وبعد مرور أسبوع، في اليوم السادس عشر، حيث يجتمع جميع أهل منزل "آل عمران" على مائدة السفرة في جو أسري ودفء عائلي لا يزال يوجد في مثل هذه العائلات المترابطة التي يسودها الود والمحبة والتعاون، فكانوا يجلسون مستعدين لتناول الفطور عندما يؤذن له في المسجد، وفي الخلفية يستمعون إلى صوت تواشيح النقشبندي وهو يبتهل بخشوع. كلمات الابتهال: وكم من ذلة لي في الخطايا وأنت علي ذو فضل ومن إذا فكرت في ندمي عليها عضضت أناملي وقرعت سني
يظن الناس بي خيرًا، وإني لشر الناس إن لم تعف عني ومن ثم قام المؤذن بالأذان للصلاة فبدأ الجميع في شق ريقهم مرددين بخشوع وصدق: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله." قال عمران وهو يبدأ في تناول فطوره بتروٍ: "بسم الله الرحمن الرحيم، سموا الله يا ولاد وكلوا بيمينكم عشان ربنا يبارك ليكم في لقمتكم!
قالها وهو يوجه حديثه إلى الأطفال الصغار الذين فعلوا على الفور ما أمرهم به جدهم، ومن ثم تابع بتساؤل واستغراب عندما لاحظ غياب "بدر" عن مائدة الطعام لأكثر من يومين: -أومال الواد "بدر" فين؟ بقاله كام يوم مش ظاهر ليه يا ولاد؟ أخوكوا ماله؟! وما أن همت "زينب" بالحديث حتى أتاها صوت "بدر" من الخلف مرددًا بابتسامة وهو يدلف من باب الشقة في حماس:
-أنا جيت يا جدي أهوو، ابدأوا في الفطار أنتم صايمين وأنا هغسل أيدي وهاجي أفطر معاكم على طول.
وبالفعل بدأ الجميع في تناول الفطور في أجواء دافئة مليئة بالمرح تارة وتناول الطعام تارة أخرى، وتلك النظرات الخاطفة التي يرسلها "سليم" إلى "صبا" دون أن يلاحظه أحد، ولكن "عمران" كان يلاحظ ذلك جيدًا، فهو قد بلغ الكبر منه مبلغه وأبيضت خصلاته من كثرة ما رأى بالحياة، ويفهم جيدًا ما يدور بداخل حفيده إن لم يكن يشعر بحجم المتاهة الذي أوحل نفسه بها، فهو يعلم صرعاته ونزعاته الداخلية التي لا يعلم عنها أي أحد من الحاضرين شيئًا، ولكنه سيصبر إلى حين يرى ما الذي ستؤول إليه حالته تلك.
وبعد الانتهاء من تناول الفطور جلس الجميع في غرفة الاستقبال يتابعون فوازير "نيللي وشريهان" و"سمير غانم" رحمه الله عليه في دور "فطوطة". "صبا" وهي تعطي إلى جدها صحن القطايف بتهذيب: -اتفضل يا جدو. "عمران" بمحبة وغزل محمود في حفيدته: -يزيد فضلك يا ست العرايس. تسلم الأيادي الملبن اللي بتلف أحلى قطايف في الحي كله. "صبا" بحب وحياء: -تسلم لي يا جدو يا رب. بألف هنا على قلبك يا حبيبي. "عمران" بمحبة:
-الله يهنيكي ويهني أيامك يا حبيبة جدك أنتِ. "زينب" بمرح: -يا بخت من كان "الحاج عمران" سيده ههههه، ولعة معاكي يا "سمسم". "صبا" بمرح: -ربنا يولعها لك زي ما هي ولعة معايا كده ههههههه. "زينب" بمرح: -وأهون عليكي برضو يا "سومه"؟ "صبا" بمرح: -مش أنتِ اللي بصالي في الكلمة الحلوة اللي حيلتي ههههه. "عمران" بضحك على حديثهم هذا:
