وفي حي سكني راقٍ، حيث ذهبت "فريدة" لزيارة والديها وتقضية اليوم برفقتهم، وها هي تجلس على تلك الأريكة ممسكة بيديها كوباً من العصير الطازج ترتشف منه، ووالدتها تجلس إلى جوارها هي ووالدها، فهتفت والدتها بتهكم: "وهو جوزك ما جاش معاكي ليه، ولا إحنا مش على هواه؟ "فريدة" بضيق من حديث والدتها:
"يا مامي بليز ما تقوليش كده، أنتِ عارفة سليم بيحبكم إزاي، وبصراحة أنا اللي ما عرضتش عليه إنه يجي، بس هو قالي إنه هيتصل يعزمكم على الفطار عشان تتعرفوا على عيلته، وقالي كمان أقولكم إننا هنستناكم في اليوم اللي أنتم تختاروه." "سهير" بتهكم: "وتاعب نفسه ليه ابن مجيدة؟ ولا مستكبر يجي يعزمنا في بيتنا؟ "فريدة" بضيق: "يا مامي، أنتِ ليه مصرة تحطي سليم في الصورة دي؟
على فكرة سليم جنتلمان وبيفهم كويس أوي في الذوق، هما بس أهله اللي شكلهم فُلجي أوي، بس هو غيرهم صدقيني." "نصار" بغضب من حديث ابنته: "احترمي نفسك يا بنت، واعرفي كويس إنك كده بتغلطي في جوزك مش في أهله، لأن هو جزء منهم، واللي يرسى عليهم يرسى عليه والعكس." "فريدة" بضيق واشمئزاز عندما تذكرت ذلك الحي والعائلة بأكملها:
"أنت ما تعرفش يا بابي هما قد إيه ناس بلدي أوي وما بيفهموش في الذوق. تخيل جدته بتقولي الحقي جيبي لك حتة عيل قبل ما تخشي في الثلاثين، هي فاكراني أرنبة ولا هي فاكرة نفسها مين عشان تتدخل في حياتنا بالشكل ده؟ "نصار" بعقلانية:
"أنتِ اللي مش قادرة تفهمي إن الناس دي ناس طيبة واللي في قلبها على لسانها، ناس عايشة على فطرتها اللي ربنا خلقهم عليها، ما يعرفوش تزويق ولا حتى إنهم ينافقوا، بتلاقيهم بيخبطوا الكلمة كده بكل عفوية وتلقائية. أنا مش عايز أقولك إن ده كان اختيارك من البداية، بس ده دلوقتي أمر واقع ولازم تقبليه وتتعايشي معاه وتحبي الناس دي لأنهم دلوقتي بقوا أهلك أنتِ كمان." "سهير" بسخرية من حديث زوجها: "أهلها.. أهلها مين يا نصار؟
أنت عايز بنتك تعيش وسط الناس البلدي دي؟ إزاي فريدة نصار بنت الباشمهندس نصار ياقوت تعيش في حي شعبي مع ناس بالوصف ده؟ "فريدة" برفض شديد: "أيووه يا بابي، أرجوك كلم سليم يرجع في قراره، واطلب منه نجيب بيت تاني بعيد عنهم. صدقني أنا مش عارفة أتأقلم ولا أعيش العيشة دي، وفي نفس الوقت بحبه ومش عايزة أخسره أو أزعله." "نصار" بحزم:
"الوقت.. مع الوقت هتتعودي وهتاخدي عليهم. يا بنتي الناس دي غلابة بجد، أنا كنت في يوم من الأيام واحد منهم قبل ما ربنا يفتحها عليا، وعارف أوي قيمة العيلة والحي اللي مش عاجبك ده." "فريدة" بغرور: "أهو لو قبلت بحوار الحي ده مش هقبل أبداً بحوار اللي اسمها صبا اللي كان هيتجوزها مكاني." "سهير" بغضب: "وهي الهانم لسه ما اتجوزتش لحد دلوقتي؟ "فريدة" بضيق وغيرة شديدة:
"لاااا، ما اتجوزتش.. الهانم كانت قاعدة مستنياه ودلوقتي عايشة عالأطلال بعد ما خيب آمالها واتجوزني." "سهير" بفضول: "وعلى كده حلوة بقى ولا عادية؟ "فريدة" بغيرة حاولت مدارتها: "عادية يعني يا ماما؟ شكلها عادي، بنت زي أي بنت تانية." "سهير" بغرور: "حتى لو حلوة أنا واثقة إن مفيش في حلاوة بنتي." "نصار" بعدم اقتناع من حديثهم هذا الذي هو بالنسبة له مجرد هراء: "أهي الثقة الزايدة دي اللي هتوديكم في داهية." "فريدة" بحزن:
"قصدك إيه يا بابي؟ هو أنا وحشة يعني ومامي بتكدب عليا؟ "نصار" بحكمة ورزانة:
"أنا ما قلتش كده يا روح قلب بابي.. أنتِ في عيني أجمل بنت في الدنيا بس ده ما يمنعش إن في برضه بنات تانية حلوة وجميلة، وكل بنت جمالها مختلف عن التانية. خليكي بس عارفة إن الأهم من جمال الشكل هو جمال القلب والجوهر يا حبيبتي. طالما البنت مش ضرتك في شيء ولا بتحتك بيكم يبقى شيليها من دماغك وشيلي الموضوع كله من دماغك أصلاً، وفكري في بيتك وجوزك يا حبيبتي عشان ده اللي فاضلك." "سهير" بتجاهل لحديث زوجها:
"والله لو فضلت تتكلم من هنا لسنين قدام برضه مفيش في حلاوة بنتي." "نصار" وهو يضرب بيديه بعضهما في تعجب مردداً بقلة حيلة: "لله الأمر من قبل ومن بعد."
