الفصل 5 | من 8 فصل

رواية هي لي الفصل الخامس 5 - بقلم مروة حمدي

المشاهدات
24
كلمة
4,274
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

لم يكن ذنب أحد، هي فقط النفس. حلمت، تمنت واشتهت، غير مدركة لسوادٍ زحف إلى دواخلها، مغلفاً إياها برباط قسوة تشتد قوته مع الأيام. مبصرة لأحلامها كحياة لشخص آخر، وحال لسان يقول: "لما؟ "قصدك إيه؟ هكذا نطق كرم بعدم فهم، شاركه به البقية بصمت مطبق. بنبرة هادئة تخرج كلماتها من قلبها بحسرة: "عمري ما آذيتها قد ما الدنيا آذتني وأنا بشوفها عايشة كل حاجة أنا تمنيتها." نظرت لتلك الراقِدة، ولا يصدر عنها سوى شهقات خافتة،

وقد غادر لونها وجهها: "أنا عارفة إني عمري ما كنت قريبة منك، ويمكن مكنتش أوقات كتير بديكي وش. ولعلمك... تابعت بتأكيد: "إنتي كمان محاولتيش تقربي مني. كنتي مستكفية بأهلك و... "ملك مقاطعة بصدق يقطر من كلماتها المرتجفة: "لما لقيتك واخده جنب محبتش أفرض نفسي. وماما الله يرحمها قالتلي: طالما إنك حابة تفضلي بعيدة نحترم ده. وزي ما علاقتنا بكرم إنتي بعيدة عنها، يبقى إحنا كمان مندخلش بينكم." أغمضت عينيها بوجع، وصوت خافت

ولكن وصل لمسامعهم بوضوح: "يمكن لو كنتوا حاولتوا تقربوا، كانت النار اللي جوايا وبتزيد مع الأيام انطفت." أطلقت تنهيدة حارقة، تستجمع شتاتها. أعادت النظر لها، تكمل سؤالها: "ورغم ده كله يا ملك، هل في يوم كنت أنا سبب أذية ليكي من قريب أو بعيد عن قصد وتعمد؟ بضعف، حركت رأسها تجيبها نافية، ودمعة حزينة تهبط على وجنتها. وبقلب وجل، تتابع حديثها، ترغب بمعرفة ما تكنه لها زوجة أخاها، وفيما أخطأت هي معها؟

بينما سيف، يتابع بصمت انتشر بالمكان، إلا من شهقة موجوعة خرجت من فم فاطمة بعد سمحت لعبراتها بالهطول، محيدة بعينيها عن زوجها للفراغ جانبه: "أنا اتجوزت وأنا فاتحة للدنيا دراعاتي، وقولت خلاص بقا ههرب من سجن أبويا ومراته، وأكتفي بيك وأعمل عيلة صغيرة خاصة بيا، وأستقل بحياتي زي أحمد أخويا." عادت بالنظر له: "لقيت حياتك مرتبطة بأهلك، ووجودك معاهم وحواليهم مهم أوي عندك وعندهم، على الرغم من إننا متجوزين في مكان بعيد عنهم!

وما أنكرش ده خوفني أوي يا كرم، خفت يعملوا ليا مشاكل أو يقوموك عليا زي ما بسمع وأقر، فقولت أسلم طريقة إني أبعد. وللحق أهلك ناس محترمين جداً، لا فرضوا عليا حاجة ولا تدخلوا في حياتنا. وبسبب ده أنا كمان احترمت علاقتك بيهم، ولا مرة اتدخلت ليك وليهم في أي تعامل أو حتى كنت سبب لمشكلة بينكم." نظرت له، ترفع إصبعها: "ما تنكرش." كان صمته أبلغ جواب على صدقها. تابعت فاطمة بأعين شارده: "مع الوقت وأنا شايفة طريقتك معاهم ومع أختك،

هنا أول سؤال جه في عقلي: إنت ليه ما استقلتش بحياتك زي أخويا؟ طب وهو ليه ما عملش زيك؟ يعني لو زهق وتعب من وضع بيتنا وحب يبعد فحقه، بس ينسى إخواته؟ إخواته اللي مالهمش غيره وهو عارف ومتاكد إن أبوهم وجوده زي عدمه؟ "بقيت غصب عني أركز في علاقتك بيهم، وبالأخص ملك. بشوف خوفك عليها وقلقك، حتى بعد سفرك مكنتش تعدي يوم إلا وتكلمها مرة واتنين. إنت بنفسك قولتهالي: لازم ملك ما تحسش بغيابي."

