رتيبة، بهلع وهي تقترب منها بصراخ: يا نضري البنت سرجت يا عزيزة. ثم تابعت وهي تلطم وجنتيها بلطف: فوقي يا نضري. فوقي يا بنتي متخلعيش قلبي عليكي أومال. عزيزة، وهي تقترب منها صارخة في ابنتها بهلع: افتحي الشباك يا بنت، دخلي الهوا ووسعوا كدا عشان تعرف تتنفس. ثم تابعت وهي تصرخ في تلك الصغيرة دهب بحدة: روحي يا بنت هاتي الدكتور بسرعة وشيعي لعمك فتوح ييجي يقف معانا. وأنتِ يا ليلى هاتي كولونيا سيدك من جوه!
فذهب كلاهما يفعلان ما أمرتهما به جدتهما، وبعد مرور دقائق قليلة دلف فتوح برفقة الحاج عمران مهرولين في فزع وحالة من الهلع الشديدة، فتلك الصغيرة قد أفزعتهم بحديثها حقًا. فتوح، وهو يقترب منها مسندًا إياها عوضًا عن الحاجة رتيبة بهلع وخوف شديد: إيه اللي حصل؟ صفية مالها يا حاجة طمني قلبي؟ عزيزة، وهي تضع العطر أمام أنفها في محاولة منها لإفاقتها: كانت قاعدة بتتكلم ويانا وفجأة داخت ووقعت من طولها.
فاستجابت لها صفية بعدما حاولت معها عزيزة مرارًا وتكرارًا، وبالفعل استجابت لها وهي لا تزال بين الوعي واللاوعي مغمغمة بإنهاك شديد: آه، آه. رتيبة، بحب وهي تربت عليها بحنان: قومي يا بنتي. قومي يا بنت الغالية متخلعيش قلبي، قومي يا أماي. فتوح، بقلق وخوف حقيقي: مالك يا أما فيكِ إيه بس؟ ألف بعد الشر عنك. صفية، بإنهاك ونبرة مهزوزة: مش عارفة يا فتوح، حاسة أني مهبطة وروحي رايحة مني يا أخويا، آه. فهتفت رتيبة بقلق:
تلاقي ضغطك وطى يا بنتي من الطرش اللي بتأكليه على ريق الفطار. وهنا دلفت دهب بصحبة الطبيب، وما أن اقترب منهم حتى أخبرته عزيزة بما حدث لها وكيف حدث، وقام الطبيب بعد ذلك بفحص صفية جيدًا لما يقرب النصف ساعة فحصًا دقيقًا شاملًا، وما أن أنهى حتى هتف فتوح بلهفة والقلق يتأكله أكلًا: خير يا دكتور، طمني الله لا يسيئك. الطبيب، بابتسامة بشوشة: متخافش يا معلم فتوح، الست زي الفل مفيهاش حاجة. رتيبة، بقلق:
كيف يعني يا دكتور والبنت سرجت من شوية؟ طمن قلوبنا يا أخي وقول الحق الله لا يسيئك. الطبيب، بابتسامته البشوشة متحليًا ببعض من اللطف، فهو اعتقد بأنها ابنتها من فرط خوفها وذعرها الشديد عليها: طمني قلبك يا حاجة والله بنتك زي الفل. فتوح، بعدما زفر براحة بعض الشيء: طيب واللي حصلها ده يا دكتور حصل ليه؟ الطبيب، بعملية:
اللي حصلها ده بسبب أنها تحاملت على نفسها الفترة اللي فاتت أكتر من اللازم مع الصيام وفرهدة الجو خصوصًا أن الصيام مش مستحب للي زيها في الفترة دي تحديدًا. فتوح، بقلق شديد: مش مستحب ليه يا دكتور كفانا الشر ده طاعة لوجه الله تعالى؟ ما تقول لي يا دكتور الله يرضى عنك مالها الفترة دي بالتحديد خليني أطمن وأطمنها. الطبيب، بابتسامة كشفت عن أسنانه بود:
من الواضح أن حضرتك والست متعرفوش حاجة فعلًا، وعشان كدا يسعدني أني أقول إن الست حامل في حوالي شهرين أو شهرين ونص، ده هيبان مع السونار والتحليل الرقمي. فشعر الجميع بالصدمة إلا أن ابتسامتهم تزين صغرهم بسعادة عارمة، وفتوح يقف مشدوهًا من هول ما سمع ناظرًا إلى صفية وهي تنظر إليه بدورها دون أي رد فعل يذكر سوى الصمت والتسهيم. الطبيب، بحيرة من ردة فعلهم تلك: في إيه يا جماعة؟ ألف مبروك!
