فارس أبلغ حسين وسيف وشدد أن يكون الأمر سراً وأن يحضروا كل الإجراءات بدون علم الجميع إلا أن يعودوا. فجأة خرج الطبيب ينادي على فارس. "دكتور فارس، أنا بعزيك طبعاً. ومهما قلت أنا مقدر إحساسك. أنا بعتذر منك، بس فيه أوراق كتبها المرحوم في آخر أيامه لما كان بيفوق. من متعلقاته الشخصية، إحنا سلمنا منه ملابسه للضابط المتولي حراسته." فارس: "أشكرك جداً وعارف إن مكنش فيه تقصير، بس ليا طلب أخير." الطبيب: "اتفضل، أنت زميل وأي طلب."
فارس: "أدخل معاه للمرة الأخيرة." الطبيب: "تمام، اتفضل معايا. في التلاجة." فارس دخل، والطبيب أدى أمر بفتح التلاجة التي بها حازم. فارس نظر للطبيب، وبعيون تملؤها الألم والحزن: "ممكن تسيبوني معاه لوحدي؟ الطبيب أدى أمر للجميع بالخروج، وتركوه. سحب فارس كرسي مقرباً إياه منه، وجلس فارس على الكرسي مقترباً منه، فهو لا يقوى على الوقوف. وأخذ يتلمس ملامح وجهه وهو مغمض العينين مبتسماً، وقبّل جبينه.
وهمس له: "كان نفسي أديلك عمري وتعيش أنت. أنا مش عارف أقول إيه لليان. مش عارف ريم هتعمل إيه. أنا مش عارف أنا نفسي من غيرك في حياتي هعمل إيه. بس اللي عارفه إنك بطل وعملت اللي محدش يعمله. ضحيت بنفسك وحياتك. اللي عارفه إنك في مكان أحسن. ابتسامتك دي بالرغم كل اللي شوفته والألم اللي كنت فيه كفاية. اللي عاوز أقولهولك إنك هتوحشني يا حازم، هتوحشني أوي أكتر ما تتخيل. أنا الدكتور اللي بيخفف الألم، غيري محدش هيقدر يخفف الألم اللي فراقك سببه. أنا حاسس إن قلبي بينبض من غير إحساس. أنت وريم الإحساس ليا. حازم، أنت دايماً كنت بتقولي إني أنا الأمل ليكم، بس اللي متعرفوش إنك كنت السند، أنا ضهري انقسم بعدك."
وبدأ يقبله ويبكي ويصرخ صرخات وأنات تعلو لدرجة أنهم في الخارج حاولوا الدخول، لكن الطبيب استأذنهم أن يتركوه. بعد مدة طويلة حل الصمت مما أقلق الجميع. وخرج فارس وهو مبعثر المشاعر، يتلمس الحائط ويستند عليه ليجد أن العميد ممدوح يقف بالخارج ويحتضنه. فارس: "ارتمى بين يديه." العميد ممدوح: "اجمد يا فارس، حملك تقيل أنا عارف. أنا مقدرتش أسيبك. حازم ده ابني. اجمد، ده شهيد يا فارس. صدقني كان 10 رجالة في بعض. أنت قدها ومؤمن بالله."
فارس: "ملحقش يفرح، ملحقش يعيش." ممدوح: "هو فرحان في الجنة، وأنت لازم تجمد عشان أنت السند لأختك وخطيبته." فارس: "تذكر ريم وليان، خبط بقوة على قلبه. مش قادر أقولهم، مش قادر أقهرهم، مش قادر أتخيل إنه فعلاً سابنا كلنا." ممدوح: "ربت على كتفه. يا دكتور، هو حي يرزق عند الله. "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ."
فارس: "رفع عيونه. أنا عاوزة يتدفن مع بابا." ممدوح: "جنازة عسكرية له وهنرتب كل حاجة، وهياخد وسام الشجاعة. اللي عمله دا عمل بطولي. أنا حجزتلك أول طيارة تروح ترتب حالك هناك، وأنا هخلص هنا وأجيبه وأجي." فارس: "أنا... ممدوح: "مقاطعاً. اللي هناك محتاجينك أكتر. روح يا دوب جهز حالك، وفيه تسجيلات هتستلمها مننا بس هناك." فارس: "وافق على مضض." ********************. وصل فارس ودخل هو وسيف، ويكسوه الحزن على نجلاء.
نجلاء: "فارس، أنت تعبان؟ ليان خرجت على صوتهم، وحضر حسين وريم. ليان: "فارس، لاء. أنت في حاجة. قلبي بيقولي في حاجة وكبيرة." ريم: "فارس، أنت ساكت ليه ومالك؟ شكلك كدا ليه؟ نظر حسين لريم وقال لهم. حسين: "تنهد. يا جماعة، إحنا مبدئياً كدا مؤمنين بالله." هنا انتبه الجميع، وبدأت عيون فارس تدمع. نظرت له ليان وهي تصرخ: "لأ، فارس! أوعى تقولي حازم تعبان؟ اتصاب؟ هيخف؟ بدأ فارس يبكي. حسين: "ولكل أجل كتاب. وهو شهيد."