"بوجع: متعرفش قد إيه بحسّـر أوي أوي يا كرم عليا وعلى رنا أختي، وأقول: فينك يا أخويا من ده كله! وبحزن تابعت: "ده أنا سميت اسم ابني مخصوص على اسمه عشان أحنن قلبه شوية.. بس للأسف... بسخرية مريرة قالت له: "إنت تقريباً ناسي إن عندي أخ اسمه أحمد، صح؟!

بالفعل، هو لم يلتق به إلا لماماً، ولا يتواصلا حتى لو عن طريق الهاتف. استرجع عقله بسرعة سنوات زواجه من زوجته، يستحضر بها موقف تخبره به أن أخاها حدثها أو هي حدثته، أنه أتى لزيارتها أو ستذهب هي لزيارته، ولكن لا يوجد. نظرت لتلك الراقدة بحسرة، وعيناها تلقي عليها اتهامات لا ذنب لها بها. وبهدوء وكلمات واضحة: "عندها أب وأم بيحبوها أوي أوي، بيتمنولها الرضا. ترضى." أشارت على نفسها:

"وأنا أمي اتحرمت منها في أكتر وقت كنت محتاجة ليها فيه يا كرم. بابا مكنش قريب مننا، بس كان عادي بالنسبالنا. بعده كانت ماما بتعوضه، لكن بعد وفاتها اتجوز علطول جارتنا بعيالها، اللي بقوا عنده أغلى من عياله. وواجبنا إننا نخدمهم ونراعيهم لحد ما خلفت منه، والدنيا بقت جحيم واحنا عبء لازم يخلص منه. أخويا هرب، وفضلنا أنا ورنا."

"دخلت إنت حياتي يا كرم، نجدة. وأبويا زي ما يكون صدق. وبصراحة أول مرة أكون مبسوطة من حاجة عملها عشاني." نظرت له بصدق: "بعد جوازنا حبيتك أكتر من الأول، بعد ما شفت عشرتك الطيبة وحنانك مع الكل، وبدأت أغار عليك أوي. كان نفسي يكون قلبك كله ليا، بس ده محصلش. أنا دايماً عندك رقم تلاتة. وبعد أحمد ما جه بقيت رقم أربعة، وإنت عندي كل حاجة، إنت وابني." أطلقت تنهيدة عالية:

"كل مرة كنت أروح لأهلك، والدتك ما فيش معاها غير ملك، واخده عقلها. لو خرجت من أوضتها تقولها: ارجعي أوضتك ذاكري يا ملك، ما تعمليش حاجة، المهم دراستك. هنجبلك الأكل، هنعملك شاي. هاتوا حاجة حلوة لملك تتسلى وهي بتذاكر." بضيق تابعت: "ملك، ملك، ملك... أنا ببقى رايحة وأنا في نيتي أساعد حتى لو بحاجة بسيطة. أسمع كلامها غصب عني، بفتكر مرات أبويا، بحس وقتها إني خدامة لأختك." وبحدة طفيفة تابعت:

"نجهز لها الأكل والشرب وهي ما تعملش حاجة غير إنها تذاكر بس. وهنا بيجي في بالي أختي رنا، وبتحسر عليها وعلى حالها. ماهي من نفس سن ملك وثانوية عامة، بس الفرق كبير بين واحدة مش بتقوم عشان تشرب، ووحدة ليل نهار زي الطاحونة ما بتقفش عشان بس تروح مدرستها." بدموع قهر وحزن على شقيقتها: "أنا أختي معرفتش معنى النوم غير لما جت قعدت عندي يا كرم وانت مسافر! "عشان كده قللت زيارتي ليهم خالص لحد ما الامتحانات خلصت." أخذت نفس عالٍ

