على جنب. وأتعامل بعقلي وبس."
كيان قلقت وقالت بدموع: "عبد الرحمن، متنساش ضميرك. أنت مش زيهم ولا عمرك هتبقى زيهم. عشان خاطري أنا مش مستعدة أخسرك أنت كمان. أنا لسه دافنة أخويا وقلبي معاه إمبارح. معنديش استعداد أدفن روحي كمان المرة دي." عبد الرحمن ابتسم لها من غير ما يرد عليها وباسها من راسها وخد تليفونه ومفاتيحه وخرج من الأوضة. وصل لباب الشقة فتحه وخرج ونزل من البيت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!