صفية، ببكاء وعدم تصديق وهي تقترب من الطبيب وعبراتها تتساقط بغزارة على وجنتيها: و.. وحياة النبي صح. وحياة النبي أنا حامل! صح يا أخويا! رد عليا وقول لي صح الله يسترها عليك. ثم اقتربت من فتوح وأمسكت بمعصمه بعدم تصديق وهي تردد وعبراتها تغرق وجهها بغزارة: أنت سمعت اللي أنا سمعته يا أخويا صح؟ أنا حامل! حامل صح! فتوح، وهو يمسكها من معصمها بسعادة بعدما فاق من صدمته وأخيرًا مرددًا بحب ونبرة يملؤها اللطف:
أنا سمعت. سمعت يا صفية بس مش هصدق غير لما أشوف الواد بيوقوق قصاد عيني. ثم أضاف وهو يوجه حديثه للطبيب وهو لا يزال غير مصدق لما استمعوا إليه للتو: هي حامل يا دكتور صح؟ يعني أنا هبقى أب؟ هبقى أب وهيكون لي واد صغير أشيله على كتافي وأقعده على رجلي وأنا قاعد عالقهوة وسط رجالة الحي، ولما يكبر شوية همسكه في إيدي وأروح أصلي العيد أنا وهو وبعد الصلاة هروح أجيب له مسدس خرز يلعب بيه مع العيال في الشارع مش كدا؟
أنا هبقى أب وهيكون لي واد يا حاج عمران. هبقى أب! الطبيب، بابتسامة واسعة: هتكون أب يا معلم وهيكون لك ولد أو بنت كمان ٧ شهور بالتمام والكمال. فتوح، بعدما استفاق وأخيرًا من صدمته: لا مؤاخذة يا دكتور. لا مؤاخذة يا أخويا، اعذرنا أحنا بقالنا فوق الـ ١٥ سنة مستنيين اللحظة دي. ثريا، بسعادة وهي تزغرد بفرح: لولولولولولولولولي يا ألف نهار أبيض يا صفية ألف مبروك يا حبيبتشي!
فنظرت لها "عزيزة" شرزًا على فعلتها تلك، فـ "الحاج عسران" لم يفت على وفاته سوى أقل من عشرة أيام، وتلك قد تناست تمامًا وقامت بتلك الفعلة المخجلة أمامهم للتو. "ثريا" بخجل وارتباك وهي توجه حديثها إلى "فتوح" بأسف: "يوووه يقطعني يا أخويا والله الفرحة نستني." "فتوح" بسعادة جلية على معالم وجهه: "زغرطي يا ست "ثريا"، زغرطوا كلكم واملوا الدنيا زغاريط، وأنا نذرًا عليا لأدبح عجل." "لااااا عجلين وخلي الغلابة تاكل."
"زغرطوا، زغرطوا كلكم، عايز الدنيا كلها تفرح لفرحي." الجميع في نفس واحد: "لولولولولولولولولي." ثم تابع وهو يقترب من "صفية" بحب: "يلاااا، يلاااا غالية يا أم الغالي." "أنا عايزك تريحي خالص ومتشيليش النسمة من على الأرض، عايز الواد يجي بالسلامة وأنتي كمان تقومي لي بالسلامة." "يلاااا بينا، ومن النجمة هجيب لك واحدة تقضي لك مصالح البيت كلها."
وبعد مرور ساعة، حيث ذهبت "صفية" بصحبة زوجها الذي كاد أن يجن جنونه من فرط سعادته، تاركين "رتيبة" وابنتها يجلسون برفقة "الحاجة عزيزة" يتسامرون ويدردشون بسعادة حول ما حدث منذ ساعة مضت، وبالداخل تجلس الفتيات سويًا يمزحون ويلهون بحب شديد ومودة. "عزيزة" بسعادة: "مسم، شوفي يا أختي بقالهم قد إيه متجوزين وميحصلش الحمل غير الأيام دي." "ربك لطيف بعباده يا "رتيبة"."