وبهدوء تابعت: "كنت بدأت أهدي من ناحية ملك وأنسى وأقول: بنتهم وثانوي وخايفين على مستقبلها. لحد ما اتفاجأت إنك اشتريت الشقة اللي فوق. اللي قهرني بقى إن باباك ومامتك عارفين، وأكيد ملك. إلا أنا... ههه.. على أساس إنك عاملها ليا مفاجأة. أمم.. صدقتهم وهما بيقولولي كده عشان ما أتوجعش بزيادة." وبمشاعر مبهمة اعترفت:

"وقتها مكنتش عارفة أفرح إننا اترحمّنا من الإيجار، أو أقلق من قربك الزيادة ليهم. يمكن لو كانت في مكان تاني أكيد كنت هكون مبسوطة أكتر." نظرت له تحدثه كما لو كانت تحدث نفسها: "عارف يومها باباك وهو بيقولنا إنه تمم البيعة خلاص، قال اللي خلى النار كوتني كوي يا كرم." نظر لها بشك، يسترجع حديث أباه وقتها. ماذا قال لتشعر بتلك الطريقة؟

رحمه من عناء التفكير، وسيل ذكرياتها لا يتوقف، عائدة بذاكرتها لأربع أعوام مضت. كان كرم بسفره، وقد مر ثلاث سنوات منذ رحيله. تسترجع أحداث ذاك اليوم، ووالد زوجها يهاتفه أمامها، وعينه بعينها كأنما يوجه حديثه لها هي لا له. "مبروك يا ابني الشقة الجديدة، خلاص اتسجلت باسمك. ربنا يرزقك خيرها ويكفيك شرها يارب." صمت يستمع لصوت ابنه الفرح من الجهة الأخرى. وبعد أن انتهى، انمحت البسمة من على وجهه، واحتدت نظراته لها،

وبجدية استغربتها قال: "كرم في موضوع لازم يكون عندك علم." انعقد حاجباها بفضول لمعرفة ذاك الأمر، وشعور بأن ما سيقال لن يروقها تملك منها. الوالد: "إنت يابني ربنا فتحها عليك من وسع، وربنا يزيدك كمان وكمان. وقلبي اطمن من ناحيتك، فاضل إني اطمن على أختك ملك هي كمان." التوت شفتيها بسخرية. كان يجب أن تعلم أن الأمر من البداية يخص ملك. الوالد:

"إنت ولله الحمد بقى عندك شقتك، وبكرة ولا بعده يكون عندك أولاد ينوروا الدنيا، وغصب عنك هتتلهي يابني عنها وعنا." صمت يستمع لولده من الجانب الآخر، وبابتسامة ثقة قال: "أنا عارف كل ده، وإن عمر ما حاجة في الدنيا هتشغلك عن أختك وعني أنا ووالدتك. بس الأمر ما يسلمش، وإحنا لو عشنا ليها النهاردة مش هنعيش بكرة." عادت من ذكراها، تنظر لزوجها قائلة: "وقتها بص لي أوي وأتكى

على كل حرف وهو بيقول: 'وعشان بنتي متحسش إنها ضيفة تقيلة على حد أو إنها غير مرغوب فيها، أو حمل، أنا كتبت شقتي باسمها.'" صمت يرى آثار إلقائه لقنبلته. لم ينتظر كثيراً، وابتسامته اتسعت تدريجياً مع سماعه لتأييد ولده له. زفر براحة بعدما انزاح عن صدره ثقل إخباره بالموضوع، وللتأكيد سأل باهتمام: "يعني إنت يابني يا حبيبي مش زعلان؟ استمع لإجابته من الجانب الآخر، حمد وشكر، وبأعين تلمعت بها الدموع قال:

"كرم يابني وصيتك اختك راعيها وحادي عليها، دي مالهاش غيرك." عادت على صوت شهقة خافتة من ملك، تنذر بنوبة بكاء قادمة. سيف باهتمام: "أهدي يا حبيبتي، أهدي." ملك باشتياق: "وحشوني أوي أوي يا سيف." سيف: "ادعيلهم، ربنا يجمعنا بيهم على خير في الآخرة." ملك بإعياء: "يارب." همس مر بجانب أذنها، وقف له شعر رأسها: "ما تقلقيش، هتشوفيهم قريب." تحرك جسدها المسجى قليلاً أثر تلك القشعريرة. هزت رأسها تقنع نفسها بأنه فقط مجرد وهم لا أكثر.

