اليوم الثاني: وفي صباح اليوم التالي، حيث فاق الجميع وانصرف الرجال إلى أشغالهم واجتمعت نساء العائلة بالطابق الأول لدى جدتهم "عزيزة" يعملن على ساق وقدم، فاليوم ليس بيوم سيمر والسلام، بل إنه يوم حافل مليء بالأحداث. فاليوم هو ثاني أيام الشهر الفضيل، علاوة على أن الاحتفال به بذلك العام غير. فاليوم معهم مولود جديد يرى الضوء لأول مرة، إلى جانب عودة الغائب منذ سنوات ومعه تلك الفتاة التي تُدعى "فريدة" ويُقال أنها زوجته.
وبداخل تلك الغرفة الخاصة بكل من "عزيزة" و"عمران"، حيث يقف أمام المرآة يهندم من جلبابه و"عزيزة" تقف في الخلف تضع تلك العباءة أعلى كتفيه معطية إياه عصاه الأبانوس وهي تردد بحزن: -وبعدين يا حاج هتعمل إيه يا أخويا مع الواد "سليم" طمني؟ "عمران" وهو يهندم من وضع عباءته: -ولا حاجة يا "عزيزة" هعمل إيه يعني، الواد اتجوز واللي كان كان. "عزيزة" بحزن على فعل حفيدها: -الواد "سليم" فطر قلب البت يا حبة عيني. "عمران" بحزم:
-خلاص يا "عزيزة" اللي حصل حصل ومش عايزين كل شوية نقلب في اللي فات، الواد اتجوز ومحدش فينا يملك حق تغيير الواقع أو اللي حصل. أنا بس كل اللي طالبه منك أنك متفتحيش الموضوع ده قدام البت، لأحسن البت جرحها لسه حي ومش حمل كلمة من حد. "عزيزة" بتفهم: -عندك حق يا أخويا، اللي حصل حصل واللي كان كان، وربنا يعوض صبرها خير يا رب، البت جدعة وحلوة وتستاهل. "عمران" وهو يضرب بعصاه الأرض بلطف حتى يرحل: -آمين يا "عزيزة"، الله كريم.
وما أن هم بالرحيل حتى عاد مجددًا وكأنه قد تذكر شيئًا للتو: -بقولك إيه يا "عزيزة"، أنا عايزك تعاملي البت مراته دي كويس، هي خلاص بقت مرات ابننا وواجب علينا حسن المعاملة وأننا نتقي الله فيها. "عزيزة" بتعقل: -لا يا أخويا، أحنا عندنا زيها برضه وأنا من يمتى مش هقصر أبدًا. "عمران" بضحك: -والله أنا ما خايف غير منك أنتي. "عزيزة" بغضب مكتوم: -أخس عليك يا راجل، بقا برضه أنا هضايق البنية ولا أزعلها؟
ليه معنديش قلب ولا معنديش قلب؟ "عمران" ببعض من المرح وهو يهم بالخروج من الغرفة: -آاااه منكم أنتم يا حريم، عليكم حركات. ثم توقف على باب الغرفة وهو يستدير إليها من جديد مرددًا بتحذير: -"عزيزة" مش هوصيكي يا ولية. "عزيزة" بضيق: -ما خلاص يا راجل، هو أنا بعبع وهكولها؟ "عمران" بتبرطم: -أنيل أنيل.. ياريتك كنتي بعبع. "عزيزة" بنبرة ذات مغزى: -بتقول حاجة يا حاج؟! "عمران" وهو يهم بالرحيل: -العوافي يا حاجة. "عزيزة" بتهكم:
-الله يعافيك يا أخويا. وبالأعلى وتحديدًا في الطابق الرابع حيث شقة "سليم". يستيقظ "سليم" ومن ثم يقوم بالخروج إلى الشرفة مهمًا بفتحها ليشتم بعضًا من الهواء النقي الذي قد اشتاقت له روحه منذ سنوات وسنوات. فذلك الحي الشعبي بالنسبة له هو وطنه وجميع أهل الحي هم عائلته الثانية بعد عائلته الأولى الذي يترأسها جده "الحاج عمران".
