فزع الجميع على صوت صرخة مدوية، فكانت ريم. أخيراً استوعبت ما يحدث وصرخت صرخة عالية، فزع الجميع لها. انتفضت نجلاء: "استنوا، أنا هدخل لهم." ودخلت على الفور لتجد ريم وليان متمسكتين ببعض، بعيون حمراء وشعر أشعث مبعثر، كما هي مشاعرهما مبعثرة. وتحاول راسيل معهما، إلا أنها هي الأخرى منهارة من البكاء على ما يحدث وعلى صديقتيها وحالتهما المزرية، فهي لم يكن لها إلا هما. نجلاء وهي تحاول الصبر: "أنتم كدا بتؤذوه، ترضوا تعذبوه؟
هو بين إيدين ربنا وسعيد لأنه في الجنة شهيد. وأنتِ يا ريم، يرضيكي تضري ابنك؟ تخيلي لو حازم هنا كان هيكون سعيد بيكِ إزاي." فما كان منهم إلا أن وجدوا طرقاً على الباب. فتحت راسيل لتجد فارس بالخارج. فارس: "يضع عينيه في الأرض، عاوز أطمئن على البنات." نجلاء: "تعالى يا فارس." ليدخل ويجدهم في حالة صدمة وذهول.
فارس: "طبعاً أنا حاسس بيكم، ومش هقول ما تبكوش عليه، لأني أنا شخصياً ببكي عليه. بس الأفضل كل واحدة فيكم تمسك مصحف وتتلمس الهدوء من كلام ربنا. ريم، أنتِ مسؤوليتك كبيرة لأن فيه بيبي أنتِ هتتحاسبي عليه، مينفعش تهملي في نفسك عشانه. وحسين بره قلقان عليكي وصعب يدخل، قاعد أيديه مكتوفة. أنا عاوزك تبكي، ما تكتميش حزنك، بس لازم تعرفي أن لكل أجل كتاب. ليان، أنتِ قوية طول عمرك قوية، لازم ترضي بقضاء ربنا. ومش بقولك تنسي، هو مش هيتنسي، بس اقرئي له قرآن. على قد ما بتحبيه، ادعيله. طنط نجلاء، أنتي أمنا ومن غيرك معرفش كنا هنعمل إيه. أنا مش عاوز نلجأ لمهدئات يا بنات، لأن إيمانكم أقوى، وأنتم تقدروا توجهوا حزنكم إنكم تسعدوه."
ليان: "فارس، قول إنّي بحلم وإنه هيجي." فارس: "ليان، هو حي لأنه شهيد. وأعتقد لازم تتمسكي. لو بتحبيه، أكيد حالتك دي هتعذبه." ريم: "أشوفه يا فارس."
فارس: "هشوف لما يرجع لو هينفع، وأنتم بقيتوا أحسن، هخليكم تودعوه. أما بحالتكم دي، إحنا بنعذبه. يلا، أنا طلبت أكل ليكم وعلى وصول، غيروا علشان تاكلوا. نظر لهم بقوة، ومش عاوز اعتراض، ورانا حاجات كتير ولازم نقف على رجلينا. يلا، أنتم اللي هتاخدوا عزاء السيدات، ومتسمحوش بأي تجاوز. القرآن وبس. يلا يا راسيل، يلا يا طنط، ساعدوهم يغيروا ويطلعوا، منتظركم بره."
خرج فارس وهو يحاول استكمال لبس قناع القوة، ولكنه بدأ ينهار وتفر دموعه. حسين: "ها، إيه الأخبار؟ فارس: "كويس إنها بدأت تنفس عن اللي جواها، سكوتها كان خطر. هيخرجوا حالا." ونظر إلى حسين: "أنا عارف إنك جنبها، وواثق إنها هتكون كويسة طول ما أنت معاها." ربت فارس عليه واحتضنه: "وأنت محتاج تخرج اللي جواك علشان تهدأ." وصل الأكل وحاولوا يأكلوا، لكنهم إلى حد كبير لم يستطيعوا. وضغط حسين على ريم. اليوم التالي.