"ده وهم، بيتهيقلي، هو مش هنا." نظر لها سيف بقلق وقال: "ملك." بندائه كمن ألقى لها بطوق نجاة ينتشلها من أفكارها، نظرت له برجاء، بهمس خافت، وبنبرة راجية: "ما تسبنيش." سيف بصوت دافئ: "عمري." كلمة واحدة بثت لها طمأنينة مؤقتة، زالت بمجرد فتح باب النافذة المغلقة بعنف على مصراعيه، حتى تحطم أحد لوحي الزجاج الخاص بها. اتسعت عيناها برعب جلي، وكذلك انتفض جسد الباقين. ابتلع سيف ريقه وعينه عليها:

"ده أكيد الهوا، هقفلها وأشوف حد يجي يلم الإزاز ده." ملك بخوف وصل لهم جميعاً، أوقفته بصوت عالٍ: "لآآآآ.... أخفضت نبرتها قليلاً: "ما تسبنيش... دارت بعينيها عليهم... محدش منكم يسبني، خليكم معايا... عاد سيف إلى مكانه من جديد، بينما كرم ذهب لها، قبل أعلى رأسها بقلق، ونظراته تجلد فاطمة. لا يعلم أنها تلؤم حالها كلما تطلعت لحالة ملك الغير مفهومة السبب حتى الآن. كرم بحنو: "ما تخافيش يا حبيبة أخوكي، أنا جنبك...

اشتد على كلمته ناظراً لفاطمة، التي هزت رأسها بيأس، فهو حتى الآن لم يفهم دواخلها. "ومش هسيبك." قبل جبهتها بحب أخوي صادق. أغمضت هي عيناها على أثره، بارهاق تملك من جسدها وروحها. احتّدت نظراته بعد أن ابتعد عنها. توجه لزوجته، يقف أمامها من جديد، عاقداً ذراعيه: "وياترى بقى يا ست فاطمة إيه اللي زعلك في موضوع شقة بابا ده؟ لم يعطها فرصة للإجابة، متابعاً بنبرة تنذر بجحيم قادم:

"كنت عايزاني مثلا أقول له إني رجل ليا تلتين وهي تلت، أو على الأقل النص بالنص زي ما لمحتِ لي قبل كده وعملت نفسي مش واخد بالي يومها، وقولت بلاش أعكنن على نفسي وعليها فرحتنا بالشقة؟ ولما مكررتيهاش تاني قولت تمام، ساعة شيطان وراحت لحالها." بنبرة أكثر حدة، نفض يداه وعيناه تطلق شرارات الغضب يخصها به وحدها: "بس لا الهانم ضميرها أسود وفضلت شايلها و....

صمت، تتسع عيناه تدريجياً، يراجع بعض المواقف والنتيجة التي توصل لها لم تكن لصالح فاطمة بالتأكيد. "عشان كده من وقت ما رجعت ملك فين وفين ما كانت تطلع غير لما ألِح أنا عليها. حتى لو جت مش بتطول. وكل ما أقولها يابنتي خليكي معانا تقول لي: أنا راجعة بيتي أحسن." ضحك بعدم تصديق، يشير لها باتهام:

"إنتي أكيد وصلتي لها الفكرة دي، بيت أخوها مش بيتها، والشقة اللي تحت بقى طالما بقت بتاعتها تترزع وما توريكييش وشها عشان حضرتك بتتضايقي." التقط أنفاسه، يتابع بما يشبه الصراخ: "إنتي مالكِ بحاجة زي كده من الأساس بيني وبينهم؟! فاطمة بلجلجة أثبتت له صحة ظنه: "أنا بس صعب عليا، إنهم استكتروا عليك شقتك الملك وادوا حقك في الحاجة الوحيدة اللي يملكوها لأختك." "آآآآخ."

