عودة إلى منزل "آل عمران" بالطابق الخاص بـ "عزيزة" حيث يجتمع الجميع، وتجلس "عزيزة" تقوم بإعداد ما يسمى بـ "الكسكسي" الخاص بحفل المولود بمساعدة "ثريا" حيث تنطق "عزيزة" بنبرة محذرة لها وهي تقوم بسكب السمن. -يا بنتي واحدة واحدة. انزلي بالسمنة واحدة واحدة عشان ميكلكعش منك. "ثريا" بحماس. -يا أمه ما أنا أهو بنزل بالسمنة بشويش. "عزيزة" بهدوء. -طب كملي يا أختي، بس تقلي إيدك شوية.
وهنا شعر "بدر" بالسأم مما يحدث حوله فتسلل إلى غرفة الجلوس بعيدًا عنهم ومن ثم قام بإشعال سيجاره بعدما تأكد من أنه لا أحد يراه من أفراد عائلته وبدأ في تنفيس غضبه في سيجاره وهو يشعر بنيران حارقة بداخله من سخرية والده وجده والجميع منه، فهم يرونه دومًا إنسان متبلد القلب والمشاعر ولم يكترثوا لإحاسيسه ومشاعره يومًا. يشعر بالعجز والضعف ولكن ليس بيده حيلة لفعلها لإقناعهم بأنه يستحق.
بأنه يريد أن يكون ولكنه لا يعلم من أين سيبدأ أو كيف؟ فهو عاجز عن إيصال مشاعره وتخبطه لهم. عاجز عن إيضاح الصورة لهم أمام أعينهم. يشعر وكأن هناك طاقة قوية بداخله تريد الاندلاع ولكن إمكانياته وتحطيم من حوله له يقفون دون إخراجها للضوء. يرى نفسه دومًا بأعين نفسه فقط ولا يريد أن يراها بأعين الآخرين لأنه إذا رأى نفسه بأعين الآخرين سيموت حتمًا من قهرته لما سيراه من خلالهم.
فهو بمجرد سماع اسمه فقط يقترن بأذهانهم بالفشل والإحباط وضياع القيمة والهدف المتبالي في الحياة. دومًا ما يرى خيبة الأمل بأعين والدته تجاهه. دومًا ما يرى حسرة والدته بوضوح على ما اقترفه بحق نفسه دون قصد منه ولكنه حقًا دون قصد.
فهو كان يومًا ما طالبًا في كلية الفنون الجميلة كابنة خالته "صبا" ولكنه إنذاك كان نجمًا لامعًا بمسرح كليته حتى أنه قد فاز بالعديد من المسابقات على مستوى الجامعات الأخرى ومنذ ذلك الحين أصبح مولعًا بالفن والمسرح والتمثيل حتى أنه أصبح لا يرى نفسه في أي مجال آخر بخلاف ذلك وكأن "الفن" روح وقامت بلبسه ومنذ ذلك الحين وهو يسعى ويسعى حتى يصبح فنانًا ناسيًا ومتناسيًا نفسه وعائلته وزوجته وكل شيء في سبيل تحقيق هدفه. أخطأ.
نعم أخطأ. هو يعلم ذلك جيدًا ولكنه قليل الحيلة وليس لديه الأموال كأخيه "محمود" الذي يعمل ضابط بالجيش ولا يراه أحد منهم إلا بالمناسبات فقط. وليس كـ "سليم" ابن خاله الذي سافر وقضى فترة طويلة من حياته ببلاد الخليج.
فهو قد تخرج ولم يجد عملًا يناسبه أو حتى يناسب مهنته وبمجرد ما أن حصل عليه حتى مرت سنتين بالتمام وأعلنت الشركة إفلاسها واستغنائها عن موظفيها ومنذ ذلك الحين أصبح عاطلًا وزوجته هي من تتولى وتتدبر أمور المنزل عن طريق عملها بالحياكة، حتى أنهم قرروا استبعاد فكرة الإنجاب من حياتهم تلك الفترة حتى تستقر أوضاعهم.
وعندما شعر بالاختناق من أفكاره تلك وكأن الكيل قد طفح به فاض الدمع من عينيه، فنفث سيجاره بوجع وهو يغمض عينيه بقهره وما أدراك من قهر الرجال؟! وبمجرد ما أن فتح عينيه ونظر إلى دخان سيجاره بحسرة حتى تفاجأ بوجود "صبا" التي همست له بحزن على حالته فهي قد راقبته خلسة منذ تركه لهم حتى تلك اللحظة دون أن يراها أو أحد غيره يلاحظ عليها. -بقى كده يا "دودا" في حد يشرب سجاير في نهار رمضان.