فارس: "سيف، هات عمو بس، وأنا هروح أنا وحسين. مش عاوز طنط والبنات تحس بحاجة." سيف: "تمام. هنكون في المطار علطول." فارس: "أنا هطلع من المطار على البلد على طول." سيف: "كل حاجة جاهزة." *** تمت كل المراسم، وقبل عودتهم للمنزل، سلم ممدوح لفارس تسجيل سجله حازم قبل وفاته لهم، موصياً أن يسمعوه إذا فارق الحياة. ريم: "أنا مودعتوش، أنت وعدتني، ليه كدا؟ ليان: "كان نفسي أشوفه." سيف: "إكرام الميت دفنه، مينفعش اللي أنتم فيه دا."
حسين: "ياريت نتماسك يا جماعة، وتعالوا صَلُّوا عليه صلاة غائب." وقف الجميع للصلاة مرة أخرى عليه. سمير: "أنا داخل أرتاح، وصحوني بعد العصر علشان نروح العزاء." فارس: "لحظة يا عمي، دا تسجيل حازم، وصية نسمعه كلنا." حسين: "طيب، هستأذن أنا وأسيبكم." فارس: "كلنا يا حسين، وأنت معانا." وشغّل التسجيل. صوته مريض،
مثقل بالألم: "أنا حازم يا جماعة، بتسمعوا دا، أنا كدا هكون مع بابا وماما. أنا عاوز أأمنكم أني أخدت حقهم، ووقعت كل اللي عملوا كدا فيهم. فارس، أنت كنت السند، عاوزك تاخد بالك من طنط نجلاء، هي أمنا اللي ربتنا، وريم، ووصيتك ليان. أوعي يا ليان تحزني، أنا اخترت الجنة. وأنتِ بتحبيني، هتتمني لي الجنة. أوعي توقفي حياتك، دي وصيتي. عاوزك تفوزي ببطولة وتنجحي، هكون سعيد. ريم، حسين هو السند ليكي، خلي بالك منه، أوعي تزعليه. حسين، خلي
بالك من ريم، وصيتي أنك تقف جنبها وتسعدها. سيف، أنت كنت أخويا التوأم. أخيراً، عمو سمير، كل فضلك عليا، مقدرتش أردها لك، بس أنا باعت لحضرتك هدية، كنت حجزت لك أنت وطنط، حج. أقبلها. أنا ارتحت إني قتلت ولاد الجبالي بنفسي، وأخدت تاري. واللي هرب وقعته، ووقعت الكبار. ادعولي، وسعادتي إنكم تكونوا سعداء. اقرأوا لي قرآن وادعولي. ليان، أوعي تعيطي، أنتِ وريم، هزعل أوي. أوعوا تلبسوا أسود وتعيطوا، أنا بوصيكم، لو لازم، هما 3 أيام.
سلام، أنا أديت رسالتي وأنا مرتاح."
وفي الخلفية طبعاً يتألم، وصوت الممرضة تحاول منعه. الكل بكى شديداً. فارس: "دي أوراق الحج يا عمي، أنت وطنط. وده لليان، كارت الفيزا، حساب حازم كان عمله مشترك ليكي أنتِ وهو. وعمل تنازل عنه ليكي." ليان: "أنا مش عاوزة حاجة." فارس: "دي وصية يا ليان. ويلا علشان العزاء نجهز، وأتمنى تنفذوا وصيته." أومأ الجميع بالموافقة. ومرت الأيام والكل حزين عليه. *** في يوم وهم مجتمعين في البيت. فارس: "ريم وليان، اجهزوا، فيه تكريم لحازم."
واختنق صوته بالدموع: "الله يرحمه. وأنتم اللي هتروحوا." ريم: "خد ليان وروح يا فارس، أنا للأسف دكتورة منعتني من الحركة لمدة شهر." فارس: "إيه؟ ليه؟ إيه اللي حصل؟ ريم: "ما أنت يا حبيبي قاعد في أوضة المرحوم قافل على نفسك ومش حاسس بالدنيا. من كام يوم وقعت على السلم. لولا حسين كان بيركن وطالع ورايا، وروحنا المستشفى، والدكتورة منعت الحركة عني إلا في حدود." فارس راح حضنها وفضل يبوس في راسها: "معلش، أنا آسف يا ريم."
وحس ساعتها إنه مقصر معاها. وهنا ليان بدأت تخرج عن صمتها وتتكلم، فهي مقلة جداً في الكلام، وشبه شاردة أغلب الوقت من يوم وفاة حازم، لا تعي ما يحدث حولها. ليان: بصوت ضعيف: "أنا مش هروح يا فارس، أنت روح، أنا مش قادرة أخرج." هنا بدأ فارس يتفحصها ويتفحص وجهها الشاحب وشعرها شبه المبعثر أو مرتب بشكل عشوائي، وعينيها الباهتة، وعلامات الدموع على خديها، وانتفاخ أنفها الأحمر. فكانت شبح وليست ريم.