نطق بها بغلب، يدور حول نفسه، يجتذب خصلات شعره. ورغبة عارمة بتحطيم رأسها تسيطر عليه. كانت هيئته مفزعة، جعلت صغيره يتمسك بقدم والدته الواقفة كتلميذ مذنب بخوف. نظرات ابنه وهيئته جعلته يحاول التماسك والسيطرة قليلاً على انفعالاته، لذا بهدوء مخيف ارتعدت له أوصاله: "خليني معاكي للآخر. حقي في الحاجة الوحيدة اللي فضلت معاهم. الأستاذة مسألتش نفسها دهب والدتي اللي هو حق أختي راح فين؟ مفكرتش أنا أصلاً سافرت إزاي؟

أول 3 شهور وأنا من غير شغل مين اللي كان بيديكي مصاريفك والإيجار؟ لأ يا فاطمة أنا أخدت حقي وكامل كمان. وبعد اللي سمعته منك ده أبويا كان عنده حق في كل كلمة قالها يومها." فاطمة بهيستيريا: "أهي هي ده المشكلة اللي خلتني ما فكرتش في كل اللي إنت قولته... نظر لها بعدم فهم، لم تبخل هي عليه بالتوضيح عندما قالت: "أبوك." بدموع تابعت: "فاكر كل مرة قولتلك فيها إن بابا كلمني وبيسلم عليك...

كانت كدب. فاكر كل مرة قولتلك فيها إنت ومسافر إن بابا جه زارني وقعد معايا وجابلي حاجات وصورتها... كانت كدب وأنا شرياها. أصل يعني هقولك إن أبويا مش معبرني وإني بفرض نفسي عليه وبستحمل أسوأ معاملة من مراته لما بزورهم، عشان بس أفكره إن عنده بنت وعشان خاطر رنا أختي أطمن عليها! أشارت نحو ملك، وكمن يشكو صديقه لمعلمه: "وهي باباها بيفكر فيها هتعيش إزاي حتى بعد ما يموت؟ بذمتك التقسيمة كده فيها عدل؟ لم تعطِ لأحد فرصة للحديث،

تابعت بتهكم: "مفيش أسبوع على اليوم ده، واتفاجأت بيهم مسافرين يغيروا جو قبل ظهور نتيجة الثانوي -كالعادة -عشان نفسية ست ملك." نظرت له باستفهام: "كان فيها إيه لو قالولي تعالى معانا، غيري جو؟ بحسرة: "ما أنا كمان نفسيتي زيفت، وجوزي ليه تلات سنين بعيد عني." كرم يزيح دمعة فارة من عينيه باشتياق لوالديه، فقد قامت بفتح جرح قديم غائر بذكرها ليوم فقد به أهله أثر ذاك الحادث أثناء سفرهم، ولم ينج منه سوى شقيقته.

"الهانم نسيت إن أختها كانت عندها، وإنها أصلاً موقفة زيارات ليهم بسبب نفسية أختها هي كمان. بأي يوع يقولك تعالى معانا؟ يعلمها تمام العلم، لذا سارع بالقول: "وما تقوليش ما كانت رنا جت معانا. هي رنا دي مش ليها أب لازم ياخدوا إذنه؟ إزاي أبويا يكلم أبوكي اللي من وقت جوازنا مكلمهوش ولا مرة! فاطمة بتهكم: "أبويا! ربنا يسامحه، لأني عمري ما هسامحه." خرجت كلماتها بصدق، متابعة:

"تعرف يوم ما اتصلوا عليا في المستشفى مبقتش عارفة أتصرف إزاي؟ أهلك اتوفوا، ملك عندها انهيار، وأنا لوحدي." بقهـر: "بسرعة رنيت على أحمد وبابا يجوا يقفوا معايا، يقولولي أتصرف إزاي؟ بوجع: "أحمد قالي إنه مسافر تبع شغله. وبابا اتحجج إنه تعبان ومردش عليا تاني اليوم ده."