وفي المساء حيث يجتمع الجد بأحفاده الرجال والشباب وأطفال الحي وذاك "العم فتوح" و"إسحاق" على مقهى "البنفسج"، حيث يجلس الجد في وقار يرتشف من كوب الشاي خاصته بسعادة، فها هو يجلس ويجمع أحباءه وجيرانه بحب شديد يلتفون من حوله، إلى أن جاء "عم هلال" وهو يقرع الطبل بإيقاعات رنانة وصوته العذب يدندن ببهجة وسعادة تنبعث في نفوس جميع أهل الحي:
"اصحى يا ناااايم.. اصحى يا ناااايم وحد الدايم.. اصحى يا نايم وحد الرزاق.. اصحى يا نااايم وحد مولاك اللي خلقك ما ينساك.. اصحى يا نااايم.. رمضااااان كريم." ومن ثم اقترب من "عمران" الجد وهتف بدعابة ومرح وهو يقرع على طبلته بسعادة: "اصحى يااا عمراااان اصحى." "عمران" بسعادة وحب أخوي حقيقي: "والله وبعودة الأيام يا راجل يا عجوز.. والله يا هلال رمضان ما بيبقى له طعم من غيرك.. ربنا يديك الصحة والعمر يارب." "هلال" بحب:
"تعيش يا عمران يا أخويااا تعيش يا حاج." ومن ثم تابع وهو يدندن ويقرع على طبلته من جديد: "اصحى يا نااااايم.. رمضاااااان كريم." "إسحاق" بسعادة: "والمسيح عندك حق يا حاج، أنا فعلاً مش بحس برمضان غير لما أسمع عم هلال وهو بيضرب على طبلته عشان يسحّر الحي كله." "فتوح" بتأكيد على حديث "إسحاق": "فعلاً يا حاج، ضربة الطبلة بتاعته ما تحسهاش في أي حتة تانية، ربنا يديله الصحة يارب."
فتابع الجد وهو يتكئ على عصاه بحب وهو يوجه حديثه إلى الصغار وجميع من يستمعون إليه ويجلسون إلى جواره: "أنتم عارفين إيه حكاية المسحراتي وليه بقى في مسحراتي من الأساس؟ "كريم" بهدوء: "ده فلكلور شعبي يا حاج بقاله آلاف سنين." "عامر" بتفكير: "والله ما أنا عارف يا حاج بس هكذا وجدنا عليه آباءنا.. إحنا طلعنا لقينا عم هلال بيفوت يضرب على طبلته ويصحّي النايمين ومحدش فينا فكر في أصل الموضوع قبل كده." "عمران" بحكمته ورزانته وهو
يرتشف من كوب الشاي خاصته: "كان أيام النبي {ص}.." فقاطعه الجميع مرددين بتصديق: "عليه أفضل الصلاة والسلام! ومن ثم تابع الجد حديثه بصدر رحب:
-كان النبي معين بلال ابن رباح، مؤذن للدولة الإسلامية، وكان في رمضان كل سنة بيصحّي الناس للسحور هو وابن أم مكتوم، ما أهو أصل زمان ما كانش فيه تليفونات ولا منبهات عشان تصحيهم يا ولاد. فكانوا كلهم بيصحوا على صوت الديك لما يأذن للفجر، وبعدين جاء بلال ابن رباح، ومن حلاوة صوته كان هو مؤذن الرسول. وبعد كده بقت مهنة المسحراتي مهنة أساسية في العصور الإسلامية الأولى. فكانوا الناس بيناموا بدري بدري، ويفوت عليهم الجنود قبل الفجر بشوية يصحوهم عشان يتسحروا ويستعدوا لصلاة الفجر. وبمرور الأيام جاءت الدولة العباسية وكان عتبة ابن إسحاق أول مسحراتي في عهد الدولة الجديدة، وكان بيطلع يمشي على رجله في شوارع مصر القديمة
وينادي للسحور وكان بيقول: -يا عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة. وبعد كده بقا بدءوا المصريين يحطوا لمستهم. وكان في فترة من الفترات في مصر "إمام الجامع" هو اللي بينادي للسحور وهو بيرتل في مكبر الصوت بآية من سورة البقرة: -يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون.
