في ذلك المنزل المتهالك، وتحديدًا بالطابق الثاني حيث يقطن "السبعاوي" وزوجته "صباح" برفقة صغارهم. تقف تلك "أشجان" أمام خزانة الملابس الخاصة بها وكأنها تدعبث عن شيءٍ ما، حتى أنها قامت برمي كل ما تقع يداها عليه على الأرضية بإهمال شديد وهي تردد بغرابة: -يا أدي النيلة، هتكون راحت فين بس دي يا ربي؟ ومن ثم اقتربت من شرفة غرفتها لترى صغيرتها حيث تلعب مع الفتيات والصبية الصغار بالشارع ما يسمى بلعبة "السيجا"، ثم صاحت
باسم صغيرتها بنبرة حازمة: -"زهرة".. يا بت يا "زهرة". أنتِ يا بت.. "زهرة" وهي تركض إلى حيث والدتها: -أيوه يا ماما عايزة إيه؟ "أشجان" بسخرية وهي تردد بصدمة من أسلوب صغيرتها: -عايزة إيه؟ ثم هتفت بحزم: -اطلعي يا اللي تنشكي عايزاكِ. "زهرة" على مضض وهي تبرطم مع نفسها أثناء صعودها الدرج: -يووه بقى! هو الواحد ما يعرفش يلعب شوية من غير ما تنادوا عليه! وما أن دلفت إلى حيث شقتهم حتى نطقت بحنق طفولي:
-أيوه يا ماما ناديتي لي ليه وخلتيني أسيب العيال وأطلع؟ "أشجان" بسخرية: -يا أختي اهتمي بدروسك ومذاكرتك زي ما أنتِ بتهتمي باللعب كده وطول النهار مع العيال في الشارع. "زهرة" بتذمر طفولي: -احنا في إجازة وفي رمضان كمان، وبعدين أنا بسلي صيامي زي ما أبويا قال لي. "أشجان" بتهكم: -والنبي ما حد هيجيب لي جلطة غيرك أنتِ وأبوكِ. قال يعني البت كانت مقطعة الدنيا مذاكرة أيام المدرسة! "زهرة" بعدم صبر فهي تريد الهبوط سريعًا لرفقاتها
وتعاود اللعب معهم من جديد: -طب ممكن تقولي لي عايزاني ليه عشان اتأخرت على العيال والجيم هيبدأ من غيري؟ "أشجان" بنبرة منخفضة بعض الشيء: -قولي لي يا بت ما شوفتيش كيس أسمر كده فيه فلوس كان محطوط في الدولاب جوه؟ "زهرة" وهي تقضب جبينها بتذكر: -آه شوفته. أبويا الصبح أخذه من الدولاب وأنتِ نايمة ونزل على طول. "أشجان" بغضب وهي تضرب على قدميها بعنف فاركة إياها باستحلاف: -بقى كده يا "موسى"! ماشي.. ماشي أما تجيء لي..
وهنا استمعوا إلى صوت صياح الأطفال بالشارع فأقتربت "زهرة" من الشرفة وما أن طلت منها حتى قفزت بسعادة عارمة وهي تردد بصياح: -أبويا جه أبويا جه! "أشجان" بتهكم: -فرحة الأهبل دي كلها عشان أبوكِ جه! "زهرة" بسعادة: -بصي يا ماما أبويا جايب إيه معاه، تعالي اتفرجي. أنا هنزله! قالتها وهي تركض بسعادة باتجاه الباب لتهبط لأبيها كما قالت للتو. "أشجان" بتهكم وهي تذم شفتيها بسخرية: -يا إما جاب الغراب لأمه.
ثم تابعت وهي تذهب باتجاه الشرفة وإذا بها شعرت وكأن الصدمة قد شلت حواسها وعجزت عن الحديث وهي تضرب بيديها صدرها قائلة بغضب وهي تنظر لعربة التنقل الشعبية الصغيرة المدعاة بـ "التوكتوك": -يا نهار أبوك أسود ومهبب يا سبعاوي الزفت. وحياة أمي ما هسكت لك المرة دي! ثم أنهت حديثها وهي تذهب باتجاه الباب وبمجرد ما أن قامت بفتحه حتى اصطدمت بجسد زوجها الذي بادلها بابتسامة محبة وكأنه لم يفعل شيئًا.