"ويشاء القدر أن الخبر يتعرف في بيتي، ربنا يكمل فرحتهم على خير يا رب ويقومهم بالسلامة، لأحسن البت "صفية" قاست كتير في حياتها يا حبة عيني." "رتيبة" بسعادة ورضا: "ربك كريم وعنده يا أماااا يا "عزيزة" يا خيتي." "و "صفية" زينة الناس وتستاهل كل خير." "والله يا حاجة غلاوتها كيف غلاوة البت "علا" بنتي." "عزيزة" بحنان: "ربنا يسعد الولايا كلهم ويطعم كل محروم يا رب." ثم أضافت بجدية:
"وأنتي كمان يا حاجة وافقي وخلينا نستر البت ونفرح وتبقى الفرحة فرحتين." "رتيبة" بهدوء: "كله على الله يا حاجة، ربك ييسرها ونجدر نلملموا حاجة البت اللي فاضلة." "عزيزة" بحب: "يا أختي ليكي عليا هجيب لها طقم الألومنيا كامل، و"صفية" هتجيب الصيني، هيتبقى الرفايع ودي أمرها سهل يا حاجة وهتتدبر." "رتيبة" بخجل: "يا خيتي أكده كتير عليكم والحج يتجال الأسعار بقت ولعة نار." "عزيزة" بحب:
"يا أختي وهو أحنا عندنا كام "علا" ولا كل يوم بنفرح." "خلينا نفرح يا "رتيبة" بقى بكفاية حزن." "رتيبة" برضا: "على بركة الله يا "عزيزة"." "وعقبال البنت كلها." وبالداخل حيث غرفة الأرائك الجالس بداخلها كل من "صبا" برفقة "زينب" و "علا"، فهم كانوا ثلاثتهم رفقة منذ صغرهم وكانوا يلقبون دومًا بـ "ثلاثي الزاوية"، يجلسون سويًا يتسامرون حول قصة "صبا" وذلك "السليم" التي وقعت صريعة عشقه منذ الصغر. "علا" بهدوء ورزانة:
"يا بنتي مينفعش اللي أنتي عاملاه في نفسك ده عشانه." "حرام عليكي نفسك وعيونك اللي بقت شبه حبة الطماطم من كتر البكاء." "صبا" بحزن ووجع شديد: "كل اللي أنا فيه دلوقتي ميساويش واحد في المية من الوجع اللي أنا حاسة بيه جوايا." ثم أضافت بسخرية: "تخيلوا بعد كل الوجع ده وبعد محاربتي لنفسي عشان أنساه وأكمل، أكتشف أنه بيحبني." "أنتم عارفين يعني إيه يقول لي أنه بيحبني في التوقيت ده بالذات وأنا كنت بحاول أنسى." "زينب" ببلاهة:
"طب وفيها إيه يا بنتي، ما أنتي طول عمرك بتتمني أنه يحبك ويحس بيكي، ودلوقتي لما حصل ليه عاملة في نفسك كده؟ "صبا" بانفعال: "أنتي يا بنتي واعية أنتي بتقولي إيه؟ ""سليم" دلوقتي راجل متجوز، ولو كنت زمان بتمنى حبه فده عشان كان هو ليا أو كنت مفكرة كده، لكن دلوقتي هو بقى لغيري ومش من حقي أنه يحبني." "زينب" ببلاهة: "يا بنتي ما أنتي بتحبيه وهو بيحبك، إيه المانع في أنكم تبقوا مع بعض؟ "صبا" بغضب:
"لو أنتي في يوم من الأيام أكتشفتي أن "بدر" كان في واحدة بتحبه قبل ما يتجوزك وعرفت أن جوزك بدأ يحبها هو كمان، هيكون رد فعلك إيه أو هتحسي بإيه وقتها؟ "زينب" بغضب أعمى وأعين تطلق شررًا: "ده أنا أشرب من دمه ودمها." "صبا" بغضب هي الأخرى: "عارفة ليه؟ لأنك بتحبيه، وفكرة أنه يفكر في حد غيرك دي هتكون إهانة ليكي قبل ما هتكون إهانة لمشاعرك." "وبعدين ليه أأذي بني آدمة مالهاش أي ذنب ولا عمرها آذتني لمجرد أني بحب." "زينب"
بخجل من فكرتها: "عندك حق فعلًا، أنا آسفة." "علا" محاولة تغيير الموضوع وخفض حدة الموقف: "طب ودلوقتي أنتي هتعملي إيه يا "صبا"، هتوافقي على العريس ولا هترفضيه؟ "صبا" بوجع: "هعمل الصح يا "علا" واللي المفروض يتعمل." "أنا عمري ما هتجوز واحد وأظلمه وأنا عارفة أن قلبي مع واحد تاني." "أنا مش هكرر نفس اللي عمله "سليم" وأفتح سلسلة من الوجع وأأذي ناس مالهاش أي ذنب." "علا" بحزن على حالتها:
"طب تفرضي جدي "الحاج عمران" رفض وقلب عليكي هتعملي إيه وقتها؟ "صبا" بهدوء وهي تمسح عبراتها بكف يديها: "جدي عمره ما هيغصبني على الجواز." "جدي راجل حكيم ورغم قلة علمه إلا أنه بحكمته عنده اللي مش عند حد يا "علا" وبيفهمها وهي طايرة، وعمره ما هيرضى بالظلم هو كمان." "علا" بحزن: "عندك حق يا "صبا"، ربنا يريح قلبك يا حبيبتي ويجعل ليكي نصيب في كل حلو عشان أنتي تستاهليه." "صبا" بحب: "أنا وأنتي يا حبيبتي يا رب."
ثم تابعت بعدما لاحظت علامات الحزن على وجهها: "وأنتي بقى مالك وشك عامل زي ما تكوني واخدة شبشبين كده ليه؟ "أوعي تكوني اتخانقتي مع "هشام"، ده أنتي دخلتك كمان كام يوم." "علا" بحزن: "دخلة هه." "ما خلاص بقى يا "صبا" شكلي أنا و "هشام" مش هنكمل." "أمي عايزة تأجل الفرح كام شهر كمان عشان المطبخ ناقصنا فيه حاجات كتير." "صبا" بتساؤل: "وهو ده ينفع يا بنتي ده أنتم اتفقتوا على كل حاجة والفرح رابع يوم العيد والعفش كان بعد بكرا."
"علا" بحزن: "خلاص بقى يا "صبا" اللي ربنا رايده هيكون." "ما أمي برضه معذورة هتروح تسرق يعني عشان تجوزني." "زينب" بتساؤل: "طب ما تبيعوا حتة الأرض اللي ليكم في البلد أهي برضه تفك زنقة." "علا" بتحسر: "يا أختي اتوكسي، ما عمي لهفها من سنين ومحدش عارف ياخد منه لا حق ولا باطل، منه لله بقى." "صبا" بحب ونبرة يملؤها اللطف: "يا بنتي هتتدبر والله." "تيتة دايماً تقول تبات نار تصبح رماد وليها رب يدبرها." "زينب" و "علا" بصدق:
"ونعم بالله." وفي منزل "فتوح" و "صفية"، يدلف "فتوح" إلى غرفة نومه ممسكًا بيديه صينية الطعام واضعًا إياها أعلى الفراش وهو يردد بحب وسعادة عارمة: "السحور جهز يا ست الناس." "صفية" بحب: "يوووه يا أخويا." "يعني ينفع أنا أقعد كده وأنت تحضر لي الأكل وتجيبه لحد السرير." "فتوح" بحب وهو يقبل يديها: "ومن هنا ورايح هتفطري وتتعشي على السرير وهترتاحي على الآخر يا ست الستات." "أحنا عايزين ربنا يكملها لينا على خير، ده جاي بعد شوقه."
"صفية" بحب: "ما أهو يا "فتوح" مينفعش برضه أنا أقعد وأنت تخدم عليا يا أخويا دي مش أصول، وبعدين تتعب يا حبيبي." "فتوح" بحب: "الأصول هي أني أشيلك بين رموش عيوني زي ما أنتي شايلة ابني ولا بنتي جواكي بكل حب الدنيا." "أنتي في عنيا يا أختي لحد ما تقومي بالسلامة وبلاها البت اللي هتيجي تخدمك أنا هنا هعملك كل حاجة." "صفية" بحب: "وهو أنت بتحبني للدرجة دي يا "فتوح"." "للدرجة دي فرحان يا حبيبي." "فتوح" بحب:
"أنا فرحتي أن العيل ده منك أنتي هي اللي متتوصفش، خلينا نخلص من حوار أتجوز يا "فتوح" بتاع كل شوية ده." "أنتي مراتي وبنتي وأول فرحتي وأختي وأمي وكل حاجة يا "صفية"، ولو كنت بحبك مرة فأنا دلوقتي بحبك مرة واتنين وتلاتة واحتمال أربعة وخمسة هههه." "صفية" بحب وابتسامة واسعة: "يوووه يا "فتوح" للدرجة دي بتحبني يا أخويا." "فتوح" بعشق: "وهو أنتي عندك شك برضه يا "صفصف"."
"ده أنتي اللي وعيت على الدنيا على حبها ومش عارف الحب يبقى طعمه عامل إزاي لو مش ليكي." "أنتي رزقي في الدنيا ونصيبي الحلو اللي ربنا شالهولي وقسملي بيه." "صفية" بحب خالص: "وأنت أبويا، وجوزي، والراجل الوحيد اللي اتمنيته من الدنيا دي." "ربنا يكمل فرحتنا على خير يا أخويا ويفرح قلوبنا بيه ولا بيها لما يجي بالسلامة أن شاء الله."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!