وبعد مرور ثلاثة أيام في منزل "فتوح"، حيث يجتمع الجميع، فاليوم هو ثالث أيام الحداد كما يقال. تجلس "صفية" مرتدية لجلبابها الأسود ووشاحها من نفس اللون، واضعة رأسها بين راحتيها وعبراتها تسقط من عينيها دون إرادة منها، فهتفت "عزيزة" متألمة على حالتها تلك:
-يا بنتي حرام عليكي نفسك يا حبيبتي، بزيادة اللي أنتي بتعمليه ده.. أستغفرك ربي وأتوب إليك.. يا بنتي ده أنتي حالتك بقت تصعب عالكافر، ادعيله بالرحمة يا حبيبتي ده مكانته كبيرة أوي عند ربك والله.. "صفية" ببكاء: -مش قادرة يا خالتي.. مش عارفة أمنع نفسي من البكا عليه، ده كان أبويا وحمايا وونسي ما أنتي عارفة أنا لا حيلتي عيل ولا تيل وهو الوحيد اللي كان واخد بحسي ورادد بنفسه عليا.. "عزيزة" وهي تجذبها إلى أحضانها بحنان:
-ربك كريم والله وهيكرمك من فضله وهيطعمك صدقيني محدش معاه ربنا وينضام أبدًا.. بكرا هتجيبي بدل العيل عشرة وهتنجبري بحق خدمتك للراجل العجوز اللي كان عامل زي حتة العيل ومتشعلق في رقبتك.. ربك لا يضيع أجر من أحسن عملًا وأنتي أحسنتي إليه يا بنتي وأحسنتي في حق عمك الحاج الله يرحمه عشان كده بقولهالك وأنا واثقة أنك هتنجبري..
"صفية" بمرارة وهي تضرب بيديها ساقها في قهر وحزن منتدبة على فقيدها الذي هو بمثابة أبيها الروحي إن لم يكن أبيها حقًا، فهي دومًا ما اعتبرته كذلك وليس مجرد حما لها كما يقال: -آاااه يا أبويااا آااااه يا غالي.. هروح فين من بعدك يا حبيبي.. عدمك خسارة يا جسر بين بلدين.. احتِرت من بعدك أنا أروح فين.. ما لقيت حيلة بكيت بدمع العين آاااااه.. "عزيزة" بحكمة:
-يا بنتي حرام اللي أنتي بتقوليه وبتعمليه ده، ادعيله.. ادعيله هو محتاج الدعا دلوقتي لكن نواحك وبكاكي ده مش هيفيده يا حبة عيني.. وهنا دلفت "صبا" برفقة "زينب" و "زينة" محملات بأواني الطعام، وهي تردد بمحبة وود والحزن يكسو ملامحها: -يلا يا جماعة تعالوا الفطار جهز والمغرب هيأذن أهو.. "صفية" بحزن ونبرة ممتنة:
-تسلمولي يا بنات محدش يجيلكم في حاجة وحشة أبدًا، أنا والله ما عارفة هرد جميلكم ده إزاي، جمايلكم بقت كتيرة أوي يا خالتي ربنا يقدرني وأردها.. "عزيزة" بتوبيخ: -أخس عليكي يا بنتي وهو أحنا في بينا الكلام ده.. ده أنتي بنت من بناتي زيك زي "ثريا" و "دنانير" و "مجيدة".. أحنا أهل يا بنتي ومفيش بينا جمايل.. "صفية" بامتنان: -ونعم الأهل والله يا خالتي.. ده أنتم اللي باقيين ليا في الدنيا من بعد الغالي الله يرحمه..
"عزيزة" بحب بعدما استمعت إلى صوت المؤذن وهو يؤذن لأذان المغرب عبر مكبر الصوت: -أهو أنتي قولتي بنفسك أحنا أهل أهو يعني بلاش الكلام الفاضي ده ويلا عشان نشق ريقنا يا حبيبتي.. "صفية" بحزن: -ماليش نفس يا خالتي والله، كلوا أنتم، أنتم صايمين.. "عزيزة" وهي تجذبها من يديها مجلسة إياها أعلى مقعد السفرة: -كلنا صايمين يا حبيبتي، اقعدي بس كده وشقي ريقك ده أنتي ما دقتيش الزاد من امبارح.. كلي يا أمه، كلي الله يراضيكي...