وكان في المغرب في الوقت ده بيسموا المسحراتي بـ "النفار"، وفي دمشق بيسموه بـ "أبو طبلة". وكانوا بيندهوا له بأبو طبلة لأنهم كانوا عايشين في حارة زي حارتنا كده، وكان ليها باب كبير بيتقفل عليهم في آخر كل ليل. وكان بيمر أبو طبلة كل يوم بعد ما الباب بيتقفل عشان يطفي لمض الجاز المنورة في الشوارع ويشوف فيها حد غريب ولا لأ، وبمجرد ما يعود عليهم شهر الخير بيمسك في إيده طبلة ويمر على أهل الحي وينده على كل واحد باسمه عشان يصحيه
للسحور. وكل بيت كان بيشارك سحوره مع المسحراتي، حتى لو كانت بلقمة متعاصة زيت، المهم إنهم بيشاركوا سحورهم معاه. وفي أيام العيد بقا كان يمر على البيوت وياخد الكحك والعيدية اللي فيها النصيب. ومن هنا بقا المسحراتي فلكلور شعبي زي ما عمكم كريم قال من شوية، وبقا عادة ثابتة من عادات رمضان ما تلقوهاش بس غير في الأحياء الشعبية زي بتاعتنا دي، اللي لسه فيها بركة وفيها ناس تعرف قيمة الخير.
قال توفيق بفخر من حديث عمه: -والله يا حاج أنا فعلاً استفدت من كلامك ده. تخيل إني شحط أهو قربت على الستين سنة وما كنتش أعرف المعلومات دي كلها. قال عمران بوقار وحكمة: -ده تاريخ يا ابني، عايز اللي قاري وعنده حب المعرفة. قال عامر بتصديق على حديث والده: -عندك حق يا حاج فعلاً، ربنا يديك الصحة يا رب. قال عمران بسعادة بالغة:
-طيب يا رجالة كلكم متجمعين عندي يوم الجمعة بمشيئة الله عشان سبوع الواد ابن حمزة، وهنفطر كلنا سوا على مائدة الرحمن، والنسوان فوق مع بعض، عقبال عندكم جميعًا. فتهاتف الجميع بحب مباركين له ولـ حمزة بسعادة شديدة متفقين على الاجتماع بعد يومين لتناول الفطور معًا على مائدة الرحمن حيث ستعقد عقيقة المولود الجديد. وبعد مرور ساعة، حيث الطابق الثاني بداخل شقة كريم ودنانير، وتحديدًا بداخل غرفة نومهم، حيث تقترب دنانير من زوجها
مرددة بتردد شديد وارتباك: -كريم. كنت عايزة أقول لك على حاجة يا أخويا بس وحياة النبي ما تتعصب. قال كريم بقلق من نبرتها: -في إيه يا ولية قلقتيني؟ قالت دنانير بخوف وربكة: -كل خير يا أخويا اسم الله. قال كريم بقلق واضح على معالم وجهه: -انطقي يا ولية سبتي مفاصلي! ومن ثم هتفت دنانير بلجلجة: -أصل يا أخويا. أصل. فضغطت على شفاها السفلى ومن ثم تابعت بعد أن سحبت نفسًا عميقًا: -هي البلحة بيكون جواها إيه؟ قال كريم بنفاذ صبر:
-بيكون جواها نوى. قالت دنانير وهي تفرك بيديها في قلق: -طب والبطيخة بيبقا جواها إيه؟ قال كريم محاولًا ألا يفقد أعصابه: -لُب. بيكون جواها لُب. قالت دنانير بقلق أكبر: -طب يا أخويا اسم الله عليك السفندياية بيكون جواها إيه؟ قال كريم وهو يجز على أسنانه بغضب ضاربًا بيديه أعلى بطنه بعنف: -بذر. هاتي آخرك يا دنانير وما تختبريش صبري يا ولية أكثر من كده. قالت دنانير بابتسامة مهزوزة:
-اسم الله عليك يا أخويا. فعلاً بيكون جواها بذرة. أهو ده بالظبط حالي يا أخويا. قال كريم بعدم فهم: -أنتي عايزة سفندي يا دنانير؟ طب مش كنتي تقولي يا ولية كده من الصبح؟ على العموم يا أختي إحنا في الصيف والسفندي زرعة شتوية مش هتلاقيها دلوقت، ابقي هاتي لك باكو "فروتي" سفندي أهو يقضي الغرض. قالت دنانير بنفاذ صبر وهي تفجر قنبلتها بهدوء مميت: -كريم أنا حامل!