وهنا سقطت ريم مغشياً عليها، دون أن تدمع عيونها. ونجلاء تبكي. أما ليان فانهارت بهستيريا. احتضنها سيف بقوة، وأخذ يربت بحنان ورفق على ظهرها وشعرها. أما ريم، فحملها حسين ووضعها على السرير محاولاً إفاقتها. أما فارس، فقد ذهب سريعاً لمحاولة استجماع قواه، وأحضر أدواته. ريم كلما تفيق تعود لتفقد الوعي. ليان، فارس أحضر لها حقنة مهدئة. حسين: "أنا هاخد ريم المستشفى." نجلاء: "ما بين ريم وليان، لا تدري ماذا تفعل."
سيف: "ماما، ليان نامت وهفضل جنبها أنا وبابا. روحي مع ريم." وصلوا للمستشفى. حسين يقود بسرعة، ونجلاء تحتضن ريم، وفارس يجلس الحاضر الغائب عنهم. وبعد وقت من الكشف والتحاليل، خرجت الطبيبة. "دكتور فارس، مدام ريم في حالة صدمة. أنا حاولت أديها مهدئ بسيط في المحلول، لأن حالتها لا تسمح بزيادة أدوية. محتاجة هدوء، واضح إنها تعرضت لصدمة أقوى منها." فارس: "آه، أخونا توفاه الله."
الدكتورة: "باستئذار. البقاء لله. ونظرت لنجلاء. حضرتك والدتها؟ نجلاء: "أيوه يا بنتي، أنا والدتها. ممكن أدخلها؟ الدكتورة: "المدام حامل. وأي انفعال مش كويس على البيبي." حسين: "برق عينيه. إيه؟ حضرتك بتقولي حامل؟ أنا زوجها." الدكتورة: "أيوه، حامل في الشهر الأول، وعشان كدا محتاجة راحة تامة، ويا ريت تاخدوا بالكم منها." نجلاء: "متقلقيش، أنا هاخد بالي منها. هي هتخرج امتى؟
الدكتورة: "يخلص المحلول وتفوق وتيجي معاكم. طبعاً مش هوصيكم إن أي انفعالات غلط، وربنا يقويكم. مش عارف هتعملوها إزاي دي. أنا هكتب لها على مقويات ومثبت للحمل، ومحتاجة عناية." ونظرت لهم بألم: "مش عارف أبارك ولا أعزي بصراحة. الله يكون في عونكم." نظرت نجلاء لحسين: "ريم هتقعد معايا عشان آخد بالي منها هي وليان."
حسين: "طنط، أنا بقترح إن ريم وليان وحضرتك تقعدوا عندي في الفيلا، بعيد عن جو العزاء. مش هيتحملوا وحالتهم الصحية مش هتتحمل." نجلاء: "لأ يا حسين، مينفعش نسيب البيت في الظروف دي. أنا هتصرف، متخافش يا ابني." حسين: "أنا بثق طبعاً في حضرتك، بس... وصمت. نظر له فارس: "وأنت تعال يا حسين اقعد الفترة دي معانا. ريم محتاجالك." حسين: "طيب، على ما تفوق هروح أجهز لها شنطة وليا يا فارس. أنا برضه مش هقدر أسيبك." ********************.
ليان، بالرغم من حقنة المهدئ، إلا أن عيونها تذرف دموع ولا تتوقف. وسمير يجلس بجانبها، هو وسيف، والحزن يخيم عليهم، فـ حازم هو ابنه ورفيق سيف. سيف: "بابا، أنا رتبت الدفنة والعزا وكل حاجة." سمير: "مش لما يجي، ترتب الدفنة." سيف: "أنا جهزت تربة عمي الله يرحمه، وضبطت الدنيا." سمير: "أنت عرفت امتى؟ سيف: "فارس قالي. وكان خايف على صحة حضرتك." سمير: "أنا قلقان على ليان أوي."
سيف: "متقلقش، راسيل في الطريق هتقعد معاها، وأنا مش هسيبها." الباب خبط. فتح سيف. راسيل: "فين ريم وليان؟ سيف: "ليان نايمة جوا، ادخلي. وريم في المستشفى." سمير: "تعالي يا راسيل يا بنتي. ادخلي اقعدي جنبها." راسيل دخلت وجلست بجوار ليان، تضبط شعرها المنسدل بجوارها برفق. بعد ساعتين وصل حسين ونجلاء وريم وفارس. نجلاء: "ادخلي يا ريم على أوضتك." فارس: "ريم، زي ما اتفقنا، أنتِ قوية، وأخوكي في الجنة إن شاء الله."
ريم: "وهي تنظر كأنها لا تعي ما يحدث." يسندها حسين. "ليان فين؟ خرجت راسيل تحتضنها. "تعالي يا ريم نقعد جوا." تركها حسين وخرج إلى الخارج. قبل أن تفتح راسيل الباب. فارس: "حسين، أنت وريم هتقعدوا في أوضتي، وأنا هقعد في أوضة حازم." سيف: "وأنا هرجع أوضتي أبقى جنب ليان." سيف: "أنا رتبت كل حاجة." سمير: "بعيون بها دموع. هو امتى يا ابني؟ فارس: "بكرة يا عمي إن شاء الله." نجلاء: "أنا مش مصدقة اللي بيحصل ده، كابوس."
سيف: "ماما، إحنا مؤمنين بالله، استغفري الله كدا وطمنيني على ريم." حسين: "ريم حامل ومحتاجة رعاية." فجأة فزعوا على صوت صرخة مدوية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!