"وقتها لو أقولك إن اللي عدى كله كوم، وإن كسرتي قدام نفسي وكسرتي قدامك كوم تاني. يومها اتأكدت إنه مبقاش في أمل منهم، وإن لو في يوم جرت لي حاجة دول هيكونوا آخر ناس يعرفوا، ويا عالم وقتها هيهتموا ولا لأ؟! "لحد ما جه سيف وتمم كل حاجة لوقت وصولك يا كرم. حالتك كانت زيفت، وأنا راعيت ده. بس إنك تقعد شهر كامل جنب أختك في شقة باباك تراعيها، وناسـي أصلاً إني موجودة فوق وإنت ليك تلات سنين بعيد عني." كرم بغير تصديق:

"وهي كانت حالتها تسمح ولا حالتي أنا كمان إني أفكر في أي حاجة أو أي حد." فاطمة: "بس أنا مش أي حد، أنا مراتك، وأنا كمان محتاجة جوزي. ليا حق عليك يا كرم." كرم بتأكيد: "وأنا عمري ما قصرت معاك يا فاطمة." فاطمة: "ده حقيقي ومقدرش أنكره. لدرجة إني اتمنيت زوج زيك لأختي رنا." نظرت إلى سيف، فتهرب بنظرته بعيداً عنها:

"يوم ما كلمته قبل ما ييجي يزورنا وبقنعه بالجواز فكرت. رنا شاربة المر وكل عريس ييجي مرات أبويا تطفشه بحجة إنهم مش هيجهزوها، واللي عايزها ياخدها بشنطة هدومها. وفي الحقيقة إنها خايفة للفلبينية اللي جوزها مخلفها تسيبها." شردت بالفراغ: "حسبتها، وافتكرت جدعنته ووقفته معانا يوم العزاء والمستشفى، والكم مرة اللي شفته فيهم قبل ما تسافر. ولما عرفت إن حالته متيسرة قولت خلاص مش هيدقق، وحجة العقربة هتبطل، واختي هتنفك وتعيش."

أعادت النظر لزوجها: "وجبت رنا البيت وحاولت أعمل أي حاجة تلفت نظره ليها، وخصوصاً إن رنا عجبتها من أول ما شافته. بس للأسف... ههه... كالعادة برضه أعجب بالست ملك." نظرت لسيف: "مش هلومك. اللي خلى ابني وحيدي لو خيروه بيني وبينها أنا متأكدة إنه هيختارها." بشرود تابعت: "زي ما تكون عاملة للولد تعويذة سحر يقرب منها ويبعد عني وعن خالته." نظرت لملك تلومها بعينيها: "تعرفي إن رنا يوم خطوبتك من قهرتها أغمى عليها أكتر من مرة؟ بحزن:

"أختي دموعها منشفتش من حسرتها وقلة حيلتها وهي شايفة أمل إنها تعيش زي اللي في سنها بيروح منها." نظرت لسيف بغل: "فيها إيه زيادة عن أختي؟ أغمض سيف عينيه يستغفر ربه، وبداخله يقر بأن من تحتاج إلى علاج نفسي هي فاطمة زوجة صديقه. نظر لها وبثبات يلقي كلمته، يصف بها حالها بمؤاربة مفهومة: "قلب أبيض." كرم بعدم تصديق: "مش مصدق إن اللي بتتكلم دي فاطمة؟ قد كده شايلة جواكي منها؟ قد كده بتكرهيها؟ قاطعته بصراخ:

"لأ، متكملش. أنا مش بكره ملك، بس غصب عني. قولتها وهقولها تاني، أنا إنسانة مش ملاك يا كرم." أشار على شقيقته بيده دون أن يلتفت: "أومال لو بتكرهيها، كنتي عملتي فيها إيه؟ فاطمة بوجع وقهرة وصوت عالٍ نسبياً: "إنت بتلومني على إيه؟ واحدة بتتصل بيا وتقولي: أنا خايفة. كل اللي جه في بالي فأر، صرصار، كابوس حتى. وده كله طبيعي. أعرف منين أنا إن ده كله هيحصل؟

