الفصل 14 | من 30 فصل

رواية حي البنفسج " رمضان الزمن الجميل " الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نور بشير

المشاهدات
19
كلمة
1,912
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

وفي المسجد حيث تُقام صلاة التراويح، تجلس "صفية" وإلى جوارها تجلس كل من "صبا"، و"زينب"، و"زينة" يستمعون إلى خطبة العشاء حتى يقيم الشيخ الصلاة ويبدأون في الصلاة مباشرة، وإذا فجأة تدلف "أم لطفى" أو كما يقال عنها "ثرثارة الحي" فهي تعلم كل كبيرة وصغيرة تحدث بذلك الحي، وهي أيضًا من تقوم بتولي مهمة الجمعيات التي تُقام بين أهل الحي بعضهم البعض.

"أم لطفى" بود وهي توجه حديثها إلى "صبا" آخذة إياها إلى أحضانها تقبلها قبلات ذات مغزى. -يا أختي كل سنة وأنتِ طيبة يا بت يا "صبا".. كبرتِ واحلويتِ يا بت والطرحة لايقة فيكِ. "صبا" بابتسامة صافية. -تسلمي يا طنط يا رب.. ربنا يخليكِ. "أم لطفى" وهي توجه حديثها إلى "صفية" بألفة. -إزيك يا "صفية" إيه يا خالتي مش بتظهري ليه؟ ثم وجهت حديثها إلى الفتيات. -أزيكم يا بنات، كل سنة وأنتم طيبين. "البنات" بنبرة واحدة.

-وأنتِ طيبة يا خالتي. "صفية" بمحبة. -والله يا خالتي شغل البيت أنتِ عارفة ونهار رمضان الواحد مش بيبقى عارف يعمل فيه إيه ولا إيه. "أم لطفى" بلطف. -يا أختي ربنا يقويكِ ويعينك يا رب على اللي أنتِ فيه. ثم تابعت وهي توجه حديثها إلى "صبا" بفضول. -إيه يا بت يا "صبا" مفيش حاجة كده ولا كده. "صبا" بعدم فهم. -حاجة إيه يا خالتي دي؟!

فوكزت "زينة" "زينب" بذراعها بخفة دون أن يلاحظها أحد، ثم تابعت "أم لطفى" على نفس نبرتها السابقة وهي تضحك بخفة. -عريس يا بت الله.. عايزين نفرح بيكِ يا زينة بنات الحتة كلها. "صبا" باقتضاب. -ده نصيب يا طنط ومفيش حد بياخد أكتر من قسمته وبخته اللي ربنا قسم له بيه. "أم لطفى" بابتسامة ذات مغزى وهي تضربها على يديها بخفة.

-أنا بقى جاية وجايبة لك الخير كله بعد ربنا سبحانه وتعالى.. أما عندي ليكِ حتة عريس يا بت يا "صبا" إنما إيه هيعيشك ويستتك ويهنيكي وساعتها هيبق ليَّ الحلاوة ومش أي حلاوة دي حلاوة الست "عزيزة" ست الحارة كلها. ده دكتور كبير في "القصر العيني" يا بت وله شقة ٤ مطارح وصالة كبيرة إنما إيه هايلة. "صبا" باقتضاب من تلك المرأة الحشرية كما لقبتها مسبقًا. -أيوه يا خالتي بـ...

فقاطعتها "زينة" بلهفة وهي تردد بنبرة ملطفة حتى لا تترك صلب الحديث منصبًا على "صبا" حتى لا ترفض الموضوع رفضًا قاطعًا قبل أن ينفتح من الأساس. -بصي يا خالتي الموضوع ده تكلمي فيه ستي وأمي أنتِ عارفة إحنا البنات إزاي بنتكسف نتكلم في المواضيع دي والأحسن تكلمي ستي. "أم لطفى" باستحسان. -عندك حق يا بت يا "زينة".. خلاص أنا هفوت عليكم بكره في الصبحية أجيب لستك العيش وأفاتحها في الموضوع. "زينة" بحماس.

-عملتِ طيب يا خالتي تسلمي يا رب. "أم لطفى" وهي تهم بالرحيل. -يلا يا بنات العوافي.. تقعدي بالعافية يا "صفية" يا أختي. "صفية" بابتسامة صافية. -الله يعافيكِ يا "أم لطفى" يا رب. "صبا" بحدة وهي توجه حديثها إلى شقيقتها بعد رحيل "أم لطفى". -إيه اللي أنتِ قلتيه ده؟! حد قالك إني عايزة أتجوز ولا عايزة أتنيل على عيني؟! ليه تخليها تروح تقول لتيتة والموضوع يكبر؟! ليه أصلًا تقرري عني؟! "زينة" بغضب من حديث شقيقتها.