فأطاعتها "صفية" وبالفعل بدأت في تناول القليل من الطعام بعدما أرغمتها "عزيزة" بمحبة على تناول الطعام برفقتهم.
وفي صباح اليوم التالي في منزل الحاج عمران، حيث يجتمع الجميع في غرفة الاستقبال، يقوم كل منهم بالتحضير لطعام الإفطار، وجزءًا منهم يقوم بتجهيز أنفسهم للذهاب للتسوق، وجزءًا آخر يقوم بإعداد الطعام من أجل إرساله لمنزل "صفية" و "فتوح"، فتلك هي عادتهم يحملون مسؤولية بعضهم البعض في الأحزان قبل الأفراح، وتلك الموقف عصيب للغاية يحتاج أن يشد عضدهم بعضهم ببعض.. "كريم" بهدوء وجدية:
-هنعمل إيه يا حاج في موضوع البنت "صبا".. أنا قابلت "صبري" امبارح وأنا بحاسب الراجل بتاع الصوان ولقيته بيكلمني في الموضوع، فعرفته أن عندنا حالة وفاة وكده فعزاني واعتذر بس من الواضح أنه مستعجل وأنا مش عارف أحير ولا أدير ده عمي "عسران" ما باقيلوش أسبوع لسه وهتبقى عيبة أوي لو عملنا أي حاجة دلوقتي.. "عمران" وهو ينقل أبصاره بينهم جميعًا وبين "سليم" المتصلب الوجه الذي يبدو على معالم وجهه العبوس والغضب
الشديد الذي يحاول كظمه: -يا ابني الراجل لسه ما ربعنش حتى وهتبقى عيبة كبيرة أوي في حقنا لو فرحنا والراجل لسه دمه دافي ده حتى يحشم فينا.. "كريم" وهو يهز رأسه بتفهم: -عندك حق يا أبا.. أنا هقوله نأجل كلام في الموضوع لبعد الأربعين عالأقل، وأهو البنت تكون فكرت برضه وأخذت وأدت مع نفسها لأحسن مش عجباني وحاسس أن الموضوع مش لادد عليها.. "عمران" بتفكير: -أوعى يكون في حد تاني يا ابني عشان كده مش موافقة.. "كريم" بتهذب:
-ولا تاني ولا تالت يا حاج.. الموضوع كله أنها بتحب تفكر بتأني وبتحب تاخد وقتها وأنت عارف يا أبا "صبا" محدش فينا بيقدر يأكلها لقمة مش على هواها.. "عمران" وهو يهز رأسه بإيجاب مستندًا على عصاه بهيبة:
-بنتك مستقلة يا ابني.. والبنت اللي بتشقى وتكافح من صغرها بتبقى عملية وبتبص للراجل من منظور مختلف مش زي غيرها بيقول ضل راجل ولا ضل حيطة وتتستر وخلاص.. بنتك عاقلة ورزينة وعارفة هي عايزة إيه كويس.. غيرها رجالة بشنبات مش عارفين غايتهم ولا حتى هما عايزين إيه... قالها وهو يقصد بها "سليم" فشعر الأخير بالحرج ومن ثم هب واقفًا وهو يردد بنبرة مهزوزة: -طيب أنا هطلع أشوف "فريدة" وهنزل تاني.. "عمران" بنبرة حازمة:
-استنى يا "سليم" أنا عايزك.. "سليم" بغرابة: -خير يا جدي في حاجة... "عمران" بهدوء ونبرة حاسمة: -عايزك في كلمتين يا ابني حصلني على الأوضة جوه... قالها وهو يهم بالوقوف ذاهبًا إلى غرفته وسرعان ما لحق به "سليم" والقلق ينهش قلبه نهشًا. "سليم" وهو يجلس إلى جوار جده بتهذب: -اتفضل يا جدي سامع حضرتك.. "عمران" بنبرة ذات مغزى: -فيك إيه يا ابن ابني... شكلك مش عاجبني وكأنك متغرب عن نفسك من سنين.. "سليم" بتنهيدة حارة موضحًا من