فارس: "مينفعش يا ليان، أنتِ مراته وأحق حد تستلمي وسام. وكمان الحالة اللي أنتِ فيها دي مش كويسة." وجلس بجوارها وتحدث معها برفق: "هي دي وصية حازم ليكي يا ليان؟ تفتكري هو مش حاسس بينا؟ وحاسس بيكي. وتنهد: "أنا عارف إن صعب تنسيه، بس أنتِ كدا بتدمري نفسك. نسيتي طلبه منك ترجعي تمارينك؟ هنا نظرت له ليان وهي تائهة: "أرجع ليه يا فارس؟ علشان بطولة ولا علشان إيه؟ أنا خلاص مش عاوزة حاجة."
ريم: "يا ليان، أنتِ مش بتاكلي. أنا أخته، وأنتِ عارفة حازم كان إيه بالنسبة لي، بس يكفينا شرف إنه شهيد." هنا صرخت ليان: "ليه عمل كدا فينا؟ ليه راح ينتقم منهم؟ ليه التار؟ تار باباه ومامته ضيع حياتنا علشان التار. كان يسيبهم ويفضل جنبنا." هنا انهارت ريم بالبكاء: "خلاص يا ليان، هو راح عند ربنا. هو عمل اللي شايفه من واجبه." وانخفض صوتها واختنقت بالبكاء: "هو عمره كدا."
نظر لهم فارس: "أنا مش هتناقش كتير في كلامكم، بس أنتم لسه صغيرين ومش مستوعبين، ولسه تحت تأثير الفراق. بس اللي مش هسمح بيه إن حد منكم يتأذى، مش هسمح. ريم، لو سمحتي، الانفعال خطر علشان البيبي. ولا إيه؟ مسحت ريم دموعها بطفولة: "أيوه، أنا اتفقت مع حسين إن نسميه حازم. أنا لازم آخد بالي منه، اسم حازم لازم يفضل." فارس نظر لليان التي تجلس تائهة: "ليان، قومي غيري والبسِ، هنتمشى شوية."
نجلاء: "آه يا فارس، الله يخليك، أنا قلبي وجعني. دي لا بتاكل ولا بتشرب ولا بتنام." فارس: "متخافيش يا طنط، ليان أختي، أنتِ عارفة. وغير إن حازم موصيني عليها." ليان بهدوء ولا وعي: "مش هقوم ولا أروح في أي حتة، أنا داخلة أوضتي، عن إذنكم." وسابتهم وهي خارجة. ريم: "ليان! أنا هقوم أنزل معاكي، يلا بينا." فزع الجميع من كلام ريم. ليان بصت ليها باستغراب وبدأت تفيق من حالة اللا وعي: "إيه؟ أنتِ مجنونة؟ أنتِ خطر عليكي."
ريم: "أنتِ عارفاني مبهزرش، لو مش هتنزلي مع فارس، هقوم أنا معاكي." وبدأت ريم تقوم من مكانها. نظرت لها ليان بفزع: "لأ، خليكي، مش هنفقد حازم الصغير كمان، خليكي. أنا هروح، متتحركيش." وذهبت إلى ريم واحتضنتها: "أوعي تأذي نفسك، علشان خاطري. مش حمل أذى تاني، حرام. أنا تعبت." هنا بدأت ريم تربت على ضهرها: "كلنا تعبنا، بس لازم نكمل. يلا، اجهزي يا ليان، وانزلي ورتبي التكريم أنتِ." دخلت ليان لتجهز. وهنا الباب خبط.
نجلاء: "أهلاً حسين، اتفضل، تعالي." حسين: "معلش يا طنط، أنا هاخد ريم علشان ترتاح شوية، وحضرتك ترتاحي." نجلاء: "أرتاح من إيه يا حبيبي؟ تعالي اقعد." دخل حسين وسلم على فارس، وانحنى يقبل زوجته ويتحدث بحنان: "أخبار طفلتي إيه؟ ريم: "كويسة يا حسين، الحمد لله." حسين: "طيب، يلا تعالي معايا نروح نرتاح في أوضتنا." وسندها وأخذها. فمنذ أن علم بخبر حملها، وهو يقيم معها في منزل والده حتى ترعاها نجلاء في عدم وجوده.