هو أنا مكتوب عليا أفضل طول الوقت أشوفها وهي بتتدلع على الكل وكله أوامرها نعم وحاضر؟! بهيستريا تابعت: "هاتي كرم، نزلي لي كرم، تعالي خوديني... هـي مش ناويـة تكبر يعني! كرم باستهجان: "وحتى لو بتتدلع، إنتي شايفة إن ده مبرر تتجاهلي استنجادها بينا وتوصليها.... توقف عن الحديث، ناظراً لها شرزاً، عندما تابعت هي بتجاهل لغضبه المرتسم على وجهه بما فاضت به روحها عندما قالت: "أوعى تاخدني متنفس ليك تطلع عليه خوفك عليها."

صمتت لبرهة، تابعت بعدها بتأكيد أصاب قلبه بالصميم: "وتقصيرك معاها يا كرم." بسخرية طفيفة: "ده أنا بنفسي قولتلك إن أختك ليها كام يوم متغيرة وفيه حاجة مش طبيعية معاها، وإنت ما اهتمتش." التقطت أنفاسها، متابعة: "ومنكرش إن ده فرحني شوية."

لم يقو على الرد. في داخله يعلم أنه أهمل شقيقته بالآونة الأخيرة، بل أهمل الجميع حتى نفسه. وعزائه أنه يفعل هذا لأجلهم، يسارع الوقت لأجل البدء بمشروعه وتأسيسه على أرض صلبة، فهو محصلة سبع سنين غربة بعيداً عن أسرته. هنا أيقن سيف ظلمه لرفيقه، وقد فعل الصواب بتصرفاته التي كان ينتقدها سابقاً. لم ينحاز لجانب على الآخر، وإلا ساءت الأمور أكثر. فزوجته تعاني من ندبات تسبب بها لها أقرب الناس لها، وإن شفيت لن تسلم من أثرها. كرم:

"مشكلتك إنك مش شايفة غير نفسك وبس. بصيتي لاهتمام أهلي بملك، ونسيتي وقت خطوبتنا لما حكيت لكِ عنها، وإنها من وقت ولادتها أخدت فترة طويلة تعبانة، وده خلى غلاوتها تزيد في قلوبنا. بصيتي لمحبتهم ليها، وعميتي عنيكِ عن محبتهم واحترامهم ليكي." "بصيتي لرزق ملك من الحب، وتجاهلتي حبي وإخلاصي ليكي." "إنتي كنتي عايزة تعيشي دور الضحية للنهاية. كل حاجة بتاخدي فيها الوحش بس وترمي الحلو."

"تسمحي تقولي لي، أنا ومسافر مين اللي كان رايح جاي يشوف طلباتك إنتي وأختك... بابا. ولما جبنا الشقة وأنا مسافر، إيه آمن مكان أقدر أكون فيه مطمئن عليكي وعلى أهلي غير لو كنتوا جنب بعض؟ اللي يحصل معاه حاجة التاني يلحقه. بس إنت مفكرتيش في ده كله. فكرتي بس الدنيا ادت غيرك إيه، وما فكرتيش إنتِ أخدتي منها إيه؟ واللي زيك عمره ما هيرضى عن عيشته، حتى لو ملك كل كنوز الدنيا بين إيديه."

بينما ملك بوادٍ آخر، لا تستمع لهم منذ بدأ الحديث عن ذاك اليوم المشؤوم، يوم فقدت والديها. فلاشات من الماضي تبصر بها انقلاب سيارتهم، والدتها وهي تفارق الحياة ببطء أمام عينيها، والدها الساكن بموضعه بدون حراك، وبالأخير تلك الدوامة السوداء التي سحبتها لتكون تلك آخر هيئة تتذكرهم عليها. هيئة أرقتها بمضجعها، جالبة لها الكوابيس والعديد من نوبات الفزع، لولا وجود كرم أخاها. "ما قولتيليش يعني إن مرات أخوكي قلبها أسود كده؟!

جملة أخرجتها من دوامة كوابيسها القديمة على كابوس أكثر رعباً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...