خلالها كل ما يرهقه ويؤرقه: -أنا فعلًا متغرب من سنين يا جدي مش جديدة عليا الغربة.. "عمران" بحكمة: -إنك تتغرب عن أهلك ده كوم وإنك تتغرب عن نفسك وما تعودش تعرف أنت مين ولا عايز إيه ده كوم تاني.. ثم تابع وهو يعطيه قطعة صغيرة من الزجاج (المرآة) ليرى نفسه من خلالها: -امسك.. امسك شوف نفسك في المرايا دي.. شوف هتعرف نفسك ولا لا يا "سليم".. فمد يديه وهو يمسك المرآة من بين يديه ناظرًا بها بشرود وتسهيم ومن
ثم تابع الجد حديثه بهيبة: -شايف إيه يا ابني... عرفت نفسك ولا متغربة عنك زي ما جدك الراجل العجوز قالك من شوية.. "سليم" بتوهان وتشويش وعيناه حبيسة الدمع وهو لا يزال ينظر إلى هيئته بالمرآة: -أنا ضايع يا جدي.. أنا مش عارف أنا فين ولا بعمل إيه ولا أنا صح ولا غلط ولا إيه حكايتي.. كل اللي أنا حاسه أني موجوع وموجوع أوي كمان بس مش عارف ليه وعلى مين... "عمران" برزانة وحكمة وهو يتكئ على كل حرف يتفوه به:
-والوجع ده سببه "مراتك" ولا "صبا".. "سليم" بفزع وهو ينظر إلى جده بارتباك: -"صبا".. وإيه علاقة "صبا" بالموضوع يا جدي.. "عمران" بحكمة ورزانة: -يا ابني أنا مش صغير ولا بريالة وشفت كتير لحد ما شعري شاب وضهري انحنى.. أنت بتحب "صبا" يا "سليم".. أنت بتحبها يا حبيبي والحب مداولك.. "سليم" بارتباك ونبرة مهزوزة: -أنا... فقاطعه الجد دون الاستماع له وهو يردد بحزم وابتسامة ذات مغزى تداعب ثغره بحنان:
-مهما تنكر وتقول لأ، عيونك فضحاك وقايلة اللي أنت رافض تصدقه. عيونك مليانة حب ودفء يا "سليم" والغريب أنه مش لمراتك وده اللي أنا واثق منه. "سليم" بخجل من حديث جده: -يا جدي أنا مش عارف ده حصل إزاي وأمتى بس حصل. صدقني أنا مش خاين ولا قليل الأصل. أنا عارف كويس إني وجعت "صبا" وأذيتها من غير قصد بس أنا ما كنتش أعرفها.
أنا مشيت وأنا سايبها عيلة بضفاير عمرها 14 سنة، يعني كانت طفلة ولما اتجوزت كنت شايف في "فريدة" كل حاجة ممكن الراجل مننا يتمنى أنه يلاقيها في أي بنت وكنت منبهر بيها بشكل صعب حضرتك تصدقه. عارف لما تشتري علبة شوكولاتة غالية أوي على إنها بالمكسرات وأول ما تروح وتيجي تفتحها عشان تأكل منها تلاقيها مخززة وطعمها وحش حتى المكسرات فيها قليلة أوي. أهو ده بالضبط اللي حصل معايا لما شفت "فريدة".
انبهرت بشكلها ومع الأيام اكتشفت إن اللي جوه مش زي اللي بره خالص وده للأسف شفته منها لما رجعت هنا وشفت أسلوبها وتعاملها معايا ومع عيشتي اللي هي ناقمة عليها وشايفة إنها مش مناسباها. لقيت نفسي غصب عني بوقع في حب "صبا" من غير ما أحس. لقيت نفسي فجأة بتشد ليها ومش عارف أعمل إيه؟! "عمران" بنبرة في الصميم: -وليه ما تقولش إنه انبهار بيها زيها زي "فريدة"؟! "سليم" بتهذب:
-ده مش انبهار يا جدي صدقني ده حب وحب قوي جدًا أنا مش قادر عليه. أنا اللي حسيته ناحيتها عمري ما حسيته مع "فريدة" ولا حتى أي واحدة خلقها ربنا غيرها، وبعدين حضرتك بنفسك لسة قايل إنك شايف الحب في عيوني لـ "صبا" يبقى إزاي ده انبهار. "عمران" بحكمته المعهودة: -أنت عارف يا "سليم" أنت بتفكرني بإيه؟ ثم تابع وهو يستند على عصاه برزانة: -أنت عامل زي اللي قعد عمره كله يجمع في خيول لحد ما ضيع منه الأصيلة.