ريم: "هدخل لليان شوية، وبعدين نروح." نجلاء: "هروح أعمل لكم قهوة." ونظر حسين إلى فارس الصامت الشارد، الذي يشعر بأنه ضعيف منذ وفاة أخيه الأصغر. حسين: "أنت خارج ولا إيه؟ فارس: "آه، ليان حالتها مش كويسة، هاخدها تتمشى شوية ومش هنطول." حسين: "ريم بتقولي إنها مش بتتكلم وحالتها النفسية مش كويسة. بس بصراحة، أنت كمان حالتك صعبة يا دكتور. هتساعدها إزاي وأنت محتاج مساعدة؟ فارس: "أنا كويس يا حسين، متقلقش، وأنا هتصرف."
حسين: "فارس، إجازتك من الشغل خلصت، وكمان لازم ترجع العيادة. وعلشان المرضى، لازم تخرج من اللي أنت فيه." ونظر له: "وعلشان تساعد ليان، لازم أنت أولاً تتعافى. أما ريم، فمسؤوليتي يا فارس، والحمد لله أنت شايف إنها راضية بقضاء الله." فارس: "أنا هاخد ليان أتمشى، يمكن تفك، وخصوصاً إن سيف مسافر الفترة دي، وريم تعبانة. لازم أكون جنبها يا حسين، دي وصية أخويا." ليان بجمود: "أنا جاهزة." نظر لها فارس: "يلا بينا."
ونظر للجميع: "عن إذنكم." سارت ليان بجوار فارس وهم في صمت. فارس: "إيه رأيك ناخد العربية ونروح على النيل؟ في مكان كويس أوي هناك." ليان: "أي حاجة تمام." *** في السجن. الزفت ناجي في زنزانة. العسكري: "بس يا باشا، ممنوع." حسام: "إيه اللي ممنوع؟ وريهالي. أنت متعرفش أنا مين ولا إيه؟ العسكري بخوف: "تمام يا حسام باشا." حسام: "افتح الزفتة دي." ناجي ببرود: "حسام." حسام دخل عليه وضربه في وجهه: "أيوه، حسام اللي هيوريك."
ناجي: "أنت كدا هتتحاسب يا باشا." حسام: "هو أنت متعرفش إني أضرب وأكسر وميعلمش، ولا إيه؟ أنت نسيت أنا مين؟ وبدأ يضربه: "أنا هموتك زي ما موتوا حازم." وفضل يضربه. ناجي منهك من الضرب: "أنا مليش دعوة، أنا محبوس من زمان." حسام: "أنت يا وطي، فاكرني هسكت لك، أنت واللي معاك؟ كل الأوراق اللي بعتها ليهم والمعلومات، أنا بقي هوريك." ناجي: "أنا معرفش عن موته حاجة، أنا اللي كان بيتفق معايا منصور الجبالي، وده حازم موته."
حسام: "يعني الأخبار وصلالك؟ وديني لهربيكو. خرج الزفت دا، ممنوع حد يشوفه ولا يكلمه ولا حتى يحقق معاه. ولا ضابط ولا عسكري. وأنا هعرف مين تاني اللي معاه." وخرج بكل غضب. *** وصل فارس وليان المكان على النيل، وجلست شاردة. فارس: "ليان، تشربي إيه؟ ليان: "ولا حاجة." فارس: "ليان، عاوزك تتكلمي، تطلعي كل اللي جواكي بدون ترتيب ولا تفكير." ليان: بصت له بشرود: "تصدق، مش قادرة. معنديش طاقة."
فارس: "اتكلمي، صدقيني أفضل ليكي. أنا هسمعك." طلب لها ليمون، وتحت إصرار فارس، بدأت ليان تحكي وتتحدث وتبكي، وبدون أي ترتيب. إلا أنها شعرت أن قلبها لم يعد يحتمل. نظرت إلى فارس: "أنا تعبت يا فارس، روحني." فارس: "تمام، تعالي نروح." استمر الحال مع فارس يأخذ ليان لمكان على النيل هادئ، تحكي وتتحدث، وهو صامت تمام. إلا أن أتى يوم. *** ليان: "فارس، أنا قررت قرار، وأنت أول حد هقوله له."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!