وقف يستند بيديه على سور الشرفة يتابع أجواء الحي وتلك الأولاد الذين يلعبون بالفوانيس خاصتهم ويقومون بضرب الصواريخ والبومب بكل حب وسعادة، متسلسلًا إلى أذنيه صوت تواشيح "النقشبندي" وهو يبتهل بخشوع: النفس تشكو ومن يدري بما فيها سواك ياخالق الدنيا وباريها. روحي على الدور طوال الليل ساهرة تأسو الجراح ولا تغفو لياليها. تئن في طرقات الريح ضارعة يا رب فأكشف لها نور يواسيها.
يا واهب النفس إيمانا بها وضحت كل الدروب التي تخفي دياجيها. يا غافر الذنب يا رحمن أنت معي تصغي لنبضة قلبي قبل شاديها. يا من منحت حياة الناس حكمتها من خانة الفهم فليقرأ معانيها. الكون يا راحمي بالحب متسق لم تخلف الشمس ميعادًا لحاديها. تسري الغمائم فوق الأرض تُرضعها فيسطع النفس تسبيحًا لمحييها. فلمحه العم "إسحاق" من الأسفل فرفع يديه ملوحًا له في سعادة وهو يردد باشتياق حقيقي:
-حمد الله على سلامتك يا هندسة، الحتة نورت برجوعك يا ابن الغالي. "سليم" بحب وابتسامة محببة: -الله يسلمك يا "إسحاق"، ليك وحشة والله. "إسحاق" بسعادة بالغة: -والمسيح أنت اللي وحشني. إيه يا جدع الغيبة دي كلها؟ ثم تابع بحماس: -لا اسمع سلام البلكونات ده أنا ماليش في. أنت تنزلي كده يا أخويا عايز أسلم عليك وأحضنك. "سليم" بحماس: -هعدي بس على الجماعة تحت وهنزلك. "إسحاق" بحب: -هستناك يا حبيبي عشان تفرش معايا كمان للمائدة.
"سليم" بسعادة وبهجة قد اشتاق إليهم منذ زمن: -والله زمان يا "إسحاق". هدخل ألبس وهنزل على طول. وبمجرد ما أن دلف وقام بصك الشرفة خلفه حتى وجد زوجته تتململ في نومتها ومن ثم هتف لها بحب: -يا صباح الورد على أجمل وردة في حياتي. "فريدة" وهي تعتدل في جلستها بخمول: -صباح النور يا حبيبي. إيه اللي مصحيك بدري كده والدنيا صيام؟ "سليم" وهو ينظر إلى ساعة يديه ومن ثم ينظر لها بابتسامة: -بدري إيه يا حبيبتي ده العصر قرب يأذن أهو.
"فريدة" وهي تفرد ذراعيها بكسل: -ياااااه هو أنا نمت كل ده؟ "سليم" بنبرة محببة وحماس مشتعل: -طب يلا بلاش كسل وقومي خدي شاور كده عشان ننزل تحت. "فريدة" بغرابة: -ننزل تحت فين؟ معلش مش فاهمة. "سليم" بهدوء ونبرة حانية: -هننزل تحت في شقة العيلة عند جدي وجدتي. "فريدة" بحنق: -أيوه بس أحنا لسه راجعين مبقالناش كام ساعة وهننزل على تحت كده على طول. "سليم" بابتسامة عريضة:
-يا حبيبتي ده رمضان، وفطار رمضان ميحلاش غير باللمة ومع العيلة. "فريدة" بحنق: -بس أنا معرفش حد فيهم يا "سليم" ولا حد فيهم يعرفني، أزاي هقعد معاهم كل الفترة دي وأنا معرفهمش؟ "سليم" بهدوء وحب: -يا حبيبتي ما أنتي هتتعرفي عليهم ومتخافيش كلهم لذاذ وهتاخدي عليهم بسرعة. ومتنسيش عايزين ننزل كمان نشتري هدية لطيفة للمولود الجديد. "فريدة" بضيق: -هدية إيه اللي هنشتريها وهو أنا أعرف حد فيهم أساسًا عشان أهاديه؟ "سليم" بتعقل:
-يا حبيبتي البيبي المولود ده يبقا ابن أخويا "حمزة" وابن بنت عمي وخالتي "فرحة" يعني أحنا هنا كلنا أهل في بعض والمفروض أن أنا كمان منهم وده بالنسبة ليكي سبب كافي أوي عشان تهاديهم حتى لو مكانش في مناسبة. "فريدة" بتبرير: -يا حبيبي أنا مش قصدي زي ما أنت فهمت. أنا قصدي أني بتكسف وأنت عارف كده كويس وعارف كمان أني مش اجتماعية ومش بعرف أخد على الأجواء الجديدة بسرعة. "سليم" بتعقل وتفهم:
-أنا فاهم ومقدر كل ده كويس يا "فريدة"، بس أنا عايزك أنتي كمان تقدري أن دول أهلي وأنا محروم منهم بقالي سنين وهم كمان محرومين مني. أرجوكي حاولي تتأقلمي على الوضع وتحبيهم لأنهم فعلًا ناس طيبة وعمرهم ما كرهوا حد وبيحبوكي. "فريدة" بضيق: -بس أنا محستش ده منهم خالص حتى مامتك كان كل كلامها معاك أنت وقليل أوي لما كانت بتوجهلي كلام. "سليم" بهدوء ورزانة:
-يا حبيبتي زي ما أنتي الوضع جديد عليكي فهما كمان الوضع جديد عليهم ومتنسيش أنهم اتفاجئوا بخبر جوازنا امبارح. واحدة واحدة وهتحبيهم كلهم وهتعرفي هما قد إيه ناس طيبة وبيحبوكي. "فريدة" بحنق: -طب وأنا المفروض أنزل تحت أعمل إيه ولا هقعد مع مين؟ ده كل اللي تحت ستات كبيرة ومش من سني. "سليم" بهدوء ونبرة حانية: -عندك "زينة" وعندك "فرحة" مرات "حمزة" وعندك خالتي "دنانير" دمها زي السكر وهتحبيها أوي كمان. "فريدة" باستغراب:
-"دنانير" إيه الاسم الغريب ده؟ "سليم" بحب: -اسمها غريب فعلًا بس هي ست زي السكر وتتحب أوي وأنتي هتاخدي عليها بسرعة. "فريدة" بتساؤل ونبرة ذات مغزى: -مش دي مامت "صبا" صح؟ "سليم" بعدما فهم نبرتها والمغزى من سؤالها جيدًا: -أيوه هي. أنا معنديش غير خالة واحدة وهي "دنانير" وخال واحد وهو "خالي توفيق". "فريدة" بغيرة: -أمممممم.. طب أنا داخلة أخد شاور عن إذنك. وفي مسجد "البنفسج" بعد صلاة العصر مباشرة.
يجلس الشيخ "مؤنس الخطيب" بعد صلاة العصر يؤدي خطبته اليومية الذي تعود على إلقائها في ذاك الشهر المبارك ويلتف حوله كل من "الحاج عمران" وولديه "عامر وكريم" وزوج ابنته وابن شقيقه "توفيق" و"محمود" و"يونس" وذاك العم "هلال" وغيرهم كثيرون من أهل الحي وهم يستمعون إلى خطبة الشيخ الذين تعودوا على الاستماع إليها في نهار رمضان بشكل يومي.
"الشيخ مؤنس": بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وعليه نتوكل، والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. الحمد لله الواحد الذي ليس كمثله شيء، الذي عمت بحكمته الوجود. ونشهد أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الحمد وله الملك وهو الغفور الودود. وعد سبحانه وتعالى من أطاعه بالعزة، كما توعد من عصاه بجهنم، أما بعد... يقول المولى تعالى في كتابه الحكيم: "بسم الله الرحمن الرحيم"
[فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ]. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر". أخاك أخاك إن من لا أخا له.. كطائر بغير جناح.. كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح..
من عظيم ما جاء به الإسلام ومن أعجل الطاعات ثوابًا في الدنيا قبل الآخرة.. هي "صلة الرحم". فإن زماننا أصبح زمانًا ولا مكاننا مكانًا حتى ملامحنا تغيرت.. شابت الرؤوس وتجعدت الوجوه وأُنهكت الأبدان.. فلا الجار جار ولا القريب قريب ولا الصاحب صاحب فباعدت القلوب قبل البيوت.. وأصبحت أرحامنا عبر التقنيات..