-أقرر عنك إيه يا بنتي وأنتِ شوفتيني أخدتك من إيدك وروحت للعريس اللي إحنا لسه منعرفش عنه حاجة وأقوله والنبي لَأنتَ متجوزها. "صبا" بحدة. -تعرفي متدخليش في اللي مالكيش فيه تاني.. أهو دلوقتي هتروح تقول لتيتة وبعدين تيتة هتقول لجدو والبيت كله ويبدأوا بقى يتكلموا في الرايحة والجاية ولازم توافقي يا "صبا".. أنتِ كبرتِ يا "صبا".. عايزين نفرح بيكِ يا "صبا"!

قالتها وهي تقلد عائلتها في طلبهم الملِح لها بالزواج وتأسيس عائلة وكأن الأمر بيديها هي وليس نصيب وقدر مقدره الله لنا من قبل. "زينة" باستهزاء. -خلاص يا أختي ابقي ارفضي ومتوجعيش دماغنا.. قال يعني في حد بيعرف يكلمك في البيت ولا حتى يغصبك على حاجة. "صفية" وهي تحاول تلطيف الجو بينهم.

-خلاص يا بنات بقى متنسوش إننا في الجامع.. وأنتِ يا "صبا" مفيش حد هيغصبك تأكلي لقمة مش على هواكِ يا حبيبتي، ده الجواز عرض وطلب وبعدين البيت اللي فيه بنات دايمًا بابه موارب ويا توافقي يا ترفضي وفي كلتا الأحوال إحنا مش خسرانين حاجة.. ولا أنتِ إيه رأيك يا "زينب"؟! "زينب" بتلطيف للأجواء. -صح طبعًا يا أبلة إحنا مش خسرانين حاجة ولا حتى تيتة أو جدو هيقبلوا إنهم يغصبوها على حاجة خصوصًا بعد اللي عمله "سليم" و...

وما كادت أن تكمل حديثها حتى التفتت لها "صبا" ونظرت لها نظرات حارقة فشعرت "زينب" بالارتباك وأنها قد ارتكبت خطأ بحديثها هذا للتو فتابعت موبخة حالها بهمس. -الله يخرب بيتك يا "زينب" باااس. ثم تابعت بتبرطم. -بس هيخربه إيه أكتر ما أهو مخروب. "صفية" ملطفة للأجواء من جديد. -خلاص بقى يا "صبا" متبقيش عنيدة أومال وأدي نفسك فرصة يا أختي خلينا نفرح يا بت. "صبا" باقتضاب. -ربك كريم يا أبلة واللي ربنا رايده هيكون.

وبعد انتهاء الصلاة بداخل مخبز "الحاج عمران" وولده "كريم" حيث يجلسان سويًا يحاول "الحاج عمران" ملاطفة صغيره حتى يثنيه عن قراره هذا وإرشاده إلى الطريق الصواب مرددًا بحكمته المعتادة. -يا ابني استغفر ربك واغزِ شيطانك وبلاش كلام ملهوش لازمة. "كريم" بقلة حيلة.

-يا حاج ما أنا أكيد مش هغضب ربنا ولا هرتكب ذنب كبير زي ده على آخر عمري أنا بس كنت بقرص ودنها عشان تراجع نفسها ومتفكرش في الموضوع ده تاني سواء اللي جه ده كان واد ولا بت، أصل أنا عارف مراتي يا حاج مش هتهدى ولا هيرتاح لها بال غير لما تجيب الواد.. قال يعني الواد هيفتح لها قبرها بقدوم دهب. "الحاج عمران" بتعقل. -الله يريح قلبك زي ما ريحت قلب أبوك يا "كريم" يا ابني. ثم أضاف بعتاب.

-بس برضه مكانش ليك حق تقولها وقعة سودة يا ابني دي برضه بت خالتك وعمك في الأول والآخر وأم بناتك وبقالكم سنين متجوزين مش هتيجي عالآخر وتخيب يا "كريم".. مينفعش يا ابني تهين مراتك بالشكل ده وتسيبها دمعتها على خدها وتنزل تبات معانا، أنت كده بتكبر الفجوة اللي بينكم يا حبيبي. فتابع بلطف.

-أنت عارف أنا وأمك بقالنا فوق الـ ٦٠ سنة متجوزين وعمرنا ما بيتنا خلاف بينا، حتى لو حصل كنا مسافة ما نقوم الصبح ننسى اللي حصل إمبارح وتحضر لي الفطار بكل حب وساعتها أبتسم لها فتبتسملي وخلاص كل الخلاف اللي بينا يدوب.. أوعى يا ابني تعود قلبك ع الجفا من ناحية مراتك لأن هي اللي باقية ليك وأنت اللي باقي ليها.. بكرة أنا وأمك هنروح والعيال كل واحد هيتلهى في حياته والدنيا هتاخدهم ومش هيبق فاضل ليكم غير بعض يا ابني، والجفا لو فات بينكم صدقني هيعشش ومش هيسلاكم وهيبق ع الدنيا السلام.

"كريم" بتهذب. -ربنا يديك الصحة يا أبا ويخليك لينا أنت وأمي ده إحنا من غيركم منساويش والله. "عمران" برزانة. -وبرضه يا ابني الدنيا من غير مراتك ما تساويش.. اطلع يا ابني طيب بخاطرها بكلمتين دي الولية حبلة ومينفعهاش الزعل أبدًا. "كريم" وهو يهم بالوقوف. -حاضر يا حاج هقوم عشان خاطرك أنت بس وعشان خاطر زعلها ميهونش عليا دي برضه مراتي وأم عيالي وبحبها. "عمران" بابتسامة صافية وهو يهز رأسه بتقدير.

-عين العقل يا ابني.. ربنا يديم المودة والرحمة بينكم يا رب! وما أن رحل حتى جاء كل من "صبا" برفقة شقيقتها "زينة" وزوجة ابن عمتها "زينب"، فابتسم لهم الجد بحنان ومن ثم تابع حديثه بمحبة. -تقبل الله منكم يا بنات.. جئتم في وقتكم والله.. تعالي يا "صبا" أقعدي مكاني عشان أنا رايح لجدك "عسران" عند عمك "إسحاق" لأحسن مستنيني من بعد صلاة العشا وأنا اتأخرت عليهم عشان ماسبش المخبز لحاله. "صبا" بمحبة. -أتفضل يا جدو وأنا هنا متقلقش.

"عمران" بحنان وهو يهم بالرحيل. -الله يبارك لك يا بنتي. ثم تابع وكأنه تذكر شيئًا للتو وهو يستدير بجسده لها. -صحيح يا "صبا" هيفوت عليكِ عمك "فتوح" كمان ساعة هتلاقي ٥٠٠ جنيه في الدرج اديه له للمائدة. "زينة" بهدوء فهي تستخسر صرف الأموال فيما ليس له داعٍ. -يا جدي ملهوش لزمة حوار المائدة كل سنة ده.. كده كده اللي بيفطر عليها أهل الحارة مش حد غريب والفلوس دي حضرتك أولى بيها أنت وتيتة. "عمران" بلطف.

-يا بنتي دي لوجه الله تعالى وعمرها ما كانت للعبد أبدًا.. أنتِ عارفة ثواب إفطار صائم إيه عند ربك أيًا كان قريب ولا غريب.. وبعدين دي عادة يا ولاد ومتنسوش إن اللقمة بتزيح النقمة، يمكن تزيح عننا البلاء والوباء اللي إحنا فيه ده. "زينة" بحنان وهي تربت على كتف جدها. -ربنا يتقبل منك يا جدي وما يقطع ليك عادة أبدًا. "عمران" متمتِمًا بتمنى. -آمين يا رب.. يلا بالإذن يا ولاد. الجميع في صوت واحد. -إذنك معاك يا جدي.

"زينة" بعد رحيل الجد. -أنا هطلع أشوف العيال يا "صبا" عايزة حاجة؟ "صبا" وهي تجلس على المكتب مكان جدها. -عايزة سلامتك. "زينب" وهي تذهب خلفها. -استني خديني معاك يا "زينة"! قالتها وهي تلحق بها تاركة "صبا" تقوم بأعمالها التي كلفها بها جدها بكل حب، وأثناء عملها جاء إليها "سليم" بعدما أنهى صلاته للتو مرددًا بابتسامة ساحرة: -أزيك يا "صبا"؟!

فرفعت "صبا" عيناها ناظرة إليه بحب شديد ومن ثم استفاقَت على حالتها وهتفت وهي تغض بصرها بعيدًا عنه: -أهلًا يا بشمهندس اتفضل. "سليم" بابتسامة مُلطفة على شفاهه وهو يجلس قبالها على الجانب الآخر من المكتب: -جدي مش هنا ولا إيه؟! "صبا" وهي تذهب لوضع القطايف في الأرفف الخاصة بها: -جدو راح لجدو "عسران" عند "عم إسحاق". لو محتاجاه في حاجة ضروري ممكن تروحله أو تبعتله "ريم" ولا "ليلى" يندهوه.

"سليم" بابتسامة وهو ينظر إليها وكأنه ينظر لها ولأول مرة متجاهلًا حديثها السابق: -تعرفي إن الحجاب حلو فيكي جدًا. أنا أول مرة أحب الحجاب على حد كده. "صبا" وهي تُشيح بنظرها بعيدًا عنه في حرج وخجل واضح: -شكرًا لذوقك. ميرسي على الـ compliment اللطيفة دي يا بشمهندس. "سليم" بابتسامة صافية: -ده حقيقي يا "صبا" مش compliment أنا شايف الحجاب عليكي يهبل بجد. "صبا" بمرح مغيرة مجرى الحديث:

-الله يكرمك يا بشمهندس ده بس عشان مش متعود عليا بالحجاب ما أنا مش بلبسه غير وأنا بصلي بس. "سليم" بابتسامة خاطفة: -أنتي مختلفة أوي يا "صبا" كل ما بص لك بحس بحيرة كبيرة أوي. "صبا" بغرابة من حديثه هذا: -مش فاهمة قصدك يا بشمهندس؟! وهو إيه اللي فيا مختلف؟ "سليم" بنظرات باسمة. نعم فالنظرات أيضًا لها ابتسامات تُسحر، وتُهلك، وتُغرق، فكانت تلك هي نظراته بالتمام والكمال المصوبة لها:

-كلك على بعضك يا "صبا" تركيبة مختلفة ملقتهاش ولا هلاقيها في حد. اللي يبص لك يقول أنك بنت بلد بجد وبـ 100 راجل واللي يعاشرك يعرف قد إيه قلبك جميل وحنينة على الكل. اللي يشوفك يشوف فيكي lady وكأنها جاية من التجمع ولا مارسيليا ميقولش خالص أنك من حارة "البنفسج". "صبا" وهي تضع أعينها بالأرض خجلًا:

-مش معنى أني من حارة شعبية يا بشمهندس أني أكون وحشة أو مبهدلة ولا حتى بلدي زي ما السينما والتليفزيون دايما مصورنا، أنا في الأول وفي الآخر بني آدمة وإنسانة عايشة زي ما ملايين غيري عايشين من الستات والبنات. ثم تابعت وهي ترفع نظرها لمواجهة أنظاره وهي تردد بغرابة: -أنت عارف إيه الغريب بجد يا بشمهندس ومختلف فعلًا؟! "سليم" بتساؤل وهو يضيق عيناه بغرابة: -إيه؟! فتابعت "صبا" حديثها بثقة ورزانة قد اكتسبتهما جيدًا من جدها:

-الغريب أنك برغم أنك اتولدت وعشت فترة كويسة من عمرك في الحي هنا إلا أنك راجع ناسي كل حاجة وناسي إزاي الناس عايشة هنا. مش دايما الشكل أو الهيئة بيكونوا صادقين يا بشمهندس ساعات كتير أوي الدنيا بتخدعنا بمظاهرها الكدابة وإحنا بنتخدع فعلًا بس بنفوق متأخر أوي في وقت مش مسموح فيه بالندم أو حتى الأسف! أنهت حديثها وهي ترجع بظهرها إلى الخلف ناظرة إليه تحاول استشفاف ما يدور بداخله ولكنها فشلت فشلًا ذريعًا.

ظل "سليم" ينظر إليها نظرات مبهمة شاردة في كل كلمة تفوهت بها، يشعر وكأن حديثها هذا بمثابة رسالة خفية من المولى عز وجل له وكأنه ينطبق وبشدة على حالته ووضعه هذا فنطق دون وعي منه وهو ينظر إلى اللاشيء يهز رأسه في شرود: -عندك حق يا "صبا" المظاهر ياما بتخدعنا. ثم أضاف بعدما استفاق من حالته التي هو عليها الآن: -عن إذنك هطلع أشوف تيتة.

فابتسمت له "صبا" ابتسامة مهزوزة لم تصل إلى عينيها ومن ثم رحل في صمت تاركًا إياها تشعر بنزيف قلبها وكأنه عاد ينزف من جديد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...