-خلاص يا ولاد، ما أنتم الاثنين أحفادي، وبعدين زي ما بيقولوا كده أعز الولد ولد الولد وأنتِ غالية عليا أوي يا بت يا "زينب"، ويمكن غلوتك عندي أغلى من البغل جوزك بس أنتِ مش عارفة. فشعرت "فريدة" بالغضب والنيران تسيطر عليها من مدح "عمران" في حفيدته وزوجة حفيده التي لم تسمح يومًا أبدًا بجعل أي منهم خادمة إليها بمنزل والدها وهم هنا يمدحون بهم ويمطرونهم طوال الوقت بقصائد من الشعر والمدح المبالغ فيه من وجهة نظرها. "بدر" بمرح:
-وليه الغلط طااااب ما أنت كنت ماشي كويس. "عمران" بسخرية: -ما أنت... اسمها أنت. في بغل زيك يقول لراجل كبير زيي كده: ما أنت... آاااه يا حيوان. "بدر" بتصنع الحزن: -حضرتك... حضرتك يا جدي كده حلو؟ "عمران" بمرح وهو يصطنع الاستياء: -مش لايق عليك الأدب يا ابن بنتي. "بدر" باستياء: -يووووه أعمل إيه طيب؟ بقيت مؤدب مش عاجب. بقيت قليل الأدب بتتشتم، أعمل إيه بس؟ "عمران" وهو يرتشف من كوب الشاي خاصته:
-ما تعملش حاجة. نقطنا بس بسكاتك وهي هتعمر. ثم تابع بهدوء وكأنه تذكر شيئًا للتو: -إلا صحيح، بقالك كام يوم غطسان فين ومش بتفطر معانا؟ "بدر" بابتسامة عريضة: -أصل الحمد لله نزلت الشغل يا جدي. "عزيزة" بفخر وسعادة من أجل حفيدها: -الله أكبر. مش تقول يا واد عشان تفرحنا. "عمران" بابتسامة عريضة: -المهم سيبك من ستك وقول لي نزلت فين؟ تبع شركة ولا بتلقط رزقك في أي حتة؟ "بدر" بابتسامة سعيدة كشفت عن أسنانه باتساع:
-لا يا جدي المرة دي تبعي أنا. "ثريا" وهي تزغرد بفخر بصغيرها: -لولولولولولولى. ابني بقى عنده مصلحته الخاصة يا خالق يا هوووو. "عمران" بحزم: -بس يا بنتي خلينا نسمع. إيه الغاغة اللي أنتِ عملاها دي؟ عايزين نعرف الواد بيشتغل فين. ثم تابع وهو يوجه حديثه إلى "بدر" من جديد: -إيه يا ابني قول لنا بتشتغل فين؟! فنظر "بدر" إلى "صبا" و"زينب" نظرات يملؤها القلق والارتباك، فلاحظ "عمران" ربكته تلك فهتف بحزم: -في إيه يا ابني؟
أوعى تكون خجلان من شغلانتك. الشغل مش عيب يا حبيبي، المهم تجيب اللقمة بعرق جبينك وتنزل جوفك بالحلال. أوعى تستعر من أي شغلانة بتأكل منها من حلال ربنا، أنا بقولك أهووو. "بدر" بنبرة مهزوزة: -عندك حق يا جدي بس أصل... أصل... "عمران" بحدة: -في إيه يا ابني؟ أنت بتقطع في الكلام كده ليه؟ قلت لك ما تتكسفش، أكل العيش صعب وكلنا خدمينه. "بدر" بنبرة مهزوزة ولكنها حاسمة:
-أنا اشتغلت في المسرح يا جدي، وحاليًا جمعت كاست كويس جدًا وبنعمل بروفات عشان في العيد بإذن الله نطلع بأول عرض. "عمران" بتساؤل: -طب وده بمرتب يا ابني ولا إيه؟ نورني. "بدر" بقلق وهو يضع يديه على أذنه بتوتر: -لا يا جدو ما مش من أولها كده مرتب. إن شاء الله النص والتمثيل يعجب المخرج ويصعدنا للمسابقة زي ما قلت لحضرتك، ووقتها بإذن الله أتشهر بقى وألعب بالفلوس لعب. "توفيق" بنبرة ذات مغزى وهو يضيق عينيه بتساؤل:
-وجبت منين الفلوس اللي كنت عايزها؟ ولا المخرج أتكفل بالعرض؟ ولا أنت مفكرنا عيال صغيرة معاك ومش فاهمة حاجة؟! "بدر" بقلق: -محدش هيتكفل بحاجة يا بابا. أنا استلفت الفلوس دي وإن شاء الله أول ما العرض ينجح هردها وفوقيها بوسة. "عمران" بحزم: -ومين الغشيم اللي آمن على ماله لبغل زيك يضيعه في الهيافة دي؟ "توفيق" وهو ينظر إلى "سليم" بغضب: -أنت اللي سلفته الفلوس يا "سليم" مش كده؟! "سليم" بدهشة واستغراب:
-لا يا خالي أنا مسلفتش حد حاجة وأول مرة أسمع بالكلام ده دلوقتي. بس أنا شايف أنه حلمه ومدام حلمه وعنده إصرار أنه يحققه فده دليل على أنه هينجح بس محتاج شوية ثقة منكم. "عمران" بغضب: -الراجل مننا بيحلم بشغلانة عدلة تجيب قوطة وقوت عياله وتفتح بيته باللقمة حلال، مش تقول لي تمثيل ومياعة. يا جدع بلا كلام فاضي ده أنت فورت دمي عالماس. "توفيق" بإصرار:
-أنا لازم أعرف مين الكاحول اللي سلفك المبلغ ده. أنت عارف يعني إيه واحد يسلفك ٦٠٠٠ ج تضيعهم في الجو؟ ده مش كاحول ده مغفل. "زينب" وهي تقترب من أذن "صبا" بضحك: -أول مرة أشوفك بتتهزقي في البيت ده. "صبا" بغيظ: -ما أهو من قرّك عليا، منك لله يا شيخة. "عمران" بحزم: -ما تقول يا ابني مين اللي سلفك الفلوس دي؟ أحنا هنتحايل عليك ولا إيه؟! "بدر" وهو ينظر إلى "صبا" ناقلًا أنظاره بينهم في توتر مرددًا بنبرة مهزوزة: -صباااااا...
"عمران" بصدمة: -"صباااا"... فشعر الجميع وكأن على رؤوسهم الطير، كل منهم يتساءل متى وكيف قامت بمساعدته دون أن يلاحظ أحد منهم أو حتى يعرف بالأمر، وذلك "سليم" يجلس يتابع كل ذلك بصمت وتلك الابتسامة البلهاء تزين ثغره بسعادة وهو ينظر إليها نظرات خاطفة، فلاحظتها "فريدة" جيدًا مما أشعل نيرانها أكثر وأكثر حتى كادت أن تحترق بلهيبها المشتعل هذا. "عزيزة" بتساؤل:
-وأنتِ إزاي تسلفيه مبلغ كبير زي ده يا بنتي عشان يضيعه عالهيافة بتاعته دي؟ هي ناس تتعب وتشقى وتطفح القوتة وناس تانية تأكل عالجاهز؟ ده تعبك وشقاكي يا بنتي وأنتِ أولى تجيبي لك بيهم هدوم ولا حاجة تشيليها لجهازك. "صبا" بهدوء وتهذيب:
-يا تيتة الفلوس دي أحنا اللي بنعملها مش هي اللي بتعملنا، ولو كل واحد فينا فكر في نفسه بس، يبقى محدش منا هيعيش للتاني وكل واحد هيقول يلا نفسي. وبعدين بيقولوا المليان بيكب عالفاضي والمبلغ ده فعلًا أنا كنت شايلاه على جنب لوقت عوزة، و"بدر" ده أخويا ولما أنا أساعده عشان يحقق حلمه أكنّي أنا اللي حققته بالظبط. "توفيق" بغضب مكتوم: -حلم إيه يا بنتي ده اللي هيحققه؟ هو أحنا بتوع تمثيل والكلام الفارغ ده؟ بلا قلة حيا. "صبا"
بهدوء: -يا خالو ممكن تهدى بس وتسمعني. "بدر" كبير مش صغير ومحدش فينا واصي عليه ولا على تصرفاته، وهو عارف كويس الصح من الغلط، وحضرتك وجدو وبابا وعمي نصحتوه أكتر من مرة وقدمتوا له النصيحة بأكتر من شكل وهو مازال مُصر على حلمه. فتابعت بهدوء وعدم تصديق من ردة فعلهم العنيفة تلك والغير مبررة عليه: -ليه؟ ليه نقف قصاد طريقة ونحطمه ونحطم حلمه بالشكل ده؟!