فنظر كريم ملتفتًا يمينًا ويسارًا في صدمة، ومن ثم اقترب من باب الغرفة ثم قام بفتحه وعاد من جديد ليغلقه بعدما لم يجد أحد بالخارج عائدًا إليها هاتفًا بحيرة: -أنتي بتكلميني أنا؟ قالت دنانير بغضب وهي تضع يديها في خصرها بانفعال ونظرات ثاقبة: -وهو في حد تاني معانا في الأوضة؟ ولا حتى في حد غيرك اسمه كريم هنا؟ قال كريم وهو يقرب أذنه منها مرددًا بنبرة مهزوزة: -قولي تاني كده أنتي قولتي إيه من شوية؟ قالت دنانير بعفوية شديدة:
-أنا حامل يا راجل. يعني كمان كام شهر هيبقا عندنا عيل صغير هيفضل يوقوق ويصحينا طول الليل هههه! قالتها بضحك محاولة التحكم بالموقف وعدم إغضاب زوجها. قال كريم وكأنه قد تلقى الصدمة للتو: -يا نهار اللي جايبينك كلهم نفر نفر أسود. أنتي واعية أنتي بتقولي إيه يا ولية؟ قالت دنانير بخوف: -جرى إيه يا راجل مالك؟ هو أنا قولت لك حاجة عيب ولا حرام لا سمح الله؟ ده أنا بقول لك إني حامل، هو أنا غلطت ولا غلطت؟ قال كريم بغضب:
-العيل ده لازم ينزل. أنتي مش مكسوفة من نفسك يا ولية؟ ده أنتي عيالك متجوزين وعندهم عيال وأكبر حفيد عندك في طولك. طب لو مش مكسوفة من سنك اتكسفي من عيالك وعيال عيالك. قالت دنانير بغضب: -يا أدي النيلة. جرى إيه يا كريم يا أخويا؟ هو أنا مش حامل من جوزي ولا مش حامل من جوزي؟ وهاتكسف من إيه أدي العرجة ولا العرجة، ولا يمكن مش ست زي باقي النسوان؟ قال كريم بسخرية: -يا ريتني كنت أخوكي يا أختي ما كنتش هأقع الوقعة السودا دي.
قالت دنانير ببكاء: -بقا كده يا كريم؟ دي آخرتها يا راجل؟ بقا بعد كل العمر ده تقول لي وقعة سودا، ما كانش العشم يا أخويا. قال كريم محاولًا التحكم بغضبه: -يا دنانير اتقي الله وافهمي إن الواد زي البت. المهم عندي إنهم يتربوا كويس. أجيب منين مصاريفكم وفلوسكم، اتقوا الله ده إيد لوحدها ما تسقفش وأنا هنا بسقف لوحدي حرام عليكم. قالت دنانير بهدوء مميت: -يا أخويا البنات رزقها واسع وكل عيل بيجي برزقه. قال كريم وهو
يضرب بيديه الحائط بغضب: -كل عيل بيجي برزقه! كل عيل بيجي برزقه! نفضل نجيب كل شوية في عيال ونقول العيل بيجي برزقه. يا شيخة حسبي الله ونعم الوكيل. أنا ماشي سيبها لك. قالت دنانير بتلهف: -استنى بس يا راجل أنت رايح فين؟ يااااا كريم! قال كريم بغضب وهو يركض إلى الخارج سريعًا وبنبرة عالية جاء على أثرها أبنائه من غرفهم بفزع: -سيبها لك وغار في داهية واعملي حسابك من هنا ورايح أنا هبيت عند أمي. قااال العيل بيجي برزقه قااال!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!