بمجرد ما أن أغلقت "فريدة" الخط حتى فرت دمعة هاربة من أعينها على أثر توبيخ والدها لها، فهي لأول مرة بحياتها يجرحها والدها بهذا الشكل وبتلك الطريقة من أجل زوجها، فأردفت من بين عبراتها: "بقا كده يا بابي؟ هو أنا اللي بنتك ولا سليم؟ ثم تابعت بتفكير وهي تمسح عبراتها بحزن: "أعمل إيه بس يا ربي ده بابي أول مرة يزعل مني بالشكل ده، كله منك يا سليم أنت اللي عملت فينا كده، أهى أهى أهى!
قالتها ومن ثم أجهشت في البكاء من أجل ما فعله والدها بها. وبالخارج يدلف "سليم" من باب الشقة وبمجرد ما أن أغلق الباب خلفه حتى دلف إلى غرفة الأطفال وهوى على أقرب مقعد واضعًا رأسه بين راحتيه، يشعر بالتخبط والضياع وكأن العالم قد توقف عند تلك اللحظة التي استمع فيها إلى ذلك الخبر الذي وقع على أعتاقه كوقوع الصاعقة المدمرة التي دمرت معها الأخضر واليابس. "أيعقل أنها ستتزوج حقًا؟
"أيعقل أن من قام برفضها يومًا والتهرب منها ستكون لغيره بعد كل تلك السنوات التي انتظرته خلالهما؟ "أيعقل أنها ستبني وتؤسس حياتها الخاصة التي رفض يومًا أن يكون جزءًا منها؟ "أيعقل أنها ستنفلت من يداه كانفلات حبات اللؤلؤ من الخيط المحاط بها؟ عند هذا الحد من الأفكار شعر وكأن رأسه ستنفجر منه أو أنه سيصاب بجلطة دماغية على أثر الاستغراق في مثل هذا التفكير الذي سبب له نيران حارقة وبشدة وأشعل لهيب الغيرة بداخله.
نعم يغار، ويغار بشدة أيضًا. "أيعقل أنه يغار عليها حقًا كما حدثه قلبه منذ لحظات؟ وهنا أتاه الصوت من عقله محاولًا إفاقته مما هو به. العقل: "أوعى تصدق يا أخويا أنك بتغير عليها بجد، ده أنت لسه شايفها من أسبوع يعني ملحقتش تحبها." القلب: "بس أنت غيرت فعلًا، أنت غيرت يا سليم والدليل هو حالتك دلوقتي، الموضوع مش بالأيام قد ما هو بالروح والجوهر وأنت زي ما قولت قبل كده اللي لقيته فيها ملقتهوش ولا هتلاقيه في واحدة غيرها."
العقل: "أنا معاك في دي بس مش أسبوع يا سليم." القلب: "كل حاجة بتحصل مع الوقت إلا الحب ده بيحصل بين يوم وليلة زي ما حصل معاك دلوقتي." العقل: "بس برضه مش لدرجة الحب يا جدع، أنت ممكن تكون أعجبت بروحها وبخفتها واجتهادها مش أكتر، يعني الموضوع كله مجرد إعجاب وهيروح لحاله." القلب: "بس أنا عمري ما كنت في الحالة دي مع حد قبلها حتى فريدة مراتي عمري ما حسيت بالأحاسيس دي تجاهها."
العقل: "وهو مش أنت برضه اللي سبتها من سنين وسافرت ورجعت بـ فريدة ودوست عليها وعلى كلمتك لجدك وأبوك؟ القلب: "أنا لما سبتها وسافرت كانت هي عيلة صغيرة مكملتش ١٤ سنة، كانت في عمر دهب أختها يعني ملحقتش أحبها ولا أعرفها حتى، ووقتها أنت التزمت مع جدك بالكلام ده احترامًا له ولكلمته. لكن لما بعدت قبلت فريدة وحبيتها." العقل: "وهو إيه اللي خلاك توقع كلمة جدك وتسيب بنت عمك وتتجوز غيرها؟
القلب: "حسيت وقتها أن الموضوع ممكن يكون اتنسى خصوصًا أني سايبها عيلة بضفاير ولأني مكنتش حاسس بأي حاجة تجاهها فقررت أتجوز فريدة أول ما شوفتها وحسيت أن مشاعري اتحركت ليها." ثم تابع قلبه بإنهيار شديد: "مش عارف.. مش عاااااارف.. أنا كل اللي أعرفه أني حاسس بإنجذاب مش طبيعي تجاه صبا، حاسس أني هحبها أو حبيتها مش عارف." العقل: "أنت حيرتني معاك! أنت بتحب فريدة ولا منجذب لـ صبا وبتحبها؟ قرر وقولي أنت بتحب مين عشان مفيش وقت."
القلب: "مش عاااااارف.. أنا حاسس بالضياع، وكل اللي شاغلني دلوقتي هي هتوافق على العريس ده ولا لأ." العقل: "وهو أنت شاغلك في إيه توافق ولا ترفض؟ أنت دلوقتي راجل متجوز والمفروض أنك بتحب مراتك وأنك مختارها بنفسك فبلاش هبل وركز على بيتك، فريدة متستاهلش منك كده." القلب: "فريدة فعلًا متستاهلش كده، بس قلبي مش بإيدي واللي أنا حاسه دلوقتي صعب على أي راجل أنه يمر بيه أو يحسه."
العقل: "أنت اللي عملت في نفسك كده يا سليم، صبا كانت ليك من الأول بس أنت اللي غدرت بيها وفضلت عليها فريدة، استحمل بقااااا." القلب: "أنا مغدرتش بيها أنا مكنتش أعرفها، أنا سبتها عيلة صغيرة ومكانش عندي أي مشاعر تجاهها، قولي كنت هحبها إزاي؟ إزاي هبص لعيلة صغيرة أو مشاعري تتحركلها؟ إزاي كنت هحس بيها أو أن في جوايا مشاعر بتكبر ناحيتها؟
العقل: "يمكن معاك حق في النقطة دي بس ده ميدكش الحق أنك تعيش ولما تقرر تعيش هي كمان وتشوف حياتها تزعل وقلبك يتكسر، غير أن في فريدة موجودة مينفعش تأذي مشاعرها أو تجرحها بالشكل ده، انسى يا سليم وفكر في مراتك وبيتك وسيب بنت عمك تعيش زي ما أنت عشت وكملت حياتك." القلب: "صعب.. صعب أوي أني أقاوم إحساسي ناحيتها بس هحاول، هحاول عشان فريدة متستاهلش مني كده وعشان كمان صبا تعرف تعيش وتكمل حياتها بعد ما اتجوزت وكسرت بخاطرها."
العقل: "عليك نور.. كفاية أوي لحد كده يا سليم وفوق لنفسك عشان متضيعش اللي باقي ليك." فشعر "سليم" بالضياع والتخبط أكثر من ذي قبل فرفع يديه فاركًا وجهه بألم وإذا به يجد باب غرفته ينفتح وتدلف منه "فريدة" التي يبدو عليها الارتباك والقلق، فنظر إليها "سليم" بتشويش وهو يستطرد بنبرة مهزوزة: "خير يا فريدة في حاجة؟ "فريدة" بتلطيف للأجواء: "مفيش حاجة يا حبيبي، يعني هو لازم يكون في حاجة عشان أجي أطمن على جوزي؟
وبعدين هتفضل زعلان مني كده كتير وكل واحد فينا في أوضة؟ أرجوك يا بيبي متزعلش مني! قالتها وهي تجلس إلى جواره واضعة كفوفها أعلى ساقيه بدلال. "سليم" وهو يزيح يديها من عليه باقتضاب: "أوعى تفكري يا فريدة أنك بحركاتك دي هتراضيني واللي بينا هيتصافى، أنتي هزيتي رجولتي قدام أهلي وبينتي ليهم أني مش راجل ولا عارف أسيطر على تصرفات مراتي." "فريدة" وهي تقترب منه بحب محاولة مراضاته:
"يا حبيبي متقولش كده أنا مقدرش أعمل اللي أنت بتقول عليه ده، أنا بس كرامتي اتجرحت وأعصابي فلتت عشان كده مقدرتش أتحكم في كلامي، أرجوك يا سليم متقساش عليا أكتر من كده أنا مش آخدة على معاملتك دي." "سليم" باقتضاب: "من هنا ورايح هتبقى دي معاملتي معاكي يا فريدة لو محترمتيش أنك في عصمة راجل ومش أي راجل." فتابع وهو يستدير إليها بخفة ناظرًا إليها بثقوب:
"أنتي مرات سليم عمران، راجل متربي على إيد رجالة وولاد بلد وفاهم في الأصول كويس. أوعى تفكري أني مبسوط بمعاملتي دي معاكي ولا ستي وأمي اللي أنتي محترمتيش وجودهم ربوني على كده، بس أنتي اللي أجبرتيني على الأسلوب ده معاكي فاستحملي بقى." "فريدة" بثقة ونبرة مدللة تحاول استعطافه من خلالها: "بس أنت بتحبني ومش هتقدر تقسى على ديدا حبيبتك أكتر من كده صح؟ بليز يا بيبي انسى اللي حصل وتعالى نبدأ من جديد."
"سليم" وهو يعطي لها ظهره ماسحًا على وجهه محاولًا التحكم في أعصابه: "فريدة متحرقيش بنزين معايا كتير، أنا اللي عندي قولته امبارح وأنتي رفضتيه، على الأقل اعتذري لستي اللي أنتي معملتيش لوجودها أي اعتبار ولا احترمتي سنها ومكانتها." "فريدة" بدلال ونبرة ذات مغزى وهي تحتضنه من الخلف: "وأنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان تسامحني ولو اعتذاري لتيتة هيراضيك فأنا هراضيها عشانك يا حبيبي." "سليم" وهو يبتعد عنها مرددًا باقتضاب:
"أستغفر الله العظيم يا رب.. ابعدي يا فريدة بليز أنا صايم وأنتي كمان صايمة، أنا مش راجل وضيع ولا حقير عشان أتصالح بكام حضن. وبعدين تراضي تيتة عشان أنتي غلطتي مش عشاني أنا." "فريدة" بغضب من نبرته معها وحديثه الذي أهان كبريائها ودعس بكرامتها الأرض دعسًا: "أنا مراتك يا سليم مش واحدة من الشارع خد بالك أنت بتقول إيه كويس وحاسب على ألفاظك. وبعدين أنا قولتلك هراضيها عشانك، عايز إيه تاني أكتر من كده؟
"سليم" وهو يستدير إليها ناظرًا إلى أعينها بثقوب:
"هتراضيها عشان أنتي حاسة بحجم غلطك وندمانة عليه مش عشان تراضيني يا فريدة، يا فرحتي تنزلي تراضي تيتة النهاردة عشاني وبكرة تزعليها وتنزلي تاني تراضيها عشاني برضه. أنا عايزك تعرفي أني مش هسمح بأن اللي حصل ده يتكرر بأي شكل من الأشكال لأن لو اتكرر موقفك هيبقي صعب أوي في نظري يا فريدة ولو وقفتي على رموشي مش هعرف أشوفك تاني زي ما كنتي في نظري قبل كده، وشوية الود اللي فاضلين بينا هتجيبي آخرهم بإيديكي." "فريدة" وهي تنظر له
بتشويش وصدمة مما يتفوه به: "ياااا للدرجة دي يا سليم؟ هو أنا وحشة أوي كده؟ مش معقول مفيش أي حاجة عملتها ليك حلوة في يوم من الأيام تشفعلي بيها غلطتي دي." "سليم" وهو ينظر إلى الجهة الأخرى باقتضاب:
"للأسف الراجل مننا لما بيحب بيكون عايز يشوف أن حبيبته بتحبه زيه وأكتر كمان، وده الراجل بيحسه لما بيلاقي الست اللي معاه شيلاه على كفوف الراحة وحاطة أهله زي التاج على رأسها عشان على قد محبتها له هتحب أهله وناسه وتعرف تعيش وسطهم. الراجل زي ما بيحترم مراته ويديها قيمتها لازم هي كمان تحترمه وتديله قيمته وتحسسه بيها وتبينها قدام أهله والناس كلها."
ثم تابع وهو ينظر إليها قاصدًا كل حرف يتفوه به ناظرًا إلى أعينها بثقوب نظرات ذات مغزى عازمًا على توصيل المعنى من خلالها وهو يتكأ على كل كلمة ينطق بها: "أنا عمري ما طلبت منك أنك تعملي ليا حاجة فوق طاقتك ولا عمري دوست ليكي على طرف وربنا شاهد عليا وعليكي! قالها وهو يرفع سبابته إلى الأعلى مشيرًا للسماء بيديه كحركة تمثيلية عن أن الله يراهم ويعلم بما يدور بينهم، ومن ثم تابع على نفس نبرته السابقة.
-عمري في يوم ما غصبتك على حاجة ولا أهنتك وقللت منك وسط أهلك وناسك زي ما أنتِ عملتِ معايا وسط أهلي وأهل الحارة وعلى عينك يا تاجر. أنا عزيزتك وأكرمتك عشان أنتِ وصية من النبي عليه السلام قبل ما تكوني أمانة أبوكِ آمني عليها وعلقها في رقبتي من يوم ما اتكتبتِ على اسمي وأنتِ في مقابل ده مرمغتِ برجولتي الأرض. فأضاف وهو يؤشر لها بسبابته بتحذير.
-أنا مش هسمح بأي تجاوز تاني يا "فريدة" في حقي ولا حتى في حق أهلي وخليكي فاكرة كويس إن على قد ما أنا بحبك ومتمسك بيكِ فأنا برضه بحب أهلي اللي هما تاج على رأسي بتزين بيه في أي حتة وأي مكان ومتمسك بيهم. أوعي تجبريني يا "فريدة" في يوم من الأيام إني أتحط في اختيار بينكم أنتم الاثنين ولا أقف في النص متكتف لأن صدقيني ساعتها هتتفاجئي بـ "سليم" تاني أنتِ متعرفهوش على قد ما أنا اتفاجئت بيكِ.
"فريدة" بنبرة مهزوزة، تشعر بتشويش الرؤية أمامها وهي تستمع إلى كل حرف ينطق به بتمعن شديد. -أنا آسفة. أوعدك يا "سليم" إني مش هزعلك تاني ولا هزعل أي حد من عيلتك وهحاول أتأقلم بس بليز اديني وقتي وأنا أوعدك إني هتغير. "سليم" باقتضاب. -تمام. اعملي حسابك بكرة اليوم من أوله هنقضيه تحت عشان سبوع "زين" ابن أخويا وأنا هكلم عمي أعزمه بنفسي عشان كمان العيلتين يتعرفوا على بعض. معتقدش هيكون في مناسبة أحسن من كده عشان يتقابلوا.
"فريدة" باقتضاب هي الأخرى وتسهيم فهي تفكر في كل حرف تفوه به زوجها. -أعمل اللي يريحك يا "سليم"... وأنا زي ما قلتلك هراضي تيتة بكرة وهعمل كل اللي يراضيك. "سليم" بنبرة يملؤها الجدية. -أنا هنزل لهم تحت أحضر للمائدة وهكلم عمي "نصار" أعزمه ومتنسيش تكلمي مامتك تأكدي عليها إننا هنستناهم بكرة. فهمت "فريدة" أن تتحدث فقاطعها "سليم" سريعًا بنبرة متعجلة.
-من غير ما تقولي تيتة وجدو هما اللي طلبوا مني أعزمهم ولو كان في معرفة سابقة بينهم كان جدي بنفسه هو اللي كلم عمي عشان يعزمه بس إن شاء الله بعد مقابلة بكرة كل حاجة هتبقى كويسة والعيلتين ياخدوا على بعض. "فريدة" بابتسامة يملؤها الدلال. -يسلم لي حبيبي الحلو اللي بيخاف على مشاعري ومشاعر الناس اللي تهمني. "سليم" بنبرة ذات مغزى.
-أنتِ مراتي وده الطبيعي بين أي راجل وست متجوزين وده حقك عليا زي ما أنا برضه حقي عليكِ إنك تخافي على مشاعري ومشاعر الناس اللي تخصني. "فريدة" بدلال. -خلاص بقى يا سيمو ما يبقاش قلبك أسود بقى. أنا آسفة. "سليم" بهدوء وبعض اللطف. -أنا نازل. سلام، ومتنسيش تنزلي للفطار معانا تحت.
قالها "سليم" ومن ثم هبط إلى الأسفل حيث أبيه وجده وعمه وأبناء خالته حتى يساعدهم في التحضير والإعداد للمائدة تاركًا "فريدة" تهاتف والدتها كما طلب منها "سليم" قبل هبوطه للأسفل بلحظات.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!