يا عمي كل واحد فينا بيتخلق وبيتخلق معاه حلمه اللي ربنا كتبهوله ومع الوقت بيكبر وطاقته بتكبر جواه عشان يحققه، بس لو في حد وقف قصاد الطاقة دي ومطلعتش بالشكل اللي يرضيه صدقني هتطلع في الشر بشكل غير مرضي لينا كلنا. "عمران" بهدوء وتفكير فيما تتفوه به حفيدته: -شر إيه يا بنتي بس كفانا الشر. ربنا يحفظنا يا رب من شر أنفسنا. "صبا" بحب وهي تجلس إلى جوار جدها:
-يا جدو مينفعش نحكم على إنسان بالفشل لمجرد أن أهواءه مش مناسبة لينا. صدقني "بدر" جواه فنان هايل أنا بنفسي كنت بحضر عروضه أيام الكلية وكانت أيدينا بتوجعنا من كتر ما بنسقف له وأنا مؤمنة جدًا بيه وبموهبته. "عمران" وهو يستند على عصاه بعد تفكير دام للحظات: -وأنا راجل مؤمن بالله ومؤمن كمان بأنه مش بيخلق في حد حلم إلا وهو خالق فيه القدرة على تحقيقه. ثم تابع وهو ينظر إلى "بدر" بخجل من فعلته معه:
-ربنا يوفقك يا ابني بس أوعى تنسى ربك بيقول "اسعى يا عبد وأنا أسعى معاك". اسعى وعافر لأجل نفسك ولأجل مراتك وحلمك وربك هيراضيك بس خلي عندك إيمان بيه، وعلى قد إيمانك بيه على قد ما هتشوف كرمه ومراضاته ليك عاملة إزاي. "بدر" وهو يقبل يد جده بتهذيب: -ربنا يبارك لنا فيك يا جدي ويخليك لنا يا رب، أنا كنت محتاج فعلًا الكلمتين دول عشان يحسسوني أني بعمل حاجة فعلًا.
ثم رفع بصره ناظرًا إلى "صبا" نظرة امتنان، فبادلته بنظرة محبة ومن ثم هتف الجد بحب خالص وهو يربت على كتف حفيده بحنان: -ربنا معاك يا حبيبي ويجعلك في كل خطوة نجاح وتوفيق. فأضاف وهو ينظر إلى "صبا" بتساؤل ونبرة ذات مغزى: -هاااا يا ست العرايس ما قلتش رأيك، موافقة عالكتور "صبري" ولا لأ؟ الراجل مستني كلمتك بقاله يجي أسبوع وعوقنا أوي يا بنتي في الرد عليه.
"صبا" بارتباك وتوتر فهي تشعر بعدم الراحة ولا تستطيع تخيل نفسها بعد مع رجل آخر سوى "سليم" خصوصًا بأن جرحها لا يزال ينزف وبغزارة ولم يشفى بعد: -لسه يا جدو. لسه بصلي استخارة واللي ربنا رايده هيكون. "عزيزة" بإلحاح: -يا بنتي الراجل زينة الرجال وقيم وسيما وهيهنيكي. وبعدين الاستخارة ٣ أيام مش أسبوع. "عمران" بتفهم لحالتها: -سيبها على راحتها يا "عزيزة" ده جواز مش لعبة يا حاجة. ثم تابع وهو يوجه حديثه إلى "صبا" من جديد:
-على أقل من مهلك يا حبيبتي أحنا مش مستعجلين بس برضو اعملي اعتبار لكلمتي وكلمة أبوكي وعمامك، أحنا قلنا للراجل مش هنتأخر في الرد عليكي وأديكي شايفة الراجل مستعجل عالجواز وعايز يستقر. "صبا" بتوتر وهي تشعر بانقباض قلبها على أثر سيرة الاستقرار والزواج من آخر: -حاضر يا جدو. اللي في الخير ربنا يقدمه.
فشعر "سليم" بانقباضة في قلبه هو الآخر على أثر تلك السيرة مما أدى إلى تقلص عضلات وجهه وبروز عروقه بدقة، غافلًا عن عيون "فريدة" المتابعة إياه بغيظ وغيرة واضحة إلى جانب عيون "عمران" الثاقبة وبشدة تتابع كل تصرفاته وحركاته التي يستشعرها جيدًا ولكنه ليس باليد حيلة فهذا ما جناه على نفسه وجنته الأيام عليه وليس هناك مفر من مواجهة عواقب فعلته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!