أنت عارف لو جدو شافك ولا حد من العيلة هيعمل إيه؟! "بدر" بغضب أعمى دون أن يدرك أو يمتلك نفسه. -يعمل اللي يعمله مليكيش فيه. من فضلك سيبيني لوحدي أنا مش عايز أشوف حد ولا أسمع حكم ومواعظ، أنا اللي فيا مكفيني. فشعرت "صبا" بالحرج الشديد من حديثه هذا فهو قد أحرجها وأحرق دمائها دون أن يقصد بنوبة غضبه غير المبررة تلك، فهزت "صبا" رأسها في حرج وما أن همت بالخروج في خجل والعبرات محتجزة تشكل حاجزًا زجاجيًا على وشك التهشم والسقوط.
-أنا أسفة. عن إذنك. فشعر "بدر" بالأسف من أجلها وبالخجل أيضًا مما فعله معها فهي ليس لديها أي ذنب فيما اقترفه الآخرون بحقه ولا حتى لها علاقة بما قدره الله له، فهتف بحرج شديد. -استني يا "صبا". أنا اللي آسف. فاستدارت له "صبا" دون أن تعلق، فتابع "بدر" بأسف حقيقي. -أنا آسف بجد يا "صبا" مش عارف أعصابي فلتت إزاي بس بجد غصب عني متزعليش مني! قالها وهو يقترب منها واضعًا قبلة حانية أعلى جبهتها حتى يرتضيها.
"صبا" بابتسامة صافية وكأنه لم يجرح كرامتها من قبل. -متتأسفش يا حبيبي أنا عارفة أنه غصب عنك. أنا بس صعبان عليا أشوفك في الحالة دي وأقف أتفرج. صدقني يا "بدر" اللي أنت بتعمله في نفسك ده مش صح. "بدر" وهو ينفث دخان سيجاره بحسرة. -وهو إيه اللي حواليكي صح يا "صبا" عشان أكون أنا كمان صح. ثم استدار إليها مرددًا بمرارة. -أبويا صح. اللي بيستنى أي فرصة عشان يقلل مني قصاد أي حد منكم ولا جدي.
جدي اللي مستكتر يقولي كلمة حلوة وعلى طول محسسني أني بشحت منه. ولا حال البلد اللي كل حاجة فيها ماشية بالكوسة والمحسوبية. أنا تعبااااان. تعبااااان أوي يا "صبا" ومحدش عارف أنا حاسس بإيه ولا مقدر اللي جوايا. عمر ما حد فيكم فكر أنا حاسس بإيه وأنا قاعد في البيت زي زي الست الوالدة ومراتي هي اللي بتشتغل وبتصرف عليا. ده أنا حتى حارمها من أجمل إحساس ممكن أي ست في الدنيا متجوزة تحسه. فأضاف بحسرة وهو يوجه ينظر إليها بوجع.
-أنتي عارفة يعني إيه أحرم مراتي من الخلفة لأني مش عارف أجيب ليها اللقمة ما بالك لو جبت عيل صغير هأكله وأصرف عليهم منين. فجلس بحزن ومن ثم تابع بنيران حارقة. -كل اللي بره دول مستقلين بـ "بدر" وكأن بدر ده نكرة مش بني آدم زيه زيكم، لحم ودم، بيحس وبيتوجع وبياخد على خاطره. أنتي عارفة يعني إيه تتعاملي مع الناس واللي حواليكي ومن ضمنهم أهلك على أنك أقل منهم أو على الأقل هما شايفينك كده. فتابع بوجع أكبر.
-صدقيني يا "صبا" مفيش حد في الدنيا دي عايز يوكس نفسه بإيده ولا حتى يشوف نفسه بيغرق ويقف يتفرج. ربنا عالم أني حاولت وعافرت كتير بس ربنا مكانش رايد أو يمكن مكانش كاتبلي الخير في أي حاجة عملتها من قبل كده. أنتي عارفة أنا بخاف أبص في عيون أمي عشان ما أشوفش فيهم خيبة الأمل اللي بشوفها في كل مرة ببص فيها ليها. وبخاف أنام في يوم وأقوم ألاقي "زينب" كرهت عيشتي وحياتي وقررت تبعد عني.
أنا جوايا حاجات كتير أوي يا "صبا" لو قعدت أحكيها مش هنخلص، متاخديش في بالك أنتي كله خير! قالها وهو ينظر إلى اللاشيء، بكسرة استشعرتها "صبا" جيدًا، ومن ثم ربتت على كتفه بحنان وحب أخوي وهي تردد بهدوء ولطف: -أنت قد الدنيا يا "بدر"، وصدقني محدش يقدر يستقل بيك. يمكن يكونوا حاطين أمل عليك وتوقعات معينة، وأنت حققت توقعات بعيدة شوية عن توقعاتهم، لكن ده عمره ما هيقلل منك ولا حتى يخليك تستقل بنفسك.
ثم تابعت بنبرة جادة يملؤها المحبة والود وهي تمسك يديه ترفعها أمام وجهه ملوحة بها بلطف: -بص لإيدك. أهي إيد واحدة بس فيها خمس صوابع مختلفين عن بعض. كل واحد له اسم وشكل وحجم مختلف، بس في الآخر مفيش غنى عن أي حد فيهم، ولا ينفع صُبع يقوم بدور صُبع تاني. بص لإيدك كويس يا "بدر". أنت زي أي صُبع فيهم، مختلف عن غيرك، بس في الأول وفي الآخر ليك دور ومفيش غنى عنك بالنسبة لخالو أو عمتو أو حتى جدو وتيتة وأي حد من العيلة.
وصدقني "زينب" بتحبك. قولي أنت إيه اللي يخلي واحدة تستحمل كل ده إذا ما كانتش بتحبك؟ الحب اللي بينكم قادر إنه يديكم أنتم الاثنين القوة عشان تستحملوا وتعدوا وتعافروا مع بعض. "بدر" بمرارة: -ولو الحب ده قل؟ أو من كتر المرار اللي ذاقته معايا استكفت وقررت تبعد، هيفيدنا بإيه الحب ده ساعتها؟ "صبا" بهدوء ونبرة محببة: -الحب عمره ما هيقل أبدًا يا "بدر". الحب ممكن يزيد لكن يقل دي استحالة، أو مش إحنا اللي نعمل كده والحب جوانا يقل.
ثم أضافت وهي تنظر إلى اللاشيء نظرات حالمة: -الحب اللي بجد المواقف دي هي اللي بتقويه وبتبيّن معدنه، وإذا كان حقيقي بجد ولا ورق هيطيره شوية ريح. اللي أنت فيه ده اختبار من ربنا يا "بدر"، وأنت راجل مؤمن وعارف ربنا كويس وراضي بقسمته ونصيبه. وربك بيقول: اسعَ يا عبد وأنا أسعى معاك. "بدر" بحزن: -والله سعيت. سعيت لحد ما رجلي فُقّفت من السعي، بس زي ما بيقولوا العين بصيرة والإيد قصيرة. "صبا" بحب أخوي خالص:
-أنا النهاردة جاية أسعى معاك وأمد إيدي عشان أطول بيها إيدك. تقبل أن أختك تساعدك وتقف جنبك في تحقيق حلمك؟ "بدر" وبريق الأمل عاد يبرق في عينيه من جديد: -مش فاهم قصدك... إزاي هتساعديني في تحقيق حلمي؟ "صبا" بحماس وهي تحاول إنعاش الأمل في صدره من جديد: -يعني أنا قررت أديك الفلوس اللي أنت طلبتها من جدو بره عشان تحقق حلمك وتمثل المسرحية اللي أنت نفسك تمثلها. أنا كنت محوشة مبلغ من فترة وقولت أشيله لوقت عوزه، وأهو جه وقته.
هتقبل مساعدة أختك ولا لسه زعلان من كلام خالو وجدو بره؟ "بدر" بسعادة وحماس بعدما أنعشت الأمل بصدره وقامت بزرع الفرحة بداخل قلبه: -أنا مش عارف أقولك إيه يا "صبا" بجد... طب تفرضي العرض فشل ومتصعدش للمسابقة، إيه اللي هيحصل وقتها؟ "صبا" بابتسامة مطمئنة ومشجعة: -أولًا العرض مش هيفشل، لأني واثقة في ربنا وواثقة فيك زي ما أنا واثقة في نفسي بالضبط.
ثانيًا في أصعب الظروف وحتى لو العرض فشل، فهيكون اسمنا حوالينا وهنستعوض ربنا في الفلوس، لأننا إحنا اللي بنعمل الفلوس مش العكس، ومدام المحبة والود باقي يبقى في داهية فلوس الدنيا كلها. ثالثًا دي فرصتك عشان تثبت للدنيا وللعيلة كلها مين هو "بدر"، وعشان ترجع تشوف نظرة الفخر في عيون عمتو ومراتك من جديد، وأنا واثقة أنك المرة دي هتستغل الفرصة كويس على قد ثقتي فيك. "بدر" برفض وحرج شديد منها: -بس أنا مش هقبل أني آخد منك الفلوس.
ده تعبك وشقاكي يا "صبا" وحقك. يعني هو بدل ما أديكي آخد منك؟ "صبا" بود ومحبة خالصة: -أنت أخويا ومفيش بين الإخوات الكلام الفاضي ده. اعتبر الفلوس دي سلف وأول ما ربنا يفتحها عليك رجعهم، وبالتقسيط المريح كمان يا عم، ابسط ههههه. "بدر" بمحبة وسعادة وهو يقبل جبهتها بحب أخوي: -الله عليكي يا أحلى أخت في الدنيا. ربنا يخليكي ليا يا رب ويقدرني على رد جميلك ده. "صبا" وهي توكزه في ذراعه بخفة:
-بقا كده يا "دودا" هو في بين الإخوات جمايل؟ ثم تابعت بحب ولطف: -بس بليز يا "بدر" أوعدني أن دي آخر مرة تفطر فيها. إحنا في شهر مفترج ومش بيجي غير مرة واحدة في السنة، صوم وصلِّ عشان ربنا يبارك ليك في شغلك وبيتك ويعوضك ويعطيك من فيض كرمه وعطاه. وبعدين ده الرسول عليه الصلاة والسلام بيقول: "صوموا تصحوا"، يعني برضه في الأول وفي الآخر عشان صحتك.
السجاير اللي أنت بتنفث غضبك فيها عمرها ما هتفيدك، بل بالعكس هتحط فوق همك هم فلوس شرا السجاير ههههه. "بدر" بمحبة وابتسامة صافية: -عندك حق يا "صبا". أوعدك أنها هتكون آخر مرة أفطر فيها وهحاول أجاهد نفسي وغضبي على قد ما أقدر. "صبا" بسعادة: -يبقى اتفقنا، وإن شاء الله ربنا هيكرمك طول ما أنت بتحاول تجاهد نفسك. أنا هطلع أجيبلك الفلوس عشان تبدأ تجمع الناس وتعمل البروفات وتحضر للعرض. فابتسم لها "بدر" بمحبة
وهو يردد بسعادة وفخر: -ربنا يخليكي ليا يا "صبا" يا رب. وأنا أوعدك أني مش هخذلك وهكون قد ثقتك فيا. "صبا" بحنان: -وأنا واثقة من ده. وبالأعلى حيث الدور الخاص بـ "سليم" وزوجته. تجلس "فريدة" على طرف فراشها تحادث والدتها وهي تصيح بغيظ شديد: -أنا كنت متغاظة أوي يا مامي ومحستش بنفسي بقول إيه ولا بعمل إيه... المشكلة إنه سمعني وعطاني كلام زي السم، وزعلان مني من ساعتها وبينام في أوضة تانية. "سهير" بتهكم: -سم لما يقرصه.
وأنتِ إزاي تقبلي أنك تسمعي منه كلام زي ده وتسكتي يا بنتي؟ وهو نسي أنتِ مين وبنت مين؟ نسي هو عمل قد إيه عشان يتجوزك؟ "نصار" بغضب وهو يسحب من زوجته سماعة الهاتف مرددًا بحدة لابنته عبر الهاتف: -اسمعي يا "فريدة" أمك بكلامها ده هتخرب عليكي، وأنتِ بعمايلك دي مش مستنية كلمة منها. بس الظاهر أني دلعتك ودلعتك زيادة عن اللزوم، لدرجة أن غرورك صوَّرلك أن مشاعر الناس ملهاش اعتبار ولا قيمة عندك.
أمك بكلامها ده عايزة تخرب مش تعشش، وأنا أهووو بقولهالك قدامها! فأخفت "سهير" بغضب ومن ثم تركته وهربت من أمامه بحدة حتى لا تضطر لسماع حديثه الماسخ هذا بالنسبة لها، ومن ثم تابع بغضب أكبر: -اللي بتكلمني دي دلوقتي مش بنتي. لاااا دي مش "فريدة" اللي ربيتها بإيديا دول، وصدقيني يا بنتي لو مفقتيش لنفسك ولبيتك، بيتك الحلو الجميل ده هيتهد فوق راسك وهتقولي أبوكي قال. "فريدة" وهي تحاول السيطرة على غضب والدها بذعر من
حالته التي هو عليها تلك: -بس يا بابي. "نصار" بغضب: -ما بسش. لو مراضتيش جوزك ولميتي نفسك وبطلتي حركاتك دي ساعتها متلوميش إلا نفسك يا "فريدة"! قالها ومن ثم أغلق الخط بغضب وهو يردد لنفسه بحسرة على أفعال ابنته: -الظاهر أني غلطت في تربيتك يا "فريدة" وغلطت لما سبتك لأمك تربيكي. بس لو أنتِ مغيرتيش من نفسك وساعدتِ نفسك ساعتها هتدمرّي كل حاجة ومش هتلومي غير نفسك في وقت لا ينفع فيه الندم ولا اللوم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!