"أشجان" بغضب وهي تصك الباب بعدما دلف مباشرةً: -أنت شرفت يا سبع الرجال. "موسى" بخوف من نبرتها: -استر يا اللي بتستر. "أشجان" بغضب وهي تضرب بيديها صدره بعنف: -بقى كده يا "موسى"! كده تاخد فلوس هدوم العيد بتاعت العيال وتروح تصرفهم على المخروب اللي تحت ده! طب هات حاجة عدلة يا راجل مش تروح تجيب توكتوك. وهو احنا ناقصين وكسة أكتر من اللي احنا فيها دي يا ربي. "موسى" بعدم اكتراث: -يا ولية ما تبقيش وش فقر كده.
أنتِ عارفة التوكتوك ده هيدخلنا يومية قد إيه في اليوم. "أشجان" بتهكم: -وهو أنت ناوي تسيب الشغل على التوناية المكسحة بتاعتك وتنزل على التوكتوك المخروب ده؟ أنت اتهبلت يا راجل أنت؟ "موسى" باستنكار: -ما يبقاش مخك تخين أومال. وهو أنا برضه هسيب التوناية عشان التوكتوك؟ ثم تابع بابتسامة عريضة وهو يتلامس بيديه بطنه المنتفخة أو ما يسمى بـ "الكرش":
-أنا ناويت أنزل الواد "حماصة" ابن "أم علا" على التوكتوك الجديد لحد ما الواد "ياسين" يتعلم سواقته وساعتها ينزل هو عليه. "أشجان" وهي تقفز في مكانها بغضب: -يا لهوي يا لهوي أهو ده اللي كان ناقصك وفاضل لك يا أشجان يا أختي. بقى آخرتها يا راجل يا اللي ما عندكش دم عايز الواد ابنك أبو 10 سنين ينزل يشتغل على توكتوك؟
وديني وديني وما أعبد يا "موسى" إن ما بعت التوكتوك ده ورجعت الفلوس عشان أجيب كسوة العيال بتاعت العيد ما هقعد لك فيها ثانية. "موسى" بلامبالاة: -يا ولية اصبري على رزقك، بكرة التوكتوك اللي مش عاجبك ده هيأكلك الشهد. "أشجان" بغيظ وغضب أعمى: -أنت هتجنني معاك يا راجل أنت. وهو أنت من أمته بتجيب حاجة عليها القيمة ولا حتى بناكل من وراها الشهد؟ ده أنا من يوم ما عرفتك يا حسرة وأنا مش باكل حاجة غير إني بسق التراب سف. "موسى" بغضب:
-يا بااااي عليكِ، وليه وش فقر. أنتِ عارفة التوكتوك ده أقل يومية هيدخلها لينا في اليوم قد إيه؟ "أشجان" بسخرية: -يا أخويا أنا عمري ما شوفت لك إيراد ولا يومية، ده احنا طول الوقت بنصرف على الخرد اللي أنت بتجيبهم من جيبنا. إيشي التوناية عايزة فانوس مش عارفة بكم، وإيشي عايزة كاوتش بالشئ الفلاني، وإيشي عايزة أبصر إيه ده اللي اسمه قول معايا! قالتها وهي تفرك جبهتها محاولة تذكر ما تريد أن تتفوه به. فأجابها "موسى" بلامبالاة وهو
يشعل سيجارته بعدم اكتراث: "بربيز اسمه بربيز يا جاهلة! "أشجان" بحدة: "أنت بتعمل إيه يا راجل أنت؟ ده فاضل أقل من ساعتين عالمغرب! "موسى" بنبرة ذات مغزى: "أستغفر الله العظيم يا رب. يا رب هي اللي استفزتني وخلتني أحرق بنزين كتير وأفطر." "أشجان" بغضب: "وإن شاء الله هتتحرق في نار جهنم كمان! بقا يا راجل يا ناقص بتفطر في نهار رمضان وقبل المغرب بساعتين؟ أومال هتسيب إيه للواد "ياسين" اللي عمره ربع عمرك؟ "موسى" ببلادة:
"الواحد كان خرمان على سيجارة وأنت خليت الواحد يفقد أعصابه." ثم تابع وهو يسير باتجاه غرفة المطبخ: "أقولك على حاجة؟ أنا سيبهالك وداخل أعمل كوباية شاي وبعدين هنخمد لحد ميعاد الفطار." "أشجان" بتهكم: "اللهي تنام عليك حيطة يا بعيد وتريحني منك!
وفي منزل "الحاج عمران" يجتمع الجميع بعد الفطور يحتسون الشاي الذي قامت "صبا" بإعداده بناءً على طلب من جدتها، وهم يجلسون في غرفة الصالون يتابعون التلفاز و"فرحة" جالسة حاملة بين ذراعيها صغيرها تهدهده بحب بالغ. "عمران" بحب وسعادة: "والله زمان يا عيال "عمران".. الواحد بقاله كتير ما استمتعش باللمة الحلوة دي." "زينة" بعفوية: "ما إحنا متلقحين قصادك يا جدي ليل ونهار.. أنت بس اللي مش بتشبع من لمتنا حواليك." "عمران" بحب:
"وهو في حد يشبع من لمة حبايبه حوالين منه وخصوصًا لو كانوا أولاده وأحفاده؟ هما مش بيقولوا برضه "أعز الولد ولد الولد؟ "عزيزة" بحب: "يا أخويا ربنا يديم لمتنا دايماً ويديم حسّك بالدنيا." "عمران" وهو يغازلها بحب متكئًا على عصاه الأبانوس بهيام: "أهوه لمتنا دي كوم وقعدتك أنت كوم تاني يا زوزة." "ثريا" بمرح: "الله عليك يا حاج وأنت رومانسي! "عمران" بحب واضح: "الله يا بنتي وهو مش ده حق ربنا؟
وبعدين ربك بيقول "وأما بنعمة ربك فحدث" وأنا أهو بكلمكم على نعمة ربنا عليا في الدنيا." "عزيزة" بخجل: "يوه يا حاج مش كده يا أخويا؟ أنا بتكسف هههه. وبعدين بلاش قدام العيال لأحسن هيفضلوا كل شوية يغلسوا عليا وأنت عارفهم هزارهم تقيل." "عمران" بحب: "طب يبقى حد فيهم يضايقك كده وشوفي أنا هعملك في إيه." "صبا" بحب وهي تقبل وجنة جدتها بمرح: "يا أختي عليكي وعلى طعامتك يا زوزة وأنت مكسوفة." ثم تابعت وهي توجه حديثها إلى جدها بحماس:
"ما تحكيلنا يا جدو عن قصة حبك أنت وتيتة، نفسي أوي أسمعك وأنت بتتكلم عنها." "فرحة" بحب هي الأخرى ونبرة يملؤها الحماس: "آااه والنبي يا جدو إحنا دايماً بنسمعها من تيتة ولا مرة سمعناها منك." "عمران" بتنهيدة: "آااه.. هحكي إيه ولا إيه ولا إيه؟ ده أنا لو أحكي عليه أنا هوصف إيه، وده كل ما فيه ولا في الأحلام." "صبا" و"فرحة" بنفس الصوت وبنبرة مرحة: "آااه يا سلام يا سلااام يا سلااام يا سلااام! "عزيزة" بخجل:
"يوه يا حاج شوف العيال بتقول إيه... آااه يا قليلة الحيا منك ليها! "فرحة" بمرح وهي تميل على كتف جدتها بدلال: "ما تسيبي الراجل يحكي يا زوزة عايزين نسمع الله." ثم تابعت وهي تحث جدها على إكمال حديثه: "كمل يا جدو والنبي عايزين نسمع." "عمران" وهو يتذكر أيام صباهما سويًا:
"آااه.. كان بيت عمي قصاد بيتنا وكنت في الطالعة والنزلة ألمحها وأبعتلها الجوابات مع السقا وهو بيعبيلهم الماية. كانت أيام يا ولاااد.. كان الحب زمان في الجوابات وكان تبقى مصيبة لو وقع الجواب ده في إيد حد من أهلنا. مش عشان في كلام بطال لا سمح الله بس عشان كان في حاجة اسمها حيا وكسوف للبنت واحترامنا للكبار وأهلنا." ثم تابع وهو يقترب برأسه من "عزيزة" مردداً بنبرة مليئة بالغزل والمحبة:
"فاكرة يا "عزيزة".. فاكرة لما كنت بجيب "هلال" بالكمانجة بتاعته ونقعد عالقهوة تحت البيت وأخليه يعزفلك غنوتنا؟ ثم تابع وهو يدندن ويهز رأسه بانسجام شديد مع كل كلمة يتغنى بها: "تلات سلامات يا واحشني تلات أيام بإيدي سلام وعيني سلام وقلبي سلام يااااااا يا ولاد رجعتوني للذي مضى." "سليم" بحب: "ربنا يديك الصحة يا حاج وبعدين أنت لسه شباب." "عمران" بحب: "شباب إيه يا ابني البركة فيكم أنتم.. مش هناخد زمنا وزمن غيرنا."
"كريم" بحب وهو يقبل كتف والده رابتًا عليه بحنان: "أوعى تفكر الشعر الأبيض ده معناه أنك عجزت، ده الشباب شباب القلب يا حاج." فشعرت "فريدة" بالسؤم مما يحدث فهتفت إلى زوجها بنبرة يملؤها الدلال المصطنع: "سليم يلاا بيناا.. أنا تعبت أوي من القعدة ومحتاجة أطلع أرتاح شوية." "عزيزة" بعفوية: "يوه يا بنتي ما لسه بدري يا حبيبتشي، ده حتى لسه ما قطعناش الكنافة." "فريدة" بنبرة لا تقبل النقاش مقتضبة:
"معلش يا تيتة يوم تاني أصل أنا لسه تعب السفر مأثر عليا." "سليم" بحرج وابتسامة يحاول جعلها طبيعية: "طب عن إذنكم يا جماعة وبكرة إن شاء الله هنقعد مع بعض أكتر." "مجيدة" بحنان: "طب ما تطلع يا حبيبي تريح شوية وأقعد أنت معانا، ده أنت حتى لسه ما دوقتش القطايف والكنافة اللي "صبا" عاملاهم." "سليم" بابتسامة مهزوزة: "معلش يا أمي بكرة إن شاء الله هقعد معاكم ومش هطلع غير بعد السحور." ثم تابع وهو يوجه حديثه إلى "صبا"
بابتسامة مجاملة: "تسلم إيدك يا "صبا"، البامية كانت جميلة جداً." "صبا" بتهذب: "بألف هنا يا بشمهندس." وما أن هم كلاهما بالرحيل حتى استمعوا إلى الطرق على باب الشقة ومن ثم دلف كل من "إسحاق" وزوجته "فريال" حيث يحمل "إسحاق" بين يديه كيس أسمر اللون به فسيخ أو ما يُسمى "بالملوحة" بجميع أنواعها. وبعد الكثير من الترحاب والاحتضان وتعرف كل منهم على "فريدة" الذي كان التقزز واضحاً وبشدة على معالم وجهها حتى هتفت "عزيزة"
بابتسامة محبة: "أخس عليكي يا "فريال" وهو أنتم غرب يا أختي؟ إيه اللي أنتم جايبينه معاكم ده؟ "فريال" بحب خالص: "ما تقوليش كده يا حاجة ده أنتم أكتر من أهل بأمانة، دول بس كام كيلو فسيخ على ملوحة حلاوة المولد الجديد الرب يحميه." "عزيزة" بحب وهي تربت على كتفها بحنان: "يا أختي والنبي ده أنتم ونعمة الجيرة والصحبة، ربنا يديم المعروف بينا بس ما كانش له لزوم التكلفة دي ما خير ربنا كتير والحمد لله."
"فريال" بحب وهي تربت على ساق "عزيزة" بحنان: "تعيشي يا خالتي تنه عامر دايماً." "إسحاق" بسعادة: "إيه يا بشمهندس أنت ماشي ولا إيه ولا إذا حضرت الشياطين.." "سليم" بحب: "لا طبعاً ما تقولش كده ده أنت وحشني جداً بس كنت طالع أريح شوية عشان تعب السفر والصيام، وأنت عارف بقى." "إسحاق" بحب وهو يجذبه ليجلس إلى جواره: "والعدرا لأنت قاعد يا راجل ده أنت وحشني أوي." فنظر "سليم" إلى "فريدة" نظرة مستعطفة يحثها على المكوث قليلاً ولكنها
لم ترضخ له وهتفت باقتضاب: "طب عن إذنكم أنا يا جماعة هطلع أرتاح شوية." ثم تابعت وهي تقترب من زوجها ساحبة المفتاح من بين يديه بعدم اكتراث وهي تتجه صوب الباب: "تصبحوا على خير." الجميع مردداً في عجابه من موقفها: "وأنت من أهله." "عزيزة" ملطفة الأجواء من بعد رحيلها: "أنستونا يا جماعة والله خطوة عزيزة يا أختي." "فريال" بحب: "تعيشي يا خالتي وتسلمي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!