ما من ذنبٍ يُجدر الله به ويُعجل العقوبة عليه في الدنيا مع من يدخره له يوم القيامة من البغض وقطيعة الرحم، ليس ذلك فحسب فإن قطيعة الرحم من مُحبطات الأعمال. بمعنى أن قاطع الرحم لا يقبل الله عز وجل منه العبادة بجميع أشكالها. فكما قال الراوي: أبو هريرة | عن لسان النبي عليه الصلاة والسلام. "إن أعمال بني آدم تُعرض على الله تعالى عشية كل خميس ليلة الجمعة، فلا يُقبل عمل قاطع رحم".
أيها الأحبة في الله، في زمن الاتصالات والمواصلات التي قربت البعيد، وربما أبعدت القريب، وألغت المسافات، وهدمت الحدود بين القارات، صار الإنسان يخاطب من يشاء، في أي وقت يشاء، في أي بقعة يشاء، يخاطبه وجهًا لوجه، صوتًا وصورة، وكأنه يجلس بجواره، بل يجتمع بعدد من الناس من بلاد شتى، يتحدثون في شؤونهم وكأنهم في غرفة واحدة، فسبحان من علم الإنسان ما لم يعلم! وسبحان من سخر له ما في الأرض، وفتح له الآفاق؛ ليقيم دينه في الأرض!
(والله خلقكم وما تعملون) ومن هنا، كلما زادت سبل الصلة بين الأرحام، وتيسرت مؤونتها، تأكدت فريضتها، وتحتم وجوبها، وانقطع العذر في قطيعتها، فكان الظن بالناس أداؤها، لفرضيتها ولسهولة أدائها، ولكن واقع بعض الناس على العكس من ذلك، فكلما زادت وسائل الاتصال والوصال بَعُدت المسافة بين الأرحام والقرابات، حتى لكأنها تبعد القريب بقدر ما تقرب البعيد!
ولقد كان الناس من قبل يعيبون من يتأخر عن صلة قريب جمعة أو جمعتين، ثم تساهلوا في الشهر والشهرين، حتى بلغوا الآن حولًا أو حولين، لا يرى القريب قريبه إلا أن يجمعهم عيد أو عرس أو جنازة. واتقوا نارًا وقودها الناس والحجارة، عذابها شديد، وقعرها بعيد، وطعام أهلها الزقوم، وشرابها المهل والصديد، ولباسهم القطران والحديد. هذه الدنيا لا تساوي عند الله -تعالى
-جناح بعوضة، وهي لا تستحق الأحزان والأكدار، وفي الوقت ذاته لا تستحق أن يعادي أو يخاصم لأجلها.. والجنة تحتاج إلى مجاهدة وعمل.. أفلا تستحق أن نزيل ما في نفوسنا من أجلها. أيها المحب إذا أردت أن تدخل جنة الدنيا قبل جنة الآخرة فاعف عمن ظلمك، وصل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك.. عباد الله إن صلة الرحم حق طوق الله به الأعناق، وواجب أثقل الله به الكواهل، وأشغل به الهمم. والأرحام هم القرابات من النسب، والقرابات من المصاهرة.
هل علمت أن الرحم تكون أمامك يوم القيامة... ولن يُقضى لك حتى تشهد لك أو عليك.. يقول النبي -صلى الله عليه وسلم "كل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها، تشهد له بصلة إن كان وصلها، وعليه بقطيعة إن كان قطعها" ألا فاتقوا الله ربكم، وصلوا أرحامكم ولو قطعوكم، وأحسنوا إليهم ولو أساؤوا إليكم، واحلموا عنهم ولو جهلوا عليكم، فإن المكافئ ليس بواصل، وإنما الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها. نسأل الله -تعالى
-أن يكفينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يطهر قلوبنا من أدغالها وأوضارها، وأن يعيننا على ما يرضيه من صلة أرحامنا، إنه سميع قريب. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. "الحاج عمران" بتقدير. الله يفتح عليك يا شيخنا.. تنويه هام: أي خطبة بيتم سردها بتكون أجزاء من فيديوهات أو خطب عن الموضوع اللي بنتكلم عنه بمعنى أنها بتكون "منقولة". دمتم بخير..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!