أنا مش عايز أقولك إنها كانت في إيدك وأنت اللي اتبطرت بس هقولك إن ده نصيب ومقدر ومكتوب وأنا عذرك برضه عشان البت كانت صغيرة عليك أيامها أوي وزي ما قلت كانت غريبة عنك. "سليم" بتنهيدة يملؤها الألم والوجع: -أنا مش عارف أنا بعمل إيه يا جدي ولا هكمل حياتي إزاي خصوصًا إن "فريدة" كل يوم مشاكلها بتزيد وكل يوم بتخلق حوارات جديدة والغريب إنها حاطة "صبا" في دماغها بشكل مش معقول. "عمران" بحكمة: -حقها يا ابني. حقها يا "سليم".
واحدة شايفة في عيون جوزها الحب بس مش ليها عايزة تعمل إيه؟! أوعى تظلمها يا ابني ولا تيجي عليها دي ولية وإحنا عندنا ولايا مش عايزينه يترد فيهم. "سليم" وهو يضغط على عينيه بألم وحيرة من أمره: -صدقني يا جدي أنا عمري ما هظلمها أبدًا ولا حتى هظلم "صبا".
أنا كل اللي عايزه إني أفصل شوية من مشاكلي مع "فريدة" لأن حرفيًا علاقتي أنا وهي متوترة بقالها فترة ومش مستقرة، محتاج أخد هدنة من كل الضغوط دي يمكن أقدر أسيطر على علاقتي بيها وترجع تقوى من تاني. بس مش عارف هعمل كده إزاي و"صبا" حبي ليها كل يوم بيزيد وبيطاردني أكثر من اليوم اللي قبله. "عمران" بعقلانية: -افتكر دايمًا يا "سليم" إن اللي بيطارد أرنبين في نفس الوقت مش بيمسك ولا واحد فيهم يا حبيبي.
افتكر الكلمتين دول وحطهم حلقة في ودانك عشان خاطر لا تظلم مراتك ولا بنت عمك ولا حتى تيجي على نفسك. عيش يا ابني وراضي مراتك وسيب بنت عمك تعيش زي ما أنت اخترت طريقك وعشت على كيفك.
واصبر شوية على مراتك يا ابني واعذرها عيشتنا غريبة عليها وما تعودتش عليها وخد بالك إن العلاقات أخذ وعطاء، تحب وتتحب، تسند وتتسند، تعدي ويتعدالك، هي دي العلاقة اللي بجد، اللي كل واحد فيها فاهم إيه الحقوق اللي له وإيه برضه الواجبات اللي عليه وزي ما بيطالبوا بحقوقهم ما بيقصروش كمان في واجباتهم، يعني ما ينفعش ترمي حمل العلاقة على طرف واحد وتقول له يلا نجحها ساعتها مستحيل العلاقة دي هتنجح، العلاقات بتحب المجهود، والمرونة، والمودة، والرحمة.
القسوة والجفا بيقصروا عمر العلاقة مهما كانت قوتها. "سليم" وهو يحتجز عبراته بصعوبة بالغة: -عندك حق يا جدي. عندك حق، عشان كده أنا بفكر أبعد فترة أنا و"فريدة" يمكن أقدر أسترد حبي ليها من جديد وأدي فرصة لعلاقتنا عشان نقدر نكمل، وعشان كمان ما أكونش حاجز قصاد "صبا" في أي قرار ممكن تاخذه بخصوص جوازها. "عمران" وهو يربت على كتفه بحنان ولكن من داخله يتألم من أجل ألمه هذا: -عين العقل يا حبيبي.
ربنا يكملك بعقلك يا رب ويراضيك زي ما هتراضي مراتك كده. بس ما